الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشبهة الثامنة
أن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلى عمل
.
وهذه التأصيل سواءً بعبارة السنة أو الحديث أو الخبر
…
إلخ، هو في ظاهره يدل على أن الدليل حجة في نفسه ولا يحتاج أن يعمل به أحد حتى يحتج به.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن نحوًا من هذا الكلام قد قرره الإمام الشافعي رحمه الله، فقد ذكر في كتابه «الرسالة» ما يتعلق بحكم الحاكم (ولي الأمر) ثم ذكر مسألة تتعلق بما نحن بصدده، فقال رحمه الله تعالى:
«لما كان معروفاً والله أعلم عند عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر.
فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل أصبع مما هنالك عشرة من الإبل صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث دلالتان أحدهما قبول الخبر وهذا لا إشكال فيه، والآخر أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا»
(1)
.
فهو يريد بالأئمة الحكام الذين يحكمون في أمثال هذه المسائل.
ثم قال: «ودلالة على أنه مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأيضًا هذا شاهد قوي
(1)
انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:420).
على هذه الشبهة المذكورة- ودلالة على أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده
…
»
(1)
.
إذن الوجه الأول: سياق كلام الشافعي رحمه الله يتعلق بالحاكم إذا حكم بالقضايا فإنه لا يتكلم عن جميع العلماء وإنما يتكلم عن حكم حاكم، حكم عمر بحكم فحكم قبله أو من بعده من الحكام بحكم فهو لا يتكلم عن إجماع العلماء على ترك العمل بالخبر وإنما يتكلم عن حكم حاكم حكم بخبر قد يكون هناك من يوافق أو من يخالف، لكنه قطعاً يخالف حاكماً قبله أو لا يعلم أن حاكماً قبله حكم بهذا، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أحدٌ من أهل العلم يقول بهذا القول.
الوجه الثاني: أن الشافعي رحمه الله تعالى يقرر أنه يصح نسخ الخبر بالإجماع فإذا أجمع العلماء على أن هذا الخبر منسوخ فإنه يترك النص إلى الإجماع.
قال الزركشي في «البحر المحيط» : «إجماع الصحابة كنسخ رمضان صوم يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة سائر الحقوق في المال، ذكره ابن السمعاني أيضًا، وكذا حديث: «من غل صدقته فإنا آخذوها وشطر ماله»
(2)
، واتفق الصحابة على ترك استعمالهم هذا فدل عدولهم عنه على نسخه.
وقد نص الشافعي على ذلك أيضًا فيما نقله البيهقي في المدخل فقال: ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم آخر مؤقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر أو بقول من سمع الحديث أو العامة - يعني إجماع أهل العلم -»
(3)
.
ثم استطرد الزركشي في بيان كلام العلماء.
(1)
انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:420).
(2)
أخرجه أحمد (20041)، والدارمي (1719)، وأبو داود (1575)، والنسائي (5/ 15)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1575) طبعة المعارف.
(3)
انظر: «البحر المحيط» للزركشي (5/ 319).