الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نعمة الله تعالى بذلك أو استبشارا به، وقد علموا أن بشرا لا يترقّى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لا يرسل إليه. وقول الخازن:«من معك؟» يشعر أنّهم أحسّوا معه برفيق وإلا لكان السؤال: «أمعك أحد؟» وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفّافة، وإما لأمر معنوي بزيادة أنوار، ولزم من البعث إليه صلى الله عليه وسلم الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء. ولم يتوقّف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح، لأنه لزم عنده من البعث الإذن، وفي قول الخازن:«مرحبا به» إلى آخره ما يدل على أن الحاشية إذا فهموا من سيدهم عزما لإكرام وافد أن يبشّروه بذلك وإن لم يأذن لهم فيه، ولا يكون في ذلك إفشاء للّسّر، لأن الخازن أعلم النبي صلى الله عليه وسلم حال استدعائه أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعجّل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها وفي محلها يحصل [بها] العلم كما يحصله الوحي، ولم يخاطبه الخازن بصيغة الخطاب فيقول:«مرحبا بك» وإنما أراد التحية بصيغة الغيبة، والسر في ذلك أنه حيّاه قبل أن يفتح الباب وقبل أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم خطاب، ولهذا قال الملك لجبريل:«ومن معك؟» فخاطبه بصيغة الخطاب، لأن جبريل خاطب الملك، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانبين، ويجوز أن يكون حيّاه بغير صيغة الخطاب تعظيما له لأن هاء الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب.
التنبيه الرابع والثلاثون:
قول جبريل حين سئل: «من معه» فقال: «محمد» ، دليل على أن الاسم أرفع من الكنية لأنه أخبر باسمه ولم يخبر بكنيته، وهو عليه الصلاة والسلام مشهور في العالمين العلوي والسفلي، فلو كانت الكنية أشرف من الاسم لأخبر بها.
التنبيه الخامس والثلاثون:
قال ابن أبي جمرة: «استفهام الملائكة» : «وقد أرسل إليه؟» دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون رسالته ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها: هل جاء؟ لا عنها، ولذلك أجابوا بقولهم:«مرحبا ونعم المجيء جاء» وكلامهم بهذه الصيغة أدلّ دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالة مكانته وتحقيق رسالته لأن هذا أجلّ ما يكون من حسن الخطاب، والترفيع على المعروف من عادة العرب. وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى:
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: 18] إنه رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة» .
التنبيه السادس والثلاثون:
وقع في رواية أنس ومن رواية أبي ذر رضي الله عنهما:
«قلت لجبريل: من هذا؟ قال: أبوك آدم» . وظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: «مرحبا» .
ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل هذه عليها، وليس في رواية أبي ذرّ ترتيب. وفي قول آدم:«مرحبا بالابن الصالح» ، إشارة إلى افتخاره بأبوّته للنبي صلى الله عليه وسلم.
وظاهر قوله في رواية آدم: «تعرض عليه أرواح ذرّيته» إلى آخره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء. قال القاضي: «وهو مشكل، فقد جاء أن أرواح المؤمنين منعّمة في الجنة وأن أرواح الكفّار في سجّين، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟ وأجاب بأنه يحتمل أنها تعرض أوقاتا فصادف وقت عرضها مرور النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله تعالى: النَّارُ، يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، [غافر: 46] واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لهم أبواب السماء كما هو نص القرآن» ، والجواب ما أبداه القاضي احتمالا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم والنار كانت في جهة شماله وكان يكشف له عنهما.
وقال الحافظ: «ويحتمل أن النّسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد فليست مرادة قطعا وبخلاف التي نقلت من الأجساد إلى مستقرها من الجنة أو النار فليست مرادة أيضا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: «نسم بنيه» عام مخصوص أو أريد به الخصوص» . انتهى.
وقال ابن دحية: «فإن قيل: كيف تكون نسم السّعداء كلهم في السماء، وقد كان حين الإسراء جماعة من الصحابة رضي الله عنهم في الأرض وهم من السعداء؟ فالجواب: أن آدم