الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
قواعد في العلل
"
ولنختم هذا الكتاب بكلمات مختصرات، من كلام الأئمة، النقاد، الحفاظ، الأثبات، وهي في هذا العلم كالقواعد الكليات، يدخل تحتها كثير من الجزئيات. والله الموفق للخير، والمعين عليه في كل الحالات.
(1)
قاعدة
الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط، وقد قال أبو عبد الله بن مندة: إذا رأيت في حديث: "فلان الزاهد" فاغسل يدك منه.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث.
وقد ذكرنا ذلك مستوفى فيما تقدم.
والحفاظ منهم قليل. فإذا جاء الحديث من جهة أحد منهم، فليتوقف فيه حتى يتبين أمره.
(2)
قاعدة
الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون
الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده، ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه. وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم، وقد اختصر شريك حديث رافع بن خديج في المزارعة، فأتى به بعبارة أخرى فقال:
"من زرع في أرض (قوم) بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته".
وهذا يشبه كلام الفقهاء.
وكذلك روى حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين من ماء".
وهذا ما رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: أنه كان يتوضأ بالمد، والمد عند أهل الكوفة رطلان.
وكذلك (سليمان) بن موسى الدمشقي، الفقيه، يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة.
وكذلك فقهاء الكوفة، ورأسهم حماد بن أبي سليمان، وأتباعه.
وكذلك الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن نافع الصائغ، صاحب مالك وغيرهم.
قال شعبة: كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ.
قال ابن أبي حاتم: كان الغالب عليه الفقه، ولم يرزق حفظ الآثار.
وقال شعبة ـ أيضاً ـ: كان حماد ومغيرة أحفظ من الحكم، يعني مع سوء حفظ حماد للآثار كان أحفظ من الحكم.
وقال عثمان البتي: كان حماد إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال: قال إبراهيم أخطأ.
قال أبو حاتم الرازي: حماد صدوق، لا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الآثار شوش.
وكان حماد إذا سئل عن شيء من الرأي سر به، فإذا سئل عن الرواية ثقلت عليه وربما كان يسأل عن شيء من حديث إبراهيم فيقول: قد طال العهد بإبراهيم.
قال حماد بن سلمة: كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسنده، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك.
قال حماد بن زيد: قدم علينا حماد البصرة، فجعل فتيان البصرة يسخرون به، فقال له رجل:
ما تقول في رجل وطىء دجاجة ميتة، فخرج منها بيضة؟
وقال له آخر: ما تقول في رجل طلق امرأته ملء سكرجة.
قال ابن حبان: الفقيه إذا حدث من حفظه، وهو ثقة في روايته،
لا يجوز ـ عندي ـ الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون، دون الأسانيد.
وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه، كانوا إذا حفظوا الخبر لا يحفظون إلا متنه. وإذا ذكروه أول أسانيدهم يكون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يذكرون بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحداً.
فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحف الأسماء، وأقلب الأسانيد ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم، لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد.
قلت: هذا إن كان الفقيه حافظاً للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به.
والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمه من المعنى، وأفهام الناس تختلف، ولهذا نرى كثيراً من الفقهاء يتأولون الأحاديث بتأويلات مستبعدة جداً، بحيث يجزم العارف المنصف بأن ذلك المعنى الذي تأول (به) غير مراد بالكلية.
فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه.
وقد سبق أن شريكاً روى حديث الوضوء بالمد بما فهمه من المعنى. وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك.