المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(8) باب الإنذار والتحذير - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١١

[الطيبي]

الفصل: ‌(8) باب الإنذار والتحذير

(8) باب الإنذار والتحذير

الفصل الأول

5371 -

عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: ((ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن

ــ

وقوله: ((إلا فشا فيهم الدم)) وذلك لأن حكم من حكم بغير حق فقد ظلم، ومن ظلم فقد أفسد. ومن أفسد، فقد أفضى به الأمر إلى أن يهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. ((نه)): والختر الغدر، يقال ختر يختر فهو خاتر، وختار للمبالغة.

[باب الإنذار والتحذير]

الفصل الأول

الحديث الأول عن عياض: قوله: ((كل مال نحلته)) ((قض)): هو حكاية ما علمه الله تعالى وأوحى إليه في يومه ذا، أو المعنى ما أعطيت عبدا من مال فهو حلال له، ليس لأحد أن يحرم عليه، ويمنعه عن التصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم. وليس لقائل أن يقول: هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقا؛ لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد فقد نحله وأعطاه، وكل ما نحله وأعطاه فهو حلال، فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال، وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق؛ لأنا نقول: الرزق أعم من الإعطاء؛ لأن الإعطاء يتضمن التمليك.

ولذلك قال الفقهاء: لو قال الرجل لامرأته: إن أعطيتيني ألفا فأنت طالق، فأعته بانت، ودخل الألف في ملكه، ولا كذلك الرزق. ((وإني خلقت عبادي حنفاء))، أي مستعدين لقبول الحق، والحنف عن الضلال مبرءين عن الشرك والمعاصي، وهو في معنى قوله:((كل مولود يولد على الفطرة)) ((فاجتالتهم عن دينهم))، أي جالت الشياطين بهم وساقتهم إليها، افتعال من الجولان.

((ما لم أنزل به سلطانا)) مفعول ((يشركوا)) يريد به الأصنام وسائر ما عبد من دون الله، أي أمرتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته، ولم ينصب دليلا على استحقاقه للعبادة. ثم ((نظر إلى أهل الأرض)) أي رآهم ووجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة، إلا بقايا من اليهود والنصارى، تبرءوا عن الشرك وعضوا على التوحيد والدين الحق. ((فمقتهم)) أي أبغضهم لسوء اعتقادهم وخبث صنيعهم.

ص: 3395

الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت:[يا] رب! إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك واعزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث حمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك)). رواه مسلم.

5372 -

وعن ابن عباس، قال: لما نزلت {وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فجعل ينادي:((يا بني فهر! يا بني عدي!)) لبطون قريش حتى اجتمعوا

ــ

وقوله: ((لأبتليك وأبتلي بك)) أي لأمتحنك وأمتحن الناس بك. ((وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء))، أي كتابا محفوظا في القلوب لا يضمحل بغسل القراطيس، أو كتابا مستمرا متداولا بين الناس ما دامت السموات والأرض، لا ينسخ ولا ينسى بالكلية. وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة، أو كتابا واضحا آياته بينا معجزاته لا يبطله جور جائر ولا تدحضه شبهة مناظر، فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة. وقيل: منى به غزارة معناه وكثره جدواه من قولهم: مال فلان لا تفنيه الماء والنار.

((تقرؤه نائما ويقظان)) أي يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائما ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهربه: هو يفعله نائما. ((وإن الله أمرني أن أحرق قريشا)) أي أهلكهم يريد به كفارهم. ((إذا يثلغوا رأسي)) أي يشدخوه فيتركوه بالشدخ مصفحا كخبزة.

((ونغزك)): ((ما لم أنزل به سلطانا)) أي لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله:

على لا حب لا يهتدى بمناره ولا يرى الضب بها ينحجر

أي لا منار ولا اهتداء به وقوله: أي لا ضب ولا انحجار نفيا للأصل والفرع.

الحديث الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((لبطون قريش)) واللام فيه بيان، كما في قوله تعالى:{لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} كأنه قيل: لمن؟ قيل: ((لبطون قريش)).

ص: 3396

فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)). فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم؛ ألهذا جمعتنا؟! فنزلت (تبت يدا أبي لهب وتب) متفق عليه. وفي رواية: نادى: ((يا بني عبد مناف! إنما مثلي مثلكم كمثل رجل رأي العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه!)).

ــ

وقوله: ((أرأيتكم)) أي أخبروني، الضمير المتصل المرفوع من الخطاب العام، والضمير الثاني لا محل له فهو كالبيان للأول؛ لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين، فيستوي فيه التأنيث والتذكير والإفراد والجمع، فإذا أريد بيانه بأحدى هذه الأنواع بين به، فأتى في الحديث بعلامة الجمع بيانا للمراد. وضمن ((جرب)) معنى الإلقاء، وعداه ((بعلى)) أي ما ألقينا عليك قولا مجربين لك، هل تكذب فيه أم لا؟ فما سمعنا منك إلا صدقا. وقوله:((بين يدي)) ظرف لقوله: ((نذير)) وهو بمعنى قدام؛ لأن كل من يكون قدام أحد يكون بين الجهتين السابقتين ليمينه وشماله، وفيه تمثيل، مثل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدم جيش العدو فينذرهم.

((قض)): التب والتباب الخسران والهلاك، ونصبه بعامل مضمر، و ((سائر اليوم)) يريد جميع الأيام. ((تو)): من ذهب في ((سائر)) إلى البقية فإنه غير مصيب؛ لأن الحرف من السير لا من السؤر، وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة. أسائر اليوم وقد زال الظهر.

أقول: وفيه نظر لأنه قال صاحب النهاية: - السائر المهموز الباقي -. والناس يستعملونه في معنى الجمع وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، كأنها تعني باقي الشيء، ويدل على تصحيح ما في النهاية ما في أساس البلاغة؛ فإنه أورده في باب السين مع الهمز قائلا أسأر الشارب في الإناء سؤرا وسؤرة أي بقية.

وفي المثل: سائر اليوم وقد زال الظهر. انتهى كلامه. فعلى هذا المراد بقوله: ((سائر اليوم)) بقية الأيام المستقبلة. ((نه)): ((يربأ أهله)) أي يحفظهم من عدوهم، والإسم الربيئة وهو العين. والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه، وارتبأت الجبل إذا صعدته.

أقول: أسلوب الحديث يسمى في علم البديع بالمذهب الكلامي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم استنطقهم أولا بما أقروا به أنه صادق، فلما اعترفوا ألزمهم بقوله:((فإني نذير لكم)) إلخ، أي إذا اعترفتم بصدقي فاتبعوا لما أقول لكم.

ص: 3397

5373 -

وعن أبي هريرة، قال: لما نزلت {وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} دعا النبي صلى الله عليه وسلم قريشا، فاجتمعوا، فعم وخص، فقال:((يا بني كعب بن لؤي! انقضوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها)) رواه مسلم.

وفي المتفق عليه قال: ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. ويا بني عبد ماف! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. ويا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا)).

الفصل الثاني

5374 -

عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمتي هذه أمة

ــ

الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: (0ببلالها)) ((نه)): البلال جمع بلل والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما يطلق اليبس على القطيعة؛ لأنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل بالنداوة، ويحصل بينهما التجافي والتفرق باليبس، استعاروا البلل بمعنى الوصل واليبس بمعنى القطيعة، والمعنى أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا. وقد مر القول فيه في باب البر والصلة.

[((تو))] قوله: ((ما شئت من مالي)) [أرى] أنه ليس من المال المعروف في شيء، إنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال لا سيما بمكة. ويحتمل أن الكلمتين أعني ((من)) و ((ما)) وقع الفصل فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة، فكتبهما منفصلتين.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي موسى رضي الله عنه: قوله: ((أمتي هذه)) ((مظ)): هذا الحديث مشكل

ص: 3398

مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل)). رواه أبو داود. [5374]

5375 -

5376 - * وعن أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [5375 – 5376]

ــ

لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته صلى الله عليه وسلم، سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره وقد ورد الأحاديث بتعذيب مرتكبي الكبائر، اللهم إلا أن يؤول بأن المراد بـ ((الأمة)) هنا من اقتدى به صلى الله عليه وسلم كما ينبغي ويمتثل بما أمره الله به، وينتهي عما نهاه)).

أقول: الحديث وارد في مدح أمته صلى الله عليه وسلم واختصاصهم من بين سائر الأمم بعناية الله تعالى ورحمته عليهم، وأنهم إن أصيبوا بمصيبة في الدنيا حتى الشوكة يشاكها، أن الله يكفر بها في الآخرة ذنبا من ذنوبه وليست هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله:((مرحومة))؛ فإنه يدل على مزيد تميزهم بعناية الله ورحمته كما في قول الشاعر:

هذا أبو الصقر فردا في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والنمر

والذهاب إلى المثل المفهوم مهجور في مثل هذا المقام. وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله تعالى: {ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} إلى قوله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} أراد موسى عليه السلام أن يخص هذه الرحمة بأمته، فأجابه تعالى بأنها مختصة بأمة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، وإن شئت فجرت ذهنك في الآيات لتقف على سر ما ذكرت.

الحديث الثاني عن أبي عبيدة رضي الله عنه: قوله: ((إن هذا الأمر)) هو ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من إصلاح الناس دينا ودنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم:((رأس الأمر الإسلام)). قوله: ((ملك عضوض)) ((نه)): أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا، والعضوض من أبنية المبالغة. وقوله:((جبرية)) أي قهر وعتو يقال: جبار بين الجبرية والجبروت.

ص: 3399

5377 -

وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما يكفأ – قال زيد بن يحيى الرواي: يعني الإسلام – كما يكفأ الإناء)) يعني الخمر. قيل فكيف يا رسول الله! وقد بين الله فيها ما بين؟ قال: ((يسمونها بغير اسمها فيستحلونها)). رواه الدارمي. [5377]

الفصل الثالث

5378 -

عن النعمان بن بشير، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا جبرية، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة)) ثم سكت، قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز كتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه وقلت: أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الملك العارض والجبرية، فسر به وأعجبه، يعني عمر بن عبد العزيز رواه أحمد والبيهقي في ((دلائل النبوة)). [5378].

ــ

الحديث الثالث عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((إن أول ما يكفأ)) خبر ((إن)) محذوف، وهو الخمر، والكاف في ((كما يكفأ)) صفة مصدر محذوف يعني أول ما يكفأ في الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء من الخمر.

((قض)): ((يكفأ)) يقلب ويمال: يقال: كفأت القدر إذا قلبتها لينصب عنها ما فيها، والمراد به الشرب ها هنا؛ فإن الشارب يكفأ القدح عند الشرب، وقول الراوي:((يعني الإسلام)) يريد به: في الإسلام وسقط عنه. والمعنى: إن أول ما يشرب من المحرمات ويجترأ على شربه في الإسلام، كما يشرب الماء ويجترأ عليه هو الخمر ويؤولون في تحليلها بأن يسموها بغير اسمها كالنبيذ والمثلث.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن النعمان: قوله: ((ثم تكون ملكا عاضا)) ((كان)) ها هنا ناقصة واسمه ما يدل

ص: 3400