الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5335 -
وعن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن رجلا عمل عملا في صخرة لا باب لها ولا كوة، خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان)). [5335]
5336 -
وعن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له سريرة صالحة أو سيئة؛ أظهر الله منها رداء يعرف به)). [5336]
5337 -
وعن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إنما أخاف على هذه الأمة كل منافق يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور)). رواه البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [5337]
5338 -
وعن المهاجر بن حبيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل، ولكني أتقبل همه وهواه، فإن كان همه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمدا لي ووقارا وإن لم يتكلم)). رواه الدارمي. [5338]
(6) باب البكاء والخوف
الفصل الأول
5339 -
عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا)). رواه البخاري.
ــ
الحديث الثامن إلى الثاني عشر عن عمر رضي الله عنه: قوله: ((كل منافق)) يجوز أن يكون منصوبا، أي أخاف على هذه الأمة شر كل منافق، ويجوز أن يكون مجرورا بدلا من قوله:((هذه الأمة)) أي أخاف عليهم من النفاق.
باب البكاء والخوص
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لو تعلمون ما أعلم)) أي عقاب الله للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب للعتاة، وكشف السرائر وخبث النيات.
5340 -
وعن أم العلاء الأنصارية، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا أدري، والله لا أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم)). رواه البخاري.
5341 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بين إسرائيل تعذب في هرة لها، ربطتها لم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا، ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب)). رواه مسلم.
ــ
قال الشيخ أبو حامد: هذا الحديث من الأسرار التي أودعها قلب الأمين الصادق محمد صلى الله عليه وسلم، [ولا يجوز] إفشاء السر؛ فإن صدور الأحرار قبور الأسرار بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكوا ولا يضحكوا؛ فإن البكاء ثمرة شجرة حياة القلب الحي بذكر الله واستشعار عظمته وهيبته وجلاله، والضحك نتيجة القلب الغافل عن ذلك. فبالحقيقة حث الخلق على طلب القلب الحي والتعوذ من القلب الغافل. انتهى كلامه. وقوله:((لبكيتم)) جواب القسم الساد مسد جواب ((لو)).
الحديث الثاني عن أم العلاء: قوله: ((لا أدري، وأنا رسول الله)) فيه وجوه:
أحدها: أن هذا القول منه حين قالت امرأة لعثمان بن مظعون – لما توفي -: هنيئا لك الجنة؛ زجرا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب، ونظيره قوله لعائشة رضي الله عنها حين سمعها تقول: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة: أو غير ذلك يا عائشة!.
وثانيها: أن يكون هذا منسوخا بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ} كما ذكره ابن عباس في قوله تعالى: {ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ} .
وثالثها: أن يكون نفيا للدراية المفصلة دون المجملة.
ورابعها: أن يكون مخصوصا بالأمور الدنيوية من غير النظر إلى سبب ورود الحديث.
((تو)): لا يجوز حمل هذا الحديث وما ورد في معناه على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مترددا في عاقبة أمره، غير متيقن بماله عند الله من الحسنى؛ لما ورد عنه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك، وأنى يحمل على ذلك؟ وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود، وأنه أكرم الخلائق على الله تعالى، وأنه أول شافع وأول مشفع.
الحديث الثالث عن جابر رضي الله عنه قوله: ((من خشاش الأرض)) ((نه)): أي هوامها
5342 -
وعن زينب بنت جحش، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فرعا يقول:((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها. قالت زينب: فقلت: يا رسول الله! أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)). متفق عليه.
5343 -
وعن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم رجل لحاجة فيقولون: ارجع
ــ
وحشراتها. قوله: ((عمرو بن عامر)) ((تو)): هو أول من سن عبادة الأصنام بمكة، وحمل أهلها بالتقرب إليها بتسييب السوائب، وهو أن يترك الدابة فتسيب حيث شاءت فلا ترد عن حوض ولا علف، ولا يتعرض لها بركوب ولا حمل، وكانوا يسيبون العبيد أيضا بأن يعتقوهم، ولا يكون للمعتق ولاء، ولا على المعتق حجر في ماله، فيضعه حيث شاء. [ويقال له: إنه سائبة]. والقصب – بالضم – المعي، ولعله كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار. ((يجر قصبه في النار)) لأنه استخرج من باطنه بدعة جر بها:[الجريرة] إلى قومه. والله أعلم.
الحديث الرابع عن زينب رضي الله عنها: قوله: ((من ردم يأجوج)) ((نه)): يقال ردمت الثلمة ردما إذا شددتها والاسم والمصدر فيه سواء. وأراد بالخبث الفسق والفجور. ((حس)): هو مصدر خبث يخبث خبثا.
الحديث الخامس عن أبي عامر رضي الله عنه: قوله: ((من أمتي)) كذا هو في نسخ البخاري، وقد وقع في المصابيح ((في أمتي)) و ((المعازف)): الملاهي. والعازف: اللاعب بها. و ((العلم))، الجبل. والسارح والسارحة والسرح سواء: الماشية، وسرح المال إذا أطلقه يرعى، وسرح بنفسه والمال سارح. قوله:((يستحلون الحر)) ((تو)): الحر بتخفيف الراء الفرج. وقد صحف هذا اللفظ في كتاب المصابيح، وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث فحسبوه الخز بالخاء والزاي المنقوطتين، والخز لم يحرم حتى يستحل، ولقد وجدت من الناس من اغتر بخط من كان يعرف بعلم الحديث وحفظه، وقد كان قيده بالخاء والزاؤ المنقوطتين حتى يثبت له أنه صحف، أو اتبع رواية بعض من لم يعلم.
وقال في قوله: ((يروح عليهم بسارحة)) سقط منه فاعل ((يروح)) فالتبس المعنى على من لم يعلم به، وإنما الصواب: يروح عليهم رجل بسارحة لهم، كذلك رواه مسلم في كتابه. وإنما السهو من المؤلف؛ لأنا وجدنا النسخ سائرها على ذلك. وقال أيضا في قوله:((ويضع العلم)) سقط عنه كلمة وهي ((عليهم)).
إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)). رواه البخاري. وفي بعض نسخ ((المصابيح)):((الحر)) بالحاء والراء المهملتين، وهو تصحيف، وإنما هو بالخاء والزاي المعجمتين، نص عليه الحميدي وابن الأثير في
ــ
أقول: أما قوله: أولا قد صحف .. إلخ. فجوابه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في هذا الحديث بعد ما روى: ((يستحلون الخز)) بالخاء والزاي المعجمتين. قال: والذي ذكره أبو إسحاق الحربي في باب الحاء والراء ليس من هذا في شيء، إنما هو حديث آخر عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((أول دينك نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة وخيرة، ثم ملك عض يستحل فيه المر والحرير))، يريد استحلال الحرام من الفروج. وهذا لا يتفق مع الذي أخرجه البخاري. وكذلك أخرجه أبو داود في السنن في كتاب اللباس في باب الخز ولباسه، وإنما ذكرنا ذلك لأن من الناس من يتوهم في ذلك شيئا فبيناه. وحديث أبي ثعلبة ليس من شرط الصحيح، تم كلامه. وقريب منه ما ذكره صاحب النهاية في باب الحاء والراء المهملتين.
وأما قوله ثانيا: والخز لم يحرم حتى يستح
…
فجوابه ما ذكره ابن الأثير في النهاية في حديث علي: ((أنه نهى عن ركوب الخز والجلوس عليه)): الخز المعروف أولا أي في الزمان الأول ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين. وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم، وعليه يحمل الحديث الآخر يعني هذا الحديث:((يستحلون الخز والحرير)). تم كلامه.
فإن قيل: كيف يعطف الحرير على الخز والأول مكروه والثاني حرام على المعنى الأول، وعلى الثاني يلزم عطف الشيء على نفسه أو كيف يحرم وإنه لم يكن مصطلحا حينئذ؟ والجواب عن الأول أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى التغليب إرادة التغليظ. والجواب عن الثاني أنه عطف بيان كقول الحماسي:
الكاعب الحسناء ترفـ ـل في الدمقس وفي الحرير
فإن الدمقس هو الحرير وإنه إخبار عن الغيب وكان معجزة.
وأما قوله ثالثا: سقط منه فاعل ((يروح)) فالتبس المعنى، فجوابه أنه ما التبس منه بل رواه البخاري كما في المصابيح، ولكن الحميدي والخطابي وصاحب جامع الأصول ذكروا ((تروح عليهم سارحة)) بالتاء المقيدة بالنقطتين، ويرفع ((سارحة)) على الفاعلية فوجب أن يقال: إن الباء زائدة في الفاعل لتتفق الروايتان ويستقيم المعنى، ويستدل بهذه الرواية على أن الباء تزاد في الفاعل كما استدل بقول امرئ القيس:
هذا الحديث. وفي كتاب ((الحميدي)) عن البخاري، وكذا في ((شرحه)) للخطابي:((تروح عليهم سارحة لهم يأتيهم لحاجة)).
ــ
ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن نملك بيقرا
وأما نسبته إلى ((مسلم)) وأنه رواه في كتابه كذا فهو سهو منه؛ لأني ما وجدت الحديث في كتاب مسلم. فكيف؟ وقد أورده الحميدي في أفراد البخاري فحسب، وصاحب جامع الأصول رواه عن البخاري وأبي داود.
وأما قوله رابعا، وقد سقط منه كلمة ((عليهم)) فإني ما وجدت في الأصول هذه الكلمة ثابتة فإن قلت: كيف يكون نزول بعضهم إلى جنب علم، ورواح سارحتهم عليهم، ودفعهم [ذا] الحاجة بالمطل والتسويف، سببا لهذا العذاب الأليم والنكال الهائل؟. قلت: إنهم لما بالغوا في الشح والمنع بولغ في العذاب، وبيان ذلك أن في إيثار ذكر العلم على الجبل إيذانا بأن المكان مخصب ممرع ومقصد لذوي الحاجات، فيلزم منه أن يكونوا ذوي ثروة وموئلا للملهوفين. فكما دل خصوصية المكان على ذلك المعنى دل خصوصية الزمان في قوله:((بروح عليهم سارحتهم)) وتعديته بـ ((على)) المنبهة بالاستعلاء على أن ثروتهم حينئذ أوفر وأظهر، وأن احتياج الواردين أشد؛ لأنهم أحوج [ما يكون] حينئذ.
وفي قولهم: ((ارجع إلينا غدا)) إدماج لمعنى الكذب، وخلف الموعد واستهزاء بالمطالب. فإذن يستأهلون أن يعذبوا بكل نكال، وإنما قلنا: إن العلم يدل على الشهرة والمقصد قول الخنساء في مدح أخيها:
كأنه علم في رأسه نار
نبهت به على أن أخاها مشهور معروف في ملجأ الملهوفين، ومأمن للمضطرين؛ فإن رواح السارحة دل على وفور الثروة وظهورها كقوله تعالى:{ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ} .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملاء البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر [وملجائه]. ((خط)): فيه بيان أن المسخ قد يكون في هذه الأمة، وكذلك الخسف كما كانا في سائر الأمم، خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون، إنما مسخها بقلوبها.
5344 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)). متفق عليه.
5345 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
5346 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها)). رواه الترمذي. [5346]
5347 -
وعن أبي ذب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع
ــ
الحديث السادس والسابع عن ابن عمر رضي الله عنه: قوله: ((من كان فيهم)) ((مظ)): يعني إذا أذنب بعض القوم نزل العذاب بجميع من كان في القوم، سواء فيه المذنب وغيره يشؤمه، ولكنهم مجزيون يوم القيامة على حسب أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((مثل النار)) ((مظ)): يعني النار شديدة والخائفون منها [نائمة غافلة]، وليس هذا طريق الهارب، بل طريقة أن يهرب من المعاصي إلى الطاعات. أقول:((مثل)) ها هنا كما في قول [العبقري]:
مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب
جوابا على قوله: لأحملنك على الأدهم، أي مثل الجنة [الصافية] في نعيمها الصافية عن الكدورات وخلودها المنزه عن الفناء والزوال، وفيه معنى التعجب، أي ما أعجب حال هذه الجنة الموصوفة بهذه الصفات، وحال طالبها الغافل عنها، هذا إذا لم يكن ((رأيت)) من أفعال القلوب، وأما إذا كان منها فقوله ((نام هاربها)) يكون مفعولا ثانيا له.
الحديث الثاني عن أبي ذر رضي الله عنه: قوله: ((أطت السماء)) ((نه)): الأطيط صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، أي إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمة أطيط وإنما هو طلام تقريب أريد به تقرير
أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)). قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [5347]
5348 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)) رواه الترمذي. [5348]
ــ
عظمة الله تعالى. و ((الصعدات)) الطرق وهي جمع صعد، وصعد جمع صعيد. وقيل: هي جمع صعدة كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه انتهى كلامه. قوله:((أربع)) بغير هاء في جامع الترمذي وابن ماجه، ومع الهاء في شرح السنة وبعض نسخ المصابيح. والإصبع تذكر وتؤنث. وقوله:((موضع أربعة أصابع)) فاعل للظرف المعتمد على حرف النفي، والمذكور بعد ((إلا)) حال منه، أي وفيه ملك.
((تو)) المعنى لخرجتم من منازلكم إلى الجبنانة متضرعين إلى الله تعالى، ومن حال المحزون أن يضيق به المنزل، فيطلب الفضاء الخالي لبث الشكوى، وقوله: قال أبو ذر: ليتني كنت شجرة تعضد، أي تقطع، هو من قول أبي ذر، ليس في كتاب أحد ممن نقل هو عن كتابه ((قال أبو ذر)) بل أدرج في الحديث. ومنهم من قال: قيل: هو من قول أبي ذب، وقد علموا أنه بكلام أبي ذب أشبه. والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا هي أوضع مما هو فيه ثم إنها مما لا تكون.
أقول: في جامع الترمذي وجامع الأصول هكذا ((تجأرون إلى الله، لوددت أني شجرة تعضد)) وفي رواية: إن أبا ذر قال: لوددت أني شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذي موقوفا وفي سنن ابن ماجه كما في المتن ونسخ المصابيح: قال أبو ذر: يا ليتني
…
!)) إلخ وللبحث فيه مجال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((من خاف أدلج)) قيل: من خاف من هجوم العدو عليه وقت السحر، يسير في الليل ويبلغ المأمن. هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه؛ فإن تيقظ في سيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده، ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق
5349 -
وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((يقول الله جل ذكره: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((كتاب البعث والنشور)). [5349]
5350 -
وعن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ} أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: ((لا، يا بنت الصديق! ولكنه الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [5350]
ــ
الآخرة صعب وتحصيل الآخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعي، فقال:((ألا إن سلعة الله غالية)) أي رفيعة القدر وسلعة الله الجنة العالية الباقية، ثمنها الأعمال الخالصة الباقية التي أشار إليها بقوله سبحانه:{والْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وخَيْرٌ أَمَلاً} .
الحديث الرابع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((من ذكرني يوما)) أراد الذكر بالإخلاص وهو توحيد الله تعالى عن إخلاص القلب وصدق النية، وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:((من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة)) والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقييدها بالطاعات، وإلا فهو حديث نفس وحركة خاطر، لا يستحق أن يسمى خوفا، وذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا عاب ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الغفلة. قال الفضيل: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت؛ فإنك إذا قلت: ((لا)) كفرت، وإذا قلت:((نعم)) كذبت، أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي.
الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((يؤتون ما آتوا)) هكذا هو في نسخ المصابيح وهو القراءة المشهورة، ومعناه يعطون ما أعطوا. وسؤال عائشة رضي الله عنها: ((أهم الذين يشربون الخمر
…
؟ إلخ. لا يطابقها، وقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يؤتون ما أتوا)) بغير مد أي يفعلون ما فعلوا، وسؤالها مطابق لهذه القراءة، وهكذا هو في تفسير الزجاج والكشاف.
الحديث السادس عن أبي بن كعب رضي الله عنه: قوله: ((يا أيها الناس!)) أراد به النائمين
5351 -
وعن أبي كعب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: ((يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)). رواه الترمذي. [5351]
5352 -
وعن أبي سعيد، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة فرأي الناس كأنهم يكتشرون قال: ((أما: إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى [الموت]، فأكثروا ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، وإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك)). قال: ((فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا،
ــ
من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد. وأراد بـ ((الراجفة)) النفخة الأولى التي يموت منها جيمع الخلق، والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا [تمخض]. وأراد بالرادفة النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى. أنذرهم صلى الله عليه وسلم باقتراب الساعة؛ لئلا يغفلوا عن استعدادها.
الحديث السابع عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((يكتشرون)) ((تو)): أي يضحكون والمشهور في اللغة الكشر يقال: كشر الرجل إذا افتر فكشف عن اسنانه، وكشر البعير عن نابه أي كشف عنها. قوله:((الموت)) بيان لقوله: ((هاذم اللذات)) للتصريح بقوله فيما بعده ((هاذم اللذات، الموت)).
وقوله: ((عما أرى)) عما أراكم فيه من الاكتشار والضحك. وقوله: ((إلا تكلم)) أي بلسان الحال كما تقول: الحال ناطقة بكذا. وقوله: ((أما إن كنت)) إن مخففة من الثقيلة، واللام فارقة، وفي ((إذا)) معنى التعليل. و ((وليتك)) من التولية مجهولا، و ((وليتك)) من الولاية معلوما.
قوله: ((العبد الفاجر أو الكافر)) ((أو)) لشك الراوي. والمعنى بـ ((الفاجر)) الكافر لوقوعه في مقابلة قوله: ((العبد المؤمن)) ونظيره قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا} . قوله: ((من حفر النار)) كذا في جامع الترمذي وجامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح، وفي
أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك)) قال:((فيلتئم عليه حتى يختلف أضلاعه)). قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض. قال:((ويقيض له سبعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا، فينهسنه ويخدشنه حتى يفضى به إلى الحساب)). قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار)). رواه الترمذي. [5352]
5353 -
وعن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله! قد شبت. قال: ((شيبتني سورة هود وأخواتها)). رواه الترمذي. [5353]
5354 -
وعن ابن عباس، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله! قد شبت. قال: ((شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و (إذا الشمس كورت))). رواه الترمذي. [5354]
وذكر حديث أبي هريرة: ((لا يلج النار)) في ((كتاب الجهاد)).
ــ
بعضها ((النيران)) بالجمع.
الحديث الثامن والتاسع عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((شيبتني هود)) ((تو)): يريد أن اهتمامي بها فيها من أهوال يوم القيامة، والمثلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني ما أخذه حتى شبت قبل أوان المشيب خوفا على أمتي. ((حس)): عن بعضهم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت له: روي عنك انك قلت: ((شيبتني سورة هود)) فقال: نعم! قلت: وبأية آية؟ قال: قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ، قال الإمام فخر الدين: وذلك لأن الاستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى طرفي الإفراط والتفريط، في الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة عسير جدا، وقد سبق تحقيقه في أول الكتاب.
الفصل الثالث
5355 -
عن أنس، قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. يعني المهلكات. رواه البخاري.
5356 -
وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا)). رواه ابن ماجه، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [5356]
5357 -
وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: قلت: لا. قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى! هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه برد لنا؟ وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا، رأسا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك. قال أبي: ولكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إن أباك والله كان حيرا من أبي. رواه البخاري.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((هي أدق في أعينكم)) عبارة عن تدقيق النظر في العمل وإمعانه فيه، أي تعملون أعمالا وتحسبون أنكم تحسنون صنعا، وليس كذلك في الحقيقة.
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((من الله طالبا)) هو من باب التجريد، كقول القائل:
وفي الرحمن للضعفاء كاف
الحديث الثالث عن أبي بردة رضي الله عنه: قوله: ((برد لنا)) يقال: برد لنا هذا الأمر إذا ثبت ودام. ((نه)): في الحديث: ((الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة)) أي لا تعب فيه ولا مشقة وكل محبوب عندهم بارد وقيل: معناه الغنيمة الثابتة المستقرة من قولهم: برد على فلان حق أي
5358 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية. وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفوا عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطفي ذكرا، ونظري عبرة، وآمر بالفرف)) وقيل: ((بالمعروف)). رواه رزين.
5359 -
وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله، ثم يصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار)). رواه ابن ماجه. [5359]
ــ
مثبت. انتهى كلامه. وهو خبر قوله: ((أن إسلامنا)) والجملة فاعل ((هل يسرك)) وقوله ((كفافا)) نصب على الحال من الضمير المجرور، أي نجونا منه في حالة كونه لا يفضل علينا شيء منه، أو من الفاعل أي مكفوفا عنا شره. وقوله:((لوددت)) خبر ((لكني)) مع اللام، وهو ضعيف. ويجوز أن يكون ((لوددت)) جواب القسم والقسمية خبر ((لكني)) على التأويل.
الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أمرني ربي بتسع)) ذكر تسعا وأتى بعشر فالوجه أن يحمل العاشر وهو الأمر بالمعروف على أنه نجمل عقب التفصيل؛ لأن المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، كأنه قيل: أمرني ربي بأن أتصف بهذه الصفات وآمر غيري بالإتصاف بها. فالواوات كلها عطفت المفرد على المفرد. وفي قوله: ((وآمر بالعرف)) عطف المجموع من حيث المعنى على المجموع بحسب اللفظ ونحوه في التفرقة بين الواوين قوله تعالى: {ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ (19) ولا الظُّلُمَاتُ ولا النُّورُ (20) ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ} .
الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((حر وجهه)) ما أقبل عليك وبدا لك منه، وحر كل أرض ودار، وسطها وأطيبها.