الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: السنة مكانتها وحجيتها
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1) سورة آل عمران: الآية 102.
(2)
سورة النساء: آية 1
(3)
سورة الأحزاب: الآية 70 - 71.
أما بعد (1):
فإنّ اللَّه عز وجل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وأمره بتبليغه للناس وبيانه فقال عز وجل:
وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (3).
وقال سبحانه: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (4).
(1) هذه خطبة الحاجة التي علمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه، وهي سنة: يبتدأ بها في النكاح وغيره.
رواها: أبو داود (كتاب النكاح - باب في خطبة النكاح 2/ 591) والترمذي - (كتاب النكاح - باب في خطبة النكاح 3/ 404) وقال: حديث حسن، والنسائي (كتاب النكاح - باب ما يستحب من الكلام عند النكاح 6/ 89) وغيرهم عن جمع من الصحابة، وهو حديث صحيح، وللألباني فيها كتاب سماه "خطبة الحاجة".
(2)
سورة المائدة: 67.
(3)
سورة النحل: 44.
(4)
سورة النحل: 64.
ثم أوجب اللَّه علينا طاعته، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} (1).
وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2).
ومما لا شك فه أنّ الكتاب والسنة أصلان أصيلان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ومنبعان للتشريع متعاضدان.
قال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. . "(3).
وقال أيضًا: "تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب اللَّه، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض"(4).
ولقد تكفل اللَّه عز وجل بحفظ شريعة الإسلام كتابًا وسنة،
(1) سورة الأنفال: 20.
(2)
سورة الحشر: 7.
(3)
حديث صحيح رواه احمد (2/ 377)، وأبو داود (كتاب السنة باب لزوم السنة - 5/ 10)، والترمذي (كتاب العلم - باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم 5/ 37) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (المقدمة - باب تعظيم حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم 1/ 6) وغيرهم.
(4)
حديث صحيح رواه الحاكم (1/ 93)، وعنه البيهقي (10/ 114)، ومالك (2/ 899) بلاغًا. صحيح الجامع (3/ 39)، والصحيحة (4/ 361).
لأنها هي الشريعة التي ارتضاها، وكتب لها الخلود والبقاء إلى يوم القمامة، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1).
وقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (2).
والسنة لها مكانة عالية وكبيرة في الإسلام، فهي الأصل الثاني بعد كتاب اللَّه عز وجل المعتمد في التشريع، وقد جاءت السنة مفسرة لمبهم القرآن، مفصلة لمجمله، مقيدة لمطلقه، مخصصة لعمومه، شارحة لأحكامه وأهدافه ومراميه، وجاءت بأحكام زائدة مستقلة لم ينص عليها القرآن، ولما كان للسنة هذا القدر العظيم في الإسلام فقد اتفق علماء السنة قاطبة على حجيتها.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
"قد وضع اللَّه رسوله صلى الله عليه وسلم من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان -جل ثناؤه- أنه جعله علمًا لدينه بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن بين رسوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالى:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. . .} (3).
(1) سورة الحجر: 9.
(2)
سورة المائدة: 3.
(3)
سورة النساء: 171.
وقال عز وجل:
فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان باللَّه ثم برسوله معه" (2).
وقال الإمام الشوكاني:
"إنّ ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها تشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام"(3).
ومن هذا المنطلق نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يحث أمته على التمسك بسنته، والعناية بها، ويبين لها أنّ التمسك بسنته نجاة من الضلال، وأنّ الوجه إليها بعد الفتور هداية ورشاد (4)،
(1) سورة النور: 62.
(2)
الرسالة: (ص 73 - 75).
(3)
إرشاد الفحول: (ص 29).
(4)
دليل ذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "إن لكل عمل شِرَّة. . . . الحديث".
صحيح على شرط الشيخين رواه الطحاوي في مشكل الآثار (2/ 88)، وأحمد (2/ 188)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 28).
وأن المتمسك بها عند وقوع الفتن له أجر خمسين من الصحابة (1) وأنها من مرجحات الإمامة في الصلاة (2)، وفي أمور أخرى، ويبرأ صلى الله عليه وآله وسلم ممن رغب عنها (3)، ولقد حفظت السنة في أماكن أمينة ومكينة؛ حفظت في صدور رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه من صحابة فتابعين فأتباعهم، فمن بعدهم من علماء هذه الأمة الأفذاذ الذين تشبعت قلوبهم بحب رسولهم فحفظوا السنة ووعوها وعملوا بها، وتفيئوا ظلالها الوارفة، ثم أخرجوا لنا علمًا أصيلًا منها استخرجوه، وعليها بنوه، وحفاظًا لها أصّلوه وهو ما يسمى (بعلم مصطلح الحديث).
(1) حديث صحيح رواه المروزي في السنة (ص 9)، وأبو داود (كتاب الملاحم -باب الأمر والنهي- 4/ 512)، والترمذي (كتاب التفسير - باب ومن سورة المائدة - 5/ 257)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة (كتاب الفتن - باب قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} - 2/ 1330) وغيرهم.
(2)
دليل ذلك حديث ". . فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة. . الحديث". رواه مسلم (كتاب المساجد - باب من أحق بالإمامة - 1/ 465)
(3)
الحديث في ذلك رواه البخاري (كتاب النكاح - باب الترغيب في النكاح 9/ 105)