الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقيدته
أحب في هذا الفصل أن أستطرد شيئًا ما، لأهمية العقيدة أولا، ولأن أغلب المعاصرين المترجمين للسيوطي مروا على عقيدته مرور عجل، ولم يعيروها الاهتمام المطلوب، ولم يقفوا عندها وقفة أهل السنة تجاه كل دخيل ومستهجن على العقيدة، وبعضهم دافع عن عقيدة السيوطي، وبعضهم سكت ولم يتكلم (1).
فمن المعاصرين الذين قاموا يدافعون عن عقيدة السيوطي:
أ. د/ محمد جلال أبو الفتوح شرف قال:
"هذه الأدلة النقلية العقلية -لأقوال ساقها عن السيوطي في الأسماء والصفات- تؤكد موقف السيوطي من التوحيد للَّه ذاتًا، وصفاتًا، وتنزيهًا له عن الشريك والضد والند، وتعبر عن انتماء السيوطي إلى مذهب أهل السنة، وخاصة الأشاعرة (2) ".
وهذا الكلام فيه أغاليط، فالأشاعرة مخالفون لعقيدة أهل السنة في مبحث الأسماء والصفات، والسيوطي واحد منهم.
(1) سوى ما كتبه الخازندار، والشيباني في مقدمتيهما لكتاب دليل مخطوطات السيوطي (ص 7، ص 8).
(2)
كتاب السيوطي ومنهجه وآراؤه الكلامية (ص 86).
فأقول: كان السيوطي -عفا اللَّه عنا وعنه- في العقيدة مفوضًا (1) أشعريًا، صوفيًا.
فمما يدل على تفويضه في الأسماء والصفات، وأشعريته، أنّ له قصيدةً في التفويض قال فيها:
فَوِّض أحَادِيْثَ الصِّفَاتِ
…
ولا تُشَبه أو تُعطِّلْ
إنْ رُمْتَ إلَّا الخَوْضَ في
…
تَحْقِيق مُعْضِلَةٍ فأَوِّلْ
إِنَّ المُفَوِّضَ سَالِمٌ
…
مِمّا تَكَلَفَهُ المُؤَوِلْ
والغريب في الأمر أنّ بعض من ترجم له كابن العماد في الشذرات (2) والغزى في الكواكب السائرة (3) عندما مروا على كلام السيوطي هذا استحسنوه، وجوّدوه! ! . والناظر في كتاب السيوطي:
(1) التفويض: هو تفويض معاني الصفات الخبرية إلى اللَّه تعالى، مع القطع بأن الظاهر منها غير مراد، وزعم أصحاب هذا المذهب الفاسد من المؤولين أنّ هذا مذهب السلف، وليس كذلك، فمذهب السلف تفويض الكيفية لا المعنى، كما "قال مالك رحمه الله":(الاستواء معلوم والكيف مجهول).
النصيحة في صفات الرب جل وعلا للواسطي (1/ 181)، والشرح والإبانة لابن بطة (ص 229)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص 239) وللدكتور رضا بن نعسان معطي كتاب لطيف ثمين في الموضوع سماه "علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين".
(2)
شذرات الذهب (8/ 54).
(3)
الكواكب السائرة (1/ 229).
"متشابه الحديث" يرى أشعرية السيوطي، وكيف أنه أعمل مذهب الأشاعرة بالتأويل الباطل في أسماء اللَّه وصفاته.
وأما ما يدل على تصوفه فهو شيء كثير من ذلك، أنه قال في حسن المحاضرة:
"أما جدي الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطريق، وسيأتي ذكره في قسم الصوفية"(1).
وحينما توفي والد السيوطي، كان عمره خمس سنوات، قام على تربيته وكفالته صديق لأبيه من الصوفية، وشمله بعنايته ورعايته (2).
فلا يستغرب حينما يشب وينشأ السيوطي نشأةً صوفيةً.
ومما يدل على بلوغه درجة رفيعة في التصوف عند الصوفية تدريسه، وإسماعه الحديث في "مشيخة التصوف" بتربة برقوق نائب الشام، التي بباب القرافة (3).
(1) حسن المحاضرة (1/ 336).
(2)
حسن المحاضرة (1/ 336)، وكتاب مؤلفات السيوطي. عصام عبد الرؤوف (ص 105).
(3)
الضوء اللامع (4/ 67)، وباب القرافة: اسم موضع بالقاهرة، وبها مقبرة كبيرة يدفن فيها الموتى، ويمر بها اليوم شارع يسمى شارع باب القرافة.
انظر: مساجد مصر (2/ 10، 107، 149)، وتاريخ المساجد الأثرية (1/ 33، 225، 315) والخطط للمقريزي (2/ 443)، والخطط التوفيقية لمبارك (2/ 298).
ذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، فقال لي: يا شيخ الحديث، فقلت له: يا رسول اللَّه أمن أهل الجنة أنا؟ قال: نعم، فقلت: من غير عذاب يسبق؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لك ذلك، وقال له الشيخ عبد القادر: قلت له: يا سيدي كم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة؟ فقال: بضعًا وسبعين مرة! ! (1).
قلت: وهذا -إن ثبت عن السيوطي- فهو من تلبيسات إبليس على أهل العلم، وإلا فما كان السيوطي ولا أمثاله أفضل من صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الرغم من ذلك ما رآه أحد بعد موته يقظةً! ! .
وقال أيضًا:
"حُملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي"(2).
(1) الكواكب السائرة (1/ 229).
(2)
حسن المحاضرة (1/ 336).
والمشهد النفيسي: هو قبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صالحة عالمة بالتفسير والحديث، وكانت تحفظ القرآن ت سنة (308 هـ).
انظر: الأعلام (ج 8/ 44، وأعلام النساء 5/ 187) ودفنت في دارها وهو في القاهرة مشهور.
وقال في حسن المحاضرة: "فن الأصول والبيان والتصوف -وذكر كتبًا عديدةً منها-".
1 -
تأييد الحقيقة العليّة (1)، وتشييد الطريقة الشاذلية (2).
2 -
الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدل (3).
3 -
المعاني الدقيقة في إدراك (4) الحقيقة (5).
وألف رسالتين أيضًا يبرّيء فيهما ابن عربي -مُنَكَّرًا- وابن الفارض مما نسب إليهما سمَّى الأولى:
4 -
تنبيه الغبي إلى تبرئة ابن عربي (6).
(1) دليل مخطوطات السيوطي رقم (478).
(2)
الطريقة الشاذلية: إحدى الطرق الصوفية، وتنسب إلى أبي الحسن علي بن عبد اللَّه ابن عبد الجبار الشاذلي. نسبةً إلى قرية بأفريقيا -المغربي. نزيل الاسكندرية. مات سنة 656 هـ.
انظر: نكت الهيمان (ص 213)، والأعلام (4/ 305)، ومعجم المؤلفين (7/ 137).
(3)
دليل مخطوطات السيوطي رقم (752).
(4)
دليل مخطوطات السيوطي رقم (595).
(5)
حسن المحاضرة (1/ 336).
(6)
دليل مخطوطات السيوطي رقم (784)، وهذه الرسالة كتبها ردًا على من رد على ابن عربي في الفصوص.
والثانية سماها:
5 -
قمع المعارض (1) في نصرة ابن الفارض (2).
على الرغم من حكم كثير من علماء السلف عليهما بالكفر والزندقة (3).
وكذلك يزعم أنه كان يخطو خطوات وهو بمصر فإذا به ينتقل إلى مكة، فيطوف بالكعبة ويصلي بها (4).
إلى غير ذلك من الخرافات والأساطير التي لا تؤيدها ولا تشهد لها عقيدة الإسلام النقية الخالصة المبرأة من ترهات المتصوفين، ومن ادعاءات المبطلين، وهذه الخرافات والبدع مما شوّه وجه الإِسلام المشرق الوضّاء النقي، وجعل المسلمين في دبر أمم الأرض، وصيرهم
(1) دليل المخطوطات السيوطي رقم (950).
(2)
عمر بن علي بن المرشد الحموي الأصل المصري، المعروف بابن الفارض، صوفي جَلْد، بقول بالاتحاد والوحدة، وللبقاعي كتاب سماه: تنبيه الغبي بتكفير ابن الفارض وابن عربي مات سنة (632 هـ).
ميزان الاعتدال (3/ 214)، ولسان الميزان (4/ 317) وتنبيه الغبي (ص 54)، ووفيات الأعيان (3/ 454)، وشذرات الذهب (5/ 149).
(3)
رسالة ابن تيمية في الرد على ابن عربي (ص 204، ص 212)، والفرقان (ص 100، ص 102) وسير أعلام النبلاء (22/ 368)، وميزان الاعتدال (3/ 660)، وغاية الأماني (1/ 385، 488).
(4)
والذي نقل عنه ذلك هو تلميذه محمد بن علي الحبّاك.
الكواكب السائرة (1/ 229).
أذلةً بعد عزةٍ ومَنعَةٍ بالعقيدة الإلهية الربانية السليمة المنزلة على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن وإن كنا نستفيد من السيوطي ومن مؤلفاته، إلا أننا في هذه الأمور العقدية التي زلّ فيها السيوطي، وأخطأ فيها خطأ فادحًا تجاه العقيدة الإِسلامية لا نوافقه عليها، بل نَحْذَرُها، ونُحَذِّرُ منها.
والذي يندي له الجبين، أنَّ من حول السيوطي من الناس كوالدته تأثروا به في عقيدة التصوف والخرافة وتابعوه عليها، ومما يدل على ذلك أمور عملت من قبلهم بعد وفاته هي من مظاهر الوثنية، ومن عادات الخرافية، التي هي من أسباب نقمة اللَّه على العباد، ومن أسباب رفع البركة من الأرض، ومن أسباب رفع النصر، وحلول العذاب بأهل الأرض، فماذا صنع الآخذون عن السيوطي بعد وفاته، والمتأثرون به، والمقلدون له في العقيدة؟ -والتقليد فيها من البلايا والطامات-:
1 -
بنوا على قبره قبة (1).
2 -
عمل له بعض الأمراء صندوقًا من خشب، وسترًا أسود مطرزًا بالأبيض يآية الكرسي.
(1) قام أحمد تيمور بتحقيق موضع قبره وألف رسالة صغيرة في ذلك سماها: قبر السيوطي وتحقيق موضعه. طبعت بالمطبعة السلفية بمصر سنة 1346 هـ.
3 -
بنت والدته على قبره بناء.
4 -
وقصد ضريحه للزيارة من سائر الأقطار للتبرك به من العلماء والأمراء.
5 -
كان الناس يقيمون له حضرة (1) كل أسبوع.
ثم اقتصروا على عمل مولد له كل عام في نصف شعبان في مدينة أسيوط (2)، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
* * *
(1) الحضرة عند الصوفية بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي اعتقاد حضوره مجلس الذكر عقب المولد، ولا أدري إن كانوا يعتقدون هذا في غير النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا أم لا.
(2)
مقدمة تحقيق تدريب الراوي (1/ 28، 29).