الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء
ثانيا: القضاء في الأمصار
لم يكن للمسلمين في حاضرة الدولة (المدينة) قاض سوى النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنه تولى القضاء بنفسه، وولاه- أحيانا- غيره من الصحابة في حضرته، ليعلمهم كيفية القضاء بين الناس وأصوله حتى يقوموا بهذا الدور في حال غيابه أو وفاته، أو من أجل تدريبهم واختبارهم قبل إرسالهم للقضاء في أمصار الدولة المختلفة.
ذكر الحاكم (ت 405 هـ) أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم خصمان، فقال لعمر بن الخطاب:
«اقض بينهما» «1» ؛ ولذلك قال عثمان بن عفان (ت 35 هـ) لعبد الله بن عمر (ت 73 هـ) في خلافته: «اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين؟
قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
» «2»
وذكر معقل بن يسار (ت 65 هـ) قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي وقال: إن الله مع القاضي ما لم يجف عمدا» «3» ويروي الدارقطني (ت 385 هـ) : أن قوما اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خص (بيت من قش) كان بينهم، فبعث حذيفة يقضي بينهم فقضى للذين يليهم معاقد القمط (ما تشد به الأخصاص وغيرها)، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبره فقال:«أصبت وأحسنت» «4» واستقضى النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر الجهني في خصومة معينة، فقد روى أحمد (ت 241 هـ) قال: جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختصمان فقال: «قم يا عقبة اقض بينهما» ، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت أولى بذلك قال:«وإن كان اقض بينهما» «5» وكان هؤلاء الذين قضوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة أو أكثر كانت ولاية أحدهم تنتهي بالفصل في هذه الحادثة.
(1) المستدرك، الحاكم (ج 4، ص 88) . وانظر: الماوردي، أدب القاضي (ج 2، ص 387) .
(2)
ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (ج 6، ص 63، 64) .
(3)
أحمد، المسند (ج 5، ص 26) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 258) . وانظر: أحمد عبد المنعم البهتي، تاريخ القضاء في الإسلام، القاهرة، مطبعة لجنة البيان العربي، (1965 م) ، (ص 61، 62) .
(4)
الدارقطني، السنن (ج 4، ص 229) . وانظر: القرطبي، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 87) .
(5)
الدارقطني، السنن (ج 4، ص 203) .
ولما اتسعت الدولة الإسلامية لتشمل الجزيرة، كان لابد من إرسال الولاة إلى أطراف الدولة المختلفة يعهد إليهم بالقضاء كجزء من أعمالهم في إدارة شؤون الولاية، فبعث عليّا إلى اليمن وقال له: «ادعهم إلى الإسلام
…
واقض بينهم» فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال:«اللهم اهده للقضاء» «1» ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزود قضاته بمجموعة من التوجيهات، ومن ذلك ما رواه علي قال: بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء، فقال:«إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» ، قال علي: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد «2» . وتشعر الروايات أن عليّا بقى قاضيا في اليمن حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ولم يرجع إليها بعد ذلك «3» .
كما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن عام فتح مكة، أي في أواخر السنة الثامنة للهجرة، وقيل: قبل حجة الوداع، ولكن المصادر لا تذكر تاريخا محددا لإرسال كل من علي ومعاذ وأبي موسى إلى اليمن، ويمكن القول أن عليّا ذهب لفترة قصيرة ثم عاد إلى المدينة حيث شارك في حجة الوداع (10 هـ)«4» ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبقيا في اليمن حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكانت اليمن قد قسمت بين معاذ وأبي موسى، فكان لمعاذ الجهة العليا صوب صنعاء (اليمن الشمالي حاليّا) ، وكان من عمله أيضا الجند، وهو مكان يبعد عن صنعاء ثمانية وخمسين فرسخا «5» ، وكانت جهة أبي موسى السفلى (اليمن الجنوبي حاليّا) ، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه صار قريبا من صاحبه، فيزوره ويسلّم
(1) أبو داود، السنن (ج 4، ص 11، 12) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 7) . الحاكم، المستدرك (ج 4، ص 88) . وانظر: وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 84، 86، 87، 88) .
(2)
أبو داود، السنن (ج 4، ص 11، 12) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 774) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 327- 338) . وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 84، 85) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 264، 265) .
(3)
ذكرت المصادر كذلك أن عليّا شارك أبا بكر في حجه (9 هـ)، وشارك الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (10 هـ) . انظر: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 602)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 122- 148) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 545، 602) . والطبري، تاريخ (ج 3، ص 122، 148) .
(5)
ياقوت، معجم البلدان (ج 2، ص 169) .
عليه، وكانا قد بعثا واليين وقاضيين يعلّمان الناس القران وشرائع الإسلام، وزودهم النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهاته فقال:«يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» «1» .
ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لجأ إلى أسلوب الاختيار للتأكد من صلاحية المرشح للقضاء وكفاءته قبل إسناد الوظيفة إليه، يتضح ذلك من خلال أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ عندما أرسله قاضيا قال:«كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله
…
فضرب رسول الله في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2»
ويذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح قاضيا إلى نجران، وذلك أن وفد نجران طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث معهم رجلا من أصحابه يرضاه لهم يحكم بينهم في أمور اختلفوا بينهم فيها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة، وقال له:«اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه» «3» ، وكذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد (ت 13 هـ) على مكة بعد فتحها (8 هـ) واليا وقاضيا «4» .
وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الولاة الاخرين فكانوا يقومون بفض الخصومات وتنفيذ الأحكام وتعليم الناس الإسلام «5» . وهذا يفيد أن ولاية القضاء لم تكن مستقلة، بل كانت ضمن الولاية العامة التي تشمل القضاء وغيره.
(1) البخاري، الصحيح (ج 5، ص 204) . وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 10) .
(2)
أحمد، المسند (ج 5، ص 230) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 18، 19) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 68، 69) . البيهقي، السنن (ج 9، ص 86) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 584) . البيهقي، السنن (ج 9، ص 86) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 440، 500) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 137) . الأزرقي، أخبار مكة، (ج 2، ص 40) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 294) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 128، 129)(ابن إسحاق) . المقريزي، إمتاع الأسماع (ص 501، 502) .