الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة
ثانيا: الإدارة الدينية
كانت إدارة الصلاة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس سلّم الأولويات وتتضمن اختيار الأئمة والمؤذنين، والمحافظة على أوقات الصلاة وأدائها، والمساجد وادابها ونظافتها.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤم المسلمين في المدينة، وعندما مرض النبي صلى الله عليه وسلم وقال:«مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» «1» ومع أن عائشة حاولت أن تصرف الأمر عن أبيها؛ لأنه ضعيف الصوت رقيق القلب، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أصرّ على ذلك قائلا:«يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «2» ، ويدل هذا النص على أن إمامة المسلمين في الصلاة تتجاوز المعنى العبادي إلى المعنى السياسي في إمامة المسلمين بشكل عام، ويتضح ذلك من قول ابن خالدون (ت 808 هـ) :«استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة في قولهم: ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس» «3» .
ويفترض في من يتولى هذه المهمة (إمامة الصلاة) أن يكون من القارئين لكتاب الله المتفقهين في أحكامه، الورعين الوجلين في قيامهم بين يدي الله، ويتضح هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «4» ، ويشير البلاذري (ت 279 هـ) :
وأشار ابن حزم (ت 456 هـ) إلى ذلك بقوله: «ينبغي على الإمام أن يولي الصلاة رجلا قارئا للقران، حافظا له، عالما بأحكام الصلاة والطهارة، فاضلا في دينه خطيبا
(1) أحمد، المسند (ج 4، ص 412، 413) . البخاري، الصحيح (ج 1، ص 169، 172، 173، 174) . مسلم بشرح النووي (ج 4، ص 137، 140، 142، 144) . النّسائي، السنن (ج 2، ص 75) . الترمذي، الصحيح (ج 13، ص 135) .
(2)
المصادر والصفحات نفسها.
(3)
ابن خالدون، المقدمة (ص 219) .
(4)
مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 172، 174) . أبو داود، السنن (ج 1، ص 159) .
(5)
البلاذري، أنساب (ج 10، ص 258) .
فصيحا معربا» «1» .
أما في الأمصار فكان يتولى إمامة الصلاة الولاة، وقد أشار الكتاني إلى ذلك بقوله:
«ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه.
ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن منهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدم للصلاة من ترضى حالته للإمامة، سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم» «2» .
ويقوم من يلي هذا الأمر بإقامة الصلوات جميعا، يتضح هذا من قول المالقي (ت 783 هـ) : «
…
تكون له الجمعة والعيدان، والصلوات الخمس المفروضات والكسوف والاستسقاء في جميع البلدة التي ولي صلاتها» «3» .
لقد كان الولاة يؤمون الناس في الصلاة في حواضر الأمصار، أما بقية المساجد فيقوم أهل البلدة بتعيين من يتولّى ذلك، ويتضح هذا من إشارة ابن خالدون (ت 808 هـ) :
ومن الوظائف التي تتبع ولاية الصلاة (وظيفة المؤذن) وهو الذي يدعو الناس إلى الصلاة باللفظ المعروف، وقام بذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أشخاص «5» ، فكان بلال بن رباح (ت 20 هـ) يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة وفي الأسفار «6» ، وأذن ابن أم مكتوم أذان الإمساك في رمضان «7» ، وأذن أبو محذورة أوس بن معير (ت 59 هـ) للرسول في المسجد الحرام بعد الفتح (8 هـ)«8» .
ويفترض في من يتولى المهمة أن يكون ندي الصوت، متقنا لحركات الأذان،
(1) المالقي، الشهب اللامعة (ص 322) .
(2)
الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 93) .
(3)
المالقي، الشهب اللامعة (ص 322) .
(4)
ابن خالدون، المقدمة (ص 219) .
(5)
منهم بلال بن رباح، وعبد الله بن أم مكتوم، وأبو محذورة، وسعد بن عائذ القرظ، وعثمان بن عفان، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمرة بن مغير، وزياد بن الحارث الصدائي. انظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 526- 528) . مسلم بشرح النووي (ج 4، ص 82، 83) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 509) . مسلم بشرح النووي (ج 4، ص 82، 83) البلاذري، أنساب (ج 1، ص 526) .
(7)
مسلم بشرح النووي (ج 4، ص 82) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 526) .
(8)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 526) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1752)(الواقدي) .
جهوريّ الصوت. ذكر ابن عبد البر (ت 463 هـ)«أنّ أبا محذورة كان أحسن الناس أذانا، وأنداهم صوتا، وكان يرفع صوته بالأذان حتى قال له عمر: كدت أن ينشق مريطاؤك» «1» ، وكان سعد بن عائذ القرظ يتولى مهمة الأذان في مسجد قباء «2» ، ويشير البلاذري (ت 279 هـ) إلى:«أن عثمان بن عفان كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر أي يوم الجمعة» «3» .
كان من واجبات المؤذن أن يحفظ أوقات الصلاة، ثم يرفع الأذان في وقته، ويتضح هذا مما رواه مسلم (ت 261 هـ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بن رباح وهو عائد من خيبر (7 هـ) :«أكلأ لنا الصبح» «4» ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد هؤلاء إلى أوقات الصلاة، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق (ت 211 هـ) في مصنفه من قول ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم:
أذنت مرة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: قد أذنت يا رسول الله، فقال:«لا تؤذن حتى تصبح» ، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذنت، فقال:«لا تؤذن حتى تراه هكذا» ، وجمع بين يديه ثم فرّقها «5» .
أما بالنسبة إلى رواتب هؤلاء المؤذنين فلم تسعفنا المصادر- التي بين أيدينا- في معرفة ما إذا كانوا يقومون بهذا الأمر تطوعا، أم يتقاضون أجرا كما هو الحال بالنسبة إلى الوظائف الاخرى.
وكان يقوم على تنظيف المساجد أناس متطوعون، فيروي الإمام مسلم (ت 261 هـ) أن امرأة سوداء كانت تنظف المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فلما ماتت قام النبي صلى الله عليه وسلم على قبرها، وذلك تقديرا واحتراما لها «6» ، ويشير ابن حجر (ت 854 هـ) إلى:«أن تميم الداري وفد مع مولى له يقال له «فتح» إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أسرج فيه بالقنديل والزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا
(1) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1752) . مريطاؤك: هي ما بين السرة إلى العانة. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 7، ص 401) .
(2)
الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 116، 117) .
(3)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 526) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 76) .
(4)
مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 182) . أبو داود، السنن (ج 1، ص 302) . ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 227) .
(5)
عبد الرزاق، المصنف (ج 1، ص 491) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 76) .
(6)
مسلم بشرح النووي (ج 7، ص 25، 26) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 126) .
بسعف النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من أسرج مسجدنا؟» ، فقال تميم: غلامي هذا، فقال:«ما اسمه؟» قال: فتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«بل اسمه سراج» «1» .
وعلى كل حال فإن هذه الوظائف لم تكن ثابتة لأشخاص بأعينهم، بل كان يقوم المسلمون بها ابتغاء الأجر والثواب، وأصبحت في عهود لاحقة وظائف ثابتة لخدمة المسجد، وكنسه، وتنظيفه، وبسط حصره، وتسوية حصاه إن كان مبسوطا بالحصى «2» .
أما «إدارة الحج» فاقتضت أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم أو من ينوب عنه بإقامة الحج للناس، فيقوم بأداء مناسك الحج، ثم يتبعه الناس، وقد كانت مناسك الحج قبل الإسلام وظائف مقسمة بين بطون مكة وأفخاذها، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة سنة (8 هـ) . ولّى على الحج عتاب بن أسيد أميره على مكة ليقيم الحج للناس، وذلك على ما كانت العرب تحج عليه «3» .
وفي السنة التاسعة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليحج بالناس (أميرا على الحج) ، وكان الناس مؤمنهم وكافرهم يحجون معا، حتى نزلت سورة براءة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليّا إلى الموسم كي يبلغ الناس أحكام هذه السورة، ومنها ألّا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك أبدا «4» ، فيقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: 28]«5» .
وفي السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حجة الوداع وكانت فيها الخطبة المشهورة التي يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها كثيرا من الأحكام النهائية، وأبلغهم أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأشهد الناس على ذلك «6» .
وكان أمير الحج يقوم بمهمات متعددة، فهو الذي يجمع الناس، ويشرف على شؤونهم، ويصلح بين الخصوم، ويلزمه أن يقوم بجميع مناسك الحج، لتقتدي به
(1) ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 184) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 118- 123) .
(2)
المالقي، الشهب اللامعة (ص 322) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 500) . ابن حبيب، المحبّر (ص 11، 12) .
(4)
انظر: البخاري، الصحيح (ج 7، ص 80، 81) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 122، 123)(الواقدي) .
(5)
انظر: الطبري، تفسير (ج 14، ص 190- 198) . القرطبي، الجامع (ص 8، 104، 106) . والسيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 164، 165) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 603، 604) . وابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 172) . وابن حبيب المحبر (ص 12) .
الناس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:«خذوا عني مناسككم» «1» ، ويفترض فيه أن يكون خطيبا، فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في خطبته التي اشتهرت «بخطبة حجة الوداع» «2» ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في البيت الحرام لاستقبال المسلمين من جميع أمصار الدولة للرد على استفساراتهم، والاستماع إلى شكاياتهم، ويتضح هذا من قصة «الزبية» التي اختلف فيها أهل اليمن، فقضى بينهم علي بن أبى طالب (استشهد 39 هـ) .
حتى جاؤوا إلى الحج (10 هـ) فعرضوا الأمر على الرسول صلى الله عليه وسلم فاستمع إليهم وقضى بينهم «3» .
وكانت «السقاية» من الوظائف التابعة للحج، وبقيت هذه الوظيفة- كما كانت في الجاهلية- للعباس بن عبد المطلب (ت 32 هـ)، ويتضح هذا من رواية لمسلم (ت 261 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال:
«انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوه فشرب» «4» ، وكذلك وظيفة «العمارة» وهي المحافظة على البيت، والاحتفاظ بمفاتيح الكعبة، وبقيت- كما كانت في الجاهلية- لعثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار (ت 32 هـ)، وقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة إلى عثمان قائلا:«خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» «5» .
وهاتان الوظيفتان الوحيدتان اللتان أبقاهما الإسلام من وظائف مكة قبل الإسلام، ويشير إلى ذلك الطبري (ت 310 هـ) بقوله: «قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: ألا كلّ مأثرة أو دم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج
…
» «6» .
(1) أحمد، المسند (ج 3، ص 301، 332، 367) . الدارمي، السنن (ج 2، ص 66، 67) . أبو داود، السنن (ج 2، ص 489) . النّسائي، السنن (ج 5، ص 247، 248) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 603، 604) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 172) . ابن حبيب، المحبر (ص 12) .
(3)
وكيع محمد بن خلف حبان (ت 306 هـ) ، أخبار القضاة، تحقيق عبد العزيز مصطفى المراغي (ط 1) القاهرة، مطبعة الاستقامة، (1369 هـ، 1950 م) ، (ج 1، ص 95- 97) .
(4)
مسلم بشرح النووي (ج 8، ص 194) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 113) .
(5)
الذهبي، تاريخ (ج 1، ص 460) . ابن تيمية، السياسة الشرعية (ص 4، 5) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 110) .
(6)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 61)(ابن إسحاق) .
أما إدارة «الصوم» فهي غير معقدة، ويقوم ولي الأمر بتحديد بدء الشهر القمري ونهايته. وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم بداية شهر الصوم ونهايته فقال:«صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «1» وحدد الفقهاء شرطا للرؤيا أن يكون ذلك من قبل شخصين عدلين يصح الصيام والإفطار برؤيتها «2» ، وعليه أيضا معاقبة المخالفين لأحكام الصيام والمنتهكين لحرمته.
(1) البخاري، الصحيح (ج 3، ص 34، 35) . مسلم بشرح النووي (ج 7، ص 189، 190) . النّسائي، السنن (ج 4، ص 133) . ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 529، 530) .
(2)
الشافعي، الأم (ج 2، ص 94) . ابن قدامة، المغني (ج 3، ص 9، 10) .