الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بلسان حاله على قدر مقامه، فقال أبو حفص النيسابوري رحمه الله:«العبد هو القائم إلى أوامر سيده على حدّ النشاط حيث جعله محل أمره» .
ابن عطاء [ (1) ] رحمه الله: «العبد الذي لا ملك له» .
الجريري- بفتح الجيم-: «حقيقة العبد هو الذي يتخلّق بأخلاق ربّه» .
رويم رحمه الله تعالى: «يتحقق العبد بالعبودية إذا أسلم القياد من نفسه وتبرّأ من حوله وقوته، وعلم أن الكل له وبه» .
عبد الله بن محمد رحمه الله: «حزت صفة العبودية إن كنت لا ترى لنفسك ملكا، وتعلم أنك لا تملك لها نفعا ولا ضرا. ورحم الله من قال:
وكنت قديما أطلب الوصل منهم
…
فلمّا أتاني الحلم وارتفع الجهل
تيقّنت أنّ العبد لا مطلب له
…
فإن قرّبوا فضل وإن أبعدوا عدل
وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم
…
وإن ستروا فالسّتر من أجلهم يحلو
الإمام الرازي رحمه الله، دل قوله بعبده على إن الإسراء كان بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن العبد اسم للجسد والروح، قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق:
9، 10] .
السابع: في الكلام على قوله تعالى: «ليلا»
.
أبو شامة رحمه الله تعالى: إنما نسب السّرى إلى الليل لما كان السّرى واقعا فيه كقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: 67] ، أي يبصر فيه، فهو من باب قوله:«ليل نائم وساهر، أي يحصل فيه النوم والسّهر، وهذا باب من أبواب المجاز معروف» .
[ (1) ] أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل تاج الدين، ابن عطاء الله الإسكندري: متصوف شاذلي، من العلماء. كان من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية. له تصانيف منها «الحكم العطائية- ط» في التصوف، و «تاج العروس- ط» في الوصايا والعظات، و «لطائف المنن في مناقب المرسي وأبي الحسن- ط» توفي بالقاهرة. وينسب إليه كتاب «مفتاح الفلاح» وليس من تأليفه.
واستشكل كثير من الناس كون «ليلا» ظرفا للإسراء. ووجه الإشكال أنه قد تقدم أن الإسراء هو سير الليل، فإذا أطلق الإسراء فهم أنه واقع ليلا، فهو كالصّبوح في شرب الصباح، لا يحتاج إلى قوله: شربت الصّبوح صباحا.
وجوابه أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن العرب تفعل مثل ذلك في بعض الأوقات إذا أرادت تأكيد الأمور. والتأكيد نوع من أنواع كلامهم وأسلوب منه. والعرب تقول: أخذ بيده، وقال بلسانه. وفي القرآن العزيز: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: 38]، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [آل عمران: 167] ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 26] ، وقال جرير:
سرى نحوها ليلا كأنّ نجومه
…
قناديل فيهنّ الذّبال المفتّل [ (1) ]
الذّبال: جمع ذبالة- بضم الذال المعجمة وهي الفتيلة.
الجوهري [ (2) ] : «وإنما قال ليلا، وإن كان السّرى لا يكون إلا بالليل للتأكيد، كقولهم:
سرت أمس نهارا والبارحة ليلا.
الزمخشري: [فإن قلت الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟ قلت] : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه وقع السّرى في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة «من الليل» أي بعض الليل كقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: 79] يعني الأمر بقيام الليل في بعض الليل.
قال أبو شامة: «وهذا الوجه لا بأس به، وقد زاد شيخنا أبو الحسن- يعنى السخاوي في تفسيره أيضا وتقريرا، فقال: وإنما قال: «ليلا» ، والإسراء لا يكون إلا بالليل، لأن المدة التي أسرى به فيها لا تقطع في أقل من أربعين يوما، فقطعت به في ليل واحد المعنى سبحان الذي أسرى بعبده في ليل واحد من كذا إلى كذا، وهو موضع التعجب» . قال:«وإنما عدل عن ليلة إلى ليل، لأنهم إذا قالوا: سرى ليلة، كان ذلك في الغالب لاستيعاب الليلة، فقيل: ليلا أي في ليل» .
وتعقّب صاحب الفوائد كلام الزمخشري بكلام تعقبه فيه الطيبي، ثم قال الطيبي:
[ (1) ] انظر ديوان جرير (343) .
[ (2) ] إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر. لغويّ، من الأئمة. وخطه يذكر مع خط ابن مقلة. أشهر كتبه «الصحاح» - وله كتاب في «العروض» ومقدمة في «النحو» أصله من فاراب، ودخل العراق صغيرا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور.. توفي 993 هـ الأعلام 1/ 313.
«ويمكن أن يراد بالتنكير التعظيم والتفخيم، والمقام يقتضيه، ألا ترى كيف افتتحت السورة بالكلمة المنبئة عنه؟ ثم وصف المسرى به بالعبودية، ثم أردف تعظيم المكانين بالحرام وبالبركة لما حوله، يعظّم الزمان ثم يعظّم الآيات بإضافتها إلى صيغة التعظيم، وجمعها لتشمل جميع أنواع الآيات، وكلّ ذلك شاهد صدق على ما نحن بصدده، والمعنى ما أعظم شأن من أسري [به] ممّن حقّق له مقام العبودية، وصحّح له استنهاله للعناية السرمدية ليلا، أي ليل له شأن جليل.
ابن المنير رحمه الله تعالى: «وإنما كان الإسراء ليلا لأنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا، ولأنه وقت الصلاة التي كانت مفروضة عليه في قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 2] وليكون أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب، وفتنة للكافر» .
والليل وقت الاجتهاد للعبادة. وكان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورّمت قدماه. وكان قيام الليل في حقّه واجبا، فلما كانت عبادته ليلا أكرم بالإسراء [به] فيه ليكون أجر المصدّق به أكثر، ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارا، وقدّم الحق تبارك وتعالى اللّيل في كتابه على ذكر النهار، فقال عز وجل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [الإسراء: 12]، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان: 62] إلى غير ذلك من الآيات» .
وصحّ
أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له» ،
الحديث [ (1) ] .
وهذ الخصيصة لم تجعل للنهار، نبّه بها صلى الله عليه وسلم لما في ذلك الوقت من الليل من سعة الرحمة ومضاعفة الأجر وتعجيل الإجابة، ولإبطال كلام الفلاسفة أن الظّلمة من شأنها الإهانة والشّرّ، لأن الله تعالى أكرم أقواما في الليل بأنواع الكرامات كقوله في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: 76] الآية. وفي لفظ بقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
[ (1) ] أخرجه البخاري 2/ 66 (دار الفكر) ومسلم 1/ 521 (168- 758) وأبو داود (1315- 4733) وابن ماجة (1366) والبيهقي في السنن 3/ 2