المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت…بقسوة البأس فيه رقة الغزل - شرح لامية العجم للدميري

[الدميري]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة الدميري

- ‌[متن] لامية العجم

- ‌[المقدمة]

- ‌[ترجمة الطغرائي]

- ‌فصل فيما يتعلق بترجمة الطغرائي

- ‌فصل في ذكر شيء من شعر الطغرائي

- ‌[شرح القصيدة بيتا بيتا]

- ‌أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ…وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ

- ‌مجدي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ…والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ

- ‌فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني…بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي

- ‌نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ…كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ

- ‌فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي…ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي

- ‌طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي…ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ

- ‌وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما…يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي

- ‌أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها…على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي

- ‌والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني…من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ [

- ‌وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ…بمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ

- ‌حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ…بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ

- ‌طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه…والليلُ أغرَى سوامَ النومِ بالمُقَلِ

- ‌والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ…صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ

- ‌فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي…وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ

- ‌تنامُ عنِّي وعينُ النجمِ ساهرةٌ…وتستحيلُ وصِبغُ الليلِ لم يَحُلِ

- ‌فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ…والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشَلِ

- ‌إني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ…وقد حَماهُ رُماةٌ الحيِّ من ثُعَلِ

- ‌يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ به…سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ

- ‌فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُعْتَسِفَاً…فنفحةُ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ

- ‌فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ…حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ

- ‌نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ…نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ

- ‌قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها…ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ

- ‌تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ…حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ

- ‌يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بها…وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ

- ‌يُشفَى لديغُ العوالِي في بُيوتهِمُ…بنهلةٍ من غَدِيْرِ الخَمْرِ والعَسَلِ

- ‌لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً…يدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ في عللي

- ‌لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ…برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ

- ‌ولا أهابُ الصِّفاح البِيض تُسعِدُني…باللمحِ من خلل الأستار والكِلَلِ

- ‌ولا أخِلُّ بغِزلان أغازِلُها…ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ

- ‌حبُّ السلامةِ يَثْني همَّ صاحِبه…عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ

- ‌فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً…في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ

- ‌ودَعْ غمارَ العُلى للمقديمن على…ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ

- ‌رضَى الذليلِ بخفضِ العيشِ مَسْكَنَةٌ…والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ

- ‌فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً…معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدَلِ

- ‌إنَّ العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ…في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ

- ‌لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً…لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ

- ‌أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً…والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ

- ‌لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ…لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي

- ‌أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها…ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

- ‌لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ…فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ

- ‌غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها…فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ

- ‌وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه…وليس يعملُ إلَاّ في يدَيْ بَطَلِ

- ‌ما كنتُ أُوثِرُ أنْ يمتدَّ بي زمني…حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ

- ‌تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ…وراءَ خطويَ إذ أمشي على مَهَلِ

- ‌هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا…من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ

- ‌وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ…لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ

- ‌فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ…في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ

- ‌أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به…فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ

- ‌وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها…من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ

- ‌وحُسْنُ ظَنِّكَ بالأيام مَعْجَزَةٌ…فظُنَّ شَرّاً وكنْ منها على وَجَلِ

- ‌غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ…مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ

- ‌وشانَ صدقَك عند الناس كِذبُهمُ…وهل يُطابَقُ معوَجٌّ بمعتَدِلِ

- ‌إن كان ينجعُ شيءٌ في ثباتِهم…على العُهودِ فسبَقُ السيفِ للعَذَلِ

- ‌يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ…أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ

- ‌فيمَ اقتحامكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ…وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ

- ‌مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا…يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ

- ‌ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها…فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ

- ‌ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً…اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ

- ‌قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ…فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ

- ‌[الخاتمة]

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت…بقسوة البأس فيه رقة الغزل

في هذه الألفاظ القلائل، وقد جاء مثل الطغرائي بمثله كثير في كلام الشعراء (1)، كقول أبي تمام (2):(من الطويل)

وَرَكبٍ كَأَطرافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسوا

عَلى مِثلِها وَاللَيلُ تَسطو غَياهِبُه

فاستغنى بقوله: بمثلها من أن يقول: على نوق كأطراف الأسنة.

قال الشارح: وقريب من هذه المادة، أعني قول الطغرائي وغيره بمثله، قول أبي العتاهية فيما أظن (3):(من الرمل)

حُلِقَتْ لِحيَةُ موسى بِاسمِهِ

وَبِهارونَ إِذا ما قُلِبا

إنّ هارون إذا ما قلبا

صيّر الذقن سريعا عجبا

كتب الشيخ جمال الدين الموقاني إلى جمال الدين موسى بن يعمور، وقد أهدى له موسى:(من الطويل)

وأهديت موسى نحو موسى وإن يكن

قد اشتركا في الاسم ما أخطأ العبدُ (4)

فهذا له حَدٌّ ولا فضلَ عنده

وهذا له فضلٌ وليس له حدُّ

وقال الشارح ملغزا في موسى (5): (مخلع البسيط)

رأيت في جلَّقٍٍ غزالاً تحار في جسنه العيون

فقلت ما الاسم قال موسى قلت هنا تُحلقُ الذُّقون

ومن محاسن الأجوبة أنّ بعضهم أراد أن يشتري جارية عُرِضَتْ عليه، فقال لها: كم دُفِع فيكِ، فقالت:/ وما يعلم جنود ربك إلاّ هو.

[26 أ]

وقيل: إنّ رجلاً رمى عصفورا فأخطأه، فقال آخر: أحسنت، فغضب وقال: أتهزأ بي، قال: لا، إنما قلت أحسنت إلى العصفور.

قال المدائني: قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: العلم من عندنا خرج، قال: صدقت، إلاّ أنه لم يرجع إليكم.

‌حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ

بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ

(1) هذه العبارة ركيكة، وقد جاءت في الغيث المسجم 1/ 260 هكذا: ومثل قول الطغرائي بمثله في كلام الشعراء كثير.

(2)

ديوانه، ص 48

(3)

لم أجدهما في المطبوع من ديوانه، والبيت الأول فقط في الغيث المسجم 1/ 261.

(4)

البيت في الغيث المسجم 1/ 261

(5)

لقد أخطا الدميري هنا، فهذان البيتان لجمال الدين محمد بن نباتة، ديوانه / (م) أمَّا بيتا الصفدي ـ الشارح ـ فهما:

وما شيءٌ له حدٌّ وخدٌّ

يكلِّم مَنْ يلامسُه بحقِّهْ

وكلٌّ حلقُه من تحت رأسٍ

وهذا الرأس يصبح تحت حلقه.

ومرجع الخطأ أن بيتي ابن نباتة جاءا بعد بيتي الصفدي، فوقعت عين المختصِر ـ الدميري ـ علي بيتي ابن نباتة، انظر الغيث المسجم 1/ 262

ص: 45

اللغة: الحلو: نقيض المر، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، فهو حلوٌ، واحلولى افعوعل على مثله، وقد عدَّاه حميد بن ثور في قوله (1):(من الطويل)

فَلمّا أَتى عامانِ بَعدَ فِصالِهِ

عَن الضّرع واحلولى دِماثاً يَرودُها

ولم يجئ افعوعل متعديا إلاّ هذا، وحرف آخر، وهو اعروربت الفرس، والطعوم تسعة، وهي: الحلو، والمرّ: والحامض، والمِزّ، والمالح، والحريف، والعفص، والدسم، والتفه، وما أرشق قول البدر يوسف (2):(المجتث)

يا عاذلي في هواه

إذا بدا كيف أسلو

يمر بي كل وقت

وكلما مر يحلو

فائدة: قولهم: فلان يحبّ الحموضة، معناه يحب الدبر؛ لأن الإحماض في اللغة الانتقال من شيء إلى شيء؛ لأن الإبل إذا ملّت الخلة اشتهت الحمض، فتُحوَّل إليه، وفي حديث الزهري: الأذن مجاجة، وللنفس حمضة، أي شهوة الانتقال، فكأنّ اللاّئط انتقل من الأمر الطبيعي المعتاد إلى غيره، الفكاهة بالضم: المزاح، وبالكسر طيب النفس، والجد: نقيض الهزل، وهو الاجنهاد في الأمور، والمزج: الخلط، والشدة: ضد اللين، والبأس: الشجاعة، والرقة: ضد الغلظ، والغزل: معازلة النسوان، وهي محادثتهن / ومراودتهن، وتغزّل إذا تكلف الغزل، وزعم بعض الأدباء أن الغزل في [26 ب] الذكور، والنسيب (3) في الإناث.

الإعراب: حلو: صفة لذي في البيت الذي تقدّم، الفكاهة: مجرور بالإضافة، وهذه لفظية، وليست بمعنى من، مرّ الجد: صفة أخرى، الجد: مضاف إليه، والكلام فيه كالكلام فيما تقدم، قد مزجت: قد حرف يصحب الأفعال، ويقرب الماضي من الحال، وهي لتحقيق الفعل، مزجت: فعل مبني لما لم يُسم فاعله، والتاء: علامة التأنيث للفاعل، بشدة البأس: جار ومجرور، ومضاف، والإضافة بمعنى اللام، منه: جار ومجرور، رقة الغزل: رقة مرفوع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، والغزل: مضاف إليه، والإضافة بمعنى اللام، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: قد مزجت رقة الغزل بشدة البأس، والجملة كلها في موضع الجر على أنها صفة لذي، تقديره: ممزوجة فيه رقة الغزل.

(1) ديوانه (م)

(2)

ابن لؤلؤ 607 - 680 هـ / 1210 - 1281 م

يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله الذهبي، بدر الدين. من شعراء الدولة الناصرية بدمشق، ووفاته بها، كان كثير المقطعات اللطيفة، كقوله:

وكان أبوه (لؤلؤ) مملوكاً، أعتقه الأمير بدر الدين صاحب (تل باشر) في شمالي حلب. ديوانه (م).

(3)

في الغيث المسجم 1/ 270: التشبيب.

ص: 46

المعنى: إنه صاحب حلو المزاح، طيّب الأخلاق، كريه الجد، وهذه صفة مدح؛ لأن الشدة في الاجتهاد محمودة، فهو قد مزجت فيه الحلاوة من رقة الغزل، بالمرارة من شدة البأس، وما أحق صاحب هذا المعنى بقول القائل (1):(من الطويل)

وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لانَ مَتْنُهُ

وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خشنانِ

وقد كان صلى الله عليه وسلم يباسط أصحابه وجلساءه، ويمزح حقاً، ويلين جانبه لمن حضره ويؤنسه، فإذا كانت الحرب، واشتد البأس، وحمي الوطيس يَقدُمُ أصحابه، ولقي بنفسه، ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم إذا جرّد سيفه لا يغمده حتى ينال به من عدوه، وتحريم الهزيمة عليه من العدّ في الحرب، ولا شكّ في لطفه ورحمته / وحنوه على قومه، [27 أ] وهم كافرون، يؤذونه ويكذبونه، ويصدّون عنه، ويحاربونه، وهو يحلم عليهم، ويشقّ عليه عنادهم، قال الله تعالى:[عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ](2)، قال عليه السلام لما اتفق ما اتفق: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى وصفه الله تعالى بكمال الأوصاف، فقال تعالى:[وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ](3) ثناء على صفته الحميدة، وخلاله الجميلة، وكان عليه السلام أشد حياء من العذراء في خدرها، ولا شكّ أنه صلى الله عليه وسلم من النجدة والشجاعة والبأس والإقدام ولقاء العدو في الغاية التي تكبو دونها سوابق الأبطال، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كنَّا إذا اشتد الحرب اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقربنا إلى العدو، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثرقوة أبي بن خلف من فرجة من سابغة الدرع، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إنْ نجا، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بحربته، فوقع أبيٌّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، ومع هذا فقد مزح النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل إلاّ حقا.

قال الشارح: وفي سيرة الذهبي التي قرأتها عليه في ضمن كتاب التاريخ، قال زيد بن أبي الزرقاء (4) عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس، تفرد به ابن لهيعة، وضعفه معروف، وجاء من طريق آخر لابن لهيعة: كان النبي صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع صبي (5)، انتهى.

(1) نسب هذا البيت لكل من: أبي الشيص الخزاعي، وبشار بن برد، وليلى الأخيلية، وهو في دواوينهم / (م)

(2)

التوبة 128

(3)

القلم 4

(4)

المكتوب في المخطوط: ابن أبي الوفا، وفي الغيث المسجم 1/ 273: ابن أبي أوفى، وما أثبتناه من تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 134/ المكتبة الشاملة

(5)

تاريخ الإسلام ـ الذهبي 1/ 129، 134 / المكتبة الشاملة.

ص: 47

وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله احملني على حمار (1)، قال: أحملك / على ولد [27 ب] الناقة، قالت: لا يطيقني، قال لها الناس: وهل الجمل إلاّ ولد الناقة، وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي مريض، وهو يدعوك، فقال لها: لعل زوجك الذي في عينيه بياض، فرجعت وفتحت عين زوجها، فقال: مالك، قالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينيك بياضا، فقال: وهل أحدٌ إلاّ وفي عينيه بياض، وقالت أخرى: يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أمّ فلان إنّ الجنة لا يدخلها عجوز، فولّت وهي تبكي، فقال عليه السلام: أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى قال:[إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا](2)، وبالجملة فصفاته وشمائله، وما انطوى عليه أجلّ من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهرها نظم، أو رصف، فلو جرى القلم إلى أن يحفى، وصرّ لسانه إلى أن يخفت ويخفى، ما جنى زهرا أنبتته حدائق تلك الحقائق، ولا التقط درّاً ملأ حقائب هاتيك الخلائق، إن في الموج للغريق لعذرا واضحا أن يفوته تعداده.

وروى الشارح بإسناده عن ابن سيد الناس إلى حريم بن أوس، قال: كنا عند رسول تالله صلى الله عليه وسلم فقال له عمه العباس: يا رسول الله إني أُريد أن أمتدِحك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل لا يفضض الله فاك (3)، فأنشأ يقول:(من المنسرح)

مِن قَبلِها طِبتَ في الظِلالِ وَفي

مُستَودَعٍ حَيثُ يُخصَفُ الوَرَقُ (4)

ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ

أنتَ ولا مضغةٌ ولا عَلَقُ

بل نطفةٌ تركبُ السّفين وقد

ألجمَ نسراً وأهلَه الغرقُ (5)

تنقَّلُ من صلبٍ إلى رحم

إذا مضى عالمٌ بدا طبقُ

/حتّى احتوى بيتك المهيمن منْ

خندف علياء تحتها النّطق [28 أ]

وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الْـ

ـأَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ

فنحن في ذلك الضّياء وفي النّـ

000

ور وسبل الرّشاد تخترق

عاد الكلام إلى بيت الطغرائي، هذه الصفات التي ذكرها قلَّ ما تجتمع في إنسان إلاّ مَن خصّه الله بهذه الموهبة؛ لأنها مع تضادها محمودة، ولا يتفق ذلك إلاّ مِن اعتدال المزاج، وقول الناظم هذا يشبه قول أبي تمام (6):(من الكامل)

(1) في الغيث المسجم 1/ 273 احماني على جمل.

(2)

الواقعة 35 ـ 37

(3)

انظر تاريخ الإسلام ـ الذهبي 1/ 8 / المكتبة الشاملة.

(4)

نسب البيتان الأول والسادس للعباس بن مرداس، وهما في ديوانه / الموسوعة الشعرية.

(5)

يشير بقوله نسرا إلى صنم قوم نوح المذكور في آية [وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا]

نوح 23

(6)

ديوانه، ص 23

ص: 48

الجِدُّ شيمَتُهُ وَفيهِ فُكاهَةٌ

سُجُحٌ وَلا جِدٌّ لِمَن لَم يَلعَبِ

شَرِسٌ وَيُتبَعُ ذاكَ لينَ خَليقَةٍ

لا خَيرَ في الصَهباءِ ما لَم تُقطَبِ

ما أحسن قوله: لا خير في الصهباء ما لم تقطب؛ لأن الخمرة إذا كانت صرفا كانت حادة، لا يمكن استعمالها، فإذا مُزجت بالماء، وهو طبع بارد، تولّد عنها كيفية أخرى، تقارب الاعتدال، فأمكن استعمالها.

وقول أبي تمام الطائي أيضا (1): (من الكامل)

لا طائِشٌ تَهفو خَلائِقُهُ وَلا

خَشِنُ الوَقارِ كَأَنَّهُ في مَحفِلِ

فَكِهٌ يُجِمُّ الجِدَّ أَحياناً وَقَد

يُنضى وَيُهزَلُ عَيشُ مَن لَم يَهزِلِ

وفي بيت الطغرائي من حسن الصناعة ما يشهد لقائله بفوز قدحه في البلاغة، فإنه جمع فيه بين ثمانية أشياء: الحلاوة، والمرارة، والفكاهة، والمزج، والجد، والقسوة، والرقة، والبأس، والغزل، وهي ثمانية لم تجتمع لغيره بهذا الانسجام والعذوبة، وأرباب البديع يسمون هذا النوع بالمقابلة، واستشهدوا فيه بقوله تعالى:[فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى](2) الآيتين، في كل آية ما يقابل الأخرى، هكذا قرره الجميع، ومن أحسن ما استشهدوا به في هذا النوع قول أبي الطيب (3):(من البسيط)

أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ لي

وَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي

قالوا: قابل / فيه خمسة بخمسة، وهي: أزورهم مقابل وأنثني، وسواد مقابل بياض، والليل مقابل الصبح، ويشفع لي مقابل يغري بي، والخامسة لفظة لي تقابل لفظة بي؛ لأن الشفاعة له، ضدّ الإغراء به، كأنه قال: ذلك لي، وهذا عليَّ.

قال الشاعر (4): (من المتقارب)

فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا

وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَر

ألا تراه قابل ما عليهم بما لهم، لما في ذلك من الإساءة والسرور، وقد أخذ بعضهم قول أبي الطيب أخذا مليحاً، فقال (5):(من الكامل)

أقلي النهار إذا أضاء صباحه

وأظل أنتظر الظلام الدامسا

فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكا

والليل يرثى لي فيدبر عابسا

وفيه مقابلة خمسة بخمسة.

(1) ديوانه، ص 221

(2)

الليل 5

(3)

ديوانه 2/ 210

(4)

للنمر بن تولب، ديوانه، ص 57.

(5)

البيتان في ديوان الصبابة، ص 273/ (م)، وفي الغيث المسجم 1/ 283

ص: 49