الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام
رابعا: الإدارة في يثرب
«1»
تختلف الروايات التي تصور لنا أول من سكن يثرب، إذ تذكر بعض الروايات أن أول من سكن يثرب هم العماليق ثم تغلب عليهم اليهود «2» ، وبعد سيل العرم «3» في اليمن قدم العرب «الأوس والخزرج» ونزلوا يثرب إلى جانب اليهود «4» .
إن المعلومات عن إدارة يثرب قليلة ومضطربة، وهي عبارة عن إشارات قليلة بعكس المعلومات عن إدارة مكة، ومن هنا، فإننا لا نعرف عن يثرب إلا النزر القليل. ولعلنا من خلاله نعطي صورة أولية عن إدارة يثرب قبل الإسلام.
«فإدارة يثرب المدنية» كانت بيد اليهود ابتداء؛ إذ كان اليهود قد نزلوا في شعاب المدينة فأقاموا فيها المزارع والبساتين «5» ، وكان اليهود يخضعون في حكمهم للأحبار
(1) يثرب: «سميت بذلك؛ لأن أول من سكنها بعد التفرق يثرب بن فانية بن مهلهل بن أزم، وقد ذكر لها السمهودي أسماء كثيرة: أشهرها طيبة والباقية والمباركة وغيرها» . انظر: ابن الفقيه، مختصر (ص 23) . والبكري عبد الله بن عمر بن عبد العزيز (487) . معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت، سنة (1945 م)(ج 2، ص 1389) . ياقوت، معجم (ج 5، ص 430) . والسمهودي جمال الدين أبو المحاسن عبد الله بن السيد الشريف (ت 1011 هـ) وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى، مطبعة الاداب والمؤيد، مصر سنة (1326 هـ)(ج 1، ص 7- 19) .
(2)
الأصفهاني، الأغاني (ج 19، ص 94) . والسهيلي، الروض (ج 4، ص 290) . وابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 286) . وجواد علي، المفصل (ج 4، ص 133) .
(3)
ذكرت قصة سيل العرم في القران، انظر: سورة الزخرف: اية (15، 16) . سيل العرم: ماء أحمر أرسله الله في السد فغار الماء. وقيل: العرم: اسم الوادي، وقيل: المطر الشديد الذي أرسله الله عليهم. انظر: الزمخشري، الكشاف (ج 3، ص 385) . والقرطبي، الجامع (ج 14، ص 285) . وأبا حيان أثير الدين أبا عبد الله بن يوسف (ت 754 هـ) البحر المحيط (ط 1) مطبعة السعادة، مصر سنة (1328 هـ)(ج 8، ص 269) . والسيوطي، الدر المنثور (ج 6، ص 691) .
(4)
ابن رستة أبو علي أحمد بن عمران (توفي نحو 300 هـ) الأعلاق النفسية ليدن، نسخة مصورة عن بغداد، مكتبة المثنى سنة (1891 م)(ص 630) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 655) . وابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 288، 289) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 125) .
(5)
ابن رستة، الأعلاق (ص 63) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 655، 658، 680، 681) . وابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 288، 289) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 125، 126) . وسيديوا، تاريخ العرب العام، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية (1367 هـ، 1948 م)(ص 51) .
الذين يرجع إليهم اليهود في كل قضاياهم السياسية والإدارية والقضائية «1» . وقد أشارت الاية القرانية إلى ذلك فقال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31]«2» . ويبدو أن هؤلاء الأحبار كانوا يرهقون الناس بأخذهم الأموال مقابل المعاملات التي يقومون بها من زواج وطلاق وقضاء وغيرها، فقال الله تعالى ينعي عليهم ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [التوبة: 34]«3» .
ولعلنا لا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا: إن الإدارة عند اليهود كانت إدارة دينية بحتة يقوم بها الأحبار ورجال الدين اليهودي.
أما الإدارة المدنية عند العرب الذين نزلوا بجانب اليهود، فكانت قد نظمت بأن انقسمت يثرب إلى دوائر زراعية «4» ، كل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكل بطن من البطون الكبيرة يضم طائفة من البطون الصغيرة، يشرف عليها شيخ كل بطن من البطون، كما أشار إلى ذلك السمهودي (ت 1011 هـ) في كتابه «5» .
ومع الوقت أصبح هناك شبه توازن في نظام الحكم بين بطون يثرب الكبيرة، فكانت كل البطون تثور إذا أراد بطن كبير أن يستأثر بالنفوذ «6» ، إذ إن إقامة نوع من الحكم يهيمن على الشؤون العامة لم يكن ممكنا، فلم تذكر الروايات أن أهل يثرب قد خضعوا لرئيس واحد، ويبدو أن الحروب التي قامت بين الأوس والخزرج كانت نتيجة لهذا التنافس القبلي على الرياسة، واحتلال مركز الصدارة في يثرب «7» . ولعل اليهود كان لهم الدور الأكبر في إثارة هذه النزاعات.
(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 550، 564، 566)(ابن إسحاق) . ولفنستون إسرائيل، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، لجنة التأليف والنشر، القاهرة (1927 م)(ص 21، 22) .
(2)
انظر: الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 185، 186) . والسيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 174) .
(3)
انظر: ابن كثير، مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني (ط 7) بيروت، دار القران الكريم (1402 هـ، 1981 م)(ج 2، ص 138، 139) .
(4)
السمهودي، وفاء (ج 1، ص 134، 135) . الشريف، دور الحجاز (ص 50) .
(5)
السمهودي (ج 1، ص 134، 135) . وعن بطون الأوس والخزرج وتقسيماتها انظر: ابن الأثير، الكامل. (ج 1، ص 656- 658) . والسمهودي (ج 1، ص 136، 137، 146، 147، 148، 149) .
(6)
السمهودي، وفاء (ج 1، ص 152- 156) . ولفنستون، تاريخ (ص 118) .
(7)
عن الحروب بين الأوس والخزرج انظر: ابن رستة، الأعلاق (ص 64) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 659، 663، 665، 672، 673، 676، 677، 678، 680، 681، 682) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 152- 156) .
ويلاحظ أنه في أواخر عهد يثرب بالجاهلية، حاول أهلها أن يصلوا إلى صيغة مشتركة من أجل حكمها وإدارتها، وذلك بأن يحكم يثرب أحد زعماء الأوس عاما، وأحد زعماء الخزرج عاما اخر؛ أي أن يكون الحكم بالتناوب «1» . فاصطلحوا ابتداء أن يكون عبد الله بن أبي بن سلول (ت 9 هـ) ملكا عليهم «2» ، ولم نجد في الروايات ما يشير إلى وجود «ملأ» ليثرب، أو مكان للاجتماع «كدار الندوة» ، ولكن بعض الإشارات تفيد أن وجهاء كل بطن كان لهم مكان يجتمعون فيه يسمى «السقيفة» «3» .
أما «إدارة يثرب المالية» فتتمثل في أن اليهود قد استوطنوا هذه المنطقة لخصوبتها، فأقاموا الحوائط وحفروا الابار للشرب والسقي «4» ؛ ولذلك فقد عرفت يثرب وما حولها بكثرة نخلها، ويلاحظ أن اليهود والعرب قد أداروا هذه الزراعة بنجاح كبير، فزرعوا النخل على شكل صفوف في بساتين منظمة، حتى إن البطون والقبائل نزلت ونظمت نفسها في شعاب، وفي الشعاب بساتين، وفي البساتين قنوات وابار «5» .
ساعدت خصوبة التربة مع وجود الماء في يثرب على زراعة أنواع مختلفة من المزروعات، ولعل أشهرها جميعا «النخيل» ، وعليه كان يعتمد أهل يثرب في طعامهم وتجارتهم «6» .
(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 584، 585) . والبيهقي أبو بكر أحمد بن حسين (ت 458 هـ) ، دلائل النبوة تعليق عبد المعطي القلعه جي، (ط 1) دار الكتب العلمية، بيروت (ج 1، ص 449، 500) . ومحمد رأفت عثمان، رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي، مطبعة السعادة القاهرة، د. ت (ص 9) .
(2)
ابن حبيب، المحبّر (ص 233) . وابن حزم، جمهرة (ص 354، 355) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 680، 681) . وابن خالدون (ج 2، ص 289، 290) . والمقريزي، تقي الدين أحمد بن علي (ت 845 هـ) إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع، تحقيق محمود محمد شاكر (ط 2) الشؤون الدينية قطر، د. ت (ج 1، ص 99) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 584، 585) . والبيهقي، دلائل (ج 1، ص 499، 500) . وجواد علي، المفصل (ج 4، ص 253) .
(4)
الطبري، تاريخ (ج 2، ص 357) . (رواية ابن إسحاق) . وابن منظور، اللسان (ج 7، ص 279، 280) .
(5)
م. ن (ج 2، ص 357)(ابن إسحاق) . م. ن (ج 2، ص 279، 280) . والزّبيدي، التاج (ج 5، ص 123) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 133- 135) .
(6)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 76، 95، 96، 97، 101، 102) . والخزاعي علي بن عمر التلمساني (ت 789 هـ) ، تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، تحقيق أحمد محمد أبي سلامة، القاهرة (1980 م)(ص 712، 713) . والكتاني، عبد الحي الإدريسي الحسني الفاسي (لم يعرف تاريخ وفاته) نظام الحكومة النبوية المسمى «التراتيب الإدارية» ، دار إحياء التراث العربي، بيروت د. ت (ج 1، ص 400- 403) .
افتخر أهل يثرب بإتقانهم زراعة النخيل، حتى إننا نجد كعب بن مالك (ت 50 هـ) افتخر على مكة يوم الخندق (5 هـ) بأن قومه غرسوا النخيل حدائق تسقى بالنضح من ابار حفرت على زمن عاد، وأن لهم الزرع الذي يتباهى بسنبله الجميل «1» . وكانت إدارة هذه المزارع والابار عن طريق أصحابها فيحفرون الابار «2» . ليستفيدوا من مياهها، وقد يكرونها لغيرهم مقابل أجرة معينة «3» .
وكان لليهود دور كبير في زراعة يثرب، فأدخلوا أنواعا من الأشجار، وطرقا جديدة للحراثة والزراعة «4» .
أما الصناعة فقد اشتهر بها اليهود، فكان يهود بني قينقاع يشتهرون بصناعة «الصياغة» «5» ، وكان هناك كثير من الصناعات المعتمدة على الزراعة «6» ، وكذلك أعمال الحدادة والتجارة والخواصة كانت نشيطة في المدينة «7» .
وكانت صناعة الأسلحة قد احترف بها اليهود والعرب «8» . وكذلك صناعة النسيج التي تقوم بها النساء «9» ، كما كانت الخياطة والدباغة من الصناعات التي يديرها الناس بإتقان «10» . أضف إلى ذلك وجود البنائين الذين يبنون المنازل ويصنعون الطوب، وصناع يصنعون انية المنازل وأدواتها مما يستعمل الناس في حياتهم اليومية «11» .
(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 263- 266) . هذه الابار مثل الغاب واليزدي، انظر: شعر كعب بن مالك يصف ذلك في قصيدته بعد الخندق. ابن هشام، السيرة (م 2، ص 263- 266) .
(2)
من هذه الابار (غرس) وهي من أجودها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«نعم البئر غرس» وهناك بئر (أبي أنس) و (بضاعة) و (والبقع)، كان أهل يثرب يشربون منها ويسقون نخليهم. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 503) والزّبيدي، تاج العروس (ج 4، ص 201)(غرس)(ج 5، ص 278)(بضع) . وجواد علي، المفصل (ج 7، ص 213، 214) .
(3)
جواد علي، المفصل (ج 7، ص 214) .
(4)
ولفنستون، تاريخ اليهود (ص 17) .
(5)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 78، 79) . قال: «جاءت فاطمة إلى رجل صواغا من بني إسرائيل بإذخر لتبيعه وتستعين به على وليمة عرسها» . وانظر: الواقدي، المغازي (ص 178، 179) . ولفنستون، تاريخ اليهود (ص 19) .
(6)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 79، 80، 81) .
(7)
م. ن (ج 3، ص 79، 80، 86، 87) . وابن الأثير، أسد الغابة (ج 1، ص 43) . والمقريزي، إمتاع الأسماع (ج 1، ص 245) . والخزاعي، الدلالات (ص 724، 725، 728) . وابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد (ت 463 هـ) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، مكتبة النهضة، مصر. د. ت (ج 1، ص 55) .
(8)
الخزاعي، الدلالات (ص 728، 738، 750) . والسمهودي، وفاء (ص 198، 199) .
(9)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 79، 80، 86، 87) .
(10)
م. ن (ج 3، ص 79، 80، 86، 87) .
(11)
الشريف، دور الحجاز (ص 63) .
لم يشتهر أهل يثرب بالتجارة كأهل مكة، ومع ذلك فقد خرجوا في قوافل تجارية إلى الشام والهند «1» . وكان اليهود قد استولوا على السوق التجارية في يثرب، فكانوا يجلبون إلى سوقها من البضائع ما يحتاج إليه أهلها «2» ، كما كانت «الساقطة» تنزل يثرب ومعها البر والشعير والزيت والتين والقماش «3» ، كما اشتغل اليهود أيضا بالصيرفة والربا «4» ، وكان الأعراب يحفظون عندهم ودائعهم، وأشارت ايات القران الكريم إلى ذلك «5» ، فكان العرب يقترضون من اليهود المال والطعام مقابل ربا فاحشا يفرضونه عليهم «6» ، ويلاحظ أن أهل يثرب قد تعاملوا مع أهل البادية «7» . وكذلك كان لهم تعامل مع القوافل المكية التي تمر بهم «8» . ومع أن أسواق يثرب كانت بيد اليهود وكانوا يسيطرون بشكل كبير على الحياة الاقتصادية فيها، إلا أن هذا لم يمنع أهل يثرب من أن يرحلوا إلى الأسواق العربية في عكاظ ومجنة وذي الجماز «9» . وأن يستوردوا ما يحتاجون إليه من الزيت والنبيذ والعطور والمسك وغيره «10» .
أما «الإدارية العسكرية» فهي تتمثل في أن يثرب على شاكلة مكة، فهي بغير سور ولا حائط يحيط بها، وتعويضا عن ذلك، فقد ابتنى اليهود والعرب الحصون والاطام من الحجارة القوية «11» . فكان اليهود يخزنون فيها أموالهم وثمارهم وكل غال عندهم،
(1) البخاري، الصحيح (ج 3، ص 71، 72) . «قال: عن زيد بن ثابت قال: خرجنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله عن الصرف، فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس» . وانظر: البلاذري، فتوح (ص 20) . وجواد علي، المفصل (ج 7، ص 313، 314) .
(2)
الواقدي، محمد عمر بن واقد (ت 207 هـ) ، كتاب المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت. د. ت (ص 16) .
(3)
الساقطة: الذين يتسقطون الأخبار، ولم يعرف هل هم من الروم أم اليهود أم العرب. انظر: جواد علي، المفصل (ج 4، ص 141) .
(4)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 77، 78) . والطبري، تفسير (ج 9، ص 291، 292) .
(5)
الطبري، تفسير (ج 6، ص 519- 521) . انظر: سورة ال عمران [اية: 75] .
(6)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 77، 78) . والطبري، تفسير (ج 9، ص 291، 292) . وابن كثير، مختصر (ج 1، ص 464) .
(7)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 81- 83) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 540، 544، 545) .
(8)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 450) .
(9)
البخاري، صحيح البخاري (ج 3، ص 81، 82) .
(10)
الخزاعي، تخريج (ص 643) .
(11)
الطبري، تاريخ (ج 2، ص 575)(ابن إسحاق) . وابن منظور، اللسان (ج 12، ص 19) . والزّبيدي، التاج (ج 8، ص 187) . والسمهودي (ج 1، ص 144- 155) . ولفنستون، تاريخ اليهود (ص 16) .
فيدخلون إليها في الليل ولا يخرجون منها إلا صباحا «1» . وتشير كتب السير إلى مجموعة من حصون اليهود، وأشهرها حصن كعب بن الأشرف (قتل سنة 3 هـ) ، وحصون بني قريظة وغيرها «2» .
وكان للعرب مجموعة من الحصون، ويلاحظ أن الحرب بين الأوس والخزرج جعلتهم يحافظون على هذه الحصون ويحصنونها، فكانوا يتحاربون على تلك الحصون والاطام حتى صاروا يؤرخون «عام الاطام» «3» ، واشتهر أيضا أطم «الصناجي» وغيره، وقد أشارت كتب السيرة إلى مجموعة من هذه الحصون «4» .
لقد كان اليثربيون أهل قوة وجلد وصبر على الحروب، ولا سيما وأن الحروب التي وقعت بينهم قد أكسبتهم مهارة عسكرية فائقة، جعلتهم يقولون للنبي في بدر:«وما نكره أن تلقى بنا عدونا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء» «5» .
لقد كانت يثرب تملك من القوة الحربية ما تستطيع به فعلا أن تحمي نفسها «6» .
وكان لديهم من الأسلحة ما يستطيعون به الوقوف أمام القبائل الطامعة في خيرات يثرب «7» . أضف إلى ذلك؛ أن يثرب كانت موطنا من مواطن صناعة الأسلحة، وبخاصة صناعة الدروع، وقد اشتهر بصناعتها اليهود «8» ، وكذلك صناعة السهام وهي تعدّ من أجود السهام «9» .
وتشير الروايات إلى أن زعماء البطون هم الذين كانوا يقومون على تعبئة الناس وقيادتهم في الحروب، كما يظهر من دراسة الحروب التي خاضوها قبل الإسلام،
(1) الواقدي، المغازي (ص 184) .
(2)
م. ن (ص 184) . وابن هشام، السيرة (م 2، ص 51، 58، 235، 237) . وابن سعد، الطبقات (ج 2 ص 31- 34) . ولفنستون، تاريخ اليهود (ص 16) .
(3)
المسعودي علي بن الحسين (ت 346 هـ) التنبيه والإشراف، تحقيق عبد الله إسماعيل الصاوي، القاهرة، دار الصاوي (1938)(ص 176، 177) .
(4)
الزّبيدي، التاج (ج 10، ص 217) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 615) . وابن سعد (ج 1، ص 217، 218)(قالوا) الحلبي، السيرة الحلبية (ج 2، ص 199) .
(6)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 364) .
(7)
م. ن (ج 1، ص 364) . والشريف، دور الحجاز (ص 59) .
(8)
الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 728) . والسمهودي، وفاء (ص 198، 199) . والشريف، دور الحجاز (ص 59) .
(9)
الخزاعي، تخريج (ص 728) . وانظر: الواقدي، المغازي (ص 184) .
وكانت اخرها حرب «بعاث» ثم جاء الإسلام «1» .
وهكذا؛ فإن يثرب قد حرمت من وجود غاية واحدة يجتمع عليها أهلها بالمقارنة مع مكة، ولم يكن لها من التنظيم الإداري كما كان لمكة، وكان المجتمع اليثربي مجتمعا قبليّا، كل قبيلة لها نظامها وقيادتها التي تقوم بإدارتها على أساس قبلي بحت، وبذلك ظلت الحياة القبلية تفرض نفسها في يثرب، ويمكن القول: إننا لم نلمح فرقا كبيرا بينها وبين حياة القبائل في أنحاء الجزيرة إلا بالاستقرار الذي فرضته الحياة الزراعية على أهلها.
(1) ابن رستة (ص 64) . وابن الأثير (ج 1، ص 659، 662، 665، 672، 673، 676، 677، 678، 680، 681) . والسمهودي، وفاء (ج 1، ص 152- 156) .
الإدارة في عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم
الفصل الثّاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة
أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة.
ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة.
ثالثا: ملامح الإدارة في الهجرة النبوية.
رابعا: إجراات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة.