الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع الإدارة المالية
رابعا: تنظيم شؤون التجارة
حمل المسلمون المهاجرون إلى المدينة معهم نزعة قريش التجارية، فيذكر البخاري (ت 256 هـ) أن عبد الرحمن بن عوف (ت 34 هـ) ما كاد يصل إلى المدينة حتى سأل عن السوق، وبدأ يبيع ويشتري حتى جمع مالا فتزوج «1» ، وكان عمر بن الخطاب (ت 23 هـ) ممن يتاجر بالسوق حتى قال:«ألهاني الصفق بالأسواق» «2» .
لقد شعر النبي صلى الله عليه وسلم في وقت مبكر بضرورة إنشاء سوق تجارية للمسلمين، يستطيع من خلالها أن يخلص الاقتصاد المدني من سيطرة اليهود وجشعهم «3» ، وكانت هذه السوق مكشوفة، وتباع فيها منتوجات المدينة والبوادي المجاورة وما يأتي إليها من الخارج، وذلك في إطار إجراات شرعية تنظيمية كان على التجار الالتزام بها «4» ، فقد منعت الدولة بيع السلع المحرمة (مثل الخمرة، والخنزير)«5» ومنعت جميع أنواع الربا «6» . ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التصرية «7» فقال عليه السلام: «من اشترى شاة مصراة أو لقحة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام
…
» «8» ، ونهى عن الاحتكار فقال:«لا يحتكر إلا خاطئ» «9» وعن بيع الثمار قبل أن
(1) البخاري، الصحيح (ج 5، ص 39، 88) .
(2)
م. ن (ج 3، ص 72، 86) .
(3)
عمر بن شبة، تاريخ المدينة (ج 1، ص 304) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 751) .
(4)
إبراهيم بيضون، تجارة المدينة في صدر الإسلام، (بحث غير منشور) ، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (1407 هـ، 1987 م) ، (ص 19) .
(5)
انظر ايات تحريم الخمرة والخنزير: البقرة (اية: 173، 219)، المائدة (اية: 3، 90، 91) ، الأنعام (اية: 145) . وانظر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في: البخاري، الصحيح (ج 6، ص 67) . الترمذي، الصحيح (ج 3، ص 565) .
(6)
أنواع الربا: أ- ربا التفاضل: وهو بيع الكيل من التمر الجيد بالكيلين أو الثلاثة من رديء التمر. ب- ربا العينة: وهو أن يشتري شخص سلعة من اخر بثمن معلوم إلى أجل، ويقبض المشتري السلعة ثم يعود ويبيعها من صاحبها بثمن أقل من الثمن الذي اشتراها به، ثم يأخذ ثمنها نقدا على سبيل الدين. انظر: الشافعي، الأم، (ج 3، ص 14، 15) . وانظر ايات تحريم الربا في: البقرة (اية: 275- 278) . وانظر أحاديث تحريم الربا في: البخاري، الصحيح (ج 3، ص 92) . مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 2) .
(7)
انظر تفاصيل ذلك: البطانية، الحياة الاقتصادية (ص 33) .
(8)
البخاري، الصحيح (ص 93) . الدارمي، السنن (ج 2، ص 251) .
(9)
الصنعاني، المصنف (ج 8، ص 202) . الترمذي، الصحيح (ج 3، ص 567) .
يبدو صلاحها (ثمار)«1» ، كما نهى عن أن يبيع حاضر لباد «2» ، ونهى عن النجش «3» وتلقي الركبان قبل وصولهم إلى السوق «4» ، وعن بيع الملامسة «5» ، والمنابذة «6» ، والمزابنة «7» ، ونهى عن السمسرة «8» ، والخداع «9» ، والغش «10» ، والحلف «11» ، إلى غير ذلك من التشريعات التي نظمت عمليات البيع والشراء في سوق المدينة.
قامت الدولة بمنع التمايز بين التجار أو الخصومة، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحراق خيمة أقامها أنصاري في السوق «12» ، وذلك حتى لا يظهر مميزا عن بقية التجار، وكانت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم تقضي بضرورة التسامح بين المتابعين فقال:«رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى» «13» ، وتشير الاية الكريمة إلى هذا الخلق فقال تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] . وذكر البخاري (ت 256 هـ) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» «14» .
كان النبي صلى الله عليه وسلم يراقب شؤون السوق بنفسه، وطلب منه بعض الصحابة أن يحدد تسعيرة المواد المعروضة في السوق، فذكر الدارمي (ت 255 هـ) رد النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بقوله: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني أرجو أن ألقى ربي
(1) الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 229، 230) . ابن حجر، فتح الباري (ج 9، ص 213) .
(2)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 94) . الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 227) .
(3)
النجش: بأن يزيد في السلعة ولا يريد شراءها. انظر: البخاري، الصحيح (ج 3، ص 91) . الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 229، 230) .
(4)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 95) . الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 227- 229) .
(5)
الملامسة: وهو اللمس باليد كأن يقول: إذا لمست المبيع وجب البيع. انظر: البخاري، الصحيح (ج 3، ص 91) . مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 2) .
(6)
المنابذة: بأن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينذر إليه الاخر بثوبه دون تراضى أو نظر. انظر: البخاري، الصحيح (ج 3، ص 92) . مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 2) .
(7)
المزابنة: وهو شراء التمر بالتمر وهو على رؤوس النخل، ينظر: مسلم بشرح النووي (ج 5، ص 16، 17) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 658) . الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 332) .
(8)
السمسرة: وهو أن يتوكل الرجل من الحاضرة للبادية فيبيع ما يجلبونه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 4، ص 380) .
(9)
الدارمي، السنن (ج 2، ص 248) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 55) .
(10)
م. ن (ج 2، ص 248) . م. ن (ج 6، ص 55) .
(11)
الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 214) .
(12)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 2، ص 249) . بيروت، طبعة إحياء التراث العربي.
(13)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 57) .
(14)
م. ن (ج 3، ص 77) .
وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه بدم ولا مال» » .
وترد إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة لاحقة ولى عمر بن الخطاب أمر السوق في المدينة، في حين ولى سعيد بن العاص أمر السوق في مكة «2» .
ولقد قامت الدولة بتنظيم شؤون التجارة، فكان لابد من كتابة الديون كنوع من التوثيق من أجل حفظ حقوق الاخرين، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
…
[البقرة: 282] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب ما يبيعه وما يشتريه فيذكر البخاري (ت 256 هـ) نص هذا الكتاب، حيث جاء فيه «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشترى عبدا أو أمة (شك الراوي) لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم» «3» .
وكانت المرونة والحرية والانفتاح سمة من سمات الدولة في فترة الرسالة، حيث سمح للمسلمين بالتعامل التجاري بحرية حتى مع الكفار، روى البخاري (ت 256 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى شاة من مشرك «4» ، وتبايع مع اليهود واقترض منهم فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد «5» .
أما «النقود المتداولة» في فترة الرسالة، فكانت تتمثل في «الدينار» «6» وهو عملة مضروبة في بيزنطة من الذهب الخالص «7» ، وكان الناس يتعاملون به وزنا إذا كثر، وعدّا إذا قل، وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم التعامل مع هذه الدنانير على ما كانت عليه في الجاهلية، وكان «الدرهم» «8» من النقود التي تعامل بها الناس، وهو مضروب في
(1) الدارمي، الصحيح (ج 2، ص 249) .
(2)
الحلبي، السيرة (ج 3، ص 345) .
(3)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 67) . الترمذي، الصحيح (ج 5، ص 220، 221) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص 317) . داء: العيب الباطن في السلعة. غائلة: المغيبة أو المسروقة. الخبثة: الضالة. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 11، ص 509) ، (ج 14، ص 289) .
(4)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 105) .
(5)
م. ن (ج 3، ص 74، 168) .
(6)
سمير شما، النقود المتداولة في عصر الرسول وعصر الخلفاء الراشدين، بحث مقدم إلى الندوة الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية، جامعة الرياض، (1402 هـ، 1982 م) ، (ص 5، 6) .
(7)
الدينار، يزن (4، 25) جرام من الذهب. انظر: شما، النقود المتداولة (ص 6) .
(8)
الدرهم، يساوي ستين شعيرة. انظر: الريس، الخراج (ص 363) . صبحي الصالح، النظم (ص 427) . شما، النقود المتداولة (ص 6) .
بلاد فارس، وكانت هذه الدراهم تختلف من حيث الوزن والحجم اختلافا كبيرا مما أدى إلى أن يتعامل الناس بها وزنا لا عدّا «1» .
ويلاحظ أن الدرهم كان مستعملا بشكل كبير، ولذا فقد كان صداق الرسول صلى الله عليه وسلم لنسائه- في الغالب- خمسمائة درهم «2» .
لقد امتهن بعض الصحابة مهنة «الصيرفة» اتضح ذلك من قول بعض الصحابة:
«كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف، فقال: «إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسّاء فلا يصلح» «3» ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد سعر السوق اليومي في الصيرفة، روى أبو داود (ت 275 هـ) قول ابن عمر (ت 68 هـ) :
«قلت: يا رسول الله إنى أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير واخذ الدراهم، وأبيع الدراهم واخذ الدنانير، اخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» «4» ، وهذا يوضح مدى انتشار هذه المهنة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما «الأوزان والمكاييل» المستعملة في هذه الفترة، فهي ذاتها التي عرفت قبل الإسلام ولكنها أصبحت مراقبة ومحددة وفقا للمعيار الذي يفرضه صاحب السوق، فعرفت في مكة «الأوزان» لأن طبيعة التعامل يقوم على التجارة في حين عرفت المكاييل في المدينة؛ لأنها ذات طابع زراعي «5» ، وقد جاء في الحديث:«الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» «6» ، واندرجات وحدات الكيل ما بين المد، والصاع، والوسق «7» والجريب، والقفير، الذي يستخدم أيضا- شأنه شأن الجرايب- كمقياس أرضي «8» ، وكذلك واحدات الوزن متفاوتة بين الدرهم والثقال
(1) البلاذري، فتوح (ص 652، 653) . وقال ابن منظور (ت 711 هـ) : تزن كل سبعة دنانير عشرة من الدراهم، والدنانير الكثيرة عند العرب إذا بلغت أربعة الاف سميت «قنطارا» . اللسان (ج، ص 119) .
(2)
ابن سلام، الأموال (ص 500) . الماوردي، الأحكام (ص 119) . وانظر: أبا يعلى، محمد بن الحسين بن الفراء (ت 458 هـ) ، الأحكام السلطانية، تحقيق محمد حامد الفقي (ط 3) بيروت دار الفكر، (1394 هـ، 1974 م) ، (ص 125) .
(3)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 98) .
(4)
أبو داود، السنن (ج 3، ص 650، 651) .
(5)
بيضون، تجارة المدينة (ص 21- 22) .
(6)
أبو داود، السنن (ج 3 ص 633- 636) . النّسائي، السنن (ج 7، ص 284) .
(7)
الوسق، ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: أبو يوسف، الخراج (ص 53) .
(8)
أبو يوسف، الخراج. والريس، الخراج (ص 290) .
والقيراط والأوقية والرطل والقنطار «1» ، والتي اعتبرت الواحدات الأساسية للوزن في العهد الأول «2» .
وتشير الروايات إلى أنه كان يقوم بالأسواق من يزن للناس، وكانت هذه وظيفة خاصة، يقوم بها بعضهم مقابل الأجر، فقد روى الدارمي (ت 255 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«زن وأرجح» «3» ، ووجدت هذه الوظيفة في سوق مكة، روى النّسائي (ت 303 هـ) عن سماك بن سويد أن قيسا قال: جلبت أنا ومخرقة العبدي بزّا من هجر فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ووزان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويل، فقال للوزان:«زن وأرجح» «4» ، ومما يشعر بوجود هذه الوظيفة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أن البخاري (ت 256 هـ) وضع بابا سماه «الكيل على البائع والمعطي» «5» وقد علق عليه ابن حجر (ت 854 هـ) بقوله:
«أي مؤنة الكيل على المعطي، بائعا كان أو موفي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن» «6» .
لقد كانت هذه التنظيمات تتناسب مع أهداف الإسلام العامة، في تحقيق معنى العدالة، وبناء مجتمع فاضل يقوم أساسه على الرحمة والحب والإخاء والتعاون.
(1) ابن منظور، اللسان (ج 5، ص 118، 119) .
(2)
بيضون، تجارة المدينة (ص 21، 22) .
(3)
الدارمي، السنن (ج 2 ص 260) . أبو داود، السنن (ج 3 ص 631) . الترمذي، الصحيح (ج 7، ص 284) . النّسائي، السنن (ج 6، ص 39، 40) . الكتاني، التراتيب (ج 2، ص 32) .
(4)
النّسائي، السنن (ج 7، ص 284) .
(5)
ابن حجر، فتح الباري (ج 9، ص 200) .
(6)
م. ن (ج 9، ص 200) .