الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعواه الاجتهاد وموقف المعاصرين له من ذلك
لقد عاش السيوطي حياة علمية حافلة ثَرَّةً بمختلف أنواع العلوم الإِسلامية، ورزق حب العلوم كما قال هو عن نفسه:"إني رجل حبب إليَّ العلم، والنظر فيه، دقيقه، وجليله، والغوص على حقائقه، والتطلع إلى دقائقه، والفحص عن أصوله، وجبلت على ذلك". (1)
وفعلًا لقد غاص السيوطي في العلم أصوله وفروعه حتى كملت عنده آلات الاجتهاد.
قال رحمه الله: "وقد كملت عندي آلات الاجتهاد بحمد اللَّه تعالى، أقول ذلك تحدثًا بنعمة اللَّه تعالى، لا فخرًا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر، وقد أَزِفَ الرحيل، وبدا المشيب، وذهب أطيب العمر"(2).
وبعد أن كملت عنده آلات الاجتهاد، ادعى الاجتهاد المطلق، وقد صرّح بذلك في كتب عديدة له منها:
1 -
الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض (3). (مطبوع).
(1) تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة -ضمن الحاوي- (2/ 262).
(2)
حسن المحاضرة (1/ 339).
(3)
الرد على من أخلد. . . (ص 116).
2 -
وفي الكوكب الساطع على جمع الجوامع (1)(مطبوع).
3 -
وحسن المحاضرة (2)(مطبوع).
4 -
وطرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة (مخطوط).
5 -
ومسالك الحنفا (3). (مطبوع).
6 -
وفي تحفة المجتهدين بأسماء المجددين (4)(مخطوط).
(وهي منظومة ادعى السيوطي فيها أنه مجدد المائة التاسعة)
قال فيها:
وهَذِهِ تاسِعَةُ المئِيْنِ قَدْ
…
أَتَتْ ولا يُخلَفُ ما الهَادي وَعَدْ
وَقَدْ رَجَوتُ أَنّي المُجَدِدُ
…
فِيها فَفَضْلُ اللَّه لَيْسَ يُجْحَدْ
قال أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في حواشيه على الموطأ: "والسيوطي حقيق بأن يعد من مجددي الملة المحمدية في بدء المائة العاشرة، وآخر التاسعة، كما ادعاه بنفسه"(5). وهذا التجديد وإن سلَّمنا به، إلا أنه في غير العقيدة كما تقدم في "عقيدته".
(1) الكوكب الساطع (ص).
(2)
حسن المحاضرة (1/ 339).
(3)
مسالك الحنفا مطبوع ضمن الفتاوى (2/ 202).
(4)
نقلها بكمالها د/ الشكعة في كتابه السيوطي (ص 122، ص 123).
(5)
فهرس الفهارس (2/ 1019).
وقال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: "والحق أنّ السيوطي أهل للاجتهاد المطلق، وقد كملت عنده أدواته على ما اشترطه الأصوليون. . . "(1).
حينما ادعى السيوطي الاجتهاد المطلق نابذه معاصروه العداء، ورموه عن قوس واحدة، واجتمعوا وكتبوا له سؤالا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين، وطلبوا منه -إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد، وهو اجتهاد الفتوى- فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين، فرد السؤال من غير كتابة، واعتذر بأنّ له اشتغالًا يمنعه من النظر في ذلك (2).
وقال الشمس الرملي عن والده أبي العباس الرملي أنه وقف على ثمانية عشر مسألة فقهية سئل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة، فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم متأخرين كالزركشي، واعتذر عن الباقي، بأنّ الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل، أو فاسق، قال الشمس: فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه! ! .
فقلت: سبحان اللَّه، رجل ادعى الاجتهاد خفي عليه ذلك (3).
وعلى كل حال فواقع السيوطي، وما نقل إلينا من علمه،
(1) مقدمته على التدريب (1/ 23).
(2)
دليل مخطوطات السيوطي (ص 18).
(3)
فيض القدير (1/ 12).
ومصنفاته تشهد له بالإمامة في علوم الشريعة والتقدم، وأنه عالم موسوعي، حافظ جماع، "له الباع الطويل في العربية، والتفسير بالمأثور، وجمع المتون، والاطلاع على كثير من المؤلفات، والأجزاء، والتآليف التي لم يطلع عليها علماء عصره"(1).
ولكن يبقى سؤال يدور في خَلَد العالم والمتعلم وهو: لماذا كان السيوطي شديد الاعتداد لمه، مفاخرًا بعلمه -حتى ولو بلغ درجة الاجتهاد كما قال- علمًا بأنّ علماء السلف مِمَّن مضى كانوا يكرهون تزكية النفس، ويكرهون الشهرة آخذين بقول اللَّه تعالى:
{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ. . . .} (2) الآية؟
والجواب: "أن المتتبع لحياة السيوطي العلمية والاجتماعية يجد أن الرجل كان واقعًا تحت ضغوط التهجم المستمر من بعض علماء زمانه، وهو دائمًا متهم بالسرقة منهم أو من غيرهم، وهو من كل الاتهامات بريء، فكان عليه أن يدفع عن نفسه تلك التهم بشكل يكاد يكون متواصلًا"(3): فلعل هذا من الأسباب التي جعلته يظهر ما أظهر من دعوى الاجتهاد، وأن مخالفيه لم يبلغوا هذه المرتبة.
(1) دليل مخطوطات السيوطي (ص 18).
(2)
سورة النجم: الآية 32.
(3)
كتاب الجلال السيوطي د/ الشكعة (ص 119).