المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(5) باب صفة الجنة وأهلها - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١١

[الطيبي]

الفصل: ‌(5) باب صفة الجنة وأهلها

5610 -

وعن جابر، قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرجُ من النار قومٌ بالشفاعة، كأنهم الثعارير)). قلنا: ما الثعارير؟ قال: ((إِنَّه الضَّغابيس)). متفق عليه.

5611 -

وعن عثمان بن عفَّان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يشفعُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء)). رواه ابن ماجه. [5611]

(5) باب صفة الجنة وأهلها

الفصل الأول

5612 -

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصَّالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطر على قلب بشر. واقرءوا إن شئتم:{فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرَّة أعين} . متفق عليه.

ــ

الحديث الثالث والرابع عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((الثعارير)) بالثاء المثلثة والعين المهملة، نه: الثعارير هي القثاء الصغار شبهوا بها لأن القثاء تنمو سريعًا، وقيل: هي رءوس الطراثيث تكون بيضًا، شبهوا ببياضها، وواحدها طرثوث وهو نبت يؤكل.

و ((الضغابيس)) بالضاد والغين المعجمتين، وهي أيضًا صغار القثاء، واحدها ضغبوس.

باب صفة الجنة وأهلها

الجنة: البستان من الشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها وتظللها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة إذا ستره، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان.

الفصل الأول

الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: ((مالا عين رأت)) ((ما)) هنا إما موصولة أو موصوفة، و ((عين)) وقعت في سياق النفي فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلهن ولا عين واحدة منهن، والأسلوب من باب قوله تعالى:{ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} فيحتمل نفي الرؤية والعين معًا، أو نفي الرؤية فحسب، أي لا رؤية ولا عين، أولا رؤية، وعلى الأول الغرض منه العين وإنما ضمت

ص: 3551

ــ

إليه الرؤية ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه، وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه.

قوله: ((ولا خطر على قلب بشر)) هو من باب قوله تعالى: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} وقوله: ((على لا حب لا يهتدي بمناره)) أي لا قلب ولاخطور، أولا خطور، فعلى الأول ليس لهم قلب يخطر فجعل انتفاء الصفة دليلا على انتفاء الذات، أي إذا لم تحصل ثمرة القلب وهو الإخطار فلا قلب، كقوله تعالى:{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع} فإن قيل: لم خص البشر هنا دون القرينتين السابقتين؟.

قلت: لأنهم هم الذين ينتفعون بما أعد لهم ويهتمون بشأنه ويخطرون ببالهم بخلاف الملائكة. والحديث كالتفصيل للآية: فإنها نفت العلم، والحديث نفي طريق حصوله.

قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} : الكشاف: لا تعلم النفوس كلهن ولا نفس واحدة منهن، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك، فأخفاه من جميع خلائقه فلا يعلمه إلا هو، مما تقرُّ به عيونهم، ولا مزيد على هذه العِدَة ولا مطمح وراءها. ((حس)): يقال: أقر الله عينك، ومعناه أبرد الله دمعتها لأن دمعة الفرح باردة - حكاه الأصمعي - وقال غيره: معناه بلغك الله أمنيتك حتى ترضي به نفسك وتقر عينك فلا تستشرف إلى غيره. انتهى كلامه.

فعلى هذا الأول من القرة البرد، والثاني من القرار.

وفي قوله: ((أعددت)) دليل على أن الجنة مخلوقة، ويعضده سكنى آدم وحواء الجنة، ولمجيتها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام: كالنجم والثريا والكتاب ونحوها، وذلك أن الجنة كانت تطلق على كل بستان متكاثف أغصان أشجارها، ثم غلبت على دار الثواب، وإنما قال:((اللاحقة بالأعلام)) لكونها غير لازمة للام، وتحقيق القول أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة، وكذلك اسم النار منقول لدار العقاب على سبيل الغلبة، وإن اشتملت على الزمهرير والمهل والضريع وغير ذلك، ولولا ذلك لما كان يغني عن طلب القصور والحور والولدان بالجنة، ولا عن طلب الوقاية من الزمهرير والمهل والضريع عن مطلق النار.

ص: 3552

5613 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((موضع سوطٍ في الجنةٍ خيرٌ من الدنيا وما فيها)). متفق عليه.

5624 -

وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غَدْوة في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أنَّ امرأةً من نساءِ أهل الجنة اطلعت إِلى الأرض لأضَاءَت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها)). رواه البخاري.

5615 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ في الجنةِ شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها، ولقابُ قوسِ أحدِكم في الجنةِ خيرٌ ممَّا طلَعتْ عليه الشمسُ أو تغرب)). متفق عليه.

5616 -

وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ للمؤمنِ في الجنة

ــ

الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((موضع سوط في الجنة) تو: إنما خص السوط بالذكر لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل معلمًا بذلك المكان الذي يريده لئلا يسبقه إليه أحد.

الحديث الثالث عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة)) فإن قلت: ما وجه الربط بينه وبين الكلام السابق؟.

قلت: المراد أن ثواب غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، لأن ثوابها جنة نصيف امرأة فيها خير من الدنيا وما فيها، فكيف الجنة نفسها؟.

و ((النصيف)) الخمار والمعجر.

الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((في ظلها)) نه: أي في دارها وناحيتها، وقد يكني بالظل عن الكنف والناحية.

قوله: ((ولقاب قوس أحدكم)) القاب والقيب بمعنى القدر، وعينه واو لثلاثة أوجه، لأن بنات الواو من معتل العين أكثر من بنات الياء، وأن (ق وب) موجود دون (ق ي ب) وأنه علامة تعرف بها المسافة بين الشيئين من قولهم: قوبوا في هذه الأرض، إذا أثروا فيها بمواطئهم ومحلهم.

((تو)): الراجل يبادر إلى تعيين المكان بوضع قوسه كما أن الراكب يبادر إليه برمي سوطه.

الحديث الخامس عن أبي موسى رضي الله عنه: قوله: ((المؤمنون)) كذا في البخاري وشرح

ص: 3553

لخيمة من لؤلؤةٍ واحدة مُجوَّفة، عرضُها - وفي رواية: طولُها - ستُّون ميلا، في كلِّ زاوية منها أهلٌ، ما يرونَ الآخرينَ، يطوفُ عليهم المؤمنُ، وجنتانِ من فضةٍ، آنيتُهما وما فيهما؛ وجنَّتان من ذهبٍ، آنيتُهما ومافيهما؛ وما بينَ القومِ وبينَ أنْ ينظروا إلى ربِّهم إلَاّ رداءُ الكبرياء على وجهِه في جنة عدن)). متفق عليه.

5617 -

وعن عُبادةَ بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((في الجنَّةِ مائةُ درجةٍ، ما بينَ كلِّ درجتَين كما بينَ السماءِ والأرض، والفردوسُ أعْلاها درجةً، منها تفجَّرُ أنهارُ الجنةِ الأربعةِ، ومن فوقِها يكونُ العرشُ، فإذا سألتمُ الله فاسألوه الفردوسَ)) رواه الترمذيُّ. ولم أجده في ((الصَّحيحينِ)) ولا في ((كتاب الحميدي)). [5617]

ــ

السنة ونسخ المصابيح، وفي مسلم والحميدي وجامع الأصول:((المؤمن)) فعلى هذا جمع لإرادة الجنس.

قوله: ((على وجهه)) حال من رداء الكبرياء، والعامل معنى ليس.

وقوله: ((في الجنة)) متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة، وإليه أشار الشيخ التوربشتي بقوله: يريد بذلك أن العبد المؤمن إذا تبوأ مقعده من الجنة تبوأ والحجب مرتفعة، والموانع التي تحجبه عن النظر إلى ربه مضمحلة، إلا ما يصدهم من هيبة الجلال وسبحات الجمال ورتبة الكبرياء، فلا يرتفع ذلك إلا برأفة ورحمة منه تفضلا على عباده - انتهى كلامه - وأنشد في المعنى:

أشتاقه فإذا بدا

أطرقت من إجلاله

لاخيفة بل هيبة

وصيانة لجماله

وأصد عنه تجلدا

وأروم طيف خياله

قوله: ((في جنة عدن)) نه: أي جنة إقامة. يقال: عدن بالمكان يعدن عدنًا أي لزمه ولم يبرح منه.

الحديث السادس عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قوله: ((والفردوس أعلاها درجة)) نه: الفردوس هو البستان الذي فيه الكروم والأشجار، والجمع فراديس، ومنه جنة الفردوس.

قوله: ((أنهار الجنة الأربعة)) هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {فيها أنهار من ماء غير

ص: 3554

5618 -

وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ في الجنةِ لسُوقًا يأتونَها كلَّ جُمعةٍ، فتهبُّ ريحُ الشمال، فتحثو في وجوهِهم وثيابِهم، فيزدادون حُسنًا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالا، فيقول لهم أهلوهُم: واللهِ لقدِ ازدَدتم بعدَنا حسنًا وجمالا. فيقولونَ: وأنتم واللهِ لقدِ ازددتم بعدَنا حُسنًا وجمالا)). رواه مسلم.

5619 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أولَ زُمرةٍ يدخلونَ الجنةَ على صورةِ القمر ليلةَ البدْرِ، ثم الذينَ يلونَهم كأشدِّ كوكب دُريِّ ني السماءِ إضاءة، قلوبُهم على قلب رجلٍ واحدٍ، لا اختلافَ بينهم ولا تباغُضَ، لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين، يُرى مُخُّ سُوقِهنَّ من وراء العظمِ واللحم منَ

ــ

آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفي}.

الحديث السابع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((إن في الجنة لسوقًا)) مح: السوق مجمع لأهل الجنة يجتمعون فيها في كل مقدار جمعة - أي أسبوع - وليس هناك أسبوع حقيقة لفقد الشمس والليل والنهار.

و ((الشمال)) بفتح الشين بغير همز، وخصها بالذكر لأنها ريح المطر عند العرب وكانوا يرجون السحاب الساقية.

أقول: لعل تسمية المجمع بالسوق من باب تسميتهم الأنف بالمرسن والشفة بالمشفر.

الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((كأشد كوكب)) أفرد المضاف إليه ليفيد الاستغراق في هذا النوع من الكوكب، يعني إذا تقصيت كوكبًا كوكبًا رأيتهم كأشده إضاءة.

فإن قلت: ما الفرق بين هذا والتركيب السابق؟.

قلت: كلاهما تشبيهان، إلا أن الوجه في الثاني هو الإضاءة فقط، وفي الأول الهيئة والحسن والضوء، كما إذا قلت: إن زيدًا ليس بإنسان بل هو في صورة الأسد وهيئته وجرأته، وهذا التشبيه قريب من الاستعارة المكنية، والكوكب الدري هو الشديد الإنارة نسب إلى الدر وشبه صفاؤه بصفائه.

قوله: ((زوجتان)) الظاهر أن التثنية للتكرير لا للتحديد كقوله تعالى: {ثم ارجع البصر

ص: 3555

الحسن؟ يسبِّحونَ اللهَ بكرةً وعشيا، لا يسقمونَ، ولا يبولونَ، ولا يتغوطونَ ولا يتفلونَ، ولايمتخطون، آنيتُهم الذهبُ والفضةُ، وأمشاطُهم الذهبُ، ورَقودُ مجامرِهم الألوةُ، ورشحهمُ المسكُ، على خَلقِ رجلٍ واحد، على صورةِ أبيهم آدمَ، ستونَ ذراعًا في السماءِ)). متفق عليه.

ــ

كرتين} لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين.

وقوله: ((من الحسن)) تتميم صونا من توهم ما يتصور في تلك الرؤية مما ينفر عنه الطبع، والحسن هو الصفاء ورقة البشرة ونعومة الأعضاء.

ويراد بقوله: ((بكرة وعشيًا)) الديمومة، كما تقول العرب: أنا عند فلان صباحًا ومساءً، لا يقصد الوقتين المعلومين بل الديمومة.

قوله: ((ووقود مجامرهم)) نه: المجامر جمع مجمر بالكسر، وهو الذي توضع فيه النار للبخور وبالضم هو الذي يتبخر به وأعد له الجمر - انتهى كلامه -.

والمراد في الحديث هو الأول، وفائدة الإضافة أن ((الألوة)) هي الوقود نفسه بخلاف المتعارف فإن وقودهم غير الألوة.

مح: هي بفتح وضم اللام، العود الهندي.

((ورشحهم المسك)) أي عرقهم.

قوله: ((على خلق رجل واحد)) مح: روى بضم الخاء واللام، وبفتح الخاء وإسكان اللام، وكلاهما صحيح ويرجح الضم بقوله في الحديث الآخر ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد))، وقد يرجح الفتح بقوله:((لايمتخطون ولا يتفلون)) أي لا يبصقون. أقول: فعلى هذا لا يكون قوله ((على صورة أبيهم آدم)) بدلا من قوله: ((على خلق رجل واحد)) بل يكون خبر مبتدأ محذوف، فإن قيل: الموصوفون بالصفات المذكورة كلهم على خلق رجل واحد حسن الإبدال.

وأما توجيه الضم فالجملة كالإجمال للتفصيل الذي هو مسبوق بمجمل، أجمل أولا بقوله:((قلوبهم على قلب رجل واحد)) ثم فصل بقوله: ((لا اختلاف بينهم ولا تباغض)) وعلل الاختلاف بقوله: ((لكل امرئ منهم زوجتان .. إلى آخره)) على معنى أن كل واحد رضي بما أوتي من الثواب على حسب مرتبته، وثانيًا بقوله:((على خلق رجل واحد)) تأكيدًا وتقريرًا فهو كالفذلكة للمجموع، وحاصله أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ بوصف حسن خلقهم الباطن وختم بوصف حسن خلقهم الظاهر.

ص: 3556

5620 -

وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِن أهل الجنَّةِ يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولايتغَوطون، ولا يمتخطون)). قالوا: فما بالُ الطعام؟ قال: ((جُشَاءٌ ورشحٌ كرشح المسكِ، يُلْهمُونَ التسبيحَ والتحميدَ كما تلهمون النَفَسَ)) رواه مسلم.

5621 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يَدْخُل الجنة ينعَم ولا يبْأس، ولا تَبْلى ثيابُه، ولا يفْنى شبابُه)) رواه مسلم.

ــ

وقوله: ((ستون ذراعًا في السماء)) أي طولا فكنى عنه به.

الحديث التاسع: عن جابر رضي الله عنه: قوله: فما بال الطعام؟)) أي ما بال فضل الطعام، وحينئذ يستقيم جوابه بقوله:((جشاء ورشح)) أي يندفع بالجشاء والرشح.

والإلهام: إلقاء الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله وجهة الملأ الأعلى.

قوله: ((كما تلهمون)) وارد على سبيل المشاكلة لأن المراد به التنفس، قال الراغب: في هذا الحديث إشارة عجيبة، لأنه إذا أمكن أن يأكل دود أطعمة مستحيلة فيخلف جشاء طيبًا يبقى أطول مدة فلا يلحقه فساد، فكيف ينكر أن يتناول أهل الجنة طعامًا معرى عن العفونات والاستحالات فيخلف منه مسك؟ والذي يستبعده بعض الناس من ذلك هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبدانًا متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغير لها ولا يكون فيها فضولات، وتصور ذلك محال، وذلك أن التصور هو إدراك الوهم خيال ما أدركه من الحسن الحسي، وما أدركه الحس جزؤه لا كله كيف يمكنه تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال الله تعالى:{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ولما قال صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رآت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)). وجملة الأمر يجب أن يكون معلومًا أن النقصانات منتفية عن الجنة لأنها من الأعدام، وليس في الجنة أعدام إذ هي في غاية الكمال والتمام.

الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: ((ينعم ولا يبأس)) قض: معناه أن الجنة دار الثبات والقرار، وأن التغيير لا يتطرق إليها، فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه فساد ولا تغير، فإنها ليست دار الأضداد ومحل الكون والفساد.

ص: 3557

5622 -

5623 - * وعن أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:((يُنادي مُنادٍ: إِنَّ لكم أنْ تصحُّوا فلا تسقَموا أبدًا، وإِنَّ لكم أنْ تحيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإِنَّ لكم أنْ تشبُّوا فلا تهرَموا أبدًا، وإِنَّ لكم أنْ تنعَموا فلا تبأسوا أبدًا)). رواه مسلم.

5624 -

وعن أبي سعيد الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:((إِنَّ أهل الجنةِ يتراءون أهل الغرفِ من فوقِهم كما تتراءونَ الكوكبَ الدريَّ الغابر في الأفق، منَ المشرق أو المغربِ، لتفاضُلِ ما بينهم)) قالوا: يا رسولَ الله! تلكَ منازلُ الأنبياءِ لايبلغُها غيرُهم. قال: ((بَلى والذي نفْسي بيدِه، رجالٌ آمنوا باللهِ وصدَّقوا المرسلينَ)). متفق عليه.

ــ

أقول: قوله: ((لايبأس)) تأكيد لقوله ينعم، والأصل أن الإيحاء بالواو لكن أراد به التقرير على الطرد والعكس كقوله تعالى:{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} .

الحديث الحادي عشر عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: قوله: ((ينادي مناد

إلى آخره)) هذا النداء والبشارة ألذ وأشهى لما فيه من السرور، وفي عكسه أنشد المتنبي:

أشد الغم عندي في سرور ..... تيقن منه صاحبه انتقالا

الحديث الثاني عشر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قوله: ((الغابر في الأفق)) تو: قد اختلف فيه، فمنهم من رواه بالهمز بعد الألف من الغور، يريدون انحطاطه في الجانب الغربي، ومنهم من رواه بالباء من الغبور، والمراد منه الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر، وإنما يستبين في ذلك الوقت الكوكب المضيء، ولا شك أن الرواية الأولى نشأت من التصحيف، وفي كتاب المصابيح:((من المشرق والمغرب)) والصواب: ((من المشرق أو المغرب)) وكذلك رواه في كتاب مسلم، قال المؤلف: وكذا بـ ((أو)) شرح السنة، وجامع الأصول ورياض الصالحين.

مح: معنى الغابر الذاهب الماضي، أي الذي تدلى للغروب وبعد عن العيون، وروي في غير صحيح مسلم:((الغارب)) بتقديم الراء، وروي ((العارب)) بالعين المهملة والراء، ومعناه البعيد في الأفق، وكلها راجعة إلى معنى واحد.

أقول: فإن قلت: ما فائدة تقييد الكوكب بالدري ثم بالغابر في الأفق؟.

قلت: للإيذان أنه من باب التمثيل الذي وجهه منتزع من عدة أمور متوهمة في المشبه، شبه

ص: 3558

5625 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يدخلُ الجنَّةَ أقوامٌ أفئدتُهم مثلُ أفئدةِ الطير)) رواه مسلم.

ــ

رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة برؤية الرائي الكوكب المستضىء الباقي في جانب المشرق أو المغرب في الاستضاءة من البعد، فلو قيل:((الغائر)) لم يصح لأن الإشراق يفوت عند الغروب، اللهم إلا أن يقدر المستشرف على الغروب كقوله تعالى:{فإذا بلغن أجلهن} أي شارفن بلوغ أجلهن، لكن لايصح هذا المعنى في الجانب الشرقي، نعم يجوز على التقدير كقولهم: متقلدًا سيفًا ورمحًا، وعلفته تبنا وماء باردًا، أي: طالعًا في الأفق من المشرق وغابرًا في المغرب.

فإن قلت: ما فائدة ذكر المشرق والمغرب؟ وهلا قيل: في السماء - أي في كبدها -؟.

قلت: لو قيل في السماء كان القصد الأولي في بيان الرفعة ويلزم منه البعد، وفي ذكر المشرق والمغرب القصد الأولي البعد ويلزم منه الرفعة، وفيه شبهة من معنى التقصير بخلاف الأول فإن فيه نوع اعتذار، وقريب منه قول الشاعر:

هي الشمس مسكنها في السماء

فعز الفؤاد عزاء جميلا

فلن تستطيع إليها الصعود

ولن تستطيع إليك النزولا

الحديث الثالث عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((مثل أفئدة الطير)) ((مح)) قيل: مثلها في رقتها كما ورد: ((أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبًا))، وقيل: في الخوف والهيبة، والطير أكثر الحيوان خوفًا وفزعًا، قال الله تعالى:{إنما يخشى الله من عباده العلماء} .

وقيل: المراد يتوكلون كما ورد: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانًا)).

أقول: قد تقرر في علم البيان أن وجه الشبه إذا أضمر عم تناوله، فيكون أبلغ مما لو صرح به، فينبغي أن يحمل الحديث على المذكورات كلها، ومن ثم خص الفؤاد بالذكر دون القلب.

غب: الفؤاد كالقلب لكن يقال: له فؤاد، إذ اعتبر فيه معنى الفأد أي التوقد، يقال: فأدت اللحم أي شويته، ولحم فئيد مشوي، قال الله تعالى:{ما كذب الفؤاد ما رأي} - انتهى كلامه -.

والقريحة إذا أريد وصفها بشدة الإدراك وصفت بالوقود، يقال: متوسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقادها.

ص: 3559

5626 -

وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الله تعالى يقولُ لأهل الجنةِ: يا أهل الجنةِ! فيقولونَ: لبَّيكَ ربنا وسعدَيْكَ، والخيرُ كلُّه في يديكَ. فيقولُ: هل رضيتم؟ فيقولونَ: وما لَنا لانرضي ياربُّ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقكَ؟ فيقول: ألا أُعطيكم أفضلَ من ذلكَ؟ فيقولونَ: ياربُّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلكَ؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضْواني فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبدًا)). متفق عليه.

5627 -

وعن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إِنَّ أدْنى مقعَدِ أحدِكم من الجنةِ أن يقولَ له: تمنَّ؛ فيتمنَّى، ويتمنَّى. فيقولُ له: هل تمنَّيتَ؟ فيقول: نعمْ. فيقول له: فإنَّ لكَ ما تمنَّيتَ ومثلَه معَه)) رواه مسلم.

ــ

الحديث الرابع عشر عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: وأحل لكم رضواني)) الحديث مأخوذ من قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار

} إلى قوله: {ورضوان من الله أكبر} الكشاف: إنما كبر عن ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، لأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما يتهنأ له برضاه كما يتنغص عليه بسخطه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت.

أقول: وأكبر أصناف الكرامة رؤية الله تعالى، ونكر رضوان في التنزيل إرادة للتقليل ليدل على أن شيئًا يسيرًا من الرضوان خير من الجنان وما فيها.

قال صاحب المفتاح: والأنسب أن يحمل على التعظيم، وأكبر على مجرد الزيادة مبالغة لوصفه بقوله:((من الله)) أي: رضوان عظيم يليق أن ينسب إلى من اسمه (الله) معطي الجزيل وما لايكتنه كنهه، ومن عطاياه الرؤية وهي أكبر أصناف الكرامة، فحينئذ يناسب معنى الحديث الآية، حيث أضافه إلى نفسه، وأبرزه في صورة الاستعارة، وجعل الرضوان كالوفود النازلة على الملك الأعظم، ويؤيد هذا التأويل الحديث الثاني في أول باب الرؤية، يقول الله تبارك تعالى لأهل الجنة: ((تريدون شيئًا أزيدكم

؟)) إلى قوله: ((فيرفع الحجاب، فينظرون إلى وجه الله تعالى، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم)) فحينئذ لايصح أن يقال في الآية: ورؤية قليلة من الله أكبر.

الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أن يقول له)) خبر إن،

ص: 3560

5628 -

وعنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((سيحانُ وجيحانُ والفراتُ والنيلُ، كلٌّ من أنهار الجنةِ)). رواه مسلم.

ــ

والمعنى أن أدنى منزلة أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها بحيث لاتبقى له أمنية، ونحوه قول الشاعر:

لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله تركتني أصحب الدنيا بلا أمل

قول الله في حقه كذا.

الحديث السادس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((سيحان

)) مح: سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون، والمذكوران في الحديث في بلاد الآرمن، فسيحان نهر المصيصة، وجيحان نهر أردنة، وهما نهران عظيمان جدًّا، هذا هو الصواب، وأما قول الجوهري: جيحان نهر بالشام فغلط.

وقال صاحب نهاية الغريب: سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس، واتفقوا على أن جيحون بالواو نهر خراسان، وقيل: سيحون نهر بالسند.

قض: خص الأنهار الأربعة بالذكر لعذوبة مائها، وكثرة منافعها، كأنها من أنهار الجنة، ويحتمل أن يكون المراد بها الأنهار الأربعة التي هي أصول أنهار الجنة، وسماها بأسامي الأربعة التي هي أعظم أنهار الدنيا وأشهرها وأعذبها وأفيدها عند العرب، على سبيل التشبيه والتمثيل ليعلم أنها في الجنة بمثابتها، وأن ما في الدنيا من أنواع المنافع والنعائم فنموذجات لما يكون في الآخرة، وكذا ما فيها من المضار المردية والمستكرهات المؤذية.

مح: قال القاضي عياض: كون هذه الأنهار من الجنة أن الإيمان يعم بلادها، وأن الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة، والأصح أنها على ظاهرها وأن بها مادة من الجنة مخلوقة، موجودة اليوم عند أهل السنة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل يجريان من الجنة، وفي البخاري من أصل سدرة المنتهى.

حس ((في معالم التنزيل)): [روي عن ابن عباس] أن الله تعالى أنزل هذه الأربعة من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال وأجراها في الأرض، وذلك قوله تعالى:{وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} .

أقول: ((سيحان)) مبتدأ، وكل مبتدأ ثان، والتقدير: كل منها و ((من أنهار الجنة)) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، فإذا أريد التشبيه قدر من جنس أنهار الجنة، والفرق بين الوجه

ص: 3561

5629 -

وعن عُتبةَ بنِ غزوان، قال: ذُكرَ لنا أنَّ الحجرَ يُلقى من شفة جهنمَ فيهْوي فيها سبعينَ خريفًا لايُدركُ لها قَعرًا، والله لتُملأنَّ. ولقد ذُكرَ لنا أنَّ ما بينَ مصراعَينِ من مصاريعِ الجنةِ مسيرةُ أربعينَ سنةً، وليأتينَّ عليها يومٌ وهو كظيظٌ منَ الزِّحام)). رواه مسلم.

الفصل الثاني

5630 -

عن أبي هريرةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! مِمَّ خُلقَ الخلقُ؟ قال: ((منَ الماءِ)). قُلنا: الجنةُ ما بناؤُها؟ قال: ((لَبِنةٌ من ذهبٍ ولبنةٌ من فضة، وملاطُها المسكُ الأذفرُ، وحصباؤُها اللؤلؤُ والياقوتُ، وتربتُها الزَّعفَرَانُ، منْ يدخلْها يَنْعَمْ ولايبْأس، ويخلدُ ولا يموت، ولا تَبْلى ثيابُهُم، ولا يفْنى شبابُهم)). رواه أحمد، والترمذي، والدارمي. [5630]

ــ

الأول والثاني - على ماذكره القاضي ناصر الدين - أن المشتبه في الأول أنهار الدنيا، والمشبه به أنهار الجنة، ووجه التشبيه السلامة والعذوبة والهضم والبركة، وفي الثاني على العكس وعلى هذا وجه التشبيه الشهرة والفائدة والعذوبة، وفي الوجه الثالث - على ما ذكره القاضي عياض - وجه التشبيه المجاورة والانتفاع، سمى أنهار الدنيا بأنهار الجنة لمجاورتها بالمؤمنين والانتفاع بها.

و ((من)) في ((من أنهار الجنة)) على الوجه الرابع يجوز أن تكون ابتدائية أي مبتدأة ناشئة منها، أو اتصالية، أو تبعيضية.

الحديث السابع عشر عن عتبة رضي الله عنه: قوله: ((كظيظ)) أي ممتلئ، [((فا))]: يقال: كظ الوادي كظيظًا بمعنى اكتظ، وفي الغريبين: يقال: كظه الشراب والغيظ، أي ملأ صدره فهو كظيظ، فعلى الأول هو لازم، وعلى الثاني متعد.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((وملاطها)) [((نه))]: الملاط الطين الذي يجعل بين سافي البناء، ويملط به الحائط، أي يخلط.

قوله: ((ولا يبأس)) ((تو)): قد وجدناه في المصابيح وفي بعض كتب الحديث: ((يبؤس)) بالهمزة المضمومة لدلالة الواو على الضم، وبأس الأمر يبؤس إذا اشتد، وبأس يبأس إذا افتقر، والغلط إنما وقع في رسم الخط، والصواب ((لايبأس)).

ص: 3562

5631 -

وعنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما في الجنةِ شجرةٌ إلا وساقُها من ذهبٍ)). رواه الترمذي. [5631]

5632 -

وعنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ في الجنة مائةَ درجةٍ، ما بين كلِّ درجتينِ مائةُ عامٍ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. [5632]

5633 -

وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ، لو أنَّ العالمينَ اجتمعوا في إحداهُنَّ لوسعتهم)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب.

5634 -

وعنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {وفُرُشٍ مرفوعةٍ} قال:

ــ

الحديث الثاني إلى الخامس عن أبي سعيد رضي الله عنه:

قوله: {وفرش مرفوعة} الكشاف: أي نضدت حتى ارتفعت، أو مرفوعة على الأسرة، وقيل: هي النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، ويدل عليه قوله:{إنا أنشأناهن إنشاء} وعلى التفسير الأول أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن.

تو: قول من قال: المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات وما بين كل درجتين من الدرجات لكما بين السماء والأرض، هذا القول أوثق وأعرف من الوجوه المذكورة وذلك لما في الحديث:((إن للجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)).

أقول: قول من قال: مرفوعة على الأسرة أقرب لما عقبة بقوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} ليوافق قوله: {هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون} ويؤيد الوجه الأول حديث أبي سعيد في أول الفصل الثالث، قال: ((إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين مسندًا

)) الحديث.

قوله: ((لكما بين السماء)) أدخل لام الابتداء في الخبر، والكاف اسم، قال الزجاج في قوله تعالى:{إن هذان لساحران} قالت النحاة القدماء: إن الضمير فيه مضمر، أي إنه هذان لساحران، قالوا: وأصل هذه اللام أن تقع في الابتداء ووقوعها في الخبر جائز، وأنشدوا:

ص: 3563

((ارتفاعُها لكما بين السماءِ والأرض، مسيرة خمسمائة سنة)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب.

5635 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أولَ زُمرةٍ يدخلونَ الجنةَ يوم القيامةِ ضوءُ وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدْر، والزُّمرةُ الثانيةُ على مثل أحسنِ كوكب درِّى في السماءِ، لكلِّ رجلٍ منهم زوجتَانِ على كلِّ زوجةٍ سبعون حُلة، يرى مُخُّ ساقها من ورائها)). رواه الترمذي. [5635]

5636 -

وعن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((يُعطى المؤمنُ في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع)). قيل: يا رسول الله! أو يطيق ذلك؟ قال: ((يُعطى قوةَ مائة)). رواه الترمذي. [5636]

5637 -

وعن سعد بنِ أبي وقَّاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لو أنْ ما يُقلُّ ظُفُرٌ مما في الجنَّة بدا لتزخرفتْ له ما بين خوافقِ السماوات والأرض، ولو أنَّ رجلاً من أهل الجنَّة! اطّلَع فبدا أساوره لطَمس ضوؤه ضوء الشَّمس كما تطمسُ الشَّمس ضوء النجوم)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [5637]

ــ

أم الحليس لعجوز شهربه ترضي من اللحم بعظم الرقبه

الحديث السادس إلى الثامن عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((ما يقل ظفر)) ما موصولة، والعائد محذوف، أي ما يقله ظفر.

قض: أي قدر ما يستقل بحمله ظفر، ويحمل عليها.

((لتزخرفت)): أي تزينت.

و ((الخوافق)) جمع خافقة وهي الجانب، وهي في الأصل الجانب الذي يخرج منه الرياح، من الخفقان، ويقال: الخافقان المشرق والمغرب - انتهى كلامه -.

وقوله: ((ما بين خوافق)) فاعل تزخرفت، وإنما أنث باعتبار الأماكن كما في قوله تعالى:{أضاءت ما حوله} في وجه.

ص: 3564

5638 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أهلُ الجنةِ جُرْدٌ مرٌد كحلى، لايفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم)). رواه الترمذي، والدارمي [5638].

5639 -

وعن معاذ بن جبل، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:((يدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا مكحَّلين أبناءَ ثلاثين - أو ثلاثٍ وثلاثين – سنة)) رواه الترمذي. [5639].

5640 -

وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذُكر له سدرة المنتهى قال: ((يسيرُ الراكبُ في ظلِّ الفَنَنِ منها مائةَ سنةٍ، أو يستظل بظلها مائةُ راكب - شكَّ الرَّاوي - فيها فراشُ الذهبِ، كأن ثمرَها القِلالُ. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

ــ

الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((جرد)) نه: هو جمع الأجرد وهو الذي لا شعر على جسده، وضده الأشعر. والكحل: بفتحتين، سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل، كحلي.

الحديث العاشر والحادي عشر عن أسماء رضي الله عنها: قوله: ((سدرة المنتهى)) قيل: هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر، والمنتهى موضع الانتهاء، وكأنها في منتهى الجنة وآخرها.

وقيل: لم يجاوزها أحد وإليها ينتهى علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها.

وقوله: ((الفنن)) غب: الفنن الغصن المورق، وجمعه أفنان، ويقال ذلك للنوع من الشيء وجمعه فنون.

وقوله: ((فيها فراش الذهب)) تفسير لقوله في التنزيل: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} ومنه أخذ ابن مسعود حيث فسر قوله تعالى: {ما يغشى} بقوله: ((يغشاها فراش من ذهب))، والفراش واحده فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج.

قال الإمام أبو الفتح العجلي في تفسيره: ولعله أراد الملائكة تتلالأ أجنحتها تلألأ أجنحة الفراش كأنها مذهبة.

ص: 3565

5641 -

وعن أنسٍ، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال: ((ذاكَ نهرٌ أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشدُّ بياضًا من اللَّبنِ، وأحلى من العسلِ، فيه طيرٌ أعناقها كأعناق الجُزُر. قال عُمر: إِنَّ هذه لناعمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكلتُها أنعَمُ منها)). رواه الترمذي. [5641]

5642 -

وعن بُريدةَ، أن رجلا قال: يارسول الله! هل في الجنَّة من خيل؟ قال: ((إِنِ اللهُ أدْخَلكَ الجنةَ فلا تشاء أن تُحمَل فيها على فرسٍ من ياقوتةٍ حمراء يطيرُ بكَ في الجنة حيثُ شئتَ، إلا فعلتَ)). وسألهُ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله! هل في الجنةِ من إبلٍ؟ قال: فلم يقلْ له ما قال لصاحبِه. فقال: ((إِنْ يدخلك الله الجنةَ يكنْ لكَ فيها ما اشتهتْ نفسُك ولذَّتْ عينك)). رواه الترمذي.

ــ

الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن بريدة رضي الله عنه: قوله: ((إن الله أدخلك الجنة)) الله: مرفوع بفعل يفسره ما بعده، ولا يجوز رفعه على الابتداء لوقوعه بعد حرف الشرط،

وقوله: ((فلا تشاء إلى آخره)) جواب للشرط.

((قض)): تقدير الكلام: إِن أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه، المعنى أنه ما من شيء تشتهيه النفس إلا وتجده في الجنة كيف شاءت، حتى لو اشتهت أن تركب فرسًا على هذه الصفة لوجدته وتمكنت منه.

ويحتمل أن يكون المراد: إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوتة حمراء يطير بك حيث شئت ولا ترضي به فتطلب فرسًا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفة، والمعنى: فيكون لك من المراكب ما يغنيك عن الفرس المعهود، ويدل على هذا المعنى ما جاء في الرواية الأخرى، وهو ((إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه)) ولعله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا، وما بينهما من التفاوت على التصوير والتمثيل، مثل فرس الجنة في جوهره بما هو عندنا أثبتُ الجواهر وأدومها وجودًا، وأنصعها لونًا، وأصفاها جوهرًا، وفي شدة حركته وسرعة انتقاله بالطير، وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله:((له جناحان)) وعلى هذا قياس ما ورد في صفة أبنية الجنة ورياضها وأنهارها إلى غير ذلك، والعلم بحقائقها عند الله تعالى.

ص: 3566

5643 -

وعن أبي أيوب، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌ فقال: يا رسول الله! إني أُحبُّ الخيلَ، أَفي الجنَّة خيلٌ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إِن أُدخلتَ الجنَّة أتيتَ بفرسٍ من ياقوتة له جناحانِ فَحُمِلتَ عليه ثم طارَ بِك حيث شئت)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ ليس إِسناده بالقويِّ، وأبو سَورة الراوي يضعَّف في الحديث، وسمعتُ محمَّد بن إِسماعيل يقول: أبو سورةَ هذا منكرُ الحديث يروي مناكير.

5644 -

وعن بُريدةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أهلُ الجنَّةِ عشرونَ ومائةُ صف، ثمانونَ منها من هذه الأمةِ، وأربعون من سائر الأمم)). رواه الترمذي، والدارمي، والبيهقي في ((كتاب البعث والنشور)). [5644]

5645 -

وعن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بابُ أمتى الذي يَدْخلونَ منه الجنةَ عرضُه مسيرة الراكبِ المجودِ ثلاثًا، ثم إِنهم ليُضْغَطُونَ عليه، حتى

ــ

أقول: الوجه الأول ذهب إليه الشيخ التوربشتي، وتقدير قوله:((إلا حملت)) يقتضي أن يروي قوله: إلا فعلت على بناء المفعول لأنه استثناء مفرغ، أي لا يكون بمطلوبك إلا مسعفا [وإذا نزل على بناء الفاعل كان التقدير: فلا يكون بمطلوبك إلا فائزًا] والوجه الثاني من الوجهين السابقين قريب من الأسلوب الحكيم، فإن الرجل سأله عن الفرس المتعارف في الدنيا فأجابه صلى الله عليه وسلم بما في الجنة، أي اترك ما طلبت فإنك مستغن عنه بهذا المركب الموصوف.

الحديث الرابع عشر والخامس عشر عن بريدة رضي الله عنه: قوله: ((ثمانون منها من هذه الأمة)) فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وبين ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة)) فكبرنا، فقال صلى الله عليه وسلم:((أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة)) فكبرنا، فقال صلى الله عليه وسلم:((أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؟)).

قلت: يحتمل أن يكون الثمانون صفًّا مساويًا في العدد للأربعين صفًّا، وأن يكونوا كما زاد على الربع والثلث، يزيد على النصف كرامة له صلى الله عليه وسلم.

الحديث السادس عشر عن سالم رضي الله عنه: قوله: ((الراكب المجود)) قال في أساس البلاغة: يجود في صنعته يفوق فيهاء وأجاد الشيء، وجوده أحسن فيما فعل، وجود في عدوه عدا عدوًا جوادًا، وسرنا عقبة جوادًا أو عقبتين جوادين أي بعيدة طويلة، وفرس جواد من خيل جياد، وأجاد فلان صار له فرس جواد فهو مجيد.

ص: 3567

تكادَ مناكبُهم تزول)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ ضعيفٌ، وسألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: خالد بن أبي بكر، يروي المناكير. [5645]

5646 -

وعن علي [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنَّةِ لسوقًا ما فيها شرى ولابيعٌ إلا الصُّور من الرجال والنساءِ، فإذا اشتهى الرجلُ صورةً دخل فيها)). رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب.

5647 -

وعن سعيد بن المسيب، أنه لَقي أبا هريرةَ، فقال أبو هريرةَ: أسأل اللهَ أن يجمعَ بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أَفيها سوقٌ؟ قال: نعم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهلَ الجنةِ إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذَنُ لهم

ــ

أقول: والمجود يحتمل أن يكون صفة الراكب، والمعنى الراكب الذي يجود ركض الفرس. وأن يكون مضافًا إليه، والإضافة لفظية أي الفرس الذي يجود في عدوه.

وقوله: ((ليضغطون)) أي يزحمون، يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا أي عصره وضيق عليه وقهره.

الحديث السابع عشر عن علي رضي الله عنه: قوله: ((إن في الجنة لسوقًا)) قد سبق في الفصل الأول في حديث أنس أن المراد بالسوق المجمع وهذا يؤيده فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا بأن يجعل تبديل الهيئات من جنس البيع والشرى، كقوله تعالى:{يوم لاينفعُ مالٌ ولَا بَنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ} .

قيل: يحتمل الحديث معنيين: أحدهما: أن يكون معناه عرض الصور المستحسنة عليه فإذا اشتهى وتمنى صورة من تلك الصور المعروضة عليه، صوره الله تعالى بشكل تلك الصورة بقدرته

وثانيهما: أن المراد من الصورة الزينة التي يتزين الشخص بها في تلك السوق، ويتلبس بها ويختار لنفسه من الحُلي والحلل والتاج، يقال: لفلان صورة حسنة أي شارة حسنة وهيئة مليحة.

وعلى كلا المعنيين التغيير في الصفة لا في الذات.

أقول: ويمكن أن يجمع بينهما ليوافق حديث أنس: ((فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالا

)) الحديث.

الحديث الثامن عشر عن سعيد بن المسيب: قوله: ((ويتبدى لهم)) أي ويظهر لهم.

ص: 3568

في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورونَ ربهم، ويبرز لهم عرشه، ويتبدَّى لهم في روضة من رياض الجنَّة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجَد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم – وما فيهم دنيٌّ - على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضلَ منهم مجلسًا)). قال أبو هريرةَ: قلت: يا رسول الله! وهل نرى ربَّنا؟ قال: ((نعم! هل تتمارون في رؤية الشمسِ والقمرِ ليلةَ البدر؟)) قلنا: لا. قال: ((كذلك لاتتمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضَرهُ الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان! أتذكر يوم قلت كذا وكذا؟ فيذكِّره ببعض غَدراته في الدنيا. فيقول: ياربِّ! أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغتَ منزلتك هذه. فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابةٌ من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط، ويقول ربُّنا: قوموا إِلى ما أعددتُ لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، فنأتي سوقًا قد حَفَّتْ به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيونُ إلى مثلهِ، ولم

ــ

وقوله: ((وما فيهم دنى)) تتميم صونًا لما يتوهم من قوله: ((ويجلس أدناهم)) من الدناءة، والمراد به الأدنى في المرتبة.

وقوله: ((ما يرون)) من الإراءة على بناء المفعول، أو بمعنى يظنون أي لا يظنون ولا يتوهمون.

((أن أصحاب الكراسي)) أي المنابر أفضل منهم حتى يحزنوا بذلك، وإليه الإشارة في الحديث بقوله:((وذلك أنه لاينبغي لأحد أن يحزن فيها)).

قوله: ((إلا حاضره الله محاضرة)) تو: الكلمتان بالحاء المهملة والضاد المعجمة، والمراد من ذلك كشف الحجاب والمقاولة مع العبد من غير حجاب ولا ترجمان، وبينه الحديث:((ما فيكم من أحد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) الحديث.

قوله: ((فبسعة مغفرتي)) عطف على مقدر، أي بلى غفرت لك فبلغت بسعة رحمتي هذه المنزلة الرفيعة، والتقديم دل على التخصيص، أي بلوغك تلك المنزلة كائن بسعة رحمتي لا بعملك.

قوله: ((ما لم تنظر العيون)) مظ: ما موصولة، والموصول مع صلته يحتمل أن يكون منصوبًا بدلا من الضمير المنصوب المقدر العائد إلى ما في قوله:((ما أعددت))، ويحتمل أن يكون في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي المعد لكم ما لم تنظر العيون إلى مثله.

أقول: والوجه أن تكون ((ما)) موصوفة بدلا من سوقًا، أو إبهامية تزيد الشيوع في سوقًا

ص: 3569

تسمع الآذانُ، ولم يخطر على القلوبِ، فيحملُ لنا ما اشتهينا، ليس يُباعُ فيها ولايُشترى، وفي ذلكَ السوق يَلقى أهلُ الجنةِ بعضُهم بعضًا)). قال:((فيُقبلُ الرجلُ ذو المنزلةِ المرتفعةِ، فيلقى مَن هو دونَه - وما فيهم دنيٌّ - فيروعُه مايرى عليه من اللباسِ، فما ينقضي آخرُ حديثه حتى يتخيَّل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزنَ فيها، ثمَّ ننصرفُ إلى منازِلنا، فيتلقانا أزواجُنا، فيقُلنَ: مرحبًا وأهلا لقد جئت وإنَّ بكَ من الجمال أفضلَ مما فارقتَنا عليه، فيقولُ: إنَّا جالسْنا اليومَ ربَّنا الجبَّارَ، ويحِقُّنا أن ننقلبَ بمثل ما انقلبنا)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريب. [5647]

5648 -

وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أدْنى أهل الجنَّةِ الذي له ثمانونَ ألف خادمٍ، واثنتانِ وسبعونَ زوجةً، وتُنصَبُ له قُبةٌ من لؤلؤٍ وزبرجد وياقوت

ــ

المفخم بالتنكير، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى:{فبما نَقْضِهِم ميثاقَهُم} ويكون قوله: ((قد حفت به الملائكة)) وقوله: ((ما لم تنظر العيون)) صفة لقوله: ((سوقًا))، وقوله:((ليس يباع فيها)) حال من ((ما)) في ((ما اشتهيتم)) وهو المحمول، والضمير في ((يباع)) عائد إليه.

وقوله ((فيروعه مايرى عليه)) الضمير المجرور، يحتمل أن يرجع إلى ((من)) فيكون الروع مجازًا عن الكراهة مما هو عليه من اللباس، وأن يرجع إلى الرجل والمنزلة فالروع بمعنى الإعجاب، أي: يعجبه حسنه فيدخل في روعه ما يتمنى مثل ذلك لنفسه، يدل عليه قوله:((فما ينقضي آخر حديثه)) أي ما ألقي في روعه من الحديث.

قال في الأساس: ومن المجاز شهد الروع أي الحرب، وفرس رائع يروع الرائي بحاله، وكلام رائع رائق.

وضمير المفعول فيه عاد إلى ((من)).

قوله: ((حتى يتخيل عليه)) أي يظهر عليه لباس أحسن من لباس صاحبه، ((غب)): يقال: خيلت السماء أبدت خيالا للمطر، وفلان مخيل بكذا أي خليق، وحقيقته أنه مظهر خيال ذلك.

وقوله: ((فيتلقانا)) أي يستقبلنا.

الحديث التاسع عشر عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((وتنصب له قبة من لؤلؤ))

ص: 3570

كما بينَ الجابيةِ إلى صنعاءَ)). وبهذا الإسنادِ، قال:((ومن ماتَ من أهلِ الجنة من صغيرٍ أو كبيرٍ يُردونَ بَني ثلاثينَ في الجنةِ، لايزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهلُ النارِ)).

وبهذا الإسناد، قال:((إنَّ عليهمُ التيجانَ، أدنى لؤلؤةٍ منها لتُضىءُ ما بينَ المشرقِ والمغرب)).

وبهذا الإسناد، قال:((المؤمنُ إذا اشتهى الولدَ في الجنةِ كان حمله ووضعُه وسنُّه في ساعة كما يشتهي)). وقال إسحاقُ بن إبراهيم في هذا الحديث: إذا اشتهى المؤمنُ في الجنة الولدَ كان في ساعة ولكن لايشتهي رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

وروى ابنُ ماجه الرابعةَ، والدارميُّ الأخيرةَ. [5648]

5649 -

وعن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنةِ لمجتمعًا للحورِ العينِ يرفعنَ بأصواتٍ لم تسمع الخلائقُ مثلَها، يقلنَ: نحنُ الخالدات فلا نبيدُ،

ــ

((قض)): يريد أن القبة معمولة منها أو مكللة بها، وأن فسحتها وبعد ما بين طرفيها كما بين الموضعين وهما: جابية الشام وصنعاء اليمن.

قوله: ((من صغير أو كبير يردون)) فيه تغليب لأن الرد إنما يتصور في الكهول والمشايخ دون الصغير، فإن قلت: ما التوفيق بين هذا الحديث وبين ما رواه مسلم عن أبي هريرة في باب البكاء: ((دعاميص الجنة)) أي دخالون على منازلها لا يمنعون عن موضع كما في الدنيا؟.

قلت: ((في الجنة)) ظرف ليردون وهو لايشعر أنهم لم يكونوا دعاميص قبل الرد.

الحديث العشرون عن علي رضي الله عنه:

قوله: ((للحور العين)) ((غب)): حور جمع أحور وحوراء، والحور قيل: ظهور قليل من البياض في العين من بين السواد وذلك نهاية الحسن من العين، ويقال للبقر الوحشي: أعين وعيناء لحسن عينه وجمعها عين، وبه شبه النساء قال تعالى:{وحورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنونِ} .

الحديث الحادي والعشرون عن حكيم بن معاوية رضي الله عنه: قوله: ((ثم تشقق الأنهار

ص: 3571

ونحنُ الناعماتُ فلا نبأسُ، ونحنُ الراضياتُ فلا نسخطُ، طوبى لمن كانَ لنَا وكُنَّا له)). رواه الترمذي. [5649]

5650 -

وعن حكيمِ بن معاويةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنةِ بحرَ الماءِ، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمرِ، ثمَّ تشقَّقُ الأنهارُ بعدُ)). رواه الترمذي. [5650]

5651 -

ورواه الدارميُّ عن معاوية. [5651]

الفصل الثالث

5652 -

عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إنَّ الرجلَ في الجنَّةِ ليتكئُ في الجنةِ سبعين مسْندًا قبلَ أن يتحولَ، ثمَّ تأتيهِ امرأةٌ فتضربُ على منكبه، فينظرُ وجهه في خدِّها أصفي من المرآةِ، وإنَّ أدنى لؤلؤة عليها تضيءُ ما بين المشرقِ

ــ

بعد)) يريد بالبحر مثل دجلة والفرات ونحوهما، وبالنهر مثل نهر معقل حيث تشقق من أحدهما، ثم تشقق منه الجداول.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((أصفي من المرآة)) حال من قوله: ((خدها)).

قوله: ((سبعين مسندًا)) هذا يؤيد قول من فسر قوله تعالى وتقدس: {وفرش مرفوعة} بأنها منضودة بعضها فوق بعض، كما سبق في الحديث الخامس من الفصل الثاني.

وقوله: ((قبل أن يتحول)) ظرف لقوله: ((ثم تأتيه)).

((من المزيد)) يراد به قوله تعالى: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} ومن المزيد أيضًا ما في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [أي الجنة وما يزيد عليها رؤية الله تعالى، وإنما سميت زيادة، لأن الحسنى هي الجنة] وما وعد الله تعالى بفضله جزاء أعمال المكلفين، والزيادة فضل على فضل.

ص: 3572

والمغرب، فتسلمُ عليه، فيردُّ السلامَ، ويسألُها: من أنتِ؟ فتقول: أنا من المزيد، وإنَّه ليكونُ عليها سبعونَ ثوبًا، فينفذُها بصرُه، حتى يُرى مخُّ ساقها من وراء ذلكَ، وإِنَّ عليها من التيجان أنَّ أدنى لؤلؤة منها لتُضيءُ مابين المشرق والمغربِ)). رواه أحمد. [5652]

5653 -

وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتحدَّثُ - وعنده رجلٌ من أهل البادية -:((إنَّ رجلا من أهل الجنة استأذن ربَّه في الزرع. فقال له: ألستَ فيما شئتَ؟ قال: بلى، ولكن أحبُّ أن أزرعَ، فبذرَ، فبادرَ الطرفَ نباتُه واستواؤُه، واستحصادُه، فكانَ أمثالَ الجبالِ. فيقولُ اللهُ تعالى: دونكَ يا بن آدمَ! فإنه لايشبعُك شيء)). فقال الأعرابيُّ: واللهِ لا تجدُه إلَاّ قُرشيًّا أو أنصاريًا، فإنهم أصحابُ زرعٍ؛ وأمَّا نحنُ فلسنا بأصحاب زرع! فضحكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاريُّ.

5654 -

وعن جابرٍ، قال: سأل رجلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أينامُ أهلُ الجنةِ؟ قال: ((النومُ أخو الموتِ، ولا يموتُ أهلُ الجنةِ)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [5654]

ــ

قوله: ((إن أدنى لؤلؤة)) إن بالكسر مزيدة، واللام داخلة في خبر إن الأولى نحو قوله تعالى {ألمْ يعلمُوا أنهُ من يُحاددِ اللهَ ورسولهُ فإنَّ لهُ نارَ جهنم} أي فله نار جهنم.

الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: ((إن رجلا)) بكسر الهمزة مفعول يتحدث على حكاية ما تلفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ((ألست فيما شئت؟)) أي ما تفعل بالزرع وتتعب فيه ألست في سعة منه لما يحصل لك جميع ما تشتهيه بمجرد التمنى؟.

قوله: ((دونك يا بن آدم خذ ما تمنيت)) قاله على سبيل التوبيخ تهجينًا لما التمسه، ومن ثمة رتب عليه قوله:((فإنه لايشبعك شيء)) وقد يوجد في تعارف الناس مثل هذا التوبيخ.

اللهم اجعلنا من الداخلين في الجنة، واسلكنا في الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولتك رفيقًا.

ص: 3573