الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ منهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ المؤمنين لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [البقرة 143] في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة شدة الرحمة وقدّم الأبلغ للفاصلة.
قَدْ للتحقيق نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تصرّف وجهك في جهة السماء تطلّعا إلى الوحي، وتشوّقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدعى إلى إسلام العرب فَلَنُوَلِّيَنَّكَ نحوّلنّك قِبْلَةً تَرْضاها تحبّها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ استقبل في الصلاة ناحية المسجد الحرام أي الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطابا للأمة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي التّولي إلى الكعبة الْحَقُّ الثابت مِنْ رَبِّهِمْ لما في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتحوّل إليها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة 144][قرئت] بالتاء أي أيها المؤمنون من امتثال أمره، وبالياء أي اليهود من إنكار القبلة.
وَلَئِنْ لام قسم أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ على صدقك في أمر القبلة ما تَبِعُوا أي لم يتبعوا قِبْلَتَكَ عنادا وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة 145] أي إن اتّبعتهم فرضا.
تنبيهات
الأول: تصوير ما ذكر من تحويل الرجال مكان النساء وتحويل النساء مكان الرجال أن الإمام يتحول من مكانه في مقدّم المسجد إلى مؤخّره، لأن من استقبل الكعبة بالمدينة فقد استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، فلما تحوّل الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال. وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة. ويحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور لأجل المصلحة المذكورة، أو لم يتوال الخطأ عند التحويل بل وقعت متفرقة.
الثاني: اختلف في تاريخ تحويل القبلة، فقال البراء بن عازب كما عند البخاري: كان على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً. وقال ابن عباس كما عند ابن إسحاق، وأبي داود في ناسخه سبعة عشر شهرا. وكذا قال عمرو بن عوف كما عند البزار والطبراني. وقال ابن عباس
أيضا كما عند ابن أبي شيبة وأبي داود في ناسخه، والطبراني والزهري كما عند البيهقي، وسعيد بن المسيب كما عند الإمام مالك وأبي داود فيه، وابن جرير وقتادة كما عند عبد بن حميد، وابن المنذر «على رأس ستة عشر شهراً» . وقال أنس بن مالك كما عند البزار، وابن جرير تسعة عشر شهراً. قال الحافظ: «فطريق الجمع بين رواية ستة عشر وسبعة عشر شهرا، ورواية الشك في ذلك: أن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل وشهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل بعد الزوال في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس. وقول ابن حبّان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأول، وأسانيد رواية ثلاثة عشر وثمانية عشر وتسعة عشر شهرا، وعشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين هي أسانيد ضعيفة، والاعتماد على الثلاثة الأول.
الثالث: اختلف في أي شهر كان تحويل القبلة. فقال محمد بن حبيب: في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقرّه، مع كونه رجّح في شرحه على صحيح مسلم رواية ستة عشر شهراً لكونها مجزوما بها عند مسلم. ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا بإلغاء شهري القدوم والتحويل. وجزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة.
الرابع: اختلف في أي صلاة كان التحويل، ففي الصحيح عن البراء بن عازب أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي صلاة العصر، والأكثر على أنها صلاة الظهر. قال الحافظ:
والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة- بكسر اللام- الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو لأهل قباء.
الخامس: اختلف في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وهو بمكة، فروى ابن ماجة عن طريق أبي بكر بن عياش عن البراء أنه قال:«صلّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين» . وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا. وحكى الزهري خلافا في أنه جعل الكعبة خلف ظهره أو أنه جعلها بينه وبين بيت المقدس، وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه، وعلى الثاني كان يصلي بين الرّكنين اليمانيّين. وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثم نسخ. قال الحافظ: «وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النّسخ مرّتين، والأول أصحّ لأنه يجمع بين القولين. وقد صحّحه الحاكم وغيره. وحمل أبو عمر هذا
القول على الثاني ويؤيده في حمله على ظاهره إمامة جبريل، ففي بعض طرقه أن ذلك كان عند البيت. وروى ابن جرير وغيره بسند جيد قوي عن ابن عباس قال:«لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس» إلى آخره، وظاهره أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن روى الإمام أحمد من وجه آخر عن ابن عباس قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه» [ (1) ] . ورواه ابن سعد أيضا وسنده جيّد قويّ والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة إلى بيت المقدس.
وقوله في حديث ابن عباس الأول: «أمره الله» يردّ قول من قال: «أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس باجتهاد» ، كما رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.
وعن أبي العالية أنه صلّى إلى بيت المقدس يتألّف بذلك أهل الكتاب، وهذا لا ينبغي إلا بتوقيف.
السادس: الذين ماتوا قبل فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس:
بمكة من قريش 1 عبد الله بن شهاب 2 والمطلب بن أزهر، الزّهريّان، 3 والسكران بن عمرو العامري. وبأرض الحبشة منهم: 4 حطّاب بن الحارث الجمحيّ- حطّاب بالحاء المهملة- 5 وعمرو بن أمية الأسدي، 6 وعبد الله بن الحارث السهمي. 7 وعروة بن عبد العزى، 8 وعديّ بن نضلة- بالنون والضاد المعجمة- العدويّان- ومن الأنصار بالمدينة: 9 البراء بن معرور- بمهملات، 10 وأسعد بن زرارة. فهؤلاء العشرة متّفق عليهم، ومات في المدة أيضا إياس بن معاد الأشهلي لكنه مختلف في إسلامه.
السابع: وقع في رواية زهير بن معاوية في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري وغيره: أنه مات على القبلة- أي قبلة بيت المقدس من قبل أن تحوّل [قبل البيت]- رجال قتلوا [فلم ندر ما نقول فيهم] . قال الحافظ: «ذكر القتل لم أره إلا في رواية الزهري وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممّن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك» . قال: «ثم وجدت في التاريخ ذكر رجل
[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 1/ 325 وذكره الهيثمي في المجمع 2/ 15 وزاد نسبته للطبراني في الكبير والبزار وقال:
ورجاله رجال الصحيح.
اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت» [ (1) ] فذكر ما تقدم في بدء إسلام الأنصار. ثم قال الحافظ: «فيحتمل أن يكون هو المراد» قال: وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمّار فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء.
الثامن: في بيان غريب ما سبق:
«حجج» ، بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية [أي سنين] .
«قبل» البيت- بكسر القاف وفتح الموحدة-: أي جهته.
«معرور» [ (2) ] بعين مهملة.
«حانت» الصلاة: دنا وقتها.
[ (1) ] سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة الأوسى. ذكره ابن شاهين وقال: شك في إسلامه وقال أبو عمر: أنا أشك فيه كما فيه غيري. الإصابة 3/ 189.
[ (2) ] انظر اللسان 4/ 2876.