المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(3) باب الحساب والقصاص والميزان - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١١

[الطيبي]

الفصل: ‌(3) باب الحساب والقصاص والميزان

وجوههم وتحشرهم النار، وفوجاً يمشون ويسعون ويلقي الله الآفة على الظهر، فلا يبقى، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها)) رواه النسائي. [5548]

(3) باب الحساب والقصاص والميزان

الفصل الأول

5549 -

عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك)). قلت: أو ليس يقول الله: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} فقال: ((إنما ذلك العرض؛ ولكن من نوقش في الحساب يهلك)) متفق عليه.

ــ

من الزاد والراحلة، ودون هؤلاء قوم ((يمسون ويسعون ويلقى الله عز وجل الآفة)) على مراكبهم حتى يضطروا إلى أن يعطى الحديقة بالمركوب، والهالكون من تحشر الملائكة لهم النار وتلزمهم حتى لا تفارقهم أين باتوا وأين قالوا، فبقى أن يقال: لم ذكر المؤلف هذا الحديث في باب الحشر؟ وهلا ذكره في باب أشراط الساعة؟ قلنا: تأسياً بمحيي السنة، والعجب أن محيي السنة حمل الحديث على ما ذهب إليه الخطابي، حيث قال: وهذا الحشر قبل قيام الساعة وإنما يكون ذلك إلى الشام أحياء، وأما الحشر بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، وإنما هو كما أخبر أنهم يبعثون حفاة عراة، وأورده في هذا الباب. والله أعلم.

باب الحساب والقصاص والميزان

((نه)) القصاص: اسم من أقصه الحاكم يقصه إذا أمكنه من أخذ القصاص، وهو أن يفعل به مثل فعله من: قتل أو قطع أو ضرب أو جرح.

الفصل الأول

الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنها:

قوله: ((من نوقض الحساب)) ((فا)) ((مظ)): يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيراً، وأنشد ابن الأعرابي للحجاج:

إن تناقش يكن نقاشك يا رب

عذاباً لا طوق لي بالعذاب

أو تجاوز فأنت رب عفو

عن مسيء ذنوبه كالتراب

ص: 3505

5550 -

وعن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) متفق عليه.

5551 -

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يدني المؤمن فيضع على كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب! حتى قرره بذنوبه، ورأي نفسه أنه قد هلك. قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق:{هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} . متفق عليه.

5552 -

وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً، فيقول: هذا فكاكك من النار)) رواه مسلم.

ــ

الحديث الثاني عن عدي رضي الله عنه: قوله: ((ولو بشق تمرة)) ((مظ)) يعني إذا عرفتم ذلك فاحذروا من النار ولا تظلموا أحداً ولو بشق تمرة.

أقول: ويحتمل أن يقال: المعنى إذا عرفتم أنه لا ينفعكم في ذلك اليوم شيء إلا العمال الصالحة، وأن أمامكم النار، فاجعلوا الصدقة جنة بينكم وبينها ولو بشق تمرة.

الحديث الثالث عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((كنفه ويستره)) ((قض)): كنفه حفظه وستره عن أهل الموقف وصونه عن الخزي والتفضيح، مستعار من كنف الطائر وهو جناحه يصون به نفسه، ويستر به بيضه ويحفظه، وأصله الجانب، يقال: أكنفت الرجل إذا صنته.

وفيه: ((حتى أقره بذنوبه)) أي جعله مقرا بأن أظهر له ذنوبه وألجأه إلى الإقرار بها.

الحديث الرابع عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: قوله: ((فكاكك)) ((تو)): فكاك الرهن ما يفك به ويخلص. والكسر فيه لغة.

((قض)): لما كان لكل مكلف مقعد من الجنة ومقعد من النار، فمن آمن حق الإيمان بدل مقعده من النار بمقعد من الجنة، ومن لم يؤمن فبالعكس، كانت الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من النار، والنائب منابهم فيها، وأيضاً لما سبق القسم الإلهي بملء جهنم كان ملاؤها من الكفار خلاصاً للمؤمنين ونجاة لهم من النار، فهم في ذلك للمؤمنين كالفداء والفكاك،

ص: 3506

5553 -

وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب! فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته)). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيجاء بكم فتشهدون على أنه قد بلغ)) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)) رواه البخاري.

5554 -

وعن أنس، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال:((هل تدرون مما أضحك؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ((من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)) قال: ((يقول: بلى)). قال: ((فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)). قال: ((فيقول: كفي بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام

ــ

ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهما بمضادة المسلمين، ومقابلتهما إياهم في تصديق الرسول المقتضى لنجاته.

الحديث الخامس عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((فيقول: محمد وأمته، وقد قال الله تعالى:{ويكون الرسول عليكم شهيداً} مقدما صلة الشهادة ليفيد اختصاصهم بشهادته عليهم لا على غيرهم؟

قلت: لم يرد باختصاصهم بشهادة أنه يشهد عليهم للزوم المضرة، والكلام وارد في مدح الأمة، فالغرض هنا أنه يزكيهم، فضمن ((شهد)) معنى ((رقب)) لأن العدول حتاج إلى رقيب يحفظ أحوالهم ليطلع عليها ظاهراً وباطناً فيزكيهم، ولما كانوا هم العدول من بين سائر الأمم خصهم الله تعالى بكون الرسول عليهم شهيداً، أي: رقيباً مزكياً، وهذا لا يدل على أنه لا يشهد على سائر الأمم، مع أن مزكي الشاهد أيضاً شاهد.

قوله: ((وسطاً)) ((نه)): يقال: هو من أوسط القوم، أي: خيارهم، وقد وسط وساطة فهو وسيط.

الحديث السادس عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ألم تجرني من الظلم)) أي ألم تجعلني في إجارة منك بقولك: {وما ربك بظلام للعبيد} .

قوله: ((وبالكرام الكاتبين)) فإن قلت: دلت أداة الحصر على أن لا يشهد عليه غيره، فكيف أجاب بقوله: كفي بنفسك وبالكرام الكاتبين؟

ص: 3507

الكاتبين شهودا)). قال: ((فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي)). قال: ((فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام)). قال: ((فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل)) رواه مسلم.

5555 -

وعن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: ((فهل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟)) قالوا: لا. قال: ((فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟)) قالوا: لا. قال: ((فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)). قال: ((فيلقى

ــ

قلت: بذل له مطلوبه وزاد عليه تأكيداً وتقريراً.

قوله: ((كنت أناضل)) ((نه)) أي: أجادل وأخاصم وأدافع، يقال: فلان يناضل عن فلان، إذا رمى عنه وحاج وتكلم بعذر ودفع عنه.

قال الشيخ أبو حامد في الإحياء في هذا الحديث: ((نعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله وعد المؤمن أن يستر عليه ولا يطلع عليه غيره كما أخبر به بقوله: ((إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره ..)) الحديث.

ثم قال: فهذا عبد مؤمن يستر على الناس عيوبهم، واحتمل في نفسه تقصيرهم فلم يحرك لسانه بذكر مساوئ الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فمثل هذا العبد جدير بان يجازى بمثل فعله ذلك في القيامة، ويرجو ستر الله عليه ذنوبه.

الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((هل تضارون)) ((مح)): روى ((تضارون)) بتشديد الراء وتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما.

وفي الرواية الأخرى: ((هل تضامون)) بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ومن خففها ضمها. وفي رواية البخاري:((لا تضارون أو لا تضامون)) على الشك.

((قض)): ((تضارون)) المشدد من الضرر، والمخفف من الضير، أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بينة لا تقبل مراء ولا مرية فيخالف فيها بعضكم بعضاً. ويكذبه، كما لا يشك في رؤية أحدهما – يعني: الشمس والقمر- ولا ينازع فيهمان فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها وظهورها بحيث لا يرتاب فيها، لا في سائر كيفياتها ولا في المرئي، فإنه سبحانه منزه عن الجسمية وعما يؤدي إليها.

و ((تضامون)) بالتشديد من الضم أي: لا يضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته لإشكاله

ص: 3508

العبد فيقول: أي فل: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى)) قال: ((أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني قد أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فذكر مثله، ثم يلقى الثالث،

ــ

وخفائه كما يفعلون في الهلال. او لا يضمكم شيء دون رؤيته فيحول بينكم وبينها. وبالتخفيف من الضيم، أي: لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعض دون بعض، بل تستوون فيها، وأصله ((تضيمون)) فنقلت فتحة الياء إلى الضاد فصارت ألفاً لسكونها وانفتاح ما قبلها، وكذلك ((تضارون)) بالتخفيف، وأما المشدد فيحتمل أن يكون مبنياً للفاعل على معنى لا تضارون بعضكم بالمخالفة والمجادلة في صحة الرؤية، فسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية، أو يكون مبينا للمفعول على معنى: لا تضارون أي تنازعون في رؤيته.

وفيه: ((وأذرك)) أي: لم أذرك ولم أمكنك على قومك فتصير رئيسهم وتأخذ من مرباعهم وهو ربع الغنيمة وكان ملوك الجاهلية يأخذونه.

قوله ((أي فل)) نه: معناه يا فلان، وليس ترخيماً له، لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيماً لفتحوها او ضموها.

قال سيبويه: ليست ترخيماً وإنما هو صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء، قال:

((في لجة أمسك فلاناً عن فل)) بكسر اللام للقافية.

وقال الزهري: ليس بترخيم فلان ولكنها كلمة على حدة فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث.

وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحفت النون للترخيم والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم.

قوله: ((ألا كما تضارون

)) كان الظاهر أن يقال: لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أخرج مخرج قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

أي: لا تشكون إلا كما تشكون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شك، ولا تشكون فيه البتة.

((فإني قد أنساك)) مسبب عن قوله: ((أفظننت أنك ملاقي)) يعني سودتك وزوجتك، وفعلت بك من الإكرام حتى تشكرني وتلقاني لأزيد في الإنعام وأجازيك عليه، فلما نسيتني في الشكر نسيناك وتركنا جزاءك وعليه قوله تعالى:{كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}

ص: 3509

فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذاً. ثم يقال: الآن تبعث شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك يسخط الله عليه)). رواه مسلم.

وذكر حديث أبي هريرة: ((يدخل من أمتي الجنة)) في ((باب التوكل)) برواية ابن عباس.

الفصل الثاني

5556 -

عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((وعدني ربي أن

ــ

ونسبة النسيان إلى الله تعالى إما مشاكلة أو مجازاً عن الترك.

فقوله: ((فذكر مثله)) أي قال الراوي: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثاني مثلما ذكر في الأول من سؤال الله تعالى له وجوابه على ما سبق.

وأما حكم الثالث فليس كذلك، فإنه لما قرر الله تعالى ما أولاه من النعم سأله: ما فعلت بها؟ وكيف شكرت تلك النعم؟

قال: ((آمنت بك

)) إلخ ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: ((ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب ان ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ..)) الحديث.

وقوله: ((هاهنا إذاً)) إذاً جواب شرط وجزاء، والتقدير: إذا أثنيت على نفيك بما أثنيت إذاً فاثبت هاهنا كي نريك أعمالك بإقامة الشاهد عليها.

قوله: ((من ذا الذي يشهد علي؟)) حال تقديره: يتفكر في نفسه قائلاً: من ذا الذي يشهد علي؟

قوله: ((وذلك)) إشارة إلى المذكور من السؤال والجواب وختم الفم ونطق الفخذ وغيره.

قوله: ((ليعذر)) ((تو)) على بناء الفاعل من الإعذار، والمعنى: يزيل عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي أمامة رضي الله عنه: قوله: ((وثلاث حثيات)) ((شف)): يحتمل

ص: 3510

يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [5556]

5557 -

وعن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: لا يصح هذا الحديث، من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.

5558 -

وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى. [5558]

5559 -

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سيخلص

ــ

النصب عطفاً على قوله: ((سبعين ألفاً)) والرفع عطفاً على قوله: ((سبعون ألفاً)) والرفع اظهر في المبالغة، إذ التقدير: مع كل سبعون ألفاً وثلاث حثيات، بخلاف النصب.

((نه)): الحثيات كناية عن المبالغة في الكثرة، وإلا فلا كف ثم ولا حتى جل الله عن ذلك وعز.

((تو)): الحثية ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غير ذلك، ويستعمل فيما يعطيه المعطي بكفيه دفعة واحدة، وقد جيء به هاهنا على وجه التمثيل، وأريد بها الدفعات، أي: يعطي بعد هذا العد المنصوص عليه ما يخفي على العادين حصره وتعداده فإن عطاءه الذي لا يضبطه الحساب أوفي وأربى من النوع الذي يتداخله الحساب.

الحديث الثاني عن الحسن: قوله: (0ثلاث عرضات)) قيل: هي ثلاث مرات، فأما المرة الأولى فيدفعون عن أنفسهم ويقولن: لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله.

والمرة الثانية: يعترفون بذنوبهم ويعتذرون. ولا تتم قضيتهم في المرتين بالكلية.

والمرة الثالثة: فيطير كتابهم إما باليمين فذلك أهل السعادة، وإما بالشمال فذلك أهل الشقاوة- نعوذ بالله من ذلك- فتتم قضيتهم.

قوله: ((تطير الصحف)) هكذا في سنن الترمذي وجامع الأصول، وفي نسخ المصابيح ((تطاير)). والفاء في قوله:((فآخذ بيمينه)) تفصيلية، أي: فمنهم آخذ بيمينه ومنهم آخذ بشماله.

الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قوله: ((فيقول: إنك لا تظلم)) فإن

ص: 3511

رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا، يا رب فيقول بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [5559]

5560 -

وعن عائشة، أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما يبكيك؟)). قال: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله

ــ

قلت: كيف طابق هذا جوابا لقوله: ما هذه البطاقة؟ قلت: اسم الإشارة للتحقير، كأنه أنكر ان تكون هذه البطاقة المحقرة موازنة لتلك السجلات، فرد بقوله:((إنك لا تظلم بحقيرة)) أي: لا تحقي هذه فإنها عظيمة، إذ لا يثقل مع اسم الله شيء، فلو ثقل على اسم الله شيء فقد ظلمت.

قوله: ((فتوضع السجلات)) ((نه)): السجلات جمع سجل بالكسر والتشديد، وهو الكتاب الكبير، والبطاقة رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيه إن كان عيناً فوزنه أو عدده، وإن كان متاعاَ فقيمته، قيل سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من الثوب فتكون الباء حينئذ زائدة، وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر، ويروى بالنون وهو غريب.

والطيش الخفة، وقد طاش يطيش طيشاً فهو طائش.

الحديث الرابع: عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((عند الميزان)) قال أهل الحق: قال الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} نضع ميزاناً يوم القيامة توزن به الصحائف التي يكون مكتوبا فيها أعمال العباد، وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات، وعن الحسن: له كفتان ولسان.

قوله: ((وعند الصراط)) ((مح)): مذهب أهل الحق أنه جسر ممدود على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب أعمالهم ومنازلهم، والآخرون يسقطون فيها- عافانا

ص: 3512

صلى الله عليه وسلم: ((أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم: أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال {هاؤم اقرؤوا كتابيه}، حتى يعلم: أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله؟ أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط: إذا وضع بين ظهري جهنم)) رواه أبو داود. [5560]

الفصل الثالث

5561 -

عن عائشة، قالت: جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل، فتنحى الرجل وجعل يهتف

ــ

الله الكريم – والمتكلمون من أصحابنا والسلف يقولون: إنه أدق من الشعر وأحد من السيف، وهكذا جاء في رواية أبي سعسد.

قوله: ((أم في شماله أو من وراء ظهره)) وفي جامع الأصول ((أم)) بدل ((أو)) والأول أولى وأوفق للجمع بين معنى الآيتين: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا} .

الكشاف: قيل: تغل يمينه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنها: قوله: (0فكيف أنا منهم؟)) أي: كيف يكون حالي من أجلهم وبسببهم؟

قوله: ((يهتف)) ((نه)): هتف يهتف هتفاً، وهتف به هتافاً، إذا صاح به ودعاه.

قوله: ((خيراً)) خيراً صفة شيئاً والجار والمجرور هو المفعول الثاني.

ص: 3513

ويبكي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أما تقرأ قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين})) فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم كلهم أحرار. رواه الترمذي.

5562 -

وعنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: ((اللهم حاسبني حساباً يسيراً)) قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟ قال: ((أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة! هلك)). رواه أحمد. [5562]

5563 -

وعن أبي سعيد الخدري، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني من يقوى على القيام يوم القيامة الذي قال الله عز وجل: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} ؟ فقال: ((يخفف على المؤمن حتى يكون عليه كالصلاة المكتوبة)).

5564 -

وعنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ما طول هذا اليوم؟ فقال: ((والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا)). رواهما البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)). [5546]

ــ

الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((أن ينظر)) أي العبد.

((فيتجاوز عنه)) أي: الله تعالى.

الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} بدل من قوله {ليوم عظيم} أي: يتجلى سبحانه بجلاله وهيبته، ويظهر سطوات قهره على الجبارين، وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله:{يوم يقوم الناس لرب العالمين} بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده.

ص: 3514