الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تجديده سنة الإملاء
الإملاء للحديث سنة الحفاظ من المحدثين منذ القديم، يعقدون مجالس الإملاء، ويملون الأحاديث بأسانيدها ويشرحون غريبها، وألفاظها، ويبينون الفوائد المستقاة منها، ولم يجرؤ أحد على أن يعقد مثل هذه المجالس إلا إذا كان حافظًا متمكنًا من فنه وعلمه، وقد اندرس الإملاء بعد ابن الصلاح (ت 643 هـ)، حتى افتتحه ثانية كبار حفاظ عصرهم وهم: العراقي (1)، وابن حجر (2)، ثم الحافظ السيوطي.
قال الغزي: "كان السيوطي يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة"(3).
يحدثنا السيوطي نفسه عن هذا فيقول:
"وكان الإملاء درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة (796 هـ)، فأملى أربعمائة مجلس وبضعة عشر مجلسًا إلى سنة موته سنة (806 هـ)، ثم أملى ولده إلى أن مات سنة (852 هـ) أكثر من مجلس وكسرا، ثم أملى شيخ الإسلام
(1) لحظ الألحاظ (ص 233).
(2)
ابن حجر ودراسة مصنفاته (ص 112 - ص 227).
(3)
الكواكب السائرة (1/ 228).
ابن حجر إلى أن مات سنة (852 هـ) أكثر من ألف مجلس (1)، ثم درس تسع عشرة سنة، فافتتحته أول سنة اثنين وسبعين، فأمليت ثمانين مجلسًا، ثم خمسين" (2).
وكان ذلك بالجامع الطولوني، حيث ورث عن والده التدريس به (3).
قال السيوطي: "جرت عادتنا بتخريج الإملاء وتحريره في كراسة ثم نملي حفظًا، وإذا نجز قابله المستملي معنا على الأصل، وذلك غاية الإتقان"(4).
وقد أنكر عليه بعض منافسيه وخصومه إملاء الحديث، لعدم جرأتهم على ذلك فرد عليهم السيوطي قائلًا:
عاب الإملاء للحديث رجال
…
قد سعوا في الضلال سعيًا حثيثا
إنما ينكر الأمالي قوم
…
لا يكادون يفقهون حديثا (5)
(1) وفي ذيل تذكرة الحفاظ (ص 335) أنه أملى ما يقارب من ستة عشر وأربعمائة مجلس.
(2)
تدريب الراوي (2/ 139).
(3)
ذيل طبقات الشعراني (ق 4)، وحسن المحاضرة (1/ 338).
(4)
تدريب الراوي (2/ 139).
(5)
الكواكب السائرة (1/ 230)، وشذرات الذهب (8/ 55).
كان السيوطي رحمه الله يملي الحديث يوم الجمعة اتباعًا للحفاظ المتقدمين كالخطيب البغدادي، وابن السمعاني، وابن عساكر، بخلاف ما كان عليه بعض المتأخرين مثل العراقي، وولده، وابن حجر، فإنهم كانوا يملون يوم الثلاثاء (1).
ولقد كان للسيوطي رحمه الله مشاركة جليلة فيما يتعلق بعلم الحديث دراية أو ما يسمى (بمصطلح الحديث)، فقد أثرى المكتبة الإسلامية بمصنفات في علم المصطلح نفيسة، تحوي علمًا غزيرًا، وبصرًا ثاقبًا، وفهمًا دقيقًا، فنراه تارة يصنف في علوم الحديث مجموعة وتارة يؤلف في كل نوع على حدة، ومصنفاته في شتى العلوم وخاصة علم المصطلح يأخذ أغلبها طابع الجمع والنقل، ثم النقد والترجيح، بحكم حفظه وتأخر زمنه، وبهذا الأسلوب الذي سار عليه السيوطي حفظ لنا به كنوزًا من مصادر مفقودة، ونصوصًا لم نعثر عليها إلا فيها، وفيما يلي أستعرض جهود السيوطي المشكورة العظيمة في مصطلح الحديث، وذلك بدراسة كتبه الخاصة المتعلقة بعلم المصطلح فقط، توثيقًا لها، وعرضًا لمحتوياتها، وبيانًا لموضوعاتها، وذكرًا لشيء من مقدماتها وخواتمها.
* * *
(1) ذيل طبقات الشعراني (ق 4/ ب).