الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: ولا بدَّ من شكوى، اعلم أنّ العاقل من كتم أمره، ولم يشك لأحد، عملا بقول الأول (1):(من الكامل)
لا تظهرن لعاذل أو عاذر
…
حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين حرارة
…
في القلب مثل شماتة الأعداء
وقال أبو الطيب (2): (من البسيط)
وَلا تَشَكَّ إِلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ
…
شَكوى الجَريحِ إِلى العِقْبانِ وَالرَّخَمِ
عاد الكلام إلى بيت الناظم، ولعمري في بلد بهذه المثابة، لا المثوبة، فحقه أن يفارقها، ولهذا قال أبو الطيب (3):(من البسيط)
شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا أنيسَ بها
…
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ
وأين هذه البلدة التي وصفها الطغرائي من البلدة التي وصفها الحريري (4): (من الطويل)
وجَدْتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً
…
ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ
وأين هؤلاء القوم الذين عاصرهم الطغرائي، وعاشرهم من آل المهلب الذين وصفهم الشاعر (5):(من الطويل)
نَزَلتُ عَلى آلِ المُهَلَّب شاتياً
…
غَريباً عَنِ الأَوطانِ في زَمَنِ المحلِ
فَما زالَ بي إِحسانُهم وجميلهم
…
وَبِرُّهُمُ حَتّى حَسِبتهمُ أَهلي
وزاد القاضي الرشيد بن الزبير (6)، فقال:(من الطويل)
ولما نزلنا في ظلال بيوتهم
…
أمنا ونلنا الخصب في زمنٍ محل
ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم
…
على البر من أهلي حسبتهم أهلي
/
طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي
…
ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ
…
[15 أ]
اللغة: الاغتراب: افتعال، من الغربة، تغرّب واغترب بمعنى، فهو غريب، يقال: اغترب فلان إذا تزوج غير أقاربه، وفي الحديث: اغتربوا لا تضووا، معناه تزوجوا الأباعد، دون الأقارب لئلا يحصل الحياء من القرابة، فيجيء الولد ضئيلا نحيفا؛ لعدم التمكن من الزوجة.
قلت: واستشهد له السهيلي في الروضة بقول الشاعر (7): (من الرجز)
(1) تسب البيتان في الوافي بالوفيات، ص 1646/ (م) لأبي علي بن الشبل، وكذا في فوات الوفيات 3/ 340
(2)
ديوانه 2 262
(3)
ديوانه 2/ 84
(4)
البيت في مقامات الحريري، المقامة الحرامية، ص 424، وفيها: رأيت بها ،
(5)
لأبي الهندي، ديوانه / (م).
(6)
البيتان في الوافي بالوفيات، ص 5324/ (م)
(7)
لجرير، ديوانه، ص 403.
إِنَّ بِلالاً لَم تَشِنهُ أُمُّهُ
…
لَم يَتَناسَب خالُهُ وَعَمُّهُ
وبقول الآخر (1): (من الطويل)
فتًى لم تلِدْه بنتُ عمّ قريبة
…
فيضْوى وقد يَضوى رديدُ القرائبِ
انتهى.
وقد أنشدني في هذا المعنى الشيخ العلامة جمال الدين الشيرازي في سنة ستين بالقاهرة لبعض أهل اليمن (2): (من الخفيف)
إن أَرَدْتَ الإنجابَ فانكِحْ غَريباً
…
وإلى الأقربينَ لا تَتَوسّلْ
فانتقاء الثِّمارِ طيباً وحُسناً
…
ثَمرٌ غصنُهُ غريبٌ مُوَصّلْ
قوله: حنَّ: حنين الناقة صوتها في نزاعها إلى ولدها، والحنين في الآدمي الشوق، الراحلة: الناقة التي تصلح أنْ ترحل، أي يُوضع عليها الرحل، والرحل معروف، وقَرَى: القارية من السنان أعلاه، والعسّالة: الرِّماح، واحدها عَسَّال، عسل الرمح: اهتز واضطرب، الذبل: جمع ذابل، وهو من صفات الرمح، فالذبل صفة بعد أخرى، كأنه يصف الرماح بالخفة والرقة.
الإعراب: طال: فعل ماضٍ، اغترابي: فاعله، ولم يظهر فيه الرفع؛ لإضافته إلى ضمير المتكلم، وحتى هنا بمعنى إلى أن، فهي هنا دخلت على جملة فعلية، حنَّ: فعل ماضٍ أصله حنن، فاجتمع مثلان، سكن أحدهما فأدغم في الآخر، وحذف / تاء التأنيث ضرورة [15 ب] كما قال الشاعر (3):(من المتقارب)
فلا مُزْنةٌَ وَدَقَتْ وَدْقَها
…
ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إبقالَها
كان ينبغي أن يقول: أبقلت؛ لأن الأرض مؤنثة، ولكن اضطره الوزن إلى ذلك فعنى بالأرض المكان، وهو مذكر، وكذلك الطغرائي، عنى بالراحلة الجمل، وهو مذكر، راحلتي: فاعل حنَّ، والضمة مقدرة على التاء؛ لاتصالها بضمير المتكلم، ورحلها: الواو عاطفة، ورحلها معطوف، وهو في موضع جر بالإضافة، وقَرَى كذلك، وهو مرفوع، ولكن لم يظهر الرفع؛ لأنه مقصور، العسَّالة: مجرور بالإضافة إلى قَرَى، والذبل: مجرور على أنه صفة لمجرور، وهو العسَّالة.
المعنى: طال اغترابي، وامتدّ سفري إلى أنْ حنَّت راحلتي، وحنَّ رحلها، وحنَّتْ أعالي رماحي إلى الدّعة والسكون والاستقرار، قال عليه السلام: السَّفر قطعة من العذاب، فإذا
(1) أورد الخالديان البيت في الأشباه والنظائر، ص 328/ (م) بلا عزو، وكذا في الإمتاع والمؤانسة، ص 1/ 94، والبرصان والعرجان، ص 24.
(2)
للباخرزي، ديوانه / (م).
(3)
لعامر بن جوين الطائي، الكامل 2/ 379، 3/ 91خزانة الأدب 1/ 45
قضى أحدكم نهمته فليعجل الرجوع إلى أهله، ومما يؤكد مشقة الغربة قوله عليه السلام: موت الغربة شهادة، لأنه حصل له ما حصل للقتيل في سبيل الله عز وجل، والمبطون والمطعون، والغريق والميت عشقا، والميتة في الطلق.
قلت: ثم اعلم أنَّ الميت على أربعة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة، وليس شهيد فيهما، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وعكسه، فالأول مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والثاني مَنْ مات حتف أنفه، وشهيد في الدنيا دون الآخرة مَنْ قُتل رياءً وسمعة؛ فيجري عليه في الدنيا أحكام الشُّهداء مِنْ عدم غسله، والصلاة عليه، وفي الآخرة لا يكون مع المخلصين، وعكسه المبطون، والغريق، والغريب، ومن ذكر / آنفا، ففي الدنيا لا نعطيه حكم [16 أ] الشهداء، بل هو في الآخرة مع الشهداء، واعلم أنَّ الميت عشقا ليس للفقهاء دليل على أنه شهيد إلاّ حديث: مَنْ عشِق فعفَّ (1)، وقد رواه الدارمي في جزئه، وفي طريقه سويد بن سعيد الحدثاني، وهو من شيوخ مسلم، إلاّ أنَّ يحيى بن معين ضعَّفه، وقال فيه: لو ملكت فرسا ورُمحا لقاتلته بسبب هذا الحديث.
قال الشارح: ورأيت بعض الناس إنما سُمِّي نور الدين الشهيد؛ لأنه أحبَّ مملوكا، وعفَّ عنه؛ فأكمده الحب؛ فقتله:(من الطويل)
خليليَّ هل خُبِّرتُما أوْ سمعْتُما
…
بأنَّ قتيلَ الغانياتِ شهيدُ (2)
وقد استعار الناظم الحنين للرحل، كما استعاره لصدور الأسنة من الرماح؛ طلبا للمبالغة، لأنه إذا كانت الأشياء التي لا تعقل، ولا تدرك، حصل منها الحنين، فالعاقل المدرك بطريق أولى، كما قال أبو الطيب (3):(من الطويل)
يُخَيَّلُ لي أَنَّ البِلادَ مَسامِعي
…
وَأَنِّيَ فيها ما تَقولُ العَواذِلُ
معناه أنّ العاذل ما له كلمة مستقرّة في أذن المحب، قد كان الناظم من كثرة الأسفار كما قال الشاعر (4):(من البسيط)
كَريشَةٍ بِمَهَبِّ الريحِ ساقِطَةٍ
…
لا تَستَقِرُّ عَلى حالٍ مِنَ القَلَقِ
وقال ابن اللبانة (5): (من البسيط)
كأنما الأرض عني غير راضية
…
فليس لي وطن فيها ولا وطر
وبالغ شهاب الدين المناوي في قوله (6): (من البسيط)
(1) وتمامه: من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد
(2)
ذكر ابن أبي حجلة هذا البيت في ديوان الصبابة، ص 564/ (م)، بلا عزو، وكذا السيوطي في كتابه الأزهار فيما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار، ص 72/ (م).
(3)
ديوانه 1/ 78
(4)
للمتنبي، ديوانه 1/ 275
(5)
ديوانه / (م)
(6)
البيتان في الغيث المسجم 1/ 170