المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌علم المصطلح أهميته - نشأته - مصنفاته - البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر - قسم ١ - ت الأندونوسي - جـ ١

[الجلال السيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌خطة البحث

- ‌كلمة حمد وشكر وتقدير

- ‌أولًا: السنة مكانتها وحجيتها

- ‌علم المصطلح

- ‌أسباب اختيار الموضوع

- ‌ثانيًا: ترجمة السيوطي

- ‌اسمه ونسبه

- ‌مولده، ونشأته، ودراسته

- ‌شيوخه وتلاميذه

- ‌رحلاته

- ‌عقيدته

- ‌تصدية للفتيا

- ‌خصوم السيوطي وموقفه منهم

- ‌المناصب التي تولاها السيوطي

- ‌موقف السيوطي من الحكام والسلاطين

- ‌دعواه الاجتهاد وموقف المعاصرين له من ذلك

- ‌هروبه من الحياة ووفاته

- ‌المترجمون للسيوطي

- ‌ومن المعاصرين المفردين للسيوطي بالتأليف أو الذين تكلموا عن جوانب من علمه

- ‌ثالثًا: السيوطي محدثًا، ودراسة كتبه في علم مصطلح الحديث

- ‌معرفة السيوطي بعلم الحديث وتجديده إملاء الحديث

- ‌تجديده سنة الإملاء

- ‌المنهج في الكلام على كتب السيوطي في مصطلح الحديث

- ‌(1) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي

- ‌أولًا: توثيق النسبة:

- ‌ثانيًا: نسخه الخطية وطبعته:

- ‌ثالثًا: موضوع الكتاب:

- ‌رابعًا: مادة الكتاب:

- ‌(2) المَدْرَجْ إلى المُدْرَجْ

- ‌1 - توثيق النسبة:

- ‌2 - نسخه الخطية:

- ‌3 - موضوع الكتاب وصلته بعلم المصطلح:

- ‌4 - مادة الكتاب ومحتواه:

- ‌(3) تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي

- ‌1 - توثيق النسبة:

- ‌2 - طبعته:

- ‌3 - موضوع الكتاب، وصلته بعلم المصطلح:

- ‌4 - مادة الكتاب ومحتواه:

- ‌(4) التظريف في التصحيف

- ‌أولًا: توثيق النسبة:

- ‌ثانيًا: نسخه الخطية:

- ‌ثالثًا: موضوع الكتاب:

- ‌رابعًا: مادة الكتاب:

- ‌(5) التنقيح في مسألة التصحيح

- ‌1 - توثيق النسبة:

- ‌2 - نسخه الخطية:

- ‌3 - موضوع الكتاب:

- ‌4 - مادة الكتاب:

- ‌(6) قطر الدرر في شرح ألفية العراقي في الأثر

- ‌1 - توثيق النسبة:

- ‌2 - نسخه الخطية:

- ‌3 - موضوع الكتاب وصلته بعلم المصطلح:

- ‌4 - مادة الكتاب:

- ‌(7) -ريح النسرين- فيمن عاش من الصحابة مائة وعشرين

- ‌أولًا: توثيق النسبة:

- ‌ثانيًا: نسخ الكتاب:

- ‌ثالثًا: موضوع الكتاب وصلته بعلم المصطلح:

- ‌رابعًا: مادة الكتاب:

- ‌(8) خلاصة الكتاب التالي للتلخيص

- ‌أولًا: توثيق النسبة:

- ‌ثانيًا: نسخه الخطية:

- ‌ثالثًا: موضوع الكتاب وصلته بعلم المصطلح:

- ‌رابعًا: مادة الكتاب:

- ‌(9) الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة

- ‌أولًا: توثيق النسبة:

- ‌ثانيًا: نسخه وطبعته:

- ‌ثالثًا: موضوع الكتاب:

- ‌رابعًا: مادة الكتاب ومحتواه:

- ‌رابعًا: دراسة الكتاب

- ‌موضوع الكتاب وأهميته

- ‌مادة الكتاب ومحتواه

- ‌خامسًا: شروح ألفية السيوطي

- ‌سادسًا: موازنة بين البحر وتدريب الراوي

- ‌سابعًا: ميزات ألفية السيوطي على ألفية العراقي

- ‌ثمرة المقارنة بين الألفيتين وميزات ألفية السيوطي:

- ‌قسم التحقيق

- ‌الفصل الأول اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف

- ‌الفصل الثاني وصف النسخ الخطية للكتاب

- ‌النسخة الخطية الأولى:

- ‌النسخة الخطية الثانية:

- ‌النسخة الخطية الثالثة:

- ‌النسخة الرابعة:

- ‌النسخة الخامسة:

- ‌الفصل الثالث وصف نسخ الألفية المخطوطة والمطبوعة التي اعتمدتها في التحقيق

- ‌1 - النسخة الأولى المخطوطة:

- ‌2 - النسخة الثانية المخطوطة:

- ‌طبعات الألفية

- ‌أولًا الدراسة:

- ‌ثانيًا التحقيق:

- ‌1 - النص:

- ‌2 - الألفية:

- ‌3 - تراجم الأعلام:

- ‌4 - المصادر والمراجع:

- ‌(فائدة): في حد المحدث والحافظ:

- ‌ حَدُّ الصَّحِيْح:

- ‌ فوائد

- ‌أثبت أصحاب قتادة

الفصل: ‌ ‌علم المصطلح أهميته - نشأته - مصنفاته

‌علم المصطلح

أهميته - نشأته - مصنفاته

ص: 21

علم مصطلح الحديث يعد مفخرة للأمة الإسلامية، وصفحة مشرفة من صفحاتها الخالدة، الوضاءة، المليئة بالمآثر والمكرمات، والفضائل، فما عرفت أمة من الأمم كيف تخلد أخبار علمائها وعظمائها، وقادتها وأبطالها كما عرفته الأمة الإسلامية، ولا عرفت كيف تصحح تاريخ رجالها كما عرفته الأمة المحمدية بواسطة علمائها وحفاظها ومحدثيها، وهذا الأمر من الخيرية التي خصها اللَّه به من بين بقية الأمم قال تعالى:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .} الآية (1).

ويمكن تلخيص أهمية هذا العلم الشريف في الأمور الآتية:

1 -

علم المصطلح به يعرف صحيح السنة من سقيمها ومعلولها من سليمها، وحسبك بها من فائدة وثمرة فالمصطلح هو العلم الوحيد الذي تقف به على حال النقلة للحديث، وصفاتهم، وجرحهم وتعديلهم، وما تنضبط به أقوال الحفاظ في الرواة، ومدى سلامة الشد والمتن من العلل، وبالتالي يتحقق بذلك الأخذ بقول اللَّه تعالى:

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. . . الآية} (2).

(1) سورة آل عمران: 110.

(2)

سورة الحشر: 7.

ص: 23

وبقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (1) الآية إذ كيف يتم الاقتداء، والأخذ بشيء من السنة، والتعويل عليه في الاستدلال والاستنباط: ونحن نجهل صحته من ضعفه؟ ؟ .

2 -

علم المصطلح يعد مفتاحًا لتحقيق نصوص كثيرةٍ من العلوم، فهذا العلم يعتني (بأسانيد) الأحاديث، والأخبار، ولو تتبعنا كثيرًا من العلوم في المصادر القديمة لوجدناها نقلت إلينا بأسانيد، فالقرآن الكريم حمله رواةٌ في صدورهم، ونقلوه إلينا، وهم كثر، بلغ بهم العدد حد التواتر، ولا سبيل لمعرفة ما صح من الطرق إلا بأن ندرس سند ذلك الطريق، وتلك القراءة، كما قال الناظم في القراءة المقبولة المعتبرة عند العلماء:

فَكُلُّ ما وافقَ وَجْهَ نَحْوِ

وكَانَ لِلرَسْم احتمالًا يَحْوِي

وصَحَّ إسْنَادًا هُوَ القُرآنُ

فهذه الثلاثةُ الأرْكَان (2)

وفي العقيدة نجدها قد نقلت إلينا عن نبي هده الأمة وسلفها بالأسانيد، فمثلًا: في إثبات الوجه للَّه عز وجل تقرأ في كتاب: "الأسماء والصفات"(3) لأبي بكر البيهقي (ت 459 هـ) في باب بيان الأسماء التي من أحصاها دخل الجنة، فتجد البيهقي يثبت لك العقيدة

(1) سورة الأحزاب: 21.

(2)

قالها ابن الجزري (ت 833) كما في طيبة النشر (ص 3).

(3)

الأسماء والصفات (1/ 15).

ص: 24

بالسند فيقول:

أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو عبد اللَّه إسحاق بن محمد بن يوسف بن يعقوب السوسي وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب نا محمد بن خالد بن حلي نا بش بن شعيب بن حمزة عن أبيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن للَّه تسعةً وتسعينَ اسمًا، مِائةً إلا واحدًا، مَن أحصَاهَا دَخَل الجنَّة، إنَّه وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ".

فدراسة هذا السند ضرورية جدًا لدراسة مثل هذا الحديث الوارد في (العقيدة)، ودراسة السند تحتاج إلى علم المصطلح، وكذلك (التفسير) نقل إلينا بالأسانيد، كتفسير ابن جرير الطبري (ت 310 هـ)، وتفسير البغوي (ت 516 هـ)(1)، وكذا (الفقه) ككتاب الأم إملاء الشافعي (ت 204 هـ) و (التاريخ) أيضًا لمصطلح الحديث عليه منةٌ، وقد ألَّف الدكتور عثمان موافي كتاب "منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الأوروبي" وبيَّن فيه أثر قواعد علوم الحديث في الروايات التاريخية في نقدها وتمحيصها، وللدكتور أكرم ضياء العمري كتاب:"المجتمع المدني"، قصد به: محاولة تطبيق قواعد المحدثين في مصطلح الحديث لنقد الروايات التاريخية.

(1) مطبوعان.

ص: 25

بل وكتب اللغة والآدب نقلت إلينا بأسانيد، مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و"الأمالي" لأبي علي القالي، وقد ألّف الدكتور شرف الدين علي الراجحي كتابًا سماه:"مصطلح الحديث، وأثره على الدرس اللغوي عند العرب"(1) ذلك لأن علم المصطلح له منبعٌ دافقٌ ثَرٌ لا ينضب، وهو: السنة المطهرة.

يقول د/ محمد الصباغ: "تأثير الحديث النبوي على ثقافتنا العربية يفوق كل تصور، فلقد صبغت طريقته كل فنون ثقافتنا ومعارفنا، إنك تجد طريقة السند عمّت كل أنواع الكتب في مكتبتنا، من آدبية وتاريخية وغيرهما. . . "(2).

3 -

إيجاد (الثقة) في نفوس المسلمين بتحقيق وعد اللَّه لهم بحفظ كتابه وسنة نبيه حيث قال سبحانه:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (3).

فهذه القواعد تعد من أهم الأمور التي حفظ اللَّه بها السنة.

4 -

"إيجاد (ملكةٍ) عد الدارس لهذا الفن يتمكن بها من تمحيص الأخبار الواردة، من حديث وتاريخ وغيرهما. . . (4) "،

(1) طبع في مجلد.

(2)

الحديث النبوي (ص 16).

(3)

سورة الحجر: 9.

(4)

مقدمة د/ مصطفى الخن لتقريب النووي (ص 18).

ص: 26

ويصير الدارس لهذا العلم دقيقًا في تعلمه وتعليمه لهذا العلم الشرعي بحميع فروعه، ولقد كان أحد شيوخي من المحدثين الأفاضل دائمًا يحثنا على تعلم علم الحديث، ويقول: تصبحون في يوم من الأيام حكامًا على أقوال الناس وأفعالهم لا محكومين.

أضف إلى ذلك: أن كثيرًا من الخلافيات في الفروع التي يبقى الكثير حائرًا عندها، يستطيع العالم وطالب العلم أن يرجح بين الأقوال بهذا العلم، وكلما رسخت قدمه في علم المصطلح، كلما استطاع أن يسبر غور الخلاف بين الأقوال المختلفة، لأنه يراجع أصول المذاهب والأقوال؛ بالرجوع إلى أدلتها بثبوتها أو عدم ثبوتها.

5 -

بيان منهج (السلف) من المحدثين، ودقتهم في وضع قواعد معتمدة على الكتاب والسنة، ومنهجيتهم في ذلك، وتنظيمهم، وتنسيقهم، ودقتهم لحفظ سنة خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم، وزيادة الثقة بهم، بأمانتهم العلمية في نقل شريعة اللَّه، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

6 -

ثم إنَّ علم المصطلح (تمهيدٌ ومقدمةٌ) للعلماء والمتخصصين في جميع علوم الشريعة، ليقوموا ببناء علومهم على أصولٍ ثابتةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، فلا أحكام، ولا أقيسة، ولا اجتهاداتٍ تكون مصيبةً إذا لم تؤسس على نصوص القرآن والسنة الثابتة، والثبات لا يكون إلا بقواعد ثابتةٍ للنقد، والتمحيص النزيه، كقواعد مصطلح الحديث.

ص: 27

7 -

قواعد علم المصطلح التي وضعها أجدادنا المسلمون تعلم المنهجية في الحكم على الأخبار دون أن يكون تأثرٌ بأي اعتبار آخر غير تطبيق تلك القواعد (1)، وفي هذا تربيةٌ للمسلم عالمًا أو متعلمًا على الإنصاف، والعدل، وأن الحق أكبر من كل كبير (2).

8 -

وبهذا العلم يبرِّيء العالم ذمته، ويسلم حين نقل حديث رسول اللَّه من أن يشمله الوعيد الوارد في قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ حدَّث عنِّي بحديث يُرَى (3) أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَين"(4)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر:

"مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِن النَّار"(5).

(1) الحديث النبوي د/ الصباغ (ص 17).

(2)

كان عبد الجبار بن أحمد من فقهاء الشافعية، وكان ينظر كثيرًا في مذهب الشافعي في الفروع والأصول، ولما وصل إلى قضية رأي الشافعي في عدم نسخ الكتاب بالسنة قال كلمةً حكيمةً قال:"الشافعي كبير والحق أكبر منه".

إرشاد الفحول (ص 191).

(3)

برى: بضم الياء أو بفتحها: بمعنى: يظن أو يعلم.

شرح النووي (1/ 165) وإكمال إكمال المعلم (1/ 15).

(4)

رواه مسلم (المقدمة 1/ 9).

(5)

حديث متراتر، انظر قطف الأزهار (ص 23، ص 27) ولقط اللآليء المتناثرة للزبيدي (ص 261 - ص 282).

ص: 28

9 -

علم المصطلح "يعمل على تنقية الأذهان من الخرافات، وذلك أنَّ الإسرائيليين وغيرهم حاولوا نشر ما لديهم من الأقاصيص، والخرافات الكاذبة، والأباطيل، وهذه الأمور داء وبيل، يفت في عضد الشعوب، ويمزق الأمم. . . "(1).

هذا وقد مرَّ علم مصطلح الحديث بمراحل تاريخية مهمة جدًّا حتى كمل ونضج، وهذه المراحل تتلخص في التالي:

المرحلة الأولى:

وتمتد من أوائل القرن الأول الهجري إلى نهايته، وهو دور الصحابة رضي الله عنهم في وضع البنات الأولى لهذا العلم وذلك بحفظ السنة والتثبت حين أخذها وأدائها، ورحلاتهم في طلبها، ونقدهم لبعض حملتها.

المرحلة الثانية:

مرحلة تدوين السنة تدوينًا رسميًا، ومعها قواعد المصطلح منثورة مبثوثة فيها (2).

(1) منهج النقد في علوم الحديث (ص 27).

(2)

صحيح البخاري (1/ 194)، والبداية والنهاية (9/ 184).

ص: 29

المرحلة الثالثة:

تمتد هذه المرحلة تقريبًا من أواخر المائة الثانية إلى منتصف الرابعة، وقد أفردت في هذه المرحلة أنواع علوم الحديث بمصنفاتٍ مستقلةٍ كالعلل لعلي بن المديني (ت 234 هـ)(1).

إذًا فعلم المصطلح في هذه المرحلة عبارة إمّا عن أنواع مستقلةٍ، في كتب متفرقةٍ، ومختلفةٍ، وأمَّا عن قواعد مبثوثة في كتب الحديث على اختلاف نوعية تصنيفها.

المرحلة الرابعة:

جمع قواعد المصطلح في كتاب واحد:

وتبتدأ هذه المرحلة من متصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع، عكف العلماء في هذه الفترة على كتب السابقين في قواعد الحديث والتي كانت التجربة الأولى في تدوين مصطلح الحديث، فجمعوا تلك القواعد المنثورة، والمتفرقة، والمستقلة بالتأليف في كتاب واحد، فأول من صنف تلك القواعد مجموعة هو:

1 -

القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي (ت 360 هـ)، في كتابه العظيم "المحدث الفاصل بن

(1) طبع طبعتين: الأولى تحقيق د/ محمد مصطفى الأعظمي.

والأخرى بتحقيق د/ عبد المعطي قلعجي.

ص: 30

الراوي والواعي"، قال عنه الحافظ الذهبي: ". . . ما أحسنه من كتاب، قيل: إنّ السِّلفي كان لا يكاد يفارق كمّه، يعني في بعض عمره" (1).

وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة شيخه إبراهيم بن أحمد التنوخي: "وقرأت عليه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي لأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن. . . وهو أول كتاب صنّف في علوم الحديث في غالب الظن، وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه، لكن هذا جمع ما جمع في ذلك في زمانه ثم توسعوا في ذلك (2).

وقال عنه في النزهة: "لكنه لم يستوعب"(3).

قلت: وقول الحافظ هذا لا ينقص من قدر الكتاب شيئًا لأنَّ أي كتاب يبتدأ به علم من العلوم لابد وأن يعتريه النقص، ولكن من يجيء بعده يتمم ما فاته، وهكذا حتى يبلغ العلم إلى الكمال والنضج

وقال الدكتور نور الدين العتر: وهو أكبر كتابٍ وضع في علوم الحديث حتى ذلك العصر. . . (4).

(1) سير أعلام النبلاء (16/ 73).

(2)

المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس (ق 27 - ق 28).

(3)

نزهة النظر (ص 16).

(4)

منهج النقد (ص 56).

ص: 31

والكتاب جعله مصنفه في سبعة أجزاء متساوية الحجم تقريبًا، وقد حفظ لنا الرامهرمزي فيه نصوصًا تفرد بها، ولم ينقلها أحدٌ سواه (1).

يتكلم الرامهرمزي رحمه الله في هذا الكتاب عن فضل الناقل لسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفضل الطالب لها، والراغب فيها، والمستن بها، والنية في طلب الحديث، وأوصاف الطالب وآدابه والعالي والنازل، وصيغ التحمل، . . . وعن التبويب والتصنيف، وغير ذلك من أبواب المصطلح (2).

وقد طبع الكتاب في مجلد ضخم بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، طبعته دار الفكر ببيروت سنة 1391 هـ.

2 -

ثم تلاه في التصيف الحاكم أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه ابن البيّع النيسابوري (ت 405 هـ) في كتاب سماه: "معرفة علوم الحديث". ذكر رحمه الله في مقدمة الكتاب سبب التأليف فقال: "إني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال، والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث، مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، والمواظبون على كتابة الآثار، وأعتمد في ذلك سلوك الاختصار، دون الإطناب في الإكثار، واللَّه

(1) مقدمة المحقق (ص 28، 34، 35).

(2)

مقدمة د/ محمد رأفت على "الجامع" للخطيب (1/ 62).

ص: 32

الموفق لما قصدته، والمانّ في بيان ما أردته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم" (1).

وقد ذكر الحاكم اثنين وخمسين نوعًا من أنواع علوم الحديث، قال ابن حجر: لكنه لم يهذب، ولم يرتب (2)، وقد ذكر العلماء أن الحاكم فاته أمران في الكتاب:

1 -

استيعاب أنواع الحديث.

2 -

تهذيب العبارات، وضبطها حتى يتضح المراد من التعريف (3).

وقال طاهر الجزائري: "فيه فوائد مهمة، رائعة، ينبغي لطالبي هذا الفن الوقوف عليها. . . "، ثم لخصه في كتابه:"توجيه النظر"(4)،

(1) معرفة علوم الحديث (ص 2).

(2)

نزهة النظر (ص 16).

(3)

انظر منهج النقد (ص 59).

(4)

هذا الكتاب من نفائس ما كتبه المتأخرون في علم لمصطلح، وقد اعتمد فيه مؤلفه على كتب أصول الفقه، وأصول الحديث (ص 2)، وخصوصًا كتاب مقدمة ابن الصلاح فمن جاء بعده (ص 68)، وقد قسمه مؤلفه إلى ستة فصول رئيسية، وذكر بينها مسائل في فروع المصطلح منشورة في الكتاب، وأطلق عليها (فوائد) تارة، و (مطالب) تارة أخرى، كما أنه لخَّص كتابين مهمين وهما:

كتاب الحاكم كما ذكر (ص 162 - ص 201)، وكتاب (العلل) لابن أبي حاتم (ص 264 - ص 282)، وقد طبع الكتاب في حياة مؤلفه سنة (1328 هـ)، ويقع الكتاب في مجلد ضخم يحتوي على أربعمائة وتسع عشرة صفحة.

ص: 33

وقد ذكره أيضًا ابن خلدون في مقدمته، وامتدحه وزكاه كثيرًا (1).

وقد طبع الكتاب في مجلد بتحقيق: معظم حسين، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن بالهند سنة (1385 هـ).

3 -

ثم تلاه أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني (ت 430 هـ) فعمل على كتابه (مستخرجًا)(2)، وأبقى أشياء للمتعقب (3)، وقد سمّاه الذهبي باسم:"علوم الحديث"(4).

وقال الشيخ علي بن سلطان القاري: "زاد أبو نعيم على الحاكم أشياء، واستدرك عليه ما فاته"(5).

4 -

ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي (ت 463)(6)، فألف كتابًا في قوانين الرواية سماه:"الكفاية في قوانين الرواية"، استوفى فيه البحث في قوانين الرواية،

(1) مقدمة ابن خلدون (ص 281).

(2)

مستخرجًا: بفتح الراء مفعول عمل، وبكسر الراء، حال من فاعله، فهو نزل منزلة اللازم حينئذ.

شرح نخبة الفكر (ص 10)، وإمعان النظر (ص 5).

(3)

نزهة النظر (ص 16).

(4)

سير أعلام النبلاء (17/ 456) والكتاب مفقود.

(5)

شرح نخبة الفكر (ص 10)، ولقط الدرر (ص 23).

(6)

نزهة النظر (ص 16).

ص: 34

وأبان فيه عن أصولها، وقواعدها الكلية، ومذاهب العلماه فيما اختلفت آراؤهم (1).

وقال الكتاني في كتابه: هو غايةٌ في بابه (2).

والكتاب يحتوي على مائةٍ وأربعين بابًا -مما صرَّح بتسميته بابًا- وأما ما لم يصرح بتسميته "بابًا" فهو تسعة وعشرون (3).

ومما ذكره في مقدمة الكتاب من أسباب التأليف، ومقاصد الكتاب قوله:"وأنا أذكر بمشيئة اللَّه تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه، وتعم فائدته، ويستدل به على فضل المحدثين، واجتهادهم في حفظ الدين، ونفيهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين. . . إلخ"(4).

وقد طبع الكتاب طبعتين، الأولى بالهند تحت إدارة جمعية دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، سنة 1357 هـ، وأشرف على تصحيحه مجموعة من العلماء، ثم طبع ثانية بمطبعة السعادة

(1) منهج النقد (ص 57)، والمنهج الحديث (ص 23).

(2)

الرسالة المستطرفة (ص 143).

(3)

الخطيب البغدادي وأثره (ص 415).

(4)

مقدمة الكفاية (ص 37).

ص: 35

بمصر بتحقيق وتعليق الأستاذين: عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن حسن محمود.

5 -

الإلماع إلى معرفة أصول الرواية، وتقييد السماع (1) للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت 544 هـ). وهو كتاب لطيف (2)، مختصر مفيد جدًا (3).

ذكر القاضي عياض الباعث له على تأليفه، ومادة كتابه باختصار، وأنَّ راغبًا رغب إليه في تلخيص فصول في معرفة الضبط، وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها، وما يصح وما يتزيف، وما يتفق من وجوهها، وما يختلف (4)، والكتاب مهم جدًا في موضوعه، قد اعتنى المصنف رحمه الله فيه بأنواع التحمل، وأطلق فيها قلمه، وأمعن فيها النظر، واستقصى الكلام عن الإجازة خاصة، وما يتعلق بها، حتى إنه قال عن هذا الضرب من ضروب الرواية:

(وقد تقصينا وجوه الإجازة بما لم نسبق إليه، وجمعنا فيه تفاريق -المجموعات، والمسموعات، والمشافهات، والمستنبطات)(5)،

(1) التعريف بالقاضي عياض لابنه (ص 116)، ونزهة النظر (ص 17).

(2)

نزهة النظر (ص 17).

(3)

منهج النقد (ص 57).

(4)

الإلماع (ص 3، 4).

(5)

الإلماع (ص 25، 107)، ومقدمة الجامع للخطيب 1/ 76، 77.

ص: 36

والكتاب يتألف من مقدمة، وتسعة عشر بابًا.

وقد طبع الكتاب سنة 1389 هـ، بتحقيق السيد أحمد صقر ونشرته دار التراث بالقاهرة، والمكتبة العتيقة بتونس.

6 -

إيضاح ما لا يسع المحدث جهله أو ما لا يسع المحدث جهله (1)، لأبي حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي (ت 580 هـ).

وهو جزء صغير (2)، ورسالة مختصرة (3).

ولم يسلك المصنف فيها طريقة التبويب، وإنما سردها سردًا بدون ذكرٍ لأبواب أو فصول، غير أنه ذكر في أثنائها اسم بابين فقط، وهما:(باب اللحن)، (وباب من يُروى عنه ومن لا يُروى عنه)، وموضوعات الكتاب مرتبةٌ كالتالي:

مقدمةٌ تشتمل على الحض على العلم، وبعض طرق التحمل، وصيغ الأداء، رواية الحديث بالمعنى، باب اللحن، باب من يروى عنه ومن لا يُروى عنه، مراتب الحديث الصحيح، صفته، شروطه، عدد أحاديث صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ مالك، المكثرون

(1) العقد الثمين (6/ 334)، وكشف الظنون (2/ 1575)، والرسالة المستطرفة (ص 143)، وقد وقع وهم للكتاني رحمه الله حيث فرق بين ما لا يسع المحدث جهله وبين الإيضاح وجعلهما لاثنين وهما لواحد: وهو أبو حفص المذكور.

(2)

نزهة النظر (ص 7).

(3)

شرح النخبة للقاري (ص 11).

ص: 37

في الرواية من الصحابة، تعريف كل من أنواع الحديث: الحسن، المشهور، الفرد، الغريب، الشاذ، المسند، المرسل، الموقوف، المنقطع، المقطوع، المعضل، ثم طفق يسرد الأحاديث بدون سند، وأكثرها ضعيف، وبعضها موضوع (1).

وقد طبعت هذه الرسالة لأول مرة يغداد سنة 1387 هـ بشركة الطبع والنشر الأهلية، بتحقيق وتعليق: صبحي البدري السامرائي، وقدم لها بمقدمة تعادل حجم الرسالة أو تزيد.

بعد هذا العرض والرد لأوائل الكتب المؤلفة في علم مصطلح الحديث، نلاحظ أنَّ من أبرز روّاد هذه الفترة الأولى للتأليف في هذا العلم جماعة هم: الرامهرمزي، والحاكم، والخطيب، قاضي عياض، وتعد كتبهم من أوائل المصادر التي اعتمدها المتأخرون واستفادوا منها، إلا أنّ طابع الجمع في هذه التأليف بارز ظاهر (2)؛ الجمع للقواعد المتفرقة المنثورة، في مباحث مستقلةٍ، وكتب منفردةٍ لمن تقدم ذكرهم من المحدِّثين ولكنها خطوة مهدت السبيل لمن بعدهم، ويسرت سبل الجمع الرتيب، والتنسيق الدقيق، وذلك على يدي الحافظ أبي عمرو بن الصلاح.

(1) الخطيب وأثره في علوم الحديث (ص 446 - ص 448).

(2)

منهج النقد (ص 58).

ص: 38

7 -

علوم الحديث أو مقدمة ابن الصلاح (1).

للحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (ت 643 هـ).

جاء الحافظ ابن الصلاح في أوائل القرن السابع فوجد تلك الكتب المؤلفة في المصطلح، والتي جمعت من القواعد الاصطلاحية الحديثية الشيء الكثير، فنظر إليها نظرة الناقد البصير، وأعمل فيها فكره المستنير، واستخرج من البحار اللآليء والدرر المنتثرة فيها، فعمل منها عقدًا منظومًا، متناسقًا، رتيبًا.

وقد ذكر ابن الصلاح في كتابه هذا خمسةً وستين نوعًا، ولمقدمة ابن الصلاح ميزات على كتب من سبق، من أهم هذه الميزات ما يلي:

(1) هاتان التسميتان المشتهرتان في تسمية كتاب ابن الصلاح لا سيما عند المتأخرين.

اختصار علوم الحديث لابن كثير (ص 19)، والمستطرفة (ص 214) واسمه الأصلي:(معرفة أنواع علم الحديث).

المقدمة (ص 76)، وملء العيبة (ص 215)، ومستفاد الرحلة (ص 97)، والقلصادي في رحلته (ص 97).

وسماه الواد آشي في برنامجه (ص 269) باسم مطول وهو: (معرفة أنواع الحديث، وبيان أصوله، وقواعده، وإيضاح فروعه وأحكامه، وكشف أسراره، وشرح مشكلاته، وإبراز نكته وفوائده، وإبانة مصطلحات أهل الحديث ورسومهم).

ص: 39

1 -

الاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء، وقواعدهم، من أقوالهم المأثورة عنهم.

2 -

أنه ضبط التعاريف التي سبق بها، وحررها، وأوضح تعاريف لم يصرح بها من قبله.

3 -

أنه عقّب على أقوال العلماء بتحقيقاته، واجتهاداته.

4 -

تهذيب عبارات السابقين، والتنبيه على مواضع الاعتراض فيها (1).

وصدق قول النووي فيه حيث قال: "هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد"(2).

وقال الحافظ ابن حجر فيه: "جمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور، فهذّب فنونه، وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب؛ واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له، ومختصر، ومستدرك عليه، ومقتصر، ومعارض له، ومنتصر"(3).

(1) منهج النقد (ص 57)، والمدخل الى علوم الحديث (ص 30).

(2)

الإرشاد (ق 3/ ب).

(3)

نزهة النظر (ص 17).

ص: 40

فممن نظم مقدمة ابن الصلاح: الحافظ العراقي (ت 806 هـ) في ألف بيت، وسمّاها التبصرة والتذكرة، كما قال هو عنها رحمه الله:

نَظَمْتُهَا تَبصِرَةً لِلْمُبتَدِي

تَذكِرَة لِلْمُنْتَهِي وَالمُسْنِدِ

زاد فيها زيادات نافعة على مقدمة ابن الصلاح كما قال:

لخَّصْتُ فِيْهَا ابنَ الصّلاحِ أجْمَعَهْ

وَزِدتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ (1)

وقد تولى رحمه الله شرحها بنفسه في شرحين، مطول ومختصر، قال هو نفسه رحمه الله عنهما:"وشرعت في شرح لها -أي للألفية- متوسط، بسطته، وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط غير مفرط، ولا مفرط، يوضح مشكلها ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعةً إلا فيه. . "(2).

وقد سار في ترتيب الأنواع في النظم وفي الشرح على نهج وترتيب ابن الصلاح في أغلب الأنواع، وقدَّم وأخَّر في بعض الأنواع كالمرفوع والمرسل، وقد أكمل الشرح يوم السبت التاسع والعشرين في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وسبعمائة (3).

(1) انظر: الألفية (ص 169 - ضمن نفائس)، وقد فرغ من نظمها يوم الخميس ثالث جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وسبعمائة، انظر: شرح الألفية (3/ 280).

(2)

شرح العراقي فتح المغيث (1/ 4، 5).

(3)

شرحه (3/ 280).

ص: 41

هذا وقد طبع الشرح المختصر باسمين مختلفين، فقد طبع طبعتين: طبعةٌ بالقاهرة باسم "فتح المغيث" بعناية محمود ربيع، وطبعةٌ أخرى بالمغرب باسم:"التبصرة والتذكرة" بتحقيق وتعليق: محمد بن الحسين العراقي الحسيني، وليس اسم الشرح، وإنما هو اسم المنظومة نفسها، كما تقدم آنفًا عنه، وكما صرّح السخاوي بذلك أيضًا (1).

وكذلك شرح ألفية العراقي الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ)، بشرح جامع نافع، أبدع فيه إبداعًا كبيرًا، ويتميز هذا الشرح بالدقة، وقوة العبارة، وبتحرير مسائل الخلاف في المصطلح، وقد طبع طبعتين إحداهما بالمكتبة السلفية بالمدينة بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، وهي طبعة كاملة في ثلاثة مجلدات، والثانية بالهند بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، في مجلد واحد، وهي غير كاملة وصل فيها إلى أول مبحث المقابلة، وكلتا الطبعين مملوءتان بالتصحيفات والأخطاء.

وممن نظمها أيضًا الحافظ السيوطي في قطر الدرر، وهي التي أقوم -بعون اللَّه تعالى وتوفيقه- بتحقيق شرحها، وهي ألف بيت، نظمها السيوطي في خمسة أيام، كما صرّح بذلك رحمه الله حيث قال:

(1) فتح المغيث للسخاوي (ص 7)، ومنهج النقد (ص 60)، والمنهج الحديث (ص 24).

ص: 42

نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأيّامِ

بِقُدْرَةِ المُهَيمِنِ العَلَّامِ (1).

وقد فاقت هذه الألفيةُ ألفيةَ العراقي، في الجمع والترتيب والتنسيق، لأنَّ العراقي ساير الأصل -مقدمة ابن الصلاح- ومعلوم أنَّ مقدمةَ ابن الصلاح لم ترتب على الوجه المطلوب (2)، قال السيوطي:

فَائِقَةً ألفْيَّةَ العِراقِي

فِي الجَمْعِ والإيجازِ واتِّسَاقِ (3)

ولألفية السيوطي شروح عديدة، سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى في المبحث الخامس، من هذا القسم.

وممن اختصر (المقدمة) أيضًا الإمام النووي رحمه الله (ت 676 هـ) في كتابه: "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق"(4)

والكتاب اختصر فيه المؤلف مقدمة ابن الصلاح، والتزم عبارته، ولم يضف شيئًا كثيرًا، إلا إضافات يسيرة وجيزة، وعلى الرغم من قلتها إلا أنها "هامةٌ ومفيدةٌ، واستدرك استدراكات على قلتها غاية في الجودة والإتقان"(5).

(1) ألفية السيوطي (ص 289).

(2)

نزهة النظر (ص 17).

(3)

ألفية السيوطي (ص 2).

(4)

حققه أخي في اللَّه، ورفيق الطب الأخ الشيخ/ عبد الباري فتح اللَّه الهندي، في رسالة ماجستير، بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وقد نوقش.

(5)

الإرشاد محققًا (1/ 49).

ص: 43

ثم اختصر كتابه الإرشاد في: "التقريب والتيسير في معرفة سنن البشير النذير"، وقد قام بشرحه السيوطي في "تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي"(1)، وقد طبع التقريب طبعات عديدة (2).

وممن اختصر معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح:

بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت 733 هـ) في كتابه: المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي (3).

وقد تميَّز الكتاب بوحود زياداتٍ على أصله، وبحسن ترتيبه، وتنسيقه، وقد طبع الكتاب ضمن مجلة معهد المخطوطات، الجزء الأول والثاني، من المجلد الحادي والعشرين، من عام (1395 هـ) بتحقيق الدكتور محيي الدين عبد الرحمن رمضان.

واختصره أيضًا الحافظ إسماعيل بن عمر المشهور بابن كثير (ت 774 هـ)، في كتابه:"اختصار علوم الحديث"(4)، وهو نافعٌ، استدرك فيه ابن كثير على ابن الصلاح أشياء كثيرة، وتعقبه عليها، وقد شرحه أحمد محمد شاكر في شرح جيد سماه:"الباعث الحثيث"، وقد طبع المختصر وشرحه.

(1) طبع بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.

(2)

طبعاته. ذخائر التراث (1/ 593)

(3)

برنامج الواد آشي (ص 42)، وكشف الظنون (2/ 1884)، وهدية العارفين (2/ 148)

(4)

ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص 361)، ومقدمة الباعث (ص 13).

ص: 44

وممن نكت على المقدمة لابن الصلاح الحافظان العراقي (ت 806 هـ) وابن حجر (ت 852 هـ)، فالعراقي في كتاب (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح)(1)، وقد ذكر العراقي في مقدمة كتابه هذا الباعث له على تأليفه فقال:". . . إلا أنّ فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييدٍ وتنبيهٍ، فأردت أن أجمع عليه نكتًا تقيِّد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عيه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ، وترجيحه. . "(2)، وقد فرغ من تبييض كتابه هذا يوم الأحد، الحادي والعشرين من ذي القعدة الحرام، سنة اثنتين، وثمانين وسبعمائة (3).

وقد طبع الكتاب بتحقيق الشيخ محمد راغب الطباخ، وهي طبعة جيدة وعليها تعليقات مفيدة له سماها: المصباح، وطبع ثانية بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، ونشرته المكتبة السلفية بالمدينة، ولكنها طبعةٌ مليئةٌ بالأخطاء.

ونكت (4) عليها الحافظ ابن حجر بكتابين كبير وهو (الإفصاح) أو

(1) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد (ص 230) ووقع الاسم فيه "التقييد والإصلاح"، وشذرات الذهب (7/ 256)، والمستطرفة (ص 214).

(2)

التقييد والإيضاح (ص 11، ص 12).

(3)

التقييد والإيضاح (ص 471).

(4)

فتح الباري (1/ 386)، والنكت الظراف (1/ 389).

ص: 45

(النكت الكبرى)، وصغير وهو (النكت على كتاب ابن الصلاح)(1) وفيه فوائد جمة، وعلم غزير، ولم يكمله، وتبلغ نكته التي نكت بها على مقدمة ابن الصلاح مائة وتسعًا وعشرين نكتة (2)، ولو كمل لجاء كتابًا جامعًا حافلًا، وقد قام بتحقيقه شيخنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في رسالةٍ تقدم بها لنيل الدكتوراة، وقد طبعته الحامعة الإسلامة بالمدينة في مجلدين.

وغير ذلك عشرات الكتب التي تابع العلماء فيها ابن الصلاح واستدركوا عليه، ورتبوا كلامه، وساروا في فلكه، ولكن لم يقلد العلماء ابن الصلاح فيما ذهب إليه في مقدمته في كل شيء من القواعد العلمية، بل اجتهدوا، وناقشوه في المسائل، فوافقوه تارة، أو خالفوه تارة.

* * *

(1) سيأتي إثبات هذا في الملحق رقم (1).

(2)

مقدمة د/ ربيع على النكت (1/ 55).

ص: 46