الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة
قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد مجتمعا يختلف عن مجتمع مكة، وجد تنافرا بين عشائر المدينة واختلافا في دياناتها «1» ، فبدأ بالتخطيط لمجتمع جديد، وكانت أول قضية تواجه الإدارة النبوية هي قضية استيعاب المهاجرين الجدد في مجتمع المدينة، فخط النبي صلى الله عليه وسلم الدور للمهاجرين «فخط لبني زهرة في ناحية المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولال أبي بكر موضع دارهم، وخط لعثمان موضع داره كذلك» «2» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع أصحابه هذه القطائع مما كان من عفائن الأرض «3» ، أما ما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك ما شاء «4» ، وتذكر المصادر أن هناك قوما لم يجدوا أماكن ينزلون فيها فأنزلهم النبي مؤخرة المسجد (الصفة) فسمّوا أصحاب الصفة «5» وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وكانوا ما يقارب المائة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهداهم ويشرف عليهم «6» ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بنى مسجده قبل ذلك، أو أن تقسيم البيوت وبناء المسجد تم في ان معا وقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم مكان المسجد واشترك هو والصحابة في بنائه فقال قائلهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل
…
لذاك منا العمل المضلل «7»
ويلاحظ أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان مركزا إداريّا للدولة الفتية، فمنه كان
(1) انظر: ابن رستة، الأعلاق (ص 64) ، ابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 659- 665) . السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 152- 156) .
(2)
ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص 23) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 270) . السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 518، 519) .
(3)
عفائن الأرض: مفردها عفن أي فسد، وهو الشيء الذي فسد نتيجة الإهمال. انظر: ابن منظور، لسان العرب (ج 11، ص 288) .
(4)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 518، 519) .
(5)
انظر أخبار أهل الصفة، وأسماؤهم في: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 255، 256) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 272)(قالوا) الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 150)(أبو هريرة) .
(6)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 321) .
(7)
ابن هشام، السيرة (ج 1، ص 496) .
النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين في المجتمع الجديد، وفيه يتدارس مع المسلمين الأمور الطارئة ويتخذ القرارات المناسبة «1» ، ولا يخفى أن المسجد كان مكانا للشورى؛ إذ يجتمع الناس في المسجد فيستشيرهم رسول الله في القضايا التي تستجد على الساحة الإسلامية؛ إذ إن استشارة المسلمين في أحد والخندق كانت تتم في المسجد «2» وكان المسجد أيضا مكانا لفض المنازعات، ففيه يقضي النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، ومنه تنطلق الجيوش وتستقبل الوفود، ومنه ينطلق الرسل إلى الملوك والرؤساء وجباة الضرائب «3» ، وكان كذلك دار ندوة للجماعة الإسلامية تبحث فيها جميع شؤونها، أضف إلى ذلك دوره في القيام بالمهمة الروحية فهو مركز عبادة للمسلمين من صلاة وذكر، وغير ذلك.
لقد كان بناء المسجد خطوة تنظيمية مهمة قدمت على غيرها من خطوات إدارية تالية ومن خلال الصلاة بروحها الجماعية استطاع الإسلام أن يصل إلى درجة كبيرة من إذابة روح العصبية القبلية، وربط الناس بالمبدأ الجديد وفق أحكام جديدة تقوم على العقيدة والأخوة لا على رابطة الدم والقرابة «4» .
وقام المسجد في بقية أجزاء الدولة بنفس هذا الدور؛ إذ لم يوجد مقر اخر للحكم والإدارة طول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم «5» وبذلك يكون المسجد أول مركز للإدارة في الإسلام «6» .
إن الأمر الاخر الذي اهتم به النبي صلى الله عليه وسلم وكان إجراء إداريّا ضروريّا في هذه المرحلة هو «المؤاخاة» فأشارت المصادر إلى ذلك، فقال ابن إسحاق (ت 151 هـ) :«واخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: «تاخوا في الله أخوين أخوين» ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (ت 39 هـ) فقال:«هذا أخي» ، وهكذا تاخى الصحابة اثنين اثنين» «7» . لقد كانت هذه المؤاخاة ضرورية لإذهاب الوحشة والغربة عن
(1) حسن أبو ذكية، التنظيم الإداري في الفكر الإسلامي (ج 5) جامعة الملك عبد العزيز، (1401 هـ، 1981 م) . والقطب محمد طبلية، نظام الإدارة في الإسلام، القاهرة، دار الفكر العربي، (1985 م) ، (ص 72) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 63)(ابن إسحاق) ، (ج 2، ص 224) .
(3)
محمد كرد علي، الإدارة العربية (ص 45، 46) .
(4)
فرج الهوني، النظم الإدارية (ص 24، 25) .
(5)
كرد علي، الإدارة (ص 46) .
(6)
محمد جوهين، التنظيمات الإدارية في الإسلام، القاهرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، (1984 م) ، (ص 147) . وفرج الهوني، النظم الإدارية (ص 25) .
(7)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 504- 507)(ابن إسحاق) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 238) . ابن حبيب، المحبر (ص 70- 75) . الذهبي، السيرة (ج 1، ص 143) . ابن حجر، الفتح (ج 15، ص 132) .
ليشد بعضهم بعضا ولا سيما أن المهاجرين تركوا كل المقومات الأساسية للحياة في مكة «1» .
وهكذا كانت المؤاخاة خطوة مهمة في توحيد المجتمع الجديد تضاف إلى ما سبقها من خطوات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد فكر جديّا بنظام يحل محل نظام «الأحلاف» الذي كان سائدا في الجاهلية فوضع نظام المؤاخاة بديلا عن ذلك.
لقد قدم الأنصار للمهاجرين أكثر مما توقعوه إذ «قالت الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم:
يا رسول الله؛ اقسم بيننا وبينهم النخل. قال: «لا» . قال: «تكفونا المؤنة وتشركونا في التمر» . قالوا: سمعنا وأطعنا» «2» .
لقد دلّت الروايات على أن المهاجرين عملوا في مزارع الأنصار مقابل أجرة معينة عن طريق المزارعة «3» . ولم يقتصر كرم الأنصار على ذلك؛ بل وصل إلى حد أن قال سعد ابن الربيع (ت 3 هـ) لعبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) أخيه في النظام الجديد: «إني أكثر الأنصار مالا فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك، أين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع» «4» ، وكان هذا التكافل الرائع هو القوة الوحيدة التي يمتلكها المجتمع المسلم في البداية، ومن ثم فإن هذا الإجراء كان ضروريّا لتفادي وقوع المهاجرين في مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ ولا سيما أنهم يتقنون التجارة في حين كانت المدينة دار صناعة وزراعة «5» .
كان المتاخون يتوارث بعضهم بعضا، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأحزاب: 6] «6» .
فنسخت هذه الاية ذلك التوارث الذي أقر بموجب نظام المؤاخاة، وبقي من معاني المؤاخاة النصر والنصيحة، وإلى هذا يشير الإمام النووي (ت 676 هـ) بقوله: «أما
(1) ابن حبيب، المحبر (ص 70- 75) . الزرقاني، المواهب (ج 15، ص 373) .
(2)
البخاري، الصحيح (ج 5، ص 39) . النووي، شرح صحيح مسلم (ج 12، ص 99) .
(3)
البخاري، الصحيح (ج 5، ص 39) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 141) .
(4)
البخاري، الصحيح (ج 5، 39، 88) . قال السمهودي: «إن السوق كانت في بني قينقاع، ثم حول السوق بعد ذلك» . انظر: السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 539) .
(5)
البخاري، الصحيح (ج 5، ص 39، 88) . أحمد إبراهيم الشريف، الدولة الإسلامية الأولى، دار القلم، سنة (1965 م) ، (ص 67- 69) .
(6)
انظر: الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 170) . أبا حيان، البحر المحيط (ج 4، ص 523) . السيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 117) .
ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فباق لا ينسخ» «1» .
ولا شك في أن التوارث كان لمعالجة ظروف طارئة مرت بها الدعوة الإسلامية في المدينة، فكان هذا إجراء إداريّا سريعا للتغلب على هذه المشكلة، ومن المنتظر أن يكون المهاجرون قد ألفوا جو المدينة وتعرفوا إلى سبل الرزق فيها «2» . وأصابوا من غنائم بدر (2 هـ) ما سد حاجتهم، فرجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية والقائم على أساس الرحم والقرابة.
ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أولى اهتماما كبيرا للناحية الاقتصادية لارتباطها بالكيان السياسي، وقد كانت قبائل اليهود تحتكر التجارة والأسواق وبيدهم عصب الاقتصاد في المدينة، ومثل هذا الوضع يجعلهم دولة داخل دولة وكان هناك عدة أسواق «3» أشهرها سوق بني قينقاع، وكان هذا السوق هو السوق الرئيسي للمدينة، وكان العرب (الأنصار) يتعاملون فيه بيعا وشراء.
لقد تنبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة هذه السيطرة اليهودية، فكان لابد من إجراء إداري سريع يحوّل هذه السيطرة للأمة الجديدة، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى أكبر سوق لليهود فألقى عليه نظرة فاحصة، ثم بحث عن مكان اخر في المدينة يعدل هذا السوق أو يفوته في المساحة والمركز والنظام «4» . فقد روى ابن ماجه (ت 275 هـ) : «أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟. قال:
بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما راه أعجبه وركض برجليه، وقال:
«نعم سوقكم هذا فلا ينتقض ولا يضربن عليكم خراج» «5» . ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم «ذهب ابتداء إلى سوق النبك، فنظر إليه فقال: «ليس لكم هذا بسوق» ثم رجع إلى
(1) مسلم، الصحيح (ج 4، ص 1960)(في الهامش) .
(2)
العمري، المجتمع المدني (خصائصه وتنظيماته)(ص 77) .
(3)
منها سوق بزباله، وسوق بالجسر، وسوق بالصفاصف بالقصبة، وسوق في منطقة تسمى مزاحم، وهذه أسماء أماكن في المدينة المنورة. انظر: السمهودي، وفاء الوفا، (ج 1، ص 539) .
(4)
أحمد محمد، الجانب السياسي في حياة الرسول (ط 1) الكويت، دار القلم، (1402 هـ) ، (ص 69) .
(5)
ابن ماجه، أبو عبد الله بن يزيد القزويني (ت 275 هـ) ، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، د. ت (ج 2، ص 751)، (قال ابن ماجه: ضعيف) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 2، ص 164) .
هذه السوق فطاف به ثم قال: «هذا سوقكم» «1» .
ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراقب الأسواق بنفسه وقد طلب بعض الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسعر للناس، ولكن الرسول امتنع من ذلك، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يبيع طعاما في السوق بسعر أرفع «2» من سعر السوق فقال:«تبيع في سوقنا بسعر هو أرفع من سعرنا؟!» قال: نعم يا رسول الله. قال: «صبرا واحتسابا؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «أبشروا فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، وإن المحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله» «3» .
واستطاع المسلمون بحسن تعاملهم أن يحوّلوا الناس من سوق اليهود إلى سوقهم مما جعل كعب بن الأشرف اليهودي (ت 3 هـ) يدخل إلى سوق المسلمين ويقطع أطنابها «4» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا جرم لأنقلنّها إلى موضع هو أغيظ له من هذا» فنقلها من موضع بقيع الزبير إلى سوق المدينة» «5» . ولعل هذا الأسلوب التهجمي الصارم الذي اتبعه كعب ابن الأشرف (ت 3 هـ) كان في أوائل أشهر الهجرة حيث لا يزال لليهود نفوذ قوي، ويلاحظ أيضا أن كعب بن الأشرف شعر أن مصالح اليهود الاقتصادية قد أصبحت في خطر نتيجة منافسة السوق الجديد.
لقد كان هذا التصرف من كعب- وهو من يهود قينقاع- حافزا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يفكر جديّا بطرد اليهود من المدينة، وكان بنو قينقاع أول من طرد «6» وبعدها استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك بزمام الاقتصاد المدني ويوجهه الوجهة الإسلامية الخالية من كل استغلال وجشع.
وكان من أعظم الإجراات الإدارية التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة القيام بكتابة دستور المدينة الذي ينظم العلاقات بين سكانها، ويعد ذلك
(1) الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 2، ص 163) .
(2)
أرفع: أي أقل من سعر السوق.
(3)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 546) .
(4)
أطنابها: الأطناب جمع طنب، وهي ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق، انظر: ابن منظور، اللسان (ج 1، ص 561) .
(5)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 539، 540) . ويبدو أن هذا التصرف وغيره من التصرفات العدائية جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يفكر باغتيال كعب بن الأشرف (سنة 3 هـ) وبالفعل تم اغتياله من قبل مجموعة من المسلمين. انظر: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 151) .
(6)
صالح أحمد العلي، إدارة الحجاز في العهود الإسلامية الأولى، مجلة الأبحاث، بيروت، الجزء (21) أذار، (1968 م) ، (ص 31، 32) .
الخطوة الأساسية في إقامة حكومة المدينة.
أشارت المصادر إلى هذا الدستور بعدة ألفاظ، فابن إسحاق (ت 151 هـ) - وهو مصدرها الأول- يطلق عليها «الصحيفة» «1» وأطلق عليها ابن سيد الناس (ت 734 هـ) اسم «الموادعة» «2» ، وأطلق عليها البعض أسماء أخرى مثل «الوثيقة» و «الكتاب» و «المعاهدة» و «الدستور»
…
إلى غير ذلك «3» .
إن تسمية ابن سيد الناس (734 هـ) للصحيفة باسم (الموادعة بين المسلمين واليهود) غير دقيقة؛ لأن هذه التسمية لا تعطي صورة حقيقية عن محتويات الصحيفة والتي تشمل كثيرا من المواد الخاصة بالمسلمين، أما كلمة «صحيفة» فتعني أنها إعلان من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم يبيّن فيها الأمور الواجب تنفيذها «4» ، ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من إصدارها هذا الأمر، فهي بيان مسجل للتنظيمات الإدارية المراد اتباعها فبدأ بقوله:
«هذا كتاب من محمد
…
» «5» .
ولعل من المفيد أن نذكر قضية مهمة بالنسبة إلى هذه الصحيفة، فكتب الحديث هذه المعتبرة لم ترو نص الكتاب كاملا، وأقدم مصدر ورد فيه النص كاملا هو ابن إسحاق (ت 151 هـ) دون إسناد «6» . ولم يذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) المصدر الذي أخذ منه، في حين يذكر البيهقي (ت 458 هـ) في سننه المواد المتعلقة بالمسلمين ولم يذكر المواد الخاصة باليهود، وأسندها البيهقي (ت 458 هـ) إلى ابن إسحاق كذلك «7» ، أما ابن سيد الناس (ت 734 هـ) وابن كثير (ت 774 هـ) فقد ذكراها دون إسناد وهما ينقلان عن ابن إسحاق (ت 151) «8» . ويذكر ابن سيد الناس (ت 734 هـ) أن ابن خيثمة أورد الكتاب فأسنده هذا الإسناد: «حدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يوسف حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن
(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 501، 502، 503، 504) .
(2)
ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 1، ص 238) .
(3)
انظر: صالح أحمد العلي، تنظيمات الرسول الإدارية، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد (17) ، سنة (1969 م) ، (ج 17، ص 51) .
Akiya goto، The Constitution of Medina، orievt volume، XVIII، 1982، P.P.1.Sarjeant، P.P.1
. (4) العلي، تنظيمات الرسول (ج 17، ص 51) .
(5)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة رقم 1، (ص 59) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 501- 504)(ابن إسحاق) .
(7)
البيهقي، السنن (ج 8، ص 106) .
(8)
ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 1، ص 238- 240) . ابن كثير، السيرة (ج 2، ص 320- 322) .
أبيه عن جده أن رسول الله كتب كتابا
…
» «1» .
أما رواية أبو عبيد (ت 224 هـ) في الأموال فهي عن «ربحي بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح أنهما قالا: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله كتب كتابا
…
» «2» .
إن أولئك الذين ينكرون صحة هذه الصحيفة «3» . يعتمدون على أن كتب الحديث الصحيحة لم ترو نص هذا الكتاب مع أنها أوردت مقتطفات تشمل عددا من مواد هذه الصحيفة؛ ولا سيما تلك التي تتعلق بتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار، فقد أورد جزا من هذه الصحيفة الإمام أحمد (241 هـ) في مسنده «4» وأبو داود (ت 275 هـ) في سننه «5» والبيهقي (ت 458 هـ) في سننه كذلك «6» .
أما نصوص الصحيفة فهي مكونة من جمل قصيرة ومعقدة التركيب. ويكثر فيها التكرار ويستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قلّ استعمالها فيما بعد حتى أصبحت صعبة على غير المتعمقين بدراسة هذه الفترة «7» ، ولعل النظرة الفاحصة للأسلوب والمحتوى يجعلنا نطمئن إلى صحة هذه الصحيفة وهي تمثل في بعض موادها ذلك التنظيم الذي كان سائدا في الجاهلية من حيث الترابط القبلي والاعتراف بقوة العصبية، والصحيفة في مجملها توافق روح القران دون الإشارة إليه صراحة؛ إذ إن القران لم يذكر كثيرا من الحوادث المهمة التي حدثت في المجمع المدني «8» .
(1) ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 1، ص 238) .
(2)
أبو عبيد، القاسم بن سلام (ت 224 هـ) ، الأموال، تحقيق محمد خليل محمد هراس (ط 1) القاهرة، مطبعة الكليات الأزهرية، (1968 م) ، (ص 184) .
(3)
أنكرها يوسف العش في تعليقه على كتاب، فلها وزن، الدولة العربية وسقوطها، وهو كتاب نقله عن الألمانية، ترجمة يوسف العش، دمشق، جامعة دمشق، (1956) ، (ص 20، 21)(الهامش) .
(4)
أحمد بن حنبل، المسند (ج 1، ص 171) ، (ج 2، ص 204) ، (ج 3، ص 242) .
(5)
ابن القيم الجوزية (ت 751 هـ) ، عون المعبود في شرح سنن أبي داود، نشره حسن إيراني، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت (ج 8، ص 229، 230) .
(6)
البيهقي، السنن (ج 8، ص 106) .
(7)
العلي، تنظيمات الرسول (ص 51، 52) .
(8)
من ذلك: اعتبار المسلمين أمة واحدة وهذا يوافق قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ال عمران: 110] . التعاون والتراحم وهذا يوافق قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] . وجوب الخضوع للدولة ووافق هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: 59] وانظر: الشريف، الدولة الإسلامية الأولى (ص.Sarjeant P.P 7 (76 -74
وهذه الصحيفة في الأصل صحيفتان (وثيقتان)«1» . أحدها يختص بالمهاجرين والأنصار، والاخرى بالمسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى، وقد اختلفت المصادر في تحديد تاريخ مضبوط لكتابة هذه الصحيفة، فبعضهم يرى أنها كتبت قبل بدر «2» وأما البعض الاخر فيرى أنها كتبت بعد بدر «3» في حين ذكر اخرون أن إحدى الوثيقتين كتبت قبل بدر والاخرى بعد معركة بدر (سنة 2 هـ)«4» وليس لدينا نص قاطع يثبت ويقطع بصحة رواية دون الاخرى.
تبدأ الصحيفة ببيان الأطراف المشتركة فيها، ولا نعلم إذا كانت مواد الصحيفة قد صيغت بعد مفاوضات، أو أنها كانت كالمعاهدات الاخرى؛ لأن نص الكتاب لا يذكر طرفا اخر «5» . ويرى سيرجنت «أن الوثيقة تحمل تواقيع وأختام الأطراف المتعاقدة وأن ابن إسحاق لم يورد هذه الأسماء لعدم حصوله على النسخة كاملة» «6» . «هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين
والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم» «7» ثم قررت الصحيفة أن هؤلاء أمة دون الناس، والأمة مجموعة أحلاف؛ إذ إن الأفخاذ والقبائل تركت كما كانت وأصبحت أعضاء في الأمة وعد المهاجرين فخذا واحدا «8» وأما الفرد فيشارك في الأمة مشاركة مباشرة عن طريق الفخذ والقبيلة وعلاقة الفخذ بالأمة تتضح في أنه يدفع النفقات غير الخاصة كالدين وفداء الأسرى كما كان من قبل؛ إذ لم يكن يوجد خزينة مركزية انئذ؛ ولذا نصت الصحيفة «إنهم أمة واحة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم فيتعاقلون بينهم» «9» . وكلمة (الأمة) شملت أيضا
(1) قال سيرجينت: «إن دستور المدينة الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم
…
كان يتألف من ثماني وثائق، وإنها صدرت في مناسبات متعددة خلال السنوات السبع الأولى من حياة محمد في المدينة Sarjeant ،P.P -1 - «
(2)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 380) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 402) . (الواقدي) . السهيلي، الروض (ج 4، ص 295، 296) . أبو عبيد، الأموال، رقم (518) ، ص، فلهاوزن، الدولة العربية، (ص 11، 12) . الدوري، نظم (ص 17، 18) .
(3)
ابن القيم، عون المعبود (ج 8، ص 228- 230) . العلي، تنظيمات الرسول (ص 530) .
(4)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرات (24- 27) ، (ص.Go to P 16.Sarjeant.P. 1. (61
(5)
العمري، المجتمع المدني، «خصائصه وتنظيماته الأولى» ، (ص 129) .
.Sarjeant ،P.P. 10 -9 (6)
(7)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة 1، (ص 59) .
(8)
الدوري، نظم (ص 18) .
(9)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (2، 3) ، (ص 59) .
طوائف المدينة الاخرى كاليهود، وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقا كالمهاجرين والأنصار؛ ولذلك لم تقع عليهم نفس الواجبات وليس لهم نفس الحقوق «1» .
لقد كانت التكليفات بين الأفخاذ والبطون ضرورة لسد العجز الذي قد ينشأ عن عدم وجود بيت مال «المهاجرين من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم «2» بالمعروف والقسط بين المؤمنين» «3» . ويلاحظ في المواد التالية أن الصحيفة كررت هذه المادة مع بقية الأفخاذ والبطون، وذكر منها بني عوف وبني ساعدة وبني الحارث وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النبيت وبني الأوس «4» وبذلك فإن الصحيفة لم تشر إلى الحيّين الكبيرين (الأوس والخزرج) بل ذكرت البطون الصغيرة؛ لأن أثرها أقوى في المجتمع اليثربي إضافة إلى أن هذه التكليفات تقوم بها البطون الصغيرة دون القبائل الكبيرة «5» .
وكان على هذه البطون أن تسكن في مكان واحد كنوع من التنظيم للمجتمع المدني وأن يتعاون هؤلاء في حمل هذه التكاليف كالدين وغيره، فقالت الصحيفة:«لا يتركون مغرما بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل» «6» وهذا يوضح جليّا أن النبي صلى الله عليه وسلم يكن يريد تحطيم القبيلة، إنما كان يريد أن يتخطى العصبية محاولا تشذيبها وتوجيهها بحيث يستفاد منها وفق مفاهيم الدين الجديد الداعية إلى التكافل في المجتمع الإسلامي.
أما كلمة «طائفة» الواردة في هذه المادة أن كل طائفة
…
«7» . فيقصد بها فروع (بطون) القبائل دون الأفراد، ولعل في هذا نوعا من التخصيص أكثر دقة بأن تتحمل هذه الطوائف أخطاء أفرادها الصغار دون أن يحمل ذلك للقبيلة الكبيرة «8» .
ونصت الصحيفة أيضا «أنه لا يخلف مؤمن مولى مؤمن دونه» «9» وفي هذا إقرار
(1) الشريف، دور الحجاز (ص 87، 88) .
(2)
عانيهم: العاني، الأسير. انظر: ابن هشام (م 1، ص 502) .
(3)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (3) ، (ص 59) .
(4)
م. ن، فقرة (14، 15) ، (ص 59، 60) .
(5)
انظر: العلي، تنظيمات الرسول الإدارية (ص 57) .
(6)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (12)، (ص 60) . العقل: الدّية، يعقله القتيل يعقله عقلا: وداه، انظر ابن منظور، لسان العرب (ج 11، ص 60) . السهيلي، الروض الأنف (ج 4، ص 292- 295) .
(7)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (3) ، (ص 59) .
(8)
إبراهيم بيضون، الحجاز والدولة الإسلامية (ط 1) بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسة والنشر، (1403 هـ، 1983 م) ، (ص 106) .
(9)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (12 ب) ، (ص 60) .
لقضية الموالاة التي كانت سائدة في الجاهلية والإسلام، وبهذا حاول أن يمنع إحداث مشاكل اجتماعية وسياسية وإدارية لمجتمع حديث عهد بالجاهلية، وأن ينظم هذه القضية بين الموالي ومن يوالونهم؛ حفاظا على واحدة المجتمع الإسلامي.
وإذا أخل أحد بالأمن أو اعتدى أو أفسد فقد جعلت الصحيفة الأمة كلها مسؤولة عن حماية هذا الأمن وردع المفسد «1» وتمكين السلطة من القصاص العادل من المجرم، وليس لأحد من عشيرته أن يعترض على ذلك، وكان ذلك يعني أن تتواحد السلطة وألّا يكون هناك عوائق قبلية وعشائرية أمام سيادة القانون «وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه ولو كان ولد أحدهم» «2» ويفهم من ذلك أن السعي إلى تطبيق هذه الحدود واجب ديني، وهذا واضح من النص (المؤمنين المتقين) ، وكلمة «المتقين» تعني أن هذه التنظيمات والالتزام بها هو من التقوى التي يجب على المؤمنين الالتزام بها «3» . ويفترض أن تكون هذه الإجراات قد خطت خطوات واسعة لإيقاف الخصومات بين عشائر المدينة، وبذلك تحول الثأر الذي كانت تقوم به العشيرة إلى عقوبة تقوم بها الأمة ممثلة في سلطتها الحاكمة «4» . التي أصبحت هي المنوطة بتعقب المجرمين والقيام على أمن الأفراد في المجتمع الجديد ثم وضحت الصحيفة حدود العقوبات الجنائية، فكانت المادة التي تدل على أن دم الكافر لا يكافئ دم المسلم «ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر» «5» . وما ورد من أنهم «أمة دون الناس» «6» . والذي جاء دامغا لأهل الصحيفة لم يشمل هؤلاء في أمور الدماء، ولعل ذلك كان الإطار السياسي الذي جمع بين هؤلاء في الإنفاق والدفاع عن أرض يعيش فيها هؤلاء جميعا «7» . ويفترض أن تكون هذه المادة قد أعطت المجتمع نوعا من الاستقرار ونسيان الدماء التي أريقت في الجاهلية، فألغى الإسلام تلك الدماء وأكد
(1) الدوري، نظم (ص 19) . العدوي، نظم (ص 120) .
(2)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (13)، (ص 60) . دسيعة: عظيمة. انظر: ابن هشام (م 1، ص 502) .
(3)
العمري، المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (ص 132) .
(4)
الدوري، نظم (ص 20) .
(5)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (14) ، (ص 60) .
(6)
م. ن، فقرة (2) ، (ص 59) .
M.Walt:Mahammad at Medina ،P.P. 188 -208 (7) وانظر: صفوان السيد، الأمة والجماعة والسلطة، دار اقرأ (ط 1)(1404 هـ، 1984 م) ، (ص 54) .
على مفهوم العقيدة الجديدة دون رابطة الدم والقرابة «ولا ينصر كافرا على مؤمن» «1» .
وأعطت الصحيفة قيمة كبيرة لأفراد المجتمع المسلم حتى إن أحدهم كان باستطاعته أن يجير الاخرين إلا من حددت الصحيفة عدم إجارتهم «وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم» «2» وبذلك أقرت هذه المادة مبدأ الجوار- الذي كان معروفا قبل الإسلام- وجعله حقّا لكل مسلم ولكنه حصر الموالاة بين المؤمنين. والولاء تعني المحبة والتعاون والنصرة، فلا يجوز إذا أن يوالي المؤمن كافرا لقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: 28] وجاءت الايات القرانية تؤيد هذه الموالاة وتجعلها جزا من الإيمان إذ قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ [الممتحنة: 1] وقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «3» .
انتقلت الصحيفة لاعتبار الحرب والسلم جزا من سيادة الدولة، فلا يجوز لأي فرد أو قبيلة أن تسالم أو تحارب دون الرجوع إلى الدولة، فنصت الصحيفة «وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم» «4» وهذا طبيعي في جو أحاط المسلمين فيه من الأخطار الشيء الكثير، والرسول عليه السلام بصفته رئيسا للدولة هو الذي يعلن الحرب أو السلم وعلى سائر أهل الصحيفة أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في حربه وسلمه.
وأشارت الصحيفة في بعض موادها إلى نوع من التنظيم العسكري، فهناك تناوب بين المسلمين في الخروج للغزو في سبيل الله «وإن كل غازية غزت منا يعقب بعضها بعضا» «5» وكان هناك نص خاص يجعل أهل المدينة صفّا واحدا أمام أي خطر خارجي أو داخلي سواء أصاب فردا أم مجموعة أفراد «وأن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه» «6» .
وذكرت الصحيفة مواد خاصة تنظم طريقة التعامل مع قريش وهي العدو الرئيسي
(1) حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (15) ، (ص 60) .
(2)
م. ن، فقرة (1) ، (ص 60) .
(3)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (17) ، (ص 60) .
(4)
العمري، المجتمع المدني- خصائصه وتنظيماته الأولى (ص 132، 133) .
(5)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (18، 19) ، (ص 60) .
(6)
م. ن، فقرة (20)، (ص 60) : يبئ: أباءه به أي: قتله به، جعله بواء له. انظر: السهيلي، الروض الأنف، (ج 4، ص 295) .
للدولة الجديدة؛ ولذا منعت الصحيفة أهلها- ولا سيما المشركين واليهود- أن يجيروا أحدا من أهل مكة، وبذلك استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يضبط أمور غير المسلمين في المدينة «لا يجير مشرك مالا لقريش ونفسا، ولا يحول دونه على مؤمن» «1» وينتظر أن يكون المشركون قد أثاروا موضوع إجارة المؤمنين- كما في مادة سابقة- ولكن الوضع هنا يختلف تماما، فمكة في حالة حرب وعداء مع المسلمين، والسماح لهؤلاء بإجارتهم يعني إحداث شرخ كبير في أمن المدينة ودفاعاتها.
وحددت الصحيفة بعض ملامح النظام القضائي الجديد في المدينة، وجاءت المواد الخاصة بالقضاء كإطار قضائي للمواد الاخرى، ومن خلالها حددت العقوبات على الجنايات المختلفة فنصت الصحيفة «وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا قيام عليه» «2» فالقاتل يقتل إلّا أن يعفو وليه، وعلى الأمة جميعا أن تمكن السلطة والقضاء من أخذ الحق من القاتل، وهذا التأكيد كان ضروريّا في مجتمع قبلي يقف مع ابن القبيلة ظالما كان أو مظلوما، ويلاحظ أن الربط الدائم بين الإيمان وبين تطبيق هذه المواد فقال:«وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وامن بالله واليوم الاخر أن ينصر مشركا أو يؤويه، وأن من نصره أو اواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل» «3» .
ويفهم من مواد الصحيفة أن السلطات الإدارية والقضائية والعسكرية جعلت بيد حاكم المدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو المرجع الأعلى في كل خلاف سواء كان بين المؤمنين أنفسهم أو بينهم وبين جيرانهم، فهو عليه السلام يشرف على جميع الميادين التطبيقية لجميع ما قررته الصحيفة «4» «وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى الله عز وجل» «5» .
أما القسم الاخر من الصحيفة فينظم العلاقات بين المؤمنين وبين اليهود القاطنين في المدينة وأطرافها، فقد ألزمت هذه الصحيفة اليهود بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة «6» وذلك في مادتين من مواد الصحيفة «وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» «7» والاخرى «وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم
(1) حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (2 ب) ، (ص 60) .
(2)
م. ن، فقرة (21) ، (ص 60، 61) .
(3)
م. ن، فقرة (5، 22) ، (ص 61) .
(4)
العدوي، نظم (ص 126) .
(5)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (23) ، (ص 61) .
(6)
العمري، المجتمع المدني (ص 123) ، وانظر.Go to P.P 9 -10
(7)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (24، 38) ، (ص 61، 62) .
وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة» «1» . ويتضح من النص أن كل فئة تدبر أمورها الخاصة في النفقة، أما في حالة الدفاع عن المدينة فلابد أن تشترك كل فئة بنصيبها من النفقة، وهذا واضح من قوله «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» «2» ، وينتظر أن تكون هذه المواد قد جعلت أهل يثرب واحدة واحدة في حالة الحرب، وأن المجتمع الجديد يحتاج إلى مثل هذه الواحدة للدفاع عن كيانه في ظل الأخطار المحيطة به.
ويبدو لنا من خلال استقراء حوادث السيرة أن اليهود لم يشتركوا في الدفاع عن المدينة لا سيما في الحروب الدفاعية كأحد والخندق وما ورد من إشارات في ذلك تفتقر إلى الصحة، فرواية الزهري (ت 124 هـ) :«كان اليهود يغزون مع رسول الله فيسهم لهم» «3» . هي من مراسيل الزهري والعلماء لا يحتجون بهذه المراسيل «4» .
أما الحديث الاخر فهو «أن النبي استعان بيهود قينقاع» الذي ورد عن طريق الحسن ابن عمارة (ت 124 هـ) وأخرجه البيهقي (ت 458 هـ) فقال عنه: متروك «5» وهناك مجموعة أخرى من الأحاديث لم تثبت صحتها.
وكذلك؛ فإن اليهود من الناحية العلمية لم يشتركوا في الدفاع عن المدينة وهناك أحاديث تمنع اليهود من ذلك فقد ذكر الحاكم (ت 405 هـ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حتى إذا بلغ خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، فقال:«من هؤلاء؟» قالوا: بنو قينقاع- وهم رهط عبد الله بن سلام- قال: «وأسلموا» قالوا: لا، بل هم على دينهم، قال:«قولوا لهم فيرجعوا فإنّا لا نستعين بالمشركين» «6» .
ويظهر من بقية المواد التي تخص اليهود أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك لهم حرية المعتقد فلا يكره أحد على دين من الأديان، وكان ذلك يعني قمة التسامح الديني الذي أقره الإسلام ودعا إليه. وطبقه المسلمون في أول دستور أعلنه الإسلام في المدينة المنورة «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم» «7» أما الجرائم الفردية فلا يؤخذ بها إلا صاحبها دون أن يتعدى ذلك إلى الجماعة كلها «إلا من ظلم وأثم فإنه لا
(1) م. ن، فقرة (37) ، (ص 62) .
(2)
م. ن، فقرة (38) ، (ص 62) .
(3)
أبو عبيد، الأموال (ص 296) .
(4)
البيهقي، السنن (ج 9، ص 37) .
(5)
م. ن (ج 9، ص 37) .
(6)
الحاكم، المستدرك (ج 2، ص 122)، قال عنه:«صحيح ولم يخرجاه» أي البخاري ومسلم.
(7)
مجموعة الوثائق، فقرة (31) ، (ص 61) .
يوتغ إلّا نفسه وأهل بيته» «1» .
ثم عددت الصحيفة أحياء اليهود وأن لهم جميعا هذه الامتيازات التي أعطيت ليهود بني عوف «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين
…
» «2» أما الإطار السياسي العام الذي يجمع أهل الصحيفة والذي ينتظر منه أن يكون مقدمة لانضمام اليهود إلى أمة الإسلام، وهو أمل راود النبي صلى الله عليه وسلم على ما يبدو- في السنة الأولى لمقدمه إلى يثرب.
ويلاحظ أن المسلمين اعتبروا كتلة واحدة تربطهم رابطة الإسلام، أما اليهود فلم تعاملهم الصحيفة على أنهم كتلة واحدة بل ذكرت قبائلهم «بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني ثعلبة وبني الشطيبة» «3» وموالي هؤلاء تبع لهم في الحكم «وإن بطانة يهود كأنفسهم» «4» ذكرهم متفرقين، ولعل ذلك كان يقصد منه أن يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من معاقبة كل قبيلة تنقض العهد دون أن يأخذ قبيلة بجريرة الاخرى، وهذا ظهر جليّا في الخطوات التالية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم تجاه اليهود ويبدو أن مادة «على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى» «5» لم تتكرر هنا مع قبائل اليهود؛ لأن الصحيفة تركت لليهود إدارة شؤونهم الخاصة فيرجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور ذات الإطار العام ويرجعوا إلى أحبارهم في المسائل الشخصية والدينية، ولكن كان بإمكان اليهود أن يلجؤوا إلى الرسول ليحكم بينهم، ويفهم ذلك من الاية القرانية فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: 42] ولا شك في أن احتكامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان متأخرا؛ لأن هذه الاية من سورة المائدة وهي نزلت في فترة متأخرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة «6» .
وحددت الصحيفة حرية أهل المدينة في الخروج منها، فلابد أن يكون ذلك بعد أخذ الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك ضيق على اليهود والمشركين والمنافقين ولا سيما الاتصال بأعدائه المكيين، وأنه لا يجوز لأحد أن يعلن الحرب أو السلم إلا بإذن قيادة المدينة «لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم» «7» وكانت المادة الاخرى قد ضيقت على
(1) م. ن، فقرة (31)، (ص 61) . يوتغ: يهلك نفسه. قال: وتغ الرجل وأوتغه غيره أي: أهلكه انظر: السهيلي، الروض الأنف (ج 4، ص 395) .
(2)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (24- 35) ، (ص 61) .
(3)
وردت كذلك، بني الشطنة. انظر، إسرائيل ولنفستون، تاريخ اليهود (ص 114) .
(4)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقره (24- 35) ، (ص 61) .
(5)
م. ن، فقرة (3- 11) ، (ص 59، 60) .
(6)
العمري، المجتمع المدني (ص 128) .
(7)
حميد الله، مجموعة الوثائق، فقرة (36) ، (ص 61) .
هؤلاء «وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها» «1» وبذلك أمّن النبي صلى الله عليه وسلم كل السبل لحماية المدينة وسكانها.
واعتبرت المدينة حرما فنصت الصحيفة «وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا اثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها» «2» والحرم لا يحل انتهاكه وبذلك أصبحت المدينة بحدودها- وهي يومئذ تمثل دولة الإسلام- محرمة كما هي مكة.
ثم جعلت الصحيفة النبي صلى الله عليه وسلم الرئيس الأعلى للدولة فهو يفصل في الخصومات الداخلية «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة» «3» .
ويلاحظ أن الصحيفة ختمت بتأكيدات أخرى وجب الالتزام بها «وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره» «4» ، ثم أمّن أهل الصحيفة جميعا «وأنه من خرج امن ومن قعد امن إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتّقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم» «5» .
ويفترض أن يكون زمن انتهاء مفعول هذه الصحيفة هو بعد غزوة الخندق (سنة 5 هـ) إذ بعدها أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم اخر قبائل اليهود بني قريظة (سنة 5 هـ) فلم يعد معنى للحلف مع اليهود، كما أن صلح الحديبية (سنة 7 هـ) فتح الباب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم للتحالف مع من شاء من القبائل «6» ، وبعد فتح مكة (سنة 8 هـ) توسعت الدولة لتشمل الجزيرة العربية كاملة وهذا يتطلب اخر عاما لا تنظيما إقليميّا محليّا.
ويتضح مما سبق أن إدارة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة كانت تهدف إلى تكوين أمة مترابطة، للأفراد فيها حرية العمل وإبداء الرأي، وللسلطة المركزية حق إدارة الأمن والقضاء والحرب والسلم على أن تكون التقوى والأخلاق الفاضلة أساس أعمالهم وتصرفاتهم.
وبهذا النص المكتوب استكملت عناصر تكوين الدولة وفق مفهوم الدولة الحديث القائم على أركان ثلاثة هي: الأمة والأرض والسيادة الداخلية والخارجية على أرضها وشعبها.
(1) م. ن، فقرة (43) ، (ص 62) .
(2)
م. ن، فقرة (39- 41) ، (ص 62) .
(3)
م. ن، فقرة (42، 62) .
(4)
م. ن، فقرة (42) ، (ص 62) .
(5)
م. ن، فقرة (47) ، (ص 62) .
(6)
الدوري، نظم (ص 22، 23) .
الإدارة في عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم
الفصل الثّالث التنظيم الإداري للدولة
أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية.
ثانيا: الإدارة الدينية.
ثالثا: الكتابة والكتّاب.
رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية) .