الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس الإدارة العسكرية
أولا: التمويل
كان على المقاتل ابتداء أن يعد نفسه للجهاد فيشتري جمله أو حصانه ويشتري سلاحه ويحمل معه إذا خرج للقتال زاده ومتاعه «1» ، يذكر أنس بن مالك (ت 91 هـ) في حديثه عن معركة بدر (2 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من كان ظهره حاضرا بالخروج معه «2» وذكر عمرو بن العاص (ت 43 هـ) قال: «إنه بعث إليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:
«خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني» فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك» «3» وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أهله أن يجهزوه عندما يخرج للجهاد «4» .
لقد كان قلة إمكانات المسلمين تجعل بعض السرايا تخرج على الأقدام كما يتضح مما ذكره ابن سعد (ت 230 هـ) عن سعد بن أبي وقاص (ت 55 هـ) قوله عن سرية الخرار (2 هـ) : «فخرجنا على أقدامنا» «5» وهذا ما حصل في غزوة ذي العشيرة (2 هـ) إذ كان البعير يتعاقبه الرجلان والثلاثة «6» .
وكان المقاتل يستعير- أحيانا- سلاحه من أحد الموسرين على أن يكون له النصف من الغنيمة «7» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر لمن لا يجد بجهاز من لا يخرج إلى الجهاد بسبب مرض أو غيره، فقد ذكر أنس بن مالك (ت 91 هـ) : أن فتى من الأنصار قال:
(1) عبد الرؤوف عون، الفن الحربي في صدر الإسلام، القاهرة، دار المعارف (1961 م) ، (ص 125) ، العدوي نظم (ص 313) .
(2)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1510) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 277) .
(3)
ابن حجر، الإصابة (ج 3، ص 3) . وانظر أخبار هذه الغزوة في: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 625) .
(4)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 101)(ابن إسحاق) .
(5)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 11) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 7) الخرار: هو موضع بالحجاز، يقال: قرب الجحفة وقيل: واد من أودية المدينة. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج 2، ص 350) .
(6)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 9، 10) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 599) قال: عن عصار بن ياسر، قال:«كنت وعلي بن أبي طالب رفيقين في هذه الغزوة» .
(7)
ابن عبد الحكيم، الحكم بن عبد الرحمن عبد الله (ت 257 هـ) ، فتوح مصر وأخبارها، ليدن (1920 م)، (ص 63) . وانظر: عواد الجيش والقتال في صدر الإسلام (ط 1) الزرقاء، الأردن، مكتبة المنار (1987 م)(ص 100) .
الله، إني أريد الجهاد وليس لي مال أتجهز به، قال:«اذهب إلى فلان الأنصاري فإنه قد تجهز ومرض، فقل: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول لك: ادفع إليّ ما تجهزت به» ، فقال له ذلك فقال: يا فلانة ادفعي إليه ما جهزتني به ولا تحبسي عنه شيئا فإنك والله إن حبست عنه شيئا لا يبارك الله لك فيه «1» . قال عفان: إن فتى من أسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض الموسرين على تجهيز غيرهم من الفقراء فقال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلّف غازيا في أهله بخير فقد غزا» «2» فاستجاب المسلمون لذلك، ففي تبوك (9 هـ) تصدق عثمان بألف دينار، وقدم ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «3» فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما ضر عثمان ما فعل بعد ذلك» «4» وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن يامين بن عمير بن كعب النضري (صحابي) زود اثنين من البكائين بناضح له في تبوك «5» . وكذلك حمل العباس (ت 32 هـ) منهم رجلين وحمل عثمان ثلاثة، وتبرع عبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) بأربعة الاف دينار وهي نصف ماله «6» ، وتبرع أبو بكر بماله البالغ أربعة الاف درهم وجاء عمر بنصف ماله «7» ، وتبرع طلحة في غزوات مختلفة حتى سماه الرسول صلى الله عليه وسلم طلحة الجود أو طلحة الخير «8» ، وذكر الأصبهاني (ت 430 هـ) في حديثه عن تبوك أن ابن عوف حمل على خمسمائة فرس «9» ، كما قدم سعد بن عبادة (ت 12 هـ) مالا وكذلك محمد بن مسلمة، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من التمر1»
، في حين أعان نوفل بن
(1) أحمد، المسند (ج 3، ص 207) . وانظر: صحيح مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1506) .
(2)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1506) . النّسائي، السنن (ج 6، ص 46) . ابن حجر، فتح الباري (ج 12، ص 132) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 518) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 67) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 102) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1037- 1040) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 518) . ابن سعد، الطبقات (ج 7، ص 78) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 5، ص 4) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 518) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 102)(ابن إسحاق) . الناضح هنا: البعير الذي يستقى عليه الماء. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 2، ص 91) .
(6)
الواقدي، المغازي (ج 3، ص 991) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 518) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 67) . وانظر: عواد الجيش والقتال (ص 101) .
(7)
الواقدي، المغازي (ج 3، ص 991) .
(8)
م. ن (ج 3، ص 991) .
(9)
الأصبهاني، حلية (ج 1، ص 99)(الزهري) .
(10)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 102) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1037- 1040) .
الحارث (ت 15 هـ) بثلاثة الاف رمح «1» .
وأوقف بعض المسلمين أموالهم في سبيل الله، فيذكر الشيباني (ت 189 هـ) أن المسلمين صاروا يوقفون الخيل وغيرها من الدواب في سبيل الله «2» . ويتضح مما ذكر الشيباني والماوردي أن دور المسلمين قد تحول- عند الحاجة- إلى تبني مسؤولية تحمل أعباء النفقة على الجيش وتجهيزه «3» ، فيذكر المقريزي (ت 845 هـ) أن النساء في غزوة تبوك تبرعن بحليهن حتى كنّ ينزعنها ويقدمنها تطوعا في سبيل الله، فقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة فيه مسك ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وقد ملئ بما بعثت به النساء ليعن في جهازهم «4» .
وشكلت الغنائم جزا رئيسيّا في تجهيز المقاتلة وإمدادهم بالسلاح وغيره، فقد ذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن المسلمين في بدر ما رجع أحدهم يريد أن يركب إلّا وجد ظهرا حتى حصل بعضهم على البعير والبعيرين وألبس من كان عاريا وأصابوا طعاما من أزوادهم وأصابوا فداء الأسرى الذي أغنى كل عائل «5» ، وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) قول عبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) :«حتى إذا كان يوم بدر مررت بأمية بن خلف واقف مع ابنه علي اخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها» «6» وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم سلاحا كثيرا من بني قينقاع (3 هـ)«7» وفي بني النضير وجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا «8» وفي بني قريظة غنم المسلمون ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وجحفة «9» . وصالح أهل خيبر (7 هـ) على أن له الحلقة وسائر السلاح «10» وذكر ابن سعد (ت 230 هـ)
(1) ابن سعد، الطبقات (ج 4، ص 47) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 101) .
(2)
الشيباني، شرح السير الكبير (ج 4، ص 2079) .
(3)
الشيباني، شرح السير الكبير (ج 1، ص 139) . الماوردي، الأحكام (ص 214- 512) .
(4)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 447) . وانظر: الكاندهلوي محمد يوسف محمد، حياة الصحابة (ط 1) حيدر أباد، مطبعة دائرة المعارف العثمانية (1386 هـ) ، (ج 1، ص 405) . عواد، الجيش والقتال (ص 101) .
(5)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 26) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 20) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 24) .
(6)
الطبري، تاريخ (ج 2، ص 451)(ابن إسحاق) .
(7)
م. ن (ص 554)(ابن إسحاق) .
(8)
البلاذري، فتوح (ص 27) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 58) ابن القيم، زاد (ج 3، ص 129) . وابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 69، 70) .
(9)
الطبري، تاريخ (ج 2، ص 75) المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 245) .
(10)
البلاذري، فتوح (ص 34) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 110)(ابن عمر) . وابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 179) .
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر نوفل بن الحارث في بدر قال له: «افد نفسك برماحك التي بجدة» .. ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح «1» .
ولقد سمح للمقاتل باستخدام الأسلحة من الغنيمة قبل أن تقسم على أن يرد ذلك بعد انتهاء المعركة «2» ، يقول المقريزي (ت 845 هـ) :«وكان من احتاج إلى السلاح ليقاتل به يأخذه من صاحب المغنم ثم يرده إليه» «3» ، ويروي الواقدي (ت 207 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في حصن النطاة (في خيبر سنة 7 هـ) منجنيقا فاستعمله في القتال وكذلك وجدت الة للحرب في حصن صعب فاستعملت في المعركة «4» .
وحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفر السلاح عن طريق استعارة الأسلحة ففي غزوة هوازن (8 هـ) ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا فأرسل إليه يقول: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا» فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية وهي مضمونة حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح «5» ، كما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم في حنين أربعين ألف درهم من عبد الله بن أبي ربيعة وردها له بعد عودته من المعركة «6» واقترض كذلك خمسين ألفا أخرى من صفوان بن أمية ثم ردها إليه «7» .
وكان الشراء وسيلة أخرى لتوفير ما يحتاجه المسلمون من سلاح فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم قسما من خمس ما غنمه من قريظة مع سعد بن زيد الأنصاري إلى نجد فباعهم واشترى بثمنهم خيلا وسلاحا «8» ، وذكر بريدة بن الحصيب (ت 63 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى في تبوك (9 هـ) ستة أبعرة فأرسل إلى أبي موسى فقال: «خذها فانطلق
(1) ابن سعد، الطبقات (ج 4، ص 31) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1512، 1513) . الذهبي، السيرة (ج 1، ص 199) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 2، ص 38) .
(2)
أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ) غريب الحديث (ط 1) حيدر أباد، مجلس دائرة المعارف العثمانية (1385 هـ 1966 م) ، (ج 4، ص 457) .
(3)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 223) .
(4)
الواقدي، المغازي (ج 2، ص 647، 648) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 312- 318) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 103) .
(5)
المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 234) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 244) .
(6)
الأصفهاني، حلية (ج 8، ص 375) .
(7)
ابن عساكر علي بن الحسين بن هبة الله (ت 571 هـ) ، تهذيب تاريخ دمشق، تهذيب: عبد القادر بدران (ط 1) دمشق المكتبة العربية د. ت (ج 1، ص 428) .
(8)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 245) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 126) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 251) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 104) .
بها إلى أصحابك» «1» وذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أن ينفقوا من أموالهم لشراء السلاح والعتاد لتجهيز الفقراء، فأعظم الناس النفقة فقام النبي صلى الله عليه وسلم بتجهيزهم «2» .
وكان من وسائل النبي صلى الله عليه وسلم في الحصول على الأسلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط على البعض في عقود الصلح التي عقدها على تزويد المسلمين بالأسلحة، فقد ذكر الزهري (ت 124 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم صالح بني النضير على أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة إلا الحلقة «3» ، وصالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر (7 هـ)«4» وأكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل «5» وأهل مقنا «6» وأهل نجران «7» على ترك السلاح أو دفعه كجزء من الجزية.
لقد احتاج المقاتلة أيضا إلى الثياب فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالحصول عليه كذلك عن طريق معاهدات الصلح فكانت معاهدة نجران تنص على: «ألفي حلة: ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب» «8» . وكذلك أهل مقنا «صالحهم على ربع ما اغتزلت نساؤهم» «9» .
ووجد النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر خمسمائة قطيفة (نوع من الثياب)«10» . وجاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل (ت 19 هـ) في اليمن أنه طلب أخذ الجزية أو عدل ذلك من المعافر وهي نوع من الثياب «11» ، وكذلك ذكر أبو يوسف (ت 179 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن دينارا أو قيمته من المعافر «12» .
أما الوسيلة الاخرى لتجهيز المقاتلة باللباس فهو ما يحصلون عليه من عدوهم، فذكر
(1) ابن حجر، فتح الباري (ج 8، ص 110) .
(2)
الواقدي، المغازي (ج 3، ص 991- 994) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 40) .
(3)
أبو عبيد، الأموال (ص 14، 15) . البلاذري، فتوح (ص 27) . قدامة، الخراج (ص 257) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 554)(الواقدي) .
(4)
قدامة بن جعفر، الخراج (ص 258) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 319) .
(5)
م. ن (ص 270) .
(6)
البلاذري، فتوح (ص 80، 81)(الواقدي) . ابن حجر، فتح الباري (ج 3، ص 366) .
(7)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 166) . البلاذري، فتوح (ص 85) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 271) .
(8)
البلاذري، فتوح (ص 85) .
(9)
م. ن (ص 80، 81)(الواقدي) .
(10)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 318) .
(11)
البلاذري، فتوح (ص 67) (ابن إسحاق) . المعافر: حي من همذان وإليهم تنسب الثياب المعافرية. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 4، ص 590) .
(12)
أبو يوسف، الخراج (ص 78) . البلاذري، فتوح (ص 67) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 108) .
ابن سعد (ت 230 هـ) : «أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع أمتعة بني قريظة وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب» «1» ، وحصل المسلمون على المتاع كذلك في غزوة المريسيع (6 هـ) »
، وغزوة خيبر (7 هـ)«3» .
وكان تجهيز الجيش بالطعام يتم بطرق متعددة. فقد كان التمر أغلب زاد الجند يضاف إليه السويق واللحوم مقددة أو طازجة، فكان المحارب يصطحب معه زاده في رحله، ذكر الواقدي (ت 207 هـ) : أن واثلة بن الأسقع الليثي (ت 83 هـ) عندما أراد الخروج مع رسول الله إلى تبوك فقال لأخته: جهزي أخاك جهاز غاز فإن الرسول صلى الله عليه وسلم على جناح سفر، فأعطته مدّا من دقيق، فعجن الدقيق في الدلو، وأعطته تمرا فأخذه «4» وذكر أيضا أن الرجل في تبوك كان يحمل معه الدقيق والسويق والتمر «5» .
وكان تبرع الموسرين بالطعام وسيلة أخرى لتوفير الطعام، فكان سعد بن عبادة خلال حصار بني النضير يأتي المسلمين بالتمر من عنده، كما أمد المسلمين بلحوم الإبل في غزوة حمراء الأسد (3 هـ) فكانوا ينحرون اثنين في يوم وثلاثة في يوم اخر «6» ، وذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن قيس بن سعد بن عبادة (ت 60 هـ) ابتاع في غزوة الخبط (8 هـ) جزورا ونحرها للمقاتلة «7» ، وذكر البلاذري (ت 379 هـ) أن عثمان بن عفان كفى ثلث الجيش مؤونتهم في الغزوة ذاتها «8» وكانت الغنيمة تشكل مصدرا أساسيّا في الحصول على الطعام، وكان العلف بمنزلة الطعام، إذ إن المقاتل مسؤول عن إطعام نفسه وركوبته؛ ولذا فقد سمح للمقاتلين باستخدام الطعام والعلف من الغنيمة «9» فذكر أبو مالك الأشعري قال: بعثنا رسول الله في سرية، وأمر علينا سعد بن أبي وقاص
(1) ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 54) . البلاذري، فتوح (ص 32، 33)(ابن عباس) .
(2)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 198) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 331)(ابن إسحاق) . وابن حجر، فتح الباري (ج 13، ص 60) . الترمذي، الجامع (ج 3، ص 68) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 9) . (ابن إسحاق) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 109) .
(4)
الوقدي، المغازي (ج 3، ص 1028) .
(5)
م. ن (ج 1، ص 338) . (ج 3، ص 1038) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 109) .
(6)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 338) . الحلبي، السيرة الحلبية (ج 3، ص 184) . عون، الفن الحربي (ص 106) .
(7)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 132) .
(8)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 368) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 447) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 110) .
(9)
الشيباني، شرح السير (ج 3، ص 1017- 1019) . الشافعي، الأم (ج 4، ص 260) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 483) .
فسرنا حتى نزلنا منزلا. فقام رجل وأسرج دابته فقلت: أين تريد؟. قال: أريد العلف «1» .
وفي سرية عبد الله بن جحش (1 هـ) إلى نخلة قالوا له: إنّا قد أقوينا (أنهكنا الجوع) فأعطنا من الغنيمة «2» . وذكر الشيباني (ت 189 هـ) أن المسلمين في خيبر أصابوا طعاما فأكلوا منه قبل أن تقسم، حيث نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس والخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا في بطونهم «3» ، وفي هذا ذكر ابن عمر (ت 73 هـ) قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أدوا الخيط والمخيط، وكلوا، واعلفوا، ولا تحملوا» وذكر البخاري (ت 256 هـ) قول ابن عمر (ت 73 هـ) : كنا نصيب في معاركنا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه «4» .
ويلاحظ أيضا أن بعض اتفاقيات الصلح قد تضمنت شرطا بضيافة رسل المسلمين أو من مر بهم من رسل المسلمين كما في صلح نجران «5» ، وتبالة وجرش «6» ، وأيلة «7» .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزود المقاتلة بشيء من المؤن، فقد ذكر سعد بن أبي وقاص (ت 55 هـ) في حديثه عن غزوة الغابة (سنة 6 هـ) قال:«قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها» «8» ، وكذلك في غزوة الخبط (سنة 2 هـ) زودهم بجراب تمر وكان يقول:«وكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة من تمر ثم يقسمها تمرة تمرة فنمضغها ونشرب عليها الماء إلى الليل» «9» .
وهكذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حاول بشتى الطرق تجهيز المقاتلة بما يحتاجونه من سلاح وعتاد، وبلغ حرص النبي على ذلك أنه خطط لإعداد السلاح داخليّا لئلّا يتحكم به أحد في الساعات الحرجة، فيذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عروة بن مسعود (ت 10 هـ) وغيلان بن سلمة إلى جرش ليتعلما صناعة الدبابات والمنجنيقات والعرادات، وهي
(1) الكاندهلوي، حياة الصحابة (ج 1، ص 483) .
(2)
الزمخشري، محمود بن عمرو (ت 583) ، الفائق في غريب الحديث، (ط 1) ، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، (1364 هـ، 1945 م) ، (ج 2، ص 384) .
(3)
الشيباني، شرح السير (ج 3، ص 1019) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 112) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 10) .
(4)
الشيباني، شرح السير (ج 3، ص 1019)(ابن عمر) .
(5)
ابن حجر، فتح الباري (ج 13، ص 122) .
(6)
البلاذري، فتوح (ص 185)(الزهري) .
(7)
م. ن (ص 79)(الزهري) . قدامة، الخراج (ص 296) (الزهري) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 108) .
(8)
البلاذري، فتوح (ص 180) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 270) . وانظر: عواد الجيش والقتال (ص 108) .
(9)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 81) .
أضخم الالات الحربية «1» انذاك. ومما يشير إلى المستوى الذي بلغه الجيش في عدته أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في (7 هـ) لأداء العمرة، وساق معه الهدي، وحمل معه السلاح البيض والرماح وقاد مائة فرس «2» ، وفي فتح مكة (سنة 8 هـ) سار النبي صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد «3» ، وفي حصار الطائف استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الحسك كالة من الات الحصار لإعاقة تحرك العدو ومنعه من الدنو من معسكر المسلمين «4» .
(1) الواقدي، المغازي (ج 3، ص 927) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 483) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 366) . البيهقي، دلائل (ج 5، ص 161) . ابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 47، 48) .
(2)
الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج 5، ص 289) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 404)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 54) . ابن الأثير، الكامل (ج 3، ص 245، 246) .
(4)
الحسك: شوك مدحرج لا يكاد أحد يمشي عليه إلا من كان في رجليه خف أو نعل، وذلك لمنع العدو من الدنو. انظر: ابن سيده أبا الحسن علي بن إسماعيل (ت 458) ، المخصص، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، منشورات دار الافاق الجديدة، بيروت، د. ت (ج 6، م 2، ص 74) . ابن منظور، اللسان (ج 6، ص 636) . المقريزي، إمتاع (ص 419) .