الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عشرة آية من بني إسرائيل» . وذكر عصيانهم وفسادهم وتخريب مسجدهم، ثم ذكر استفزازهم النبي صلى الله عليه وسلم وإرادتهم إخراجه من المدينة وسؤالهم إياه عن الروح. ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون. وأخبر أن فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض فأهلك. وأرّث بني إسرائيل الأرض من بعدهم. وفي ذلك تعريض بهم أنهم كما استفزوا النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فسيخرجون منها ويرثها هو وأصحابه كنظير ما وقع لهم مع فرعون لما استفزهم. وقد وقع ذلك أيضا. ولما كانت السورة مصدّرة بتخريب المسجد الأقصى افتتحت بذكر إسراء سيدنا محمد المصطفى إليه، تشريفا لحلول ركابه الشريف وجبرا لما وقع من تخريبه. انتهى.
الثالث: في حكمة استفتاحها بالتسبيح:
ابن الجوزي في زاد المسير: الحكمة في الإتيان به هنا وجهان: أحدهما: أن العرب تسبّح عند الأمر العجيب، فكأن الله تعالى عجّب خلقه بما أسدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإسراء به.
الثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لما حدّثهم عن الإسراء به كذّبوه، فيكون المعنى تنزّه الله تعالى أن يتّخذ رسولا كذّابا.
القاضي تاج الدين السبكي في تذكرته سأل الإمام: ما الحكمة في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح والكهف بالتحميد؟ وأجاب بأن التسبيح حيث جاء قدّم على التحميد نحو:
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [النصر 3] سبحان الله والحمد لله.
وأجاب ابن الزّملكاني- بفتح الزاي واللام-: [أن] سورة سبحان لما اشتملت على الإسراء وكذّب المشركون به النبي صلى الله عليه وسلم، وتكذيبه تكذيب لله تعالى، أتي «بسبحان» لتنزيه الله عز وجل عما ينسب إليه من الكذب، وسورة الكهف لما نزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف وتأخير الوحي نزلت مبيّنة أن الله تعالى لم يقطع نعمته على نبيّه ولا على المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة.
الرابع: في الكلام على سبحان الله:
محمود الكرماني في «برهانه» : «كلمة استأثر الله تعالى بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل ثم بالماضي في الصّفّ والحشر لأنه أسبق، ثم بالمضارع في الجمعة والتغابن، ثم بالأمر في الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها» ، انتهى.
وقوله: «فبدأ بالمصدر» أي بالاسم الموضوع موضع المصدر.
وروى الحاكم أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى «سبحان الله» ، فقال:«تنزيه الله من كل سوء» .
وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله تعالى عنهما، قال:«سبحان الله، اسم يعظّم الله تعالى به نفسه ويتحاشى به عن السوء» .
الماوردي رحمه الله تعالى: «هو ذكر يعظّم الله تعالى به لا يصلح إلا له» .
وأما ما ذكره في قول الشاعر.
فعلى سبيل الشذوذ.
صاحب النّظم [ (1) ] : «السبّح- في اللغة- التباعد، يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [المزمل 7] ، أي تباعدا طويلا. فمعنى سبح الله تعالى بعده عما لا ينبغي.
وللتسبيح معان أخر ذكرتها في كتاب: القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز.
الإمام موفق الدين بن يعيش رحمه الله تعالى في شرح المفصّل: «اعلم أنهم قد علّقوا الأعلام على المعاني فأطلقوها على الأعيان، فمن ذلك قولهم: سبحان، وهو عندنا علم واقع على معنى التسبيح، وهو مصدر معناه البراءة والتنزيه وليس منه فعل، وإنما هو واقع التسبيح الذي هو المصدر في الحقيقة، جعل علما على هذا المعنى فهو معرفة لذلك، ولا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون. وأما قول الشاعر: «سبحانه ثم سبحانا يعود له» ، ففي تنوينه وجهان: أن يكون ضرورة، والثاني: أن يكون أراد الفكرة» .
الضياء بن العلج رحمه الله، في البسيط: «لفظ المصدر لأنه مصدر سبّح إذا قال:
سبحان الله، ومدلول سبحان التنزيه لا اللفظ» .
قلنا: التسبيح بمعنى التنزيه أيضا لأن معنى سبّحت نزّهت الله تعالى، فتطابقا حينئذ على معنى التنزيه، فصحَّ تعليق سبحان على التسبيح، واستعماله علما قليل، وأكثر استعماله مضافا اما إلى فاعله أو إلى مفعوله. فإذا أضيف فليس بعلم لأن الأعلام لا تضاف.
قال: وقيل «سبحان» في البيت مضاف حذف المضاف إليه للعلم به وليس بعلم» .
[ (1) ] أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني القاضي بجرجان ثم بالري ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقاته فقال: كان فقيها أديبا شاعرا وفيه يقول الصاحب بن عباد:
إذا نحن سلمنا لك العلم كله
…
فدع هذه الألفاظ ننظم شذورها
انظر شذرات الذهب 3/ 56، 57.
أبو عمرو بن الحاجب [ (1) ] رحمه الله تعالى في أماليه: «الدليل على أن سبحان علم للتسبيح قول الشاعر:
قد قلت لمّا جاءني فخره
…
سبحان من علقمة الفاخر [ (2) ]
ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية» .
الشهاب السمين رحمه الله تعالى في إعرابه: «قيل هو مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد يفرد، وإذا أفرد منع من الصرف للتعريف، وزيادة الألف والنون كما في البيت السابق. وقد جاء منوّنا كقوله:
سبحانه ثمّ سبحانا يعود له
…
وقبلنا سبّح الجودي والجمد [ (3) ]
فقيل ضرورة وقيل هو بمنزلة قبل وبعد، إن نوى تعريفه بقي على حاله، وإن نكّر أعرب، منصرفا. وهذا البيت يساعد على كونه مصدرا لا اسم مصدر لوروده منصرفا. ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة. وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية فلا تنصرف. والناصب له فعل مقدّر لا يجوز إظهاره» .
القرطبي رحمه الله تعالى: «العامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه إذ لم يجيء من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصّمّاء. فالتقدير عنده أنزّه الله تعالى تنزيها، فوقع «سبحان الله» مكان [ (4) ] قولك تنزيها» . انتهى.
الزمخشري رحمه الله تعالى: «سبحان علم للتسبيح كعثمان لرجل وانتصابه بفعل
[ (1) ] عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين بن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية.
كردي الأصل. ولد في أسنا (من صعيد مصر) ونشأ في القاهرة، وسكن دمشق، ومات بالإسكندرية سنة 646 هـ.
وكان أبوه حاجبا فعرف به. من تصانيفه «الكافية» في النحو، والشّافية» في الصّرف، و «منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل» . انظر الأعلام 4/ 211.
[ (2) ] البيت للأعشى ويروى
أقول لما جاءني فخره
…
سبحان من علقمة الفاخر
انظر لسان العرب 2/ 1914.
[ (3) ] البيت لأمية بن أبي الصلت انظر اللسان 2/ 1915
[ (4) ] في أ: فهو بمنزلة.