الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ففي عصر الصحابة نشأ مجتهدون جدد من التابعين كسعيد بن المسيب فإذن يلزم على هذا أن ينتظر حتى ينتهي عصر سعيد و قد يخرج مجتهدون أخر فينتظرون وهكذا
…
إلخ.
وإن قيل: إن المراد أن يموت جميع المجتهدين في عصر الصحابة؟
قلنا: هذا إن تُصوِّرَ في عصر الصحابة، فصعب تصوره فيمن بعدهم، من الناحية الواقعية العملية، بل مقتضاه رد كثير من الإجماعات؛ لأنه يصح أن يقول قائلهم: هل أثبتم انقراض العصر حتى يُحتج بهذا الإجماع؟
ويكفي في ضعف هذا الشرط أمران:
الأول: أنه لا دليل عليه، وأن أول من قال به هم المعتزلة كما تقدم بيانه.
الثاني: أن الدليل على خلافه.
* * *
المسألة الحادية عشرة
لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد
(1)
إذا اختلف العلماء على قولين فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثالثاً جديداً، وإذا اختلفت الأمة على أربعة أقوال فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً خامساً، وإذا لم يكن للأمة إلا قول واحد فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثانياً ومن فعل ذلك فقد خالف الإجماع من جهة أن الأمة لما اختلفت على قولين أجمعت أن الحق في أحد هذين القولين، ومن جهة أخرى فقد وقع في الإحداث، والإحداث منهي عنه
(1)
انظر في هذا: «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 44) وما بعدها، و (2/ 70)، و «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (4/ 1113 - 1115)، و «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (3/ 310 - 314)، و «الإحكام» للآمدي (1/ 268 - 272)، و «المحصول» للرازي (4/ 127 - 130)، و «البحر المحيط» للزركشي (6/ 516) وما بعدها وغيرها.
في الشرع.
واستدل ابن تيمية
(1)
رحمه الله على منع الإحداث بعموم حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ»
(2)
.
ومن ذلك إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز أن يحدث قول ثالث فقد سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع
(3)
؛ فإذن لا يجوز إحداث قول جديد، وهذا الذي عليه العلماء الأولون، ونسب إلى بعض الحنفية
(4)
جوازه وفي النسبة نظر، وإنما الذين يرون جواز إحداث قول جديد هم الظاهرية
(5)
، كداود الظاهري ومن بعده لذا صار مذهبه مذهبا مبتدعا، ولأجله قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الخامس من «منهاج السنة»: وكل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ
(6)
. وقد أشار للمعنى وهو أنهم متأخرون.
ووضح هذا أكثر ابن رجب في «فتح الباري»
(7)
وبين أن الظاهرية يرون جواز إحداث قول جديد فهم بذلك خالفوا السلف السابقين وأشار لهذا أيضًا في «فضل علم السلف على الخلف»
(8)
.
(1)
انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (1/ 334)، و (11/ 613)، و (22/ 188 - 189).
(2)
أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
(3)
انظر: المسودة ص 315 و العدة لأبي يعلى (4/ 1059).
(4)
كما في: «الإحكام» للآمدي (1/ 268)، و «البحر المحيط» للزركشي (6/ 517 - 518) وغيرهما.
(5)
كما في: «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 44)، و (2/ 70)، و «الإحكام» للآمدي (1/ 268)، و «المحصول» للرازي (4/ 127)، و «البحر المحيط» للزركشي (6/ 518) وغيرهم.
(6)
انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية (5/ 178).
(7)
انظر: «فتح الباري» لابن رجب (4/ 242).
(8)
انظر: «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب (ص:67). دار الصميعي - الطبعة الثانية.
فمذهب الظاهرية مبتدع في الفقه وفي العقيدة، لأن عند داود الظاهري أخطاء عقدية والسلف قد شددوا على داود في مذهبه الفقهي ومذهبه العقدي كما يعرف هذا بالرجوع إلى ترجمة داود لابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ، والترجمة ساقطة من كتاب «الجرح والتعديل» المطبوع لكنها موجوده في «لسان الميزان» للحافظ ابن حجر
(1)
.
والذي يهمنا فيما نحن بصدده هو مذهبه الفقهي.
وسبب ضلاله في الفقه يرجع إلى أمور ذكر ابن القيم أربعة منها
(2)
وزاد ابن رجب خامسًا وهو جواز إحداث قول جديد فهم يخالفون ما عليه السلف الأولون، ثم ذكر ابن رجب
(3)
أنه من الخطأ أن يقال إن مذهب الظاهرية هو مذهب أهل الحديث كما شاع وانتشر في هذه العصور المتأخرة.
ومما ذكر الشاطبي في موضعين من «الاعتصام» أن العلماء لا زالوا على تبديع الظاهرية
(4)
.
وممن بدعهم أيضًا ابن العربي المالكي
(5)
وغيرهم من أهل العلم.
وقد اشتهر عن المالكية المغاربة الشدة على الظاهرية؛ لأن ابن حزم كان من أهل المغرب وهو الذي أشهر هذا المذهب وأذاعه مما أدى إلى اشتداد مواجهة المالكية ومعارضتهم له.
(1)
انظر: «لسان الميزان» لابن حجر (2/ 422 - 424).
(2)
انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (3/ 98 - 107).
(3)
انظر: «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب (ص 67)
(4)
انظر: «الاعتصام» للشاطبي (2/ 457)، و (3/ 198).
(5)
انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (18/ 188 - 190) حيث اشتد ابن العربي على الظاهرية وابن حزم، وتعقبه الذهبي في ذلك.