الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
لا يعتد بقول المتكلمين سواء في الفقه أو في أصول الفقه
وفي العقيدة من باب أولى؛ لأن المتكلمين ليسوا أهل علم.
(1)
.
فإذا خالف المتكلمون في مسألة فإنه لا يحتج بخلافهم وقد بين هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى
(2)
.
فإذن إذا حصل إجماع لأهل السنة في مسألة عقدية؛ فإنه لا يحتج بمخالفة المتكلمين، أما إذا كان المتكلم فقيها فيعتد بقوله في الفقه؛ لأنه فقيه لا لأنه متكلم، لكن عملياً لو أن هذا الرجل خالف في مسألة وانفرد بها فإن قوله محدث؛ لأن مذهب المتكلمين متأخر فيكون محجوجاً بالإجماع الذي قبله.
* * *
المسألة العاشرة
شرطية انقراض العصر في الإجماع
ثمة طائفة اشترطوا لصحة الإجماع أن ينقرض العصر فلو أن العلماء في عصر الصحابة أجمعوا على قول، فإن هذا الإجماع لا يعتد به حتى ينتهي هذا العصر وينقرض مجتهدوه، فإذا انقرض مجتهدوه ولم يرجع أحد منهم عن قوله فإن الإجماع يكون صحيحاً، لكن لو اجتمعوا على قول ثم أحد الصحابة المتأخرين
(1)
انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (2/ 942).
(2)
كما في: «مختصر الصواعق» لابن القيم (ص: 563).
وفاة كأنس أو جابر رجعوا فإن هذا الإجماع لا يعتد به
(1)
.
وهذا القول من جهة الدليل مرجوح ولا يعول عليه؛ لأن الأدلة واضحة في حجية الإجماع ولم تشترط انقراض العصر، وتقدم ذكر الأدلة، فمتى ما تحقق الإجماع صار حجة ولو تحقق لحظة لعموم الأدلة.
ويؤيد ذلك أنهم إذا اجتمعوا ولو لحظة فإن من بينهم الفرقة الناجية، وقول الفرقة الناجية حق على ما تقدم تقريره.
إذن اشتراط انقراض العصر لا دليل عليه، بل الأدلة على خلافه، وما استدل به القائلون باشتراط انقرض العصر فمردود عليهم، وإليك بيان بعضه:
1 -
نسب ذلك أبو يعلى
(2)
إلى الإمام أحمد وبناه على ما رواه البيهقي وغيره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجع عن قوله بحرمة بيع أمهات الأولاد وقال عبيدة السلماني التابعي المعروف: «إن رأيك مع رأي عمر أحب إلي من رأيك وحدك»
(3)
.
فوجه الدلالة: أنه صح لعلي أن يخالف الإجماع فإنه لما اتفق قوله وقول عمر صارت المسألة إجماعًا فصح له أن يخالف ذلك؛ لأن عليًّا يرى أن الإجماع
(1)
انظر في هذا: «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 41) وما بعدها، و (2/ 70)، و «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (4/ 1095) وما بعدها، و «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (3/ 346) وما بعدها، و «الإحكام» للآمدي (1/ 256 - 261)، و «المحصول» للرازي (4/ 147)، و «البحر المحيط» للزركشي (6/ 478) وغيرها.
(2)
انظر: «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (4/ 1095).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (13224)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 436)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 343، و 438)، وابن عبد البر في «بيان جامع العلم وفضله» (1616) وغيرهم، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (5/ 416).
لا يكون حجة إلا بعد انقراض العصر والعصر لم ينقرض؛ لأن عليًّا لم يمت.
والاعتماد على مثل هذا فيه نظر كبير، لذا لم يوافق أبا يعلى على هذا أبو الخطاب في «التمهيد»
(1)
، وذلك أن اجتماع عمر وعلي ليس إجماعًا بل هو اجتماع اثنين.
والمراد بالإجماع: أن يجمع العلماء بأن ينطق جماعة ولا يخالفهم الآخرون، أما أن يتفق علي وعمر على قول ثم يرجع أحدهما فليس هذا إجماعًا.
ومن جهة أخرى: ذكر أبو الخطاب
(2)
وغيره أن كلام عمر مع علي كان من باب المشورة.
فالمقصود: أن قول عمر وعلي ليس إجماعًا، والإجماع الذي يبحث هو اتفاق مجتهدي الأمة، أما أن يقول اثنان قولًا ثم يرجع أحدهما عن قوله فإن هذا لا يعد إجماعًا؛ لذا نسبته إلى أحمد فيه نظر.
بل أول من قرر هذا الشرط صريحا، هو القاضي أبو علي الجبائي المعتزلي كما في «المعتمد»
(3)
، وتبناه كذلك أبو الحسين البصري المعتزلي صاحب المعتمد؛ ولم ينسب العلائي
(4)
هذا القول إلا لأبي علي الجبائي المعتزلي، فدل هذا على أنهما لا يريان أنه قد قال بهذا القول مثل الإمام أحمد ولا سيما أن النسبة إلى أحمد باستنباط أبي يعلى فيه نظر كما تقدم تقريره.
فالمهم أن يعلم أن هذا القول ليس عليه الأولون وإنما تبناه طائفة من المعتزلة ثم تبناه بعض المتأخرين من الأصوليين.
(1)
انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (3/ 353).
(2)
انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (3/ 353)، بلفظ: «وأما خبر علي، فالصحيح منه أنه قال: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر
…
».
(3)
انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 70).
(4)
انظر: «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» للعلائي (ص:20).
2 -
استدلوا بما أخرجه البخاري ومسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ» ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، «فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ»
(1)
.
ووجه الدلالة: أنه لما كان جلد الشارب أربعين هو المعمول به على عهد أبي بكر وشيء من خلافة عمر فاعتُبِر هذا إجماعًا، ثم خالف عمر، وعلة ذلك عدم انقراض العصر.
وقد أجاب ابن القيم
(2)
على هذا أنه من باب التعزير الذي يختلف بالنظر إلى المصالح باختلاف الزمان والمكان، فعمر رأى أن يشدد في شرب الخمر لانتشاره، فهذا من باب التعزير ولا علاقة له بصحة مخالفة الإجماع إذا لم ينقرض العصر.
إذا تبين هذا فلتعلم أنَّ القول باشتراط انقراض العصر ليس صحيحًا لما يلي:
أولا: أول من عُرِف عنهم هذا الشرط هم المتكلمون.
ثانياً: مخالفة هذا الشرط للدليل.
ثالثاً: ما اعتمدوا عليه لا دلالة فيه كما تقدم.
رابعًا -وأخيراً -: القول باشتراط انقراض العصر إذا دقق فيه فإنه غير منضبط كما أشار لهذا الروياني
(3)
فيما نقله عنه الزركشي في «البحر المحيط»
(4)
، فقد ذكر كلاماً مفاده أنه ليس منضبطاً ثم أراد أن يذكر له ضابطاً وفيه إشكال لأنه إن أرجع إلى زمن معين فإن المجتهدين قد يبقون بعد هذا الزمن فيوجد مجتهدون جدد.
(1)
أخرجه البخاري (6773)، ومسلم (1706/ 35) - واللفظ له -.
(2)
انظر: «زاد المعاد» لابن القيم (5/ 44).
(3)
انظر: «بحر المذهب» للروياني (11/ 130 - 131).
(4)
انظر: «البحر المحيط» للزركشي (6/ 490 - 491).