الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموت، فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض روح كل عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم.
التنبيه السادس:
في لغات ميكائيل وهي سبع: الأولى وهي الأفصح: ميكال بوزن ميقات وميعاد وبها قرأ أبو عمرو. الثانية: مكائيل: بهمزة فياء وهي قراءة نافع. الثالثة: ميكائيل بياءين وهي قراءة باقي السبعة. الرابعة: ميكئيل بهمزة بعد الكاف فمثنّاة تحتية وهي قراءة ابن محيصن. الخامسة: كذلك [أي ميكئل] إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وبها قرأ بعضهم. السادسة:
ميكاييل بياءين صريحتين بعد الألف وبها قرأ الأعمش. السابعة: ميكاءيل بهمزة مفتوحة بعد الألف.
التنبيه السابع:
في الكلام على البراق، وهو بضمّ الموحّدة وتخفيف الراء مشتقّ من البريق فقد جاء في لونه أنه أبيض أو من البرق لأنه وصف بسرعة السّير أو من قولهم: شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء، ولا ينافيه وصفه في الحديث بالبياض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البيض. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والحارث:«أبرقوا فإنّ دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين» ، فجعل البرقاء مقابلة السوداوين تفضيلا للبياض، فلهذا يكون البراق أفضل الألوان ويجوز أن يجمع بين المعنيين فيسمى براقا للونه ولسرعة مسيره فيكون ذلك من قبيل مجملي اللفظ المشترك دفعة واحدة في اللفظ ويحتمل ألا يكون مشتقا.
قال ابن أبي جمرة: وإنما كان ركوب النبي صلى الله عليه وسلم على البراق إشارة إلى أن الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحدا ملكه بخلاف جنسه من الدوابّ. قال: والقدرة صالحة لأن يصعد بنفسه بغير براق، لكن كان البراق بشارة له في تشريفه، لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش، والراكب خلاف الماشي. وقال ابن دحية: ربّما مزج خرق العادة بالعادة تأنيسا، وقد كان الحقّ قادرا على أن يرفع نبيه صلى الله عليه وسلم بدون البراق، ولكن الركوب وصفة المركوب المعتاد تأنيس في هذا المقام العظيم بطرف من العادة، ولعل الإسراء بالبراق إظهار للكرامة العرفيّة، فإن الملك العظيم إذا استدعى وليّا له وخصيصا به، وأشخصه إليه بعث إليه بمركوب سنّي، يحمله عليه في وفادته إليه. ولم يكن البراق بشكل الفرس ولكنه بشكل البغل وكان ذلك- والله تعالى أعلم- للإشارة إلى أن الركوب في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة في الإسراع العجيب من دابة ما يوصف شكلها بالإسراع الشديد عادة.
فإن قيل: فقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم البغلة في الحرب، فالجواب: كان ذلك لتحقيق نبوته
عليه الصلاة والسلام في مواطن الضرب والطعن والانتشاب في نحر العدو، ولما كان الله تعالى خصه بمزيد من الشجاعة والقوة. وإلا فالبغال عادة من ركوب الطمأنينة والأمنة، فبيّن أن الحرب عنده كالسّلم قوّة قلب وشجاعة نفس، وثقة وتوكّل. وركبت الملائكة في الحرب على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات. ولطف شكل البراق لما وصفه، عن شكل البغل، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن من المطهمات [ (1) ] منها، وذلك بخلاف الخيل.
ولم يسمّ الله سبحانه وتعالى سير البراق برسوله صلى الله عليه وسلم طيرانا، وإنما سمّاه بما يسمّى به السير المعتاد وسير الليل عند العرب سرى، فيؤخذ من هذا أن الوليّ إذا طويت له الأرض البعيدة في الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر، ويشمله أحكام السّفر باعتبار القصر والفطر.
وإنما لم يذكر البراق في الرجوع لأن ذلك معلوم بذكره في الصعود، كقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] يعني والبرد.
قال في فتح الصفا: فإن قيل: هلّا كان الإسراء على أجنحة الملائكة والريح كما كانت تحمل سليمان عليه الصلاة والسلام أو الخطوة كطيّ الزمان؟ قلت المراد اطلاعه على الآيات الخارقة للعادة، وما يتضمّن أمرا عجيبا، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطعة هذه المسافة، بخلاف قطعها على دابّة في هذا الحجم المحكيّ عن صفتها، ووقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها فقط. فقد أخذ جبريل بركابه وميكائيل بزمام البراق، وهما من أكابر الملائكة، فاجتمع له صلى الله عليه وسلم حمل البراق، وما هو كحمل البراق من الملائكة وهذا أتمّ في الشرف.
واختلفت الأقاويل في صفته، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكر. وقال صاحب الاحتفال: إنه دون البغل وفوق الحمار، وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال. وقال غيره: جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درّة بيضاء. له جناحان في فخذيه وهذا كله لم يصحّ منه شيء، وما ذكره عن ابن عباس أمثلها، ولعل السّرّ في كونهما في فخذيه لثقل مؤخّر الدابّة، أو لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة، أو لأجل الراكب، لأنّهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب أو فوقهما، ويحصل له من ذلك مشقة بضمّهما ونشرهما خصوصا مع السرعة العظيمة.
[ (1) ] المطهّم: المنتفخ الوجه. وقيل: الفاحش السّمن. وقيل: النّحيف الجشم، وهو من الأضداد. انظر النّهاية لابن الأثير 3/ 147.