المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الخامس: في الكلام على «هوى» : - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - جـ ٣

[الصالحي الشامي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌جماع أبواب معراجه صلى الله عليه وسلم

- ‌الكلام على هذه الآية من وجوه:

- ‌الأول: في سبب نزولها:

- ‌الثاني: في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها:

- ‌الثالث: في حكمة استفتاحها بالتسبيح:

- ‌الرابع: في الكلام على سبحان الله:

- ‌الخامس: في الكلام على «أسرى» :

- ‌السادس: في الكلام على العبد:

- ‌السابع: في الكلام على قوله تعالى: «ليلا»

- ‌الثامن: في الكلام على قوله تعالى (من المسجد الحرام) :

- ‌التاسع: في الكلام على قوله: الحرام

- ‌العاشر: في الكلام على الأقصى

- ‌الباب الثاني في تفسير أول سورة النجم

- ‌الكلام على هذه الآيات من وجوه:

- ‌الأول: في سبب نزولها

- ‌الثاني: في مناسبة هذه السورة لما قبلها:

- ‌الثالث: في الكلام على القسم الواقع هنا

- ‌الخامس: في الكلام على «هوى» :

- ‌الثامن عشر: في الكلام على السّدرة وإضافتها إلى المنتهى

- ‌الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى ليلة المعراج

- ‌ذكر أدلة القول الأول

- ‌تنبيهات

- ‌ذكر أدلة القول الثاني

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الرابع في أي زمان ومكان وقع الإسراء

- ‌الباب الخامس في كيفية الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهل تكررّ أم لا

- ‌الفصل الثاني: في تكرره:

- ‌شرح غريب ما سبق

- ‌الباب السادس في دفع شبهة أهل الزّيغ في استحالة المعراج

- ‌الباب السابع في أسماء الصحابة الذين رووا القصة عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الثامن في سياق القصة

- ‌الباب التاسع في تنبيهات على بعض فوائد تتعلق بقصة المعراج

- ‌الأول:

- ‌الثاني:

- ‌الثالث:

- ‌الرابع:

- ‌الخامس:

- ‌الأولى:

- ‌الفائدة الثانية:

- ‌الفائدة الثالثة:

- ‌التنبيه السادس:

- ‌التنبيه السابع:

- ‌التنبيه الثامن:

- ‌التنبيه التاسع:

- ‌التنبيه العاشر:

- ‌التنبيه الحادي عشر:

- ‌التنبيه الثاني عشر:

- ‌التنبيه الثالث عشر:

- ‌التنبيه الرابع عشر:

- ‌التنبيه الخامس عشر:

- ‌التنبيه السادس عشر:

- ‌التنبيه السابع عشر:

- ‌التنبيه الثامن عشر:

- ‌التنبيه التاسع عشر:

- ‌التنبيه العشرون:

- ‌التنبيه الحادي والعشرون:

- ‌التنبيه الثاني والعشرون:

- ‌التنبيه الثالث والعشرون:

- ‌التنبيه الرابع والعشرون:

- ‌التنبيه الخامس والعشرون:

- ‌التنبيه السادس والعشرون:

- ‌التنبيه السابع والعشرون:

- ‌التنبيه الثامن والعشرون:

- ‌التنبيه التاسع والعشرون:

- ‌التنبيه الثلاثون:

- ‌شرح الغريب

- ‌التنبيه الحادي والثلاثون:

- ‌التنبيه الثاني والثلاثون:

- ‌التنبيه الثالث والثلاثون:

- ‌التنبيه الرابع والثلاثون:

- ‌التنبيه الخامس والثلاثون:

- ‌التنبيه السادس والثلاثون:

- ‌التنبيه السابع والثلاثون:

- ‌التنبيه الثامن والثلاثون:

- ‌التنبيه التاسع والثلاثون:

- ‌التنبيه الأربعون:

- ‌التنبيه الحادي والأربعون:

- ‌التنبيه الثاني والأربعون:

- ‌التنبيه الثالث والأربعون:

- ‌التنبيه الرابع والأربعون:

- ‌التنبيه الخامس والأربعون:

- ‌التنبيه السادس والأربعون:

- ‌التنبيه السابع والأربعون:

- ‌التنبيه الثامن والأربعون:

- ‌التنبيه التاسع والأربعون:

- ‌التنبيه الخمسون:

- ‌التنبيه الحادي والخمسون:

- ‌التنبيه الثاني والخمسون:

- ‌التنبيه الثالث والخمسون:

- ‌التنبيه الرابع والخمسون:

- ‌التنبيه الخامس والخمسون:

- ‌التنبيه السادس والخمسون:

- ‌التنبيه السابع والخمسون:

- ‌التنبيه الثامن والخمسون:

- ‌التنبيه التاسع والخمسون:

- ‌التنبيه الستون:

- ‌التنبيه الحادي والستون:

- ‌التنبيه الثاني والستون:

- ‌التنبيه الثالث والستون:

- ‌التنبيه الرابع والستون:

- ‌التنبيه الخامس والستون:

- ‌التنبيه السادس والستون:

- ‌التنبيه السابع والستون:

- ‌التنبيه الثامن والستون:

- ‌التنبيه التاسع والستون:

- ‌التنبيه السبعون:

- ‌التنبيه الحادي والسبعون:

- ‌التنبيه الثاني والسبعون:

- ‌التنبيه الثالث والسبعون:

- ‌التنبيه الرابع والسبعون:

- ‌التنبيه الخامس والسبعون:

- ‌التنبيه السادس والسبعون:

- ‌التنبيه السابع والسبعون:

- ‌التنبيه الثامن والسبعون:

- ‌التنبيه التاسع والسبعون:

- ‌التنبيه الثمانون:

- ‌التنبيه الحادي والثمانون:

- ‌التنبيه الثاني والثمانون:

- ‌التنبيه الثالث والثمانون:

- ‌التنبيه الرابع والثمانون:

- ‌التنبيه الخامس والثمانون:

- ‌التنبيه السادس والثمانون:

- ‌التنبيه السابع والثمانون:

- ‌التنبيه الثامن والثمانون:

- ‌التنبيه التاسع والثمانون:

- ‌التنبيه التسعون:

- ‌التنبيه الحادي والتسعون:

- ‌التنبيه الثاني والتسعون:

- ‌التنبيه الثالث والتسعون:

- ‌التنبيه الرابع والتسعون:

- ‌التنبيه الخامس والتسعون:

- ‌التنبيه السادس والتسعون:

- ‌التنبيه السابع والتسعون:

- ‌التنبيه الثامن والتسعون:

- ‌التنبيه التاسع والتسعون:

- ‌التنبيه الموفي مائة:

- ‌التنبيه الحادي والمائة:

- ‌التنبيه الثاني والمائة:

- ‌التنبيه الثالث والمائة:

- ‌التنبيه الرابع والمائة:

- ‌التنبيه الخامس والمائة:

- ‌التنبيه السادس والمائة:

- ‌التنبيه السابع والمائة:

- ‌التنبيه الثامن والمائة:

- ‌التنبيه التاسع والمائة:

- ‌التنبيه العاشر والمائة:

- ‌التنبيه الحادي عشر والمائة:

- ‌الباب العاشر في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وكيف فرضت الصلاة

- ‌تنبيهات

- ‌جماع أبواب بدء إسلام الأنصار

- ‌الباب الأول في نسبهم

- ‌الباب الثاني في فضلهم وحبهم والوصية بهم والتجاوز عن مُسيئهم والنهي عن بغضهم

- ‌الباب الثالث في بدء إسلامهم رضي الله عنهم

- ‌بيان غريب ما سبق

- ‌الباب الرابع في ذكر يوم بُعَاث

- ‌الباب الخامس في بيعة العقبة الأولى

- ‌الباب السادس في بيعة العقبة الثانية

- ‌الباب السابع في إسلام سعد بن معاذ وأُسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما

- ‌الباب الثامن في بيعة العقبة الثالثة

- ‌تنبيهات

- ‌شرح أبيات كعب بن مالك [الأنصاري]

- ‌شرح ما جاء في بيعة العقبة

- ‌شرح أبيات ضرار بن الخطاب وحسان بن ثابت

- ‌الباب التاسع في إسلام عمرو بن الجموح بفتح الجيم وبالحاء المهملة رضي الله تعالى عنه

- ‌تنبيهان

- ‌جماع أبواب الهجرة إلى المدينة الشريفة

- ‌الباب الأول في إذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثاني في سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثالث في قدر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ورؤياه الأرض التي يهاجر إليها

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الرابع في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات

- ‌قصة أم معبد رضي الله عنها

- ‌قصّة سراقة رضي الله عنه

- ‌تنبيهات

- ‌شرح قصة أم معبد رضي الله عنها

- ‌شرح شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه

- ‌شرح قصة سراقة بن مالك رضي الله عنه

- ‌الباب الخامس في تلقّي أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله بقباء وتأسيس مسجد قباء

- ‌تنبيهات

- ‌الباب السادس في قدومه صلى الله عليه وسلم باطن المدينة وما آلت إليه وفرح أهل المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيه: في بيان غريب ما سبق

- ‌جماع أبواب بعض فضائل المدينة الشريفة

- ‌الباب الأول في بدء شأنها

- ‌تنبيه: في بيان غريب ما سبق

- ‌الباب الثاني في أسماء المدينة مرتبة على حروف المعجم

- ‌الباب الثالث في النهي عن تسميتها يثرب

- ‌الباب الرابع في محبته صلى الله عليه وسلم لها ودعائه لها ولأهلها ورفع الوباء عنها بدعائه صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الخامس في عصمتها من الدجال والطاعون ببركته صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيهات

- ‌الباب السادس في الحث على الإقامة والموت بها والصبر على لأوائها ونفيها الخبث والذنوب واتخاذ الأصول بها والنهي عن هدم بنيانها

- ‌تنبيهات

- ‌الباب السابع في وعيد من أحدث بها حدثا أو آوى محدثاً أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثامن في تفضيلها على البلاد لحوله صلى الله عليه وسلم فيها

- ‌الباب التاسع في تحريمها

- ‌تنبيهات

- ‌الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها

- ‌جماع أبواب بعض حوادث من السنة الأولى والثانية من الهجرة

- ‌الباب الأول في صلاته صلى الله عليه وسلم الجمعة ببني سالم بن عوف

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم وبعض ما وقع في ذلك من الآيات

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثالث في بنائه صلى الله عليه وسلم حجر نسائه رضي الله عنهن

- ‌تنبيهان

- ‌الباب الرابع في بدء الأذان وبعض ما وقع فيه من الآيات

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الخامس في مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضي الله عنهم

- ‌تنبيهات

- ‌الباب السادس في قصة تحويل القبلة

- ‌تنبيهات

- ‌جماع أبواب بعض أمور دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والمنافقين ونزول صدر من سورة البقرة وغيره من القرآن في ذلك

- ‌الباب الأول في أخذ الله سبحانه وتعالى العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، إذا جاءهم، واعتراف جماعة منهم بنبوته، ثم كفر كثير منهم بغيا وعنادا

- ‌الباب الثاني في إسلام عبد الله بن سلام بن الحارث أبي يوسف

- ‌الباب الثالث في موادعته صلى الله عليه وسلم اليهود، وكتبه بينه وبينهم كتاباً بذلك، ونصبهم العداوة له ولأصحابه حسداً وعدواناً، ونقضهم للعهد

- ‌الباب الرابع في سؤال اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الخامس في تحيّرهم في مدة مكث هذه الأمة لمّا سمعوا الحروف المقطعة في أوائل السور

- ‌تنبيهات

- ‌الباب السادس في سبب نزول سورة الإخلاص

- ‌الباب السابع في إرادة شأس بن قيس إيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج لما رأى كلمتهم مجتمعة

- ‌الباب التاسع في سؤالهم عن أشياء لا يعرفها إلا نبي وجوابه لهم وتصديقهم إياه بأنه أصاب وتمرّدهم عن الإيمان به

- ‌الباب العاشر في رجوعهم إليه صلى الله عليه وسلم في عقوبة الزاني وما ظهر في ذلك من كتمانهم ما أنزل الله عز وجل في التوراة من حكمه وصفة نبيه صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الحادي عشر في سؤاله لهم أن يتمنّوا الموت إن كانوا صادقين في دعاوى ادّعوها

- ‌الباب الثاني عشر في سحرهم إيّاه صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيهات

- ‌الباب الثالث عشر في معرفة بعض طغاة المنافقين الذين انضافوا إلى اليهود وبعض أمور دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم

- ‌تنبيهات

الفصل: ‌الخامس: في الكلام على «هوى» :

قلت: قد تقدم نقله عن مجاهد، ونقله الماوردي عن الحسن أيضا. وقال الإمام الرازي:

«ومناسبة ذلك أن النجوم يهتدى بها فأقسم بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة» .

وقال ابن عباس في رواية عكرمة: أراد التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع. وهذا قول أبي الحسن الماوردي. وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورسولا، كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، فذعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن، كان يخبرهم بالحوادث، فسألوه عنها فقال: انظروا إلى البروج الاثني عشر فإن انقضّ منها شيء فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقضّ منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فاستشعروا ذلك، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه، فانزل الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، هوى لهذه النبوة التي حدثت.

الإمام الرازي: «إن الرجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض.

ابن القيم: «وهذه الرواية عن ابن عباس أظهر الأقوال، ويكون الحق سبحانه وتعالى قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له، على أن ما أتى به رسولا حق وصدق لا سبيل للشياطين ولا طريق لهم إليه، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور، وفي المقسم به دليل على المقسم عليه، فإن النجوم التي ترمى بها الشياطين آيات من آيات الله تعالى، يحفظ بها دينه ووحيه، وآياته المنزّلة على رسله، بها ظهر دينه وشرعه، وأسماؤه وصفاته. وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهادية.

وليس بالبيّن تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا، ولا عهد في القرآن بذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين أيضا تخصيص هذا القسم بالثّريّا وحدها إذا غابت، وليس بالبيّن القسم بالنجوم عند تناثرها يوم القيامة، بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث. فإنه سبحانه وتعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، فأظهر الأقوال قول الحسن وابن كثير وهذا القول له اتجاه» .

‌الخامس: في الكلام على «هوى» :

السمين: «العامل في «إذا» إما فعل القسم المحذوف وتقديره: أقسم بالنجم وقت هويّة» . قال أبو البقاء وغيره: «وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال. و «إذا» لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟.

ص: 29

الطيبي نقلا عن المقتبس: «الوجه أن «إذا» قد انسلخ عنها معنى الاستقبال، وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمرّ البسر، أي وقت احمراره، فقد عرّي عن معنى الاستقبال لأنه وقت الغيبة عنه، بقوله: آتيك» .

قال الشيخ عبد القاهر: «إخبار الله تعالى بالمتوقع مقام الإخبار بالواقع، إذا لا تكلف فيه، فيجري المستقبل مجرى المحقّق الماضي» .

السمين: «وإما مقدّر على أنه حال من النّجم، إذ أقسم به حال كونه مستقرا في زمان هويّه. وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن النّجم جثّة والزمان لا يكون حالا عنها، كما لا يكون خبرا، الثاني: «إذا» للمستقبل، فكيف تكون حالا؟.

وأجيب عن الأول: المراد بالنجم القطعة من القرآن، والقرآن، نزل منجّما في عشرين سنة. وهذا تفسير ابن عباس وغيره. وعن الثاني: بأنها حال مقدّرة، وأما العامل فهو نفس النجم الذي أريد به القرآن، قاله أبو البقاء. وفيه نظر لأن القرآن لا يعمل في الظّرف، إذا أريد به أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال إن النّجم بمعنى المنجّم كأنه قيل: والقرآن المنجّم في هذا الوقت» .

المصباح: هوى يهوي من باب ضرب هويّا بضمّ الهاء وفتحها، وزاد ابن القوطية هواء بالمدّ، سقط من أعلى إلى أسفل قاله أبو زيد وغيره» . قال الشاعر:.

فشج بها الأماعز وهي تهوى

هويّ الدّلو أسلمها الرّشاء [ (1) ]

يروى بالفتح والضّمّ.

الراغب: «الهوى سقوط من علو» . ثم قال: «والهويّ ذهاب في انحدار والهويّ ذهاب في ارتفاع» . وقيل: «هوى في اللغة مقصده السفل أو مصيره إليه وإن لم يقصده» . وقال أهل اللغة: هوى بفتح الواو يهوي هويا سقط من علو، وهوى يهوى هوى أي صبا.

القرطبي: هوى وانهوى فيه لغتان بمعنى وقد جمعهما الشاعر في قوله:.

وكم منزل لولاي طحت كما هوى

بأجرامه من قلّة النّيق منهوي

النيق بكسر النون المشدّدة أرفع موضع في الجبل.

الإمام الرازي: «الفائدة في تقييد القسم بالنجم بوقت هويّه أنه إذا كان في وسط السماء بعيدا عن الأرض لا يهتدي به السّاري، لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال: فإذا زال تبين بزواله، وتميّز جانب عن جانب، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم خفض جناحه

[ (1) ] انظر ديوان زهير ص 89، 94.

ص: 30

للمؤمنين، وكان على خلق عظيم وخصّ الهويّ دون الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين والدنيا. أما الدنيوي فلما ذكر، وأما الديني فكما قال الخليل صلى الله عليه وسلم لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: 76] وفيه لطيفة وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه، وقد كان من المشركين من يعبده، فنبّه بهويّه على عدم صلاحيته للإلهية، وهويّه أفوله.

السادس: في الكلام على قوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى:

[النجم: 2] السمين: «هذا جواب القسم» .

الإمام الرازي والبرهان النسفي: أكثر المفسّرين قالوا: لا نفرّق بين الضلال والغيّ. وقال بعضهم: إن الضلال في مقابله الهدى، والغيّ في مقابله الرّشد، قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف: 146] ، وتحقيق الفرق فيه أن الضلال أعمّ استعمالا في المواضع، تقول: ضلّ بعيري ورحلي ولا تقول: غوى، فالمراد من الضلال ألا يجد السالك إلى مقصده طريقا مستقيما. والغواية ألا يكون له إلى القصد طريق مستقيم، ويدل على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السّداد: إن سعيه غير رشيد، ولا تقول: إنه ضال. فالضّالّ كالكافر، والغاوي كالفاسق، فكأنه تعالى قال: ما ضَلَّ أي ما كفر، ولا أقل من ذلك، فما فسق، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:

[النساء: 6] الآية. أو يقال: الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة.

ويحتمل أن يكون معنى «ما ضلّ» أي ما جنّ، فإن المجنون ضالّ، وعلى هذا فهو كقوله تعالى ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 2] الآية. فقوله: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [القلم: 3]، إشارة إلى أنه ما غوى بل هو رشيد مرشد إلى حضرة الله تعالى. وقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]، إشارة إلى قوله هنا: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3] ، فإن هذا خلق عظيم. وقد أشار قوله تعالى ما ضَلَّ إلى أنه على الطريق، وَما غَوى إشارة إلى أنه على الطريق المستقيم وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إلى أنه مسلك الجادّة، ركب من الطريق، فإنه إذا ركب متنه كان أسرع وصولا إلى المقصد، ويمكن أن يقال إن قوله وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى دليل على أنه ما ضلّ وما غوى، وتقديره: كيف يضلّ أو يغوي وهو لا ينطق عن الهوى؟ وإنما يضل من يتبع هواه، ويدل عليه قوله تبارك وتعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26] .

القرطبي: وقيل ما غوى ما خاب مما طلب قال الشاعر:.

فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره

ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما

أي من خاب في طلبه لامه الناس، ثم يجوز أن يكون إخبارا عما بعد الوحي، ويجوز أن

ص: 31

يكون إخبارا عن أحواله على التعميم، أي كان أبدا موحّدا لله. وهو الصحيح.

ابن القيم: نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغيّ المنافي للرشد، ففي ضمن هذا النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشد، فالهدى في علمه والرشد في عمله، وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وهما سعادته وصلاحه، وبهما وصف النبي صلى الله عليه وسلم خلفاءه، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي [ (1) ] .

«فالرّاشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق، لا يشتبه الراشد المهدي بالضالّ الغاوي، إلا على أجهل الخلق وأعماهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية، ورحم الله القائل:

وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره

إذا استوت عنده الأنوار والظّلم

والناس أربعة أقسام: الأول: ضالّ في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء سواد الخلق، وهم مخالفو الرسل. الثاني: مهتد في علمه غاو في قصده وعمله، وهؤلاء هم الأمة العصيّة ومن تشبّه بهم، وهو حال كل من عرف الحقّ ولم يعمل به. الثالث: ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر، الرابع: مهتد في علمه راشد في قصده وهم ورثة الأنبياء، وهم وإن كانوا الأقلّين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا، وهم صفوة الله تعالى من خلقه.

وتأمّل كيف قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ، ولم يقل: محمدا، تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غيّ ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط. وقد نبّه تعالى على ذلك بقوله: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ [المؤمنين: 69]، وبقوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22] .

السابع: في الكلام على قوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى: [النجم: 3] .

قال [تعالى] أولا: «ما ضلّ» و «وما غوى» ، بصيغة الماضي، وعبّر هنا بصيغة المستقبل، وهو ترتيب في غاية الحسن، أي ما ضلّ حين اعتزلكم وما تعبدون حين اختلى بنفسه. وما ينطق عن الهوى الآن حيث أرسل إليكم وجعل شاهدا عليكم، فلم يكن أولا ضالا ولا غاويا، وصار الآن منقذا من الضلالة ومرشدا وهاديا، والله سبحانه وتعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر والمعايب، فقال تعالى: ما ضَلَّ في صغره لأنه لا ينطق عن الهوى.

[ (1) ] أخرجه أبو داود 4/ 201 (4607) والترمذي [2676] وابن ماجة (42) وأحمد في المسند 4/ 126 والطبراني في الكبير 18/ 246 والبيهقي في السنن 10/ 114 وابن عبد البر في التمهيد 8/ 66.

ص: 32

ابن عادل: «فاعل ينطق إما ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الظاهر، وإما ضمير القرآن كقوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: 29] .

ابن القيّم: تنزّه تعالى عن نطق رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يصدر عن هوىّ، وبهذا الكمال هداه وأرشده، ولم يقل: وما ينطق بالهوى، لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمّن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟ فتضمّن نفي الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النّطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق، ومصدره الهدى والرشاد، لا الغيّ والضلال.

اللباب: قال النحاس [ (1) ] : «قول قتادة أولى وتكون» «عن» على بابها أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله تعالى، لأن بعده إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 4] .

وقيل: هو بمعنى الباء، أي ما ينطق بالهوى، أي ما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول من تلقاء نفسه» . المصباح: الهوى مقصور مصدر هويته من باب تعب إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها عن الشيء ثم استعمل في ميل مذموم فيقال اتّبع هواه» .

الإمام البيهقي: «وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنه المحبة، لكن من النفس، يقال هويته بمعنى أحببته. والحروف التي في هوي تدل على الدّنوّ والنزول والسقوط ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دنيّة وتركت المعالي وتعلّقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمّارة بالسوء» .

الشعبي: «إنما سمّي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه» . وقال بعض الحكماء: «الهوى إله معبود، له شيطان شديد، يخدمه شيطان مريد، فمن عبد أوثانه، وأطاع سلطانه، واتّبع شيطانه، ختم الله تعالى علي قلبه، وحرم الرّشاد من ربّه، فأصبح صريح غيّه، غريق ذنبه، وقال عز من قائل أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: 50] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فالمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والحكم بالعدل في الرضا والغضب، والاقتصاد في الفقر والغنى، والمهلكات: شجّ

[ (1) ] أحمد بن محمد بن إسماعيل المراديّ المصري، أبو جعفر النحاس: مفسر، أديب. مولده ووفاته بمصر. كان من نظراء نفطويه وابن الأنباري. زار العراق واجتمع بعلمائه. وصنف «تفسير القرآن» و «إعراب القرآن» و «تفسير أبيات سيبويه» و «ناسخ القرآن ومنسوخه» و «معاني القرآن» انظر الأعلام 1/ 208.

ص: 33

مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء برأيه» [ (1) ] .

رواه البرّار عن أنس.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله، أعظم عند الله من هوى متّبع» [ (2) ] . رواه الطبراني عن أبي أمامة.

وقال بعض الحكماء: «الهوى خادع الألباب، صادّ عن الصواب، يخرج صاحبه من الصّحيح إلى المعتلّ، ومن الصريح إلى المختلّ، فهو أعمى يبصر، أصم يسمع» . كما

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حبّك الشيء يعمي ويصم» [ (3) ] .

وقال آخر: «على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء، فمن سلم عقله من الهوى يراها على حقيقتها، والنفس الكدرة المتبعة لهواها ترى الأشياء على طبعها. وقيل كان على خاتم بعض الحكماء: «من غلب هواه على عقله افتضح» . وقال ابن دريد في مقصورته:

وآفة العقل الهوى فمن علا

على هواه عقله فقد نجا

الثامن: في الكلام على قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 4] .

الإمام الرازي: «هذا تكملة للبيان، وذلك أن الله تعالى لما قال: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى كأَنّ قائلا يقول فعمّ ذا ينطق، أعن الدليل والاجتهاد؟ فقال: لا، إنما ينطق عن حضرته تعالى بالوحي، وهذا اللفظ أبلغ من أن لو قيل: هو وحي يوحى. وكلمة «إن» استعملت مكان «ما» للنّفي، كما استعملت «ما» للشرط مكان «إن» .

اللباب: «يوحى صفة لوحي، وفائدة المجيء لهذا الوصف أنه ينفي المجاز، أي هو وحي حقيقة لا مجرد تسمية كقولك: هذا قول يقال. وقيل تقديره: يوحى إليه، ففيه مزيد فائدة» . ونقل القرطبي عن السجستاني أنه قال: «إن شئت أبدلت إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى من ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن إن الخفيفة لا تكون مبدلة من «ما» بدليل أنك لا تقول: والله ما قمت إن أنا لقاعد» .

ابن القيّم: «أعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنه يعمّ نطقه بالقرآن والسّنّة، وأن

[ (1) ] ذكره العجلوني 1/ 386 بنحوه وعزاه للبزار والطبراني عن أنس بسند ضعيف.

[ (2) ] أخرجه ابن عدي في الكامل 2/ 715 والفتني في تذكرة الموضوعات (172) وذكره الهيثمي في المجمع 1/ 188.

[ (3) ] أخرجه أبو داود (5130) وأحمد في المسند 5/ 194 والخطيب في التاريخ 3/ 117 وذكره العجلوني في الكشف 1/ 410 وقال: قال في المقاصد: رواه أبو داود والعسكري عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا والوقف أشبه، وفي سنده ابن أبي مريم ضعيف، ورواه أحمد عن ابن أبي مريم فوقفه، والرفع أكثر ولم يصب الصغاني حيث حكم عليه بالوضع، وكذا قال العراقي ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب إنما سرق له حلى فأنكر عقله، وقال الحافظ ابن حجر: تبعا للعراقي ويكفينا سكوت أبي داود عليه فليس بموضوع ولا شديد الضعف فهو حسن انتهى. وقال القاري: بعد أن ذكر ما تقدم فالحديث إما صحيح لذاته أو لغيره مرتق عن درجة الحسن لذاته إلى صحة معناه، وإن لم يثبت مبناه.

ص: 34

كليهما وحي. قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ

[النساء: 113] وهما القرآن والسّنّة.

وروى الداري [ (1) ] عن يحيى بن أبي كثير [ (2) ] قال: «كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن» . قلت وفي الصحيحين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة [فقال: يا رسول الله] كيف ترى في رجل أحرم بعمرة بعد ما تضمّح بالخلوق؟ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت.

فجاءه الوحي، ثم سري عنه، فقال: أين السائل؟ فجيء به فقال: انزع عنك الجبّة واغسل أثر الطّيب واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك [ (3) ] .

وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:

كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الرضا والغضب.

فأمسكت عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه

وقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حقا»

[ (4) ] .

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أقول إلا حقاً» .

وقال بعض أصحابه: «إنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إني لا أقول إلا حقاً» [ (5) ] .

وروى الإمام أحمد والطبراني والضياء في صحيحة عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليدخلنّ الجنّة بشفاعة رجل مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر. فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة ومضر؟ قال: إني ما أقول إلا ما أقوّله» [ (6) ]

- الثاني

[ (1) ][عبد الله بن كثير الدّاري المكي، أبو معبد، القارئ، أحد الأئمة صدوق، من السادسة، مات سنة عشرين ومائة] انظر التقريب 1/ 442.

[ (2) ] يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة، ثبت، لكنه يدلّس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل قبل ذلك. التقريب 2/ 356.

[ (3) ] أخرجه البخاري 3/ 7 (1789) ومسلم 2/ 836 (6- 1180) .

[ (4) ] أخرجه أبو داود (3646) وأحمد في المسند 2/ 162 والدارمي 1/ 125 والحاكم في المستدرك 1/ 106.

[ (5) ] أخرجه الترمذي (1990) وأحمد في المسند 2/ 340 والبيهقي في السنن 10/ 348 وابن عبد البر في التمهيد 4/ 221 وذكره الهيثمي في المجمع 9/ 17 والسيوطي في الدر 6/ 122 وابن كثير في البداية والنهاية 6/ 55.

[ (6) ] ذكره الهيثمي في المجمع 10/ 384 وعزاه لأحمد والطبراني بأسانيد وقال: ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ميسرة وهو ثقة.

ص: 35

بضم الهمزة وفتح القاف والواو المشدّدة. أي ما يقوّله الله من الوحي، ولهذا مزيد بيان في أبواب عصمته.

الإمام الرازي، «هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور، فيه وجهان: أشهرهما أنه ضمير معلوم، وهو القرآن، كأنه تعالى يقول: «ما القرآن إلا وحي» ، وهذا على قول من قال: ليس المراد بالنجم القرآن، وأما على قول من قال: هو الوحي فضمير مذكور. والوجه الثاني: أنه عائد إلى مذكور ضمنا، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم وكلامه، وذلك لأن قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى في ضمنه النطق وهو كلام وقول، فكأنه تعالى يقول: وما كلامه ولا نطقه إلا وحي.

وفيه وجه آخر، وهو أن قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3] ردّ على الكفرة حيث قالوا: قوله قول كاهن، وقالوا: قوله قول شاعر، فقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 4]، وليس بقول شاعر كما قال تعالى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: 41، 42] .

وقوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، أبلغ من قول القائل: هو وحي، وفيه فائدة غير المبالغة، وهي أنهم كانوا يقولون: هو قول كاهن، هو قول شاعر. والمراد نفي قولهم وذلك يحصل بصيغة النفي فقال: ما هو كما تقولون، وزاد فقال: بل هو وحي.

أنوار التنزيل: «احتجّ بهذه الآية من لم ير الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم. وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه أن يجتهد كان اجتهاده وما يسند إليه واجبا وفيه نظر لأن ذلك حينئذ بالوحي» .

الطيبي «هذه الآية واردة في أمر التنزيل وليس فيها لمستدلّ أن يستدلّ شيئاً من أمر الاجتهاد نفيا ولا إثباتا، لأن الضمير في «هو» للقرآن، بدليل من فسّر النجم بنجوم القرآن» .

وبسط الكلام على ذلك، ثم أورد حديث طلحة بن عبيد الله في تأبير النخل [ (1) ] ، وسيأتي مع الكلام عليه في أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام الرازي: «القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتهد خلاف الظاهر: فإنه في الحرب اجتهد وحرّم، قال الله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [مريم: 1] ، وأذن، قال الله تعالى:

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43] .

التاسع: في الكلام على قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النجم: 5] .

التّبيان: «أخبر تعالى عن وصف من علّمه بالوحي أنه مضادّ لأوصاف الشيطان معلّم الضلالة والغواية، وهذا نظير قوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: 20]

[ (1) ] تأبير النخل: تلقيحه. انظر المعجم الوسيط 1/ 2.

ص: 36

وفي وصفه بذلك تنبيه على أمور:

الأول: أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا أو يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه.

الثاني: أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له وموادّ له وناصر، كما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: 4] الآية. ومن كان هذا القويّ وليّه ومن أنصاره وأعوانه ومعلّمه. فهو المهديّ المنصور. والله هاديه وناصره.

الثالث: أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليّه جبريل، ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.

الرابع: أنه قادر على تنفيذ ما أمر به بقوته فلا يعجز عن ذلك مواد له كما أمر» .

السمين: «فاعل علّمه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر. قال الماوردي والقرطبي إنه قول الجميع إلا الحسن، فإنه، قال هو الباري تعالى لقوله عز وجل: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن: 1، 2] ويكون «ذو مرّة» تمام الكلام» .

اللباب: «يجوز أن تكون هذه الهاء للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الظاهر، فيكون المفعول الثاني محذوفا أي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي أي الموحى، ويجوز أن يكون للقرآن والوحي، فيكون المفعول الأول محذوفا أي علمه النبي.

الإمام الرازي: «الأولى أن يقال الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، تقديره علّم محمدا شديدا القوى جبريل، ويكون عائدا إلى صاحبكم، تقديره: ما ضلّ صاحبكم، وشديد القوى هو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ثم في قوله: شَدِيدُ الْقُوى فوائد:

الأولى: أن مدح المعلّم مدح للمتعلّم، فلو قال: علّمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة.

الثانية: أن فيه ردّا عليهم بحيث قالوا: أساطير الأوّلين، فقال: لم يعلّمه أحد من الناس علّمه شديد القوى.

الثالثة: فيه الوثوق بقول جبريل صلى الله عليه وسلم، ففي قوله تعالى: شَدِيدُ الْقُوى جميع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل على ما عرف، وكذلك قوة الحفظ، فقال:(شديد القوى) ليجمع هذه الشرائط، فيصير كقوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: 20، 21] .

اللباب: «شديد القوى من كافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية، هذا ما جزم

ص: 37

به الزمخشري وتابعوه» . وقال صاحب الكفيل: «بل هي مضافة إلى مفعولها، وبسط الكلام على ذلك، والشديد البيّن القوة» .

روى ابن عساكر عن معاوية بن قرّة [ (1) ]- بضم القاف وتشديد الراء- رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما أحسن ما أثنى عليك ربك: «ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين» ما كانت قوّتك وما كانت أمانتك؟ قال: أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن. وأما أمانتي فلم أؤمر بشيء فعدوته إلى غيره» .

وقال محمد بن السائب: «من قوة جبريل أنه اقطع مدائن قوم لوط من الماء الأسود فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء حتى أسمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، ومن قوته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند. ومن قوته هبوطه من السماء على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، وصعوده إليها في أسرع من طرفة عين» .

العاشر: في الكلام على قوله تعالى: «ذُو مِرَّةٍ» [النجم: 6] .

القرطبي: قال قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل ذو مرّة، قال الشاعر:

قد كنت قبل لقاكم ذا مرّة

عندي لكلّ مخاصم ميزانه

وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله تعالى ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله.

الجوهري: «والمرّة القوّة وشدة العقل، ورجل مرير أي قوى ذو مرّة. قال:

ترى الرّجل النّحيف فتزدريه

وحشو ثيابه أسدّ مرير

ابن القيّم: «أي جميل المنظر، حسن الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانا، أقبح خلق الله تعالى وأشوههم صورة، بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله، وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة، وتزكية له، كما ذكر نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته. وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأصفاهم نفسا.

الإمام: «في قوله: «ذو مرة» وجوه: الأول: ذو قوة، قلت ورواه الفريابي عن مجاهد

[ (1) ] معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو إياس البصري. عن علي مرسلا، وابن عباس وابن عمر. وعنه قتادة وشعبة وأبو عوانة وخلق. وثقة ابن معين وأبو حاتم. قال خليفة: مات سنة ثلاث عشرة ومائة، ومولده يوم الجمل. انظر الخلاصة 3/ 41، 42.

ص: 38

ويدل على هذا

قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مرّة سويّ» . رواه الإمام أحمد.

الثاني: ذو كمال في العقل وفي الدين جميعا. الثالث: ذو منظر وهيبة عظيمة. الرابع: ذو خلق حسن» . قلت زاد الماوردي خامسا: ذو غناء.

قلت: ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنه صلى الله عليه وسلم متصف بها. فإن قيل: على قولنا ذو مرّة، قد تقدم بيان كونه شديد القوى، فكيف تقول قواه شديدة وله قوة؟ فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن ذلك لا يحسن إذا كان وصفا بعد وصف، وأما إذا جاء بدلا فيجوز، كأنه قال:

علّمه ذو قوة، ونزل شديد القوى فليس وصفا له وتقديره ذو قوة عظيمة أو كاملة. الثاني: أن إفراد «مرّة» بالذكر ربما تكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله تعالى بها.

على أنّا نقول المراد ذو شدة وهي غير القوة، وتقديره علّمه من قواه الشديدة، وفي ذاته أيضا شدّة، فإن الإنسان ربما يكون كثير القوة صغير الجثّة. وفيه لطيفة وهي أنه تعالى أراد بقوله: شَدِيدُ الْقُوى، أي قوة العلم، وبقوله: ذُو مِرَّةٍ، أي شدة في الجسم، قدّم العلميّة على الجسميّة، كما قال تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: 247]، وتقدم الكلام على «ذو» في اسمه صلى الله عليه وسلم: ذو الوسيلة فراجعه.

الحادي عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى:[النجم: 6- 7] .

اللباب: «قال مكي: استوى يقع للواحد وأكثر ما يقع من إثنين ولذلك جعل الفرّاء الضمير لاثنين» .

الماوردي والقرطبي: «فاستوى» يعني جبريل أي ارتفع وعلا إلى مكانه في المساء، بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله ابن المسيب وابن جبير. وقال الإمام:«إنه المشهور» ، وقيل «فاستوى» أي ظهر في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي خلقه الله عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرّة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق، فسدّ الأرض إلى المغرب، فخرّ النبي صلى الله عليه وسلم مغشيّا عليه، فنزل إليه في صورة الآدميين وضمّه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه،

فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما ظننت أن الله تعالى خلق أحدا على مثل هذه الصورة» . فقال: يا محمد، إنما نشرت جناحين من أجنحتي وأن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال:«إن هذا العظيم» .

فقال له: وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا، ولقد خلق الله تعالى إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح قدر أجنحتي، وإنه

ص: 39

ليتضاءل أحيانا- يتضاءل بالضاد المعجمة والهمز- من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع- بفتح الواو والصاد وبالعين المهملتين، يعني العصفور الصغير، قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: 23] .

وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم.

ابن كثير: «وهذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض في أوائل البعث بعد فترة الوحي» .

اللباب: «في الضمير وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أنه مبتدأ، «وبالأفق» خبره، والضمير لجبريل أو للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم في هذه الجملة وجهان: الأول: أنها حال من فاعل «فاستوى» قاله مكي. قال القرطبي: والمعنى فاستوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا» ، انتهى.

«الثاني: أنها مستأنفة، أخبر الله تعالى بذلك، ثانيهما: أن «وهو» معطوف على الضمير المستتر في استوى. وضمير استوى إما أن يكون لله تعالى وهو قول الحسن أو لجبريل أو لمحمد، وهذا ضعيف، لأنه يقال استوى هو وفلان ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر، والصحيح استوى جبريل وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية لأنه كان يتمثّل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم إن يراه على صورته الحقيقية فاستوى جبريل في أفق المشرق فملأ الأفق» .

وروى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، وأبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق وتسقط من أجنحته التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس في الآية قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربّك، فدعا ربه عز وجل، فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صعق، فأتاه فقرب منه ومسح الغبار عن وجهه.

المصباح: «الأفق بضمتين الناحية من الأرض ومن السماء والجمع آفاق، زاد في الصحاح: والأفق بضمة فسكون مثل عشر وعشر» .

الماوردي: «في الأفق الأعلى ثلاثة أقوال: أحدها: مطلع الشمس قاله مجاهد، الثاني:

هو بالأفق الذي يأتي منه النهار قاله قتادة يعني طلوع الفجر، الثالث: هو أفق السماء وهو جانب من جوانبها، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر:

ص: 40

أخذنا بآفاق السّماء عليكم

لنا قمراها والنّجوم الطّوالع

الثاني عشر: في الكلام على قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى: [النجم: 8] .

الإمام الرازي: «فيه وجوه: الأول: وهو أشهرها أن جبريل دنا من النبي صلى الله عليه وسلم، أي بعد ما مدّ جناحه وهو بالأفق الأعلى عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها، وقرب من النبي صلى الله عليه وسلم.

القرطبي: أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى «فتدلّى» على النبي صلى الله عليه وسلم، المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمة جبريل ما رأى وهاله ذلك، ردّه الله تعالى إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي. هذا قول الجمهور، انتهى. وعليه ففي تدلّى ثلاثة أقوال: الأول أن الدنوّ والتدلي بمعنى واحد كأنه قال: دنا فقرب.

اللباب: «ذهب الفرّاء إلى أن الفاء في «فتدلّى» بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى عليه الصلاة والسلام ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا قدّمت أيهما شئت، تقول دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الشتم والإساءة شيء واحد، وكذلك قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] ، أي انشقّ القمر واقتربت الساعة.

القول الثاني: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ثم تدلّى من الأفق فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم.

القول الثالث: أن دنا بمعنى قصد القرب من النبي صلى الله عليه وسلم وتحرك عن المكان الذي فيه فتدلّى فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: أن المراد دنا من ربه تبارك وتعالى، والمراد بالدنوّ هنا المنزلة كما في

قوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل: «من تقرّب مني شبرا تقرّبت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»

[ (1) ] وهذا إشارة إلى المعنى، ولهذا مزيد بيان في شرح القصة.

الوجه الثالث: دنا جبريل من ربه، قاله مجاهد.

الوجه الرابع: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، دنا من ربه، ويحمل هو والذي قبله كما قال الإمام الرازي على القرب من المنزلة. والذي عليه الجمّ الغفير هو دنوّ جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالث عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. [النجم: 9] .

الباب: «ها هنا مضافان محذوفان نضطر لتقديرهما، أي فكان مقدار مسافة قربه منه مقدار مسافة قاب» .

[ (1) ] جزء من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي ذر رضي الله عنه 4/ 2068 (22- 2687) .

ص: 41

الإمام الرازي: «أي فكان بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين أو أقل، فهذا على استعمال العرب وعادتهم، فإن الأميرين منهم أو الكبيرين إذا اصطلحا وتعاقدا خرجا بقوسيهما، جعل كل واحد منهما قوسه بطرف قوس صاحبه، ومن دونهما من الرعية يكون كفّه بكف صاحبه فيمدان باعيهما، لذلك فسمّي مبايعة. وعلى هذا ففيه مقدار قوسين أو كان جبريل سفيرا بين حضرة الله تعالى عنه ومحمد صلى الله عليه وسلم فكان كالتّبع لمحمد صلى الله عليه وسلم، فصار كالمبايع الذي يمدّ الباع لا القوس» .

اللباب: القاب: القدر تقول: هذا قاب هذا، أي قدره ومثله: القيب والقاد والقيد والقيس.

الجوهري: «وقال بعضهم في الآية أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث الصحيح: لقاب قوس أحدكم [أو موضع قدّه] من الجنة خير من الدنيا وما فيها» . والقوس معروفة، وهي ما يرمى بها وهي مؤنثة وشذوا في تصغيرها، فقالوا قويس من غير تأنيث، وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بألقاب وإن لم يجر لها ذكر لعدم اللّبس» .

الواحدي: «المراد بالقوس التي يرمى بها عند الجمهور، قال: وقيل المراد الذراع لأنها يقاس بها» .

القرطبي: «وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحق الهمداني، وأبو وائل [ (1) ] شقيق ابن سلمة «فكان قاب قوسين» أي قدر ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل هي لغة أزد شنوءة أيضا» . قلت: ورواه ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود أيضا.

قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد روى الطبراني وابن مردويه والضياء بسند صحيح عن ابن عباس قال: القاب والقيد والقوسان الذراعان.

اللباب: «أو» هنا كهي في قوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ لأن المعنى بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما لا [ (2) ] يشك الرائي في ذلك. وقال ابن القيّم:

«أو» هنا ليست للشك بل لتحقيق قدر المسافة، وأنها لا تزيد على قوسين البتة، كما قال تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] ، تحقيقا لهذا القدر وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف أو يزيدون رجلا واحدا، ونظيره قوله تعالى:

[ (1) ] شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل، الكوفي، ثقة، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة. التقريب (35411) .

[ (2) ] سقط في أ.

ص: 42

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] ، أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها. وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل «أو» في هذا الموضع بمعنى بل، ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرائي، وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمّله، وجزم بذلك ابن كثير.

اللباب: «أدنى أفعل تفضيل، والمفضّل عليه محذوف أو أدنى من قاب قوسين، فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من الأرض، فتدلّى، فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان قاب قوسين أو أدنى بل أدنى.

تنبيه: هذا الذي قلناه من المقترب الدّاني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى، إنما هو جبريل، نقله القاضي عن الجمهور. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه هو الصحيح في التفسير، كما دل عليه كلام أكابر الصحابة. قال ابن القيم: لأن جبريل هو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [النجم: 13، 14] هكذا فسّره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة،

قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله عن هذه الآية، فقال:«ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرّتين» ،

رواه مسلم، ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه:

الأول: أنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير.

الثاني: أنه قال: ذُو مِرَّةٍ [النجم: 6] أي حسن خلق، وهو الكريم في سورة التكوير.

الثالث: أنه قال: فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وهي ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل.

الرابع: أنه قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فهذا دنو جبريل، وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق سبع سموات.

الخامس: أنه قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. والذي عند السّدرة قطعا هو جبريل، وبهذا فسّره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«ذاك جبريل» .

السادس: إن الضمير في قوله: «ولقد رآه» ، وقوله:«دنا فتدلّى» ، وقوله:«فاستوى» ، وقوله:«وهو بالأفق الأعلى» واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسّرين من غير دليل.

ص: 43

السابع: أنه سبحانه وتعالى أخبر أن هذا الذي «دنا فتدلّى» كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، فدنا من الأرض فتدلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والدنو والتدلي الذي في حديث شريك غير هذا، وكذا جزم ابن كثير بأن الدنو والتدلي في حديث شريك غير الذي في الآية.

وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في هذه الآية قال:«رأى بفؤاده مرتين» ، فجعل هذا إحداها، ولهذا مزيد بيان في الباب الثالث.

الرابع عشر: في الكلام على قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [سورة النجم: 10] .

ابن عادل متابعا الإمام الرازي: «في فاعل أوحى وجهان: الأول: أن الله تعالى أوحى، وعلى هذا ففي «عبده» وجهان: أحدهما: أنه جبريل، أي أوحى الله تعالى إلى جبريل، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأخير وجهان: أحدهما: أنه الله تبارك وتعالى أيضا. والمعنى حينئذ:

فأوحى الله تعالى إلى جبريل الذي أوحاه الله تعالى أيهما أكثر تفخيما وتعظيما للموحي، ثانيهما: فاعل أوحى الثاني جبريل، أي أوحى الله تبارك وتعالى إلى جبريل ما أوحى جبريل، وعلى هذا فالمراد من الذي أوحى إليه جبريل يحتمل وجهين: أولهما: أن يكون مبيّنا، وهو الذي أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثانيهما: أن يكون عاما. أي أوحى الله تعالى إلى جبريل ما أوحى إلى كل رسول. وفيه بيان أن جبريل أمين لم يخن في شيء مما أوحى إليه، وهذا كقوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: 193] وقوله مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: 21] .

الوجه الثاني: في «عبده» ، على قولنا هو الله تعالى، إنه محمد صلى الله عليه وسلم، أي أوحى الله تعالى إلى محمد ما أوحى إلى كل رسول به أبهمه للتفخيم والتعظيم.

الوجه الثاني في فاعل أوحى الأول: هو أنه جبريل أوحى إلى عبده أي إلى عبد الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ما أوحى إليه ربه عز وجل، قاله ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد. وعلى هذا ففي فاعل أوحى الثاني وجهان: أحدهما: أنه جبريل إي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم، وثانيهما: إن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إلى محمد ما أوحى الله تعالى إليه.

وفي ما أَوْحى

وجوه: الأول: فضل الصلاة، الثاني: أنّ أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك ولا قبل أمّتك. الثالث: أن «ما» للعموم، والمراد كل ما جاء به جبريل» .

الخامس عشر: في الكلام على قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى

[النجم: 11] .

ابن القيّم: «أخبر الله تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأن القلب صدّق العين،

ص: 44

وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدّقه الفؤاد وعلم أنه كذلك. يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنّه وحدسه. قال الشاعر:

كذبتك عينك أم رأيت بواسط

غلس الظّلام من الرّباب خيالا [ (1) ] ؟

أي أرتك ما لا حقيقة له. فنفى الله تعالى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن فؤاده لم يكذب ما رآه» .

الماوردي: «في الفؤاد قولان: أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد، فعبّر عنه بالفؤاد، لأنه قطب الجسد وبه قوام الحياة. الثاني: أنه أراد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد» .

اللباب: «قرأ هشام [ (2) ] وأبو جعفر [ (3) ] بتشديد الذال من «كذب» ، والباقون بتخفيفها. فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعينه صدّقه قلبه، ولم ينكر الداري «أل» لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:«إلى عبده» وفي قوله (وهو بالأفق الأعلى) وقوله (ما ضلّ صاحبكم) ، أي لم يقل إنه خيال لا حقيقة. و «ما» الثانية مفعول له موصولة، والعائد محذوف، ففاعل «رأى» ضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما قراءة التخفيف فقيل فيها كذلك. وكذب يتعدى بنفسه. وقيل هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه، قاله مكي وغيره. قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

لو كنت صادقة الّذي حدّثتني

لنجوت منجا الحارث بن هشام [ (4) ]

أي في الذي حدّثتني، وجوّز «ما» في وجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى: ما كذب الفؤاد الذي رأى بعينه، والثاني: أن تكون مصدرية.

[ (1) ] البيت للأخطل انظر اللسان 4/ 3281.

[ (2) ] هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي وقيل: الظفري الدمشقي، إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم، ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقال النسائي: لا بأس به وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل، وكان فصيحا علامة واسع الرواية، قال عبدان الأهوازي: سمعته يقول ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة وقال محمد بن حريم: سمعته يقول في خطبته: قولوا الحق يريكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضي إلا بالحق، وقال أبو علي أحمد بن محمد الأصبهاني المقري لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين: ابن ذكوان وهشام، قال: وكان هشام مشهورا بالنقل والفصاحة والعلم والرواية والدراية رزق كبر السن وصحة العقل والرأي فارتحل الناس إليه في القراءات والحديث، مات سنة خمس وأربعين. ومائتين وقيل سنة أربع وأربعين غاية النهاية 2/ 354، 355.

[ (3) ] يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ، أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر، ويقال اسمه جندب بن فيروز وقيل: فيروز، مات بالمدينة سنة ثلاثين ومائة وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة تسع وعشرين وقيل: سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثمان وعشرين. انظر غاية النهاية 2/ 382، 383، 384.

[ (4) ] انظر ديوان حسان بن ثابت ص 213، 214.

ص: 45

ابن القيّم: فيكون المعنى: ما كذّب فؤاده رؤيته، وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما، وتصديق كل واحد منهما لصاحبه، وهذا ظاهر في قراءة التشديد. وقد استشكلها طائفة منهم المبرّد، وقال في هذه القراءة بعد، لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه، فإذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب؟.

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو به فيكذّبه قلبه، إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه، فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنّه وكذبته عينه، فنفى ذلك سبحانه وتعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن ما رآه الفؤاد كما رآه، كمن يرى الشيء على حقيقة ما هو به، فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه.

الثاني: أن يكون الضمير في «رأى» عائد إلى الرائي لا إلى الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، وهذا بحمد الله لا إشكال فيه، والمعنى: ما كذب الفؤاد بل صدّقه، وعلى القراءتين فالمعنى: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتّهم بصره» . انتهى.

اللباب تبعا للإمام الرازي: «ويجوز أن يكون فاعل «رأى» ضميرا يعود على الفؤاد [أي] لم يشك قلبه فيما رأى بعينه» . قال الزمخشري: [ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام، أي ما قال فؤاده، لما رآه: لم أعرفه ولو قال ذلك لكان كاذبا، لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق] .

فما كذب الفؤاد، هذا على قراءة التخفيف، يقال كذبه إذا قال له الكذب، وأما على قراءة التشديد فمعناه: ما قال إن الذي رآه كان خفيا لا حقيقة له. وأما الرائي فقيل هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤاد ما رآه الفؤاد، أي لم يقل إنه جنّ أو شيطان، بل تيقّن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، ولم يتدارك أن ما رآه البصر خيال. ويحتمل أن تكون «أل» للجنس أي جنس الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رأى محمد صلى الله عليه وسلم، أي شهدت القلوب بصحة ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم.

واختلفوا في المرئي ما هو؟ فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلّتا رفرف أخضر قد ملآ ما بين السماء والأرض. رواه الفريابي والترمذي وصححه. وقيل رأى الآيات العجيبة. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رأى ربّه بفؤاده مرّتين، رواه مسلم وغيره. وسيأتي الكلام على رؤية الله تعالى في الباب الثالث.

السادس عشر: في الكلام على قوله تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى

[النجم: 12] .

ص: 46

ابن القيّم: «أنكر عليهم سبحانه وتعالى مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه مما ينكر على الجاهل مكابرته لعالم، ومماراته له على ما علمه» .

اللباب: «قرأ الأخوان: «أفتمرونه» بفتح التاء وسكون الميم، والباقون «تمارونه» ، وعبد الله بن مسعود والشعبي:«أفتمرونه» بضم التاء وسكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنه من مريته حقّه إذا غلبته عليه وجحدته إياه، وعدّي بعلى لتضمّنه معنى الغلبة، وأنشدوا:

لئن هجرت أخا صدق ومكرمة

لقد مريت أخا ما كان يمريكا

لأنه إذا جحده حقّه فقد غلبه عليه. قال المبرّد: يقال مراه عن حقّه وعلى حقّه إذا منعه منه ودفعه عنه. قال ومثل «على» بمعنى «عن» قول بني كعب بن ربيعة رضي الله عليك أي رضي عنك» .

ابن القيم: «على بابها ليست بمعنى «عن» كما قوله المبرّد، بل الفعل متضمّن معنى المكابرة، وهذا في قراءة الألف أظهر.

الثاني: أنه من مراه كذا على كذا أي غلبه فهو من المراء وهو الجدال» . وأما الثانية: فهي من ماراه يماريه، جادله واشتقاقه من مرى الناقة، لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. وكان من حقه أن يتعدّى بفي كقولك: جادله في كذا. وإنما ضمّن الغلبة فعدّي تعديتها. وأما قراءة عبد الله فمن «ماراه» رباعيا، والمعنى:«أفتجادلونه» ، أي كيف تجادلونه على ما يرى مع أنه، ما رأى عين اليقين؟ ولا شك بعد الرؤية.

القرطبي: «والمعنيان متداخلان لأن مجادلتهم جحود، وقيل: إن الجحود كان دائما منهم وهذا جدال جديد» .

ابن القيّم: «القوم جمعوا بين الجدال والدّفع في الإنكار، فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبيين للحق. وإثبات الألف يدل على المجادلة، والإتيان بعلى يدل على المكابرة، فكانت قراءة الألف متضمّنة للمعنيين جميعا، وذلك أنهم جادلوا حين أسري به، فقالوا صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق، وغير ذلك مما جادلوه به.

والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عمّا رآه وعلمه وتيقّنه؟ فإن قيل: هلّا قيل: أفتمارونه على ما رأى؟ بصيغة الماضي، لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم، وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب أن التقدير: أفتمارونه على ما يرى؟ فكيف وهو قد رآه في المساء، فماذا تقولون فيه» ؟.

السابع عشر: في الكلام على قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. [النجم: 13] .

ص: 47