الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأقوال، ولم أر أحداً ممن تكلم عن القول الملفق فيما مضى ينسب هذا إلى ابن تيمية نقلاً عن قوله، وإنما عمدة من ينسب هذا لشيخ الإسلام من بعض المعاصرين أن ابن تيمية قرر أقوالًا ملفقة.
فيقال: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم و تنزيله هذا التأصيل على الأمثلة والوقائع.
فقد يخطئ العالم و يحدث قولاً جديداً فلا يدل هذا على أنه يرى إحداث قول جديد.
بل قد يحتج بحديث ضعيف قد بين ضعفه في موضع آخر فذهل عن هذا فاحتج به فهل يقال إنه يرى جواز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في الأحكام؟
كلا، لذا قال عطاء فيما روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: وأضعف العلم أيضا علم النظر أن يقول الرجل: رأيت فلانا يفعل كذا ولعله قد فعله ساهيًا
(1)
.
لذا لا يعتمد على تنزيل العالم فقد يخطئ في التنزيل و في العمل وإنما العمدة على تأصيله.
* * *
المسألة الثانية عشرة
طريقة معرفة الإجماع
يعرف الإجماع إذا حكاه عالم ذو استقراء، فإذا حكى عالم ذو استقراء إجماعا فالأصل صحة إجماعه إلا إذا تبين خرمه، والأمر سهل في هذا.
لذا حكى ابن المنذر - وابن المنذر صاحب منزلة عالية في الاستقراء ومعرفة الأقوال -، وأولى من ابن المنذر محمد بن نصر الخزاعي، وأولى منه الإمام أحمد
(1)
انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (1448).
والشافعي وإسحاق ابن راهويه، إذا حكى أحد هؤلاء الأئمة أو غيرهم إجماعًا فإن الأصل صحة الإجماع إلا إذا تبين أنه مخروم، فإذا تبين أنه مخروم فيسقط الإجماع، كما أنه إذا احتج أحد هؤلاء العلماء أو غيرهم بحديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل أن الحديث صحيح لكن لو تبين أنه ضعيف فإنه يرد لكن الأصل أنه صحيح، كما إذا صرح أحد هؤلاء العلماء بصحة حديث وهذا أولى من الاحتجاج فالأصل صحته لكن لو تبين أنه ضعيف فينتقل من هذا الأصل لما ظهر للناظر والمجتهد، ومثل هذا إذا حكى إجماعا فالأصل أن الإجماع صحيح لكن لو تبين أن الإجماع مخروم فيسقط الإجماع ويسقط الاستدلال به.
إلا أنه لا ينبغي أن يتعجل في زعم خرم الإجماع، فقد يكون الإجماع سابقاً والخلاف حادثًا، فقد يحكي النووي إجماعًا وهو يريد إجماع الصحابة والتابعين وخالف أناس في القرن الرابع، فينبغي أن يتأمل في مثل هذا فقد يكون الذي خالف محجوجًا بالإجماع السابق، فلا يصح أن يتعجل لكن إذا قدر أنه ثبت خرم الإجماع فيسقط الإجماع، ولابد أن يضع الناظر أمام عينيه عند بحث مثل هذا أن لا يكون الإجماع سابقاً ثم حدث خلاف بعد، وفي المقابل أن لا يكون في المسألة خلاف ثم انعقد الإجماع بعدُ كالتكبير أربعاً على الجنائز، فقد حكى ابن عبد البر
(1)
والنووي
(2)
(1)
انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (6/ 334).
(2)
انظر: «المجموع» للنووي (5/ 230).
إجماعًا وذكروا أن أقوال أهل العلم بعد ذلك استقرت على أنه لا يزاد في الجنازة على أربع وقد كان بين الصحابة خلاف في هذا.
فالمقصود أنه يتأمل في أمثال هذه المسائل ولا يتعجل، لكن لو تبين للناظر أن الإجماع مخروم فإنه يقال بخرمه، وفي المقابل لا يتعجل؛ فإن الأصل فيما يحكيه عالم ذو استقرا كما تقدم ذكرهم كالنووي أو ابن قدامة أو غيرهم صحة الإجماع، وبرهان هذا البحث والنظر فإنه عند البحث غالباً يتضح صحة قولهم.
لكن بعضهم يخرم الإجماع بمخالفة ابن حزم الظاهري أو مخالفة داود الظاهري وهذا خطأ كما سيأتي التمثيل على هذا إن شاء الله تعالى، حتى رأيت أحدهم كتب بحثاً وقال قد ذكر في المسألة إجماعًا لفلان وفلان إلا أن هذا الإجماع لا يصح؛ لأن ابن حزم خالفه. وهذا عجيب كيف يعول على ابن حزم في نقض إجماع سابق؟! وابن حزم محجوج بالإجماع ومثل هذا ينبغي التنبه إليه
(1)
.
ومما يحسن التنبيه إليه أن ثمة علماء يحكون إجماعًا ويريدون الأكثر ولا يعتدون بمخالفة القلة، ومن هؤلاء:
1 -
ابن جرير الطبري
(2)
: فقد اشتهر عند أهل العلم أن ابن جرير الطبري إذا حكى إجماعًا فإنه لا يعتد بمخالفة القلة كالواحد والاثنين وغيرهم فمثل هذا لا يعتد بإجماعه إذ لم يحكِ الإجماع إلا هو.
(1)
قال ابن رجب في «فتح الباري» (4/ 242): «فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريًا على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوباً بالإجماع قبله» .
وقال في (6/ 105): «خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم» .
(2)
انظر: «الإحكام» للآمدي (1/ 235)، و «شرح مختصر الروضة» للطوفي (3/ 53).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (1/ 597): «وأما ابن جرير الطبري فالإجماع عنده قول الجمهور؛ فلا يحتج بنقله» باختصار.