المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فقلت أدعوك للجلى لتنصرني…وأنت تخذلني في الحادث الجلل - شرح لامية العجم للدميري

[الدميري]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة الدميري

- ‌[متن] لامية العجم

- ‌[المقدمة]

- ‌[ترجمة الطغرائي]

- ‌فصل فيما يتعلق بترجمة الطغرائي

- ‌فصل في ذكر شيء من شعر الطغرائي

- ‌[شرح القصيدة بيتا بيتا]

- ‌أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ…وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ

- ‌مجدي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ…والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ

- ‌فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني…بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي

- ‌نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ…كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ

- ‌فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي…ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي

- ‌طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي…ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ

- ‌وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما…يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي

- ‌أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها…على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي

- ‌والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني…من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ [

- ‌وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ…بمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ

- ‌حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ…بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ

- ‌طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه…والليلُ أغرَى سوامَ النومِ بالمُقَلِ

- ‌والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ…صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ

- ‌فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي…وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ

- ‌تنامُ عنِّي وعينُ النجمِ ساهرةٌ…وتستحيلُ وصِبغُ الليلِ لم يَحُلِ

- ‌فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ…والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشَلِ

- ‌إني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ…وقد حَماهُ رُماةٌ الحيِّ من ثُعَلِ

- ‌يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ به…سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ

- ‌فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُعْتَسِفَاً…فنفحةُ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ

- ‌فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ…حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ

- ‌نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ…نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ

- ‌قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها…ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ

- ‌تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ…حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ

- ‌يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بها…وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ

- ‌يُشفَى لديغُ العوالِي في بُيوتهِمُ…بنهلةٍ من غَدِيْرِ الخَمْرِ والعَسَلِ

- ‌لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً…يدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ في عللي

- ‌لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ…برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ

- ‌ولا أهابُ الصِّفاح البِيض تُسعِدُني…باللمحِ من خلل الأستار والكِلَلِ

- ‌ولا أخِلُّ بغِزلان أغازِلُها…ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ

- ‌حبُّ السلامةِ يَثْني همَّ صاحِبه…عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ

- ‌فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً…في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ

- ‌ودَعْ غمارَ العُلى للمقديمن على…ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ

- ‌رضَى الذليلِ بخفضِ العيشِ مَسْكَنَةٌ…والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ

- ‌فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً…معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدَلِ

- ‌إنَّ العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ…في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ

- ‌لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً…لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ

- ‌أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً…والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ

- ‌لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ…لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي

- ‌أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها…ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

- ‌لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ…فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ

- ‌غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها…فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ

- ‌وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه…وليس يعملُ إلَاّ في يدَيْ بَطَلِ

- ‌ما كنتُ أُوثِرُ أنْ يمتدَّ بي زمني…حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ

- ‌تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ…وراءَ خطويَ إذ أمشي على مَهَلِ

- ‌هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا…من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ

- ‌وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ…لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ

- ‌فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ…في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ

- ‌أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به…فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ

- ‌وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها…من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ

- ‌وحُسْنُ ظَنِّكَ بالأيام مَعْجَزَةٌ…فظُنَّ شَرّاً وكنْ منها على وَجَلِ

- ‌غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ…مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ

- ‌وشانَ صدقَك عند الناس كِذبُهمُ…وهل يُطابَقُ معوَجٌّ بمعتَدِلِ

- ‌إن كان ينجعُ شيءٌ في ثباتِهم…على العُهودِ فسبَقُ السيفِ للعَذَلِ

- ‌يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ…أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ

- ‌فيمَ اقتحامكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ…وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ

- ‌مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا…يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ

- ‌ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها…فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ

- ‌ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً…اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ

- ‌قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ…فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ

- ‌[الخاتمة]

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌فقلت أدعوك للجلى لتنصرني…وأنت تخذلني في الحادث الجلل

أشتهى أن يكونَ عنْدِي وفي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلِّي عَلَيهِ

‌فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي

وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ

اللغة: دعوته: صِحتُ به، الجلى: الأمر العظيم، وجمعها جُلل، مثل كُبرى وكُبَر، قال جرير (1):(من البسيط)

وإنْ دعوتِ إلى جُلّى ومكرُمَةٍ يوما كراماً من الأقوامِ فادعينا

والنصرة: ضد الخذلان في الحرب وغيرها، وهي الإعانة على في ما أهم، وفي الحديث: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، خذلته: الخذلان معروف، الحادث الجلل: الواقع العظيم من الدهر.

قال الشاعر (2): (من الكامل المرفل)

فلئن عفوت لأعفون جللاً

ولئن سطوت لأوهنن عظمي

والجلل أيضا: الهيّن، فهو من الأضداد، قال امرؤ القيس لمَّا قُتل أبوه (3):

(من منهوك الكامل)

أَََلَا كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ جَلَلْ

والمراد به هنا في كلام الطغرائي الواقع العظيم.

الإعراب: الفاء: للتعقيب، أي عقبت طرد الكرى بقولي، والمعنى فالتفت إليّ، فقلت له، أو لم يلتفت إليّ فقلت له، وما أحسن الفاء التي تكررت في قول الشنفرى (4):(من الطويل)

بعينَيَّ ما أمْسَتْ فباتَتْ فأصبحَتْ

فقضتْ أموراً فاستقلتْ فولتِ

ومن ألطف ما في هذا الباب قول شمس الدين محمد بن عفيف / الدين التلمساني (5): [32 ب]

(من البسيط)

لِلْعاشِقينَ بِأَحْكَامِ الغَرَامِ رِضَا

فَلا تَكُنْ يا فَتى بِالعَذْلِ مُعْتَرِضا

رُوحي الفِدَاءُ لأَحْبابي وَإِنْ نَقَضُوا

عَهْدَ الوفيِّ الَّذي لِلْعَهْدِ مَا نَقَضَا

قِفْ واسْتَمِعْ رَاحِماً أخْبَارَ مَنْ قُتِلوا

فَماتَ في حُبِّهِم لَمْ يَبْلُغِ الغَرَضَا

رَأَى فَحبَّ فَرامَ الوَصْلَ فامْتَنَعُوا

فَسامَ صَبْراً فَعْيَا نَيْلُهُ فَقَضَى

(1) لم أجده في المطبوع من ديوانه، وقد نسب للمرقش الأكبر، كما نسب لنهشل بن حَرِّي، وروايته في ديوانيهما:

وَإِن دَعَوتِ إِلى جُلّى وَمَكرُمَةٍ

يَوماً سُراةَ كِرامِ الناسِ فَاِدعينا

(2)

نسبه العبيدي في التذكرة السعدية، ص 30 / (م)

للحارث بن وعلة الذهلي، وكذا البكري في اللآلي في شرح أمالي القالي، ص 508 / (م).

(3)

عجز بيت، وصدره: بقَتْل بَني أَسَدٍ رَبَّهُمْ، ولم أجده في المطبوع من ديوانه، وهو في الشعر والشعراء، ص 51

(4)

ديوانه (م)

(5)

ديوانه (م).

ص: 56

الإعراب (1): فقلت: فعل ماض وفاعل، أدعوك: فعل مضارع، والكاف ضمير المفعول، للجلى: جار ومجرور، واللام للتعدية، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف؛ لأنه مقصور، وموضعها النصب على المفعول، لتنصرني: اللام لام كي، فهي تنصب الفعل المضارع، فالفعل منصوب بها، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول.

وما أحلى قول شرف الدين بن الفارض (2): (من الرمل)

نَصباً أكسبَني الشّوقُ كما

تُكْسِبُ الأفعالَ نَصباً لامُ كَي

وأحسن منه قول شمس الدين التلمساني (3): (من المتقارب)

وَمُسْتَترٍ مِنْ سَنَا وَجْهِهِ

بِشَمْسٍ لَهَا ذَلِكَ الصُّدْغُ فيْ

كَوَى القَلْبَ مِنِّي بِلامِ العِذا

رِ فَعَرَّفني أَنَّها لامُ كَيْ

وأنت: الواو واو الابتداء، وأنت اسم مضمر في موضع رفع بالابتداء.

قيل: سمع المازني قرقرة في بطن إنسان، فقال: هذه ضرطة مضمرة، تخذلني: فعل مضارع مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول، والجملة في موضع الخبر لأنت، في الحادث: جار ومجرور في موضع نصب على أنه ظرف لتخذلني، فتقديره: تخذلني وقت الحادث، الجلل: مجرور على أنه صفة للحادث، وقوله: أدعوك للجلى .... إلى آخره، البيت، في موضع نصب لقوله: فقلت.

المعنى: فقلت له مستفهما: أدعوك للأمر العظيم؛ طالبا / نصرتك، وأنت تخذلني [33 أ] في هذا الأمر العظيم، فهذا استفهام ومعناه التوبيخ، كقوله تعالى:[وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ](4) الآية، الاستفهام هنا للمسيح على الملام، والتوبيخ للنصارى، والاستفهام هنا من المسيح أبلغ من الاستفهام من النصارى؛ لأنه يحتمل أنهم يقولون: نعم كذا قال، فيرجع للمسيح على الملام، ويستفهم منه، فابتدئ بالاستفهام منه في أول الأمر، فيرى الأمر يفضي إلى آخره، فيجعل آخره أولا، وبالجملة فهذه القصة يحتمل الكلام عليها مجلدا لطيفا؛ لأنها قد تضمنت من البلاغة والحكم ما يعجز المتكلمون عن استغراق ذلك، واستخراج جواهره، واستنباط معانيه، [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا](5) فسبحان مَن أنزله هدىً ورحمة.

(1) كرر هنا قوله الإعراب، وربما نسي أنه ذكر ذلك، ولو قال عود إلى الإعراب لكان أفضل.

(2)

ديوانه (م).

(3)

ديوانه (م).

(4)

المائدة 116

(5)

الكهف 109

ص: 57

رجعنا إلى كلام الطغرائي، اعلم أنه قد جُبلت النفوس الأبية على تحقيق الظنون بها، وتصديق الأمل فيها، والرجاء فيما يُطلب منها من نصرة وإعانة وإزالة ضرورة، وسدّ خلة، وغير ذلك، والنفوس اللئيمة بخلاف ذلك، تكذِّب الظنون فيها، وحسن الظن بالله أمر واجب، قال عليه السلام: لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله، وروي عن أحد أهل البيت أنه لمَّا حضرته الوفاة قال: يا بني اقرأ عليّ الرخص لأموت وأنا أُحسن الظن بالله تعالى، وقال علي كرم الله وجهه: حسن الظن بالله أن لا ترجو إلاّ الله، ولا تخاف إلاّ ذنبك، وأنشد الشهاب محمود لنفسه:(مجزوء الرمل)

قيل ما أعددت للحتـ

ـف فقد جئت محله (1)

قلت أعددت من التو

حيد حسن الظن بالله

وقال ابن سيد الناس: (من البسيط)

/ فقري لمعروفك المعروفِ يغنيني

يا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني [33 ب]

إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍ

نجا بإدراكه الناجون من دوني

أو غضّ من أملي ما ساءَ من عملي

فإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني (2)

ويتعين على ذوي المروءات احتمال الأذى والضرر في تصديق أمل الآمل، وتحقيق رجائه، وإيصاله إلى مآربه، وتبليغه مقاصده، فإنه:(من البسيط)

لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ

الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ (3)

ومن الكلم النوابغ: محك المودة والإخاء، حال الشدة لا الرخاء، ولهذا قال الشاعر (4):

(من الكامل)

دعوى الاخاء على الرخاء كثيرةً

بل في الشدائد تعرف الأخوانُ

قيل إنّ يوسف الصديق عليه السلام لمَّا خرج من السجن كتب على بابه: هذا قبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء.

على أنّ الإنسان يتعين عليه التفرس أولاً، والتكهن (5) ليختار لحاجته مَن ينهض بحملها، ويقوم بكلّها؛ حتى تنزل من جانبه بالرحب، ويتلقّاها بالبشر، ويكون بها كفيلا، قال أبو الطيب (6):(من الطويل)

(1) البيتان في الغيث المسجم 1/ 328

(2)

الأبيات في الغيث المسجم 1/ 328

(3)

للمتنبي، ديوانه 2/ 254

(4)

لأبزون العماني، ديوانه / (م). أبزون العماني ? - 430 هـ / ? - 1038 م

أبزون بن مهمرد الكراني، أبو علي الكافي العماني. شاعر عماني، اختلف كثيراً في اسمه واسم أبيه، عاش في جبل من جبال عمان، ويقول حاجي خليفة أنه كان يعيش في نزوى. ومن خلال شعره نرى أنه كان يتردد على العراق أحياناً، وفي شعره أيضاً إشارة إلى أيام له أمضاها بجرجرايا، وهي بلدة من أعمال النهروان الأسفل بين واسط وبغداد.

(5)

كتبت التمسكن، وما أثبتناه من الغيث المسجم 1/ 330

(6)

ديوانه 2/ 223

ص: 58

وَلَم أَرجُ إِلّا أَهلَ ذاكَ وَمَن يُرِد

مَواطِرَ مِن غَيرِ السَحائِبِ يَظلِمِ

وإلاّ يكون قد أخطأ في التأمل قبل التأميل (1)، وأضاع الفراسة قبل الافتراس، والناس يختلفون في الهمم، ويتفاوتون في القيم، قال أبو الطيب (2):(من الكامل)

ما كُلُّ مَن طَلَبَ المَعالِيَ نافِذاً

فيها وَلا كُلُّ الرِجالِ فُحولا

ولهذا قال آخر (3): (من السريع)

أمّلْتُهم ثم تأمّلْتُهم

فلاحَ لي أنْ ليس فيهم فَلاح

ولا يبعد قول الطغرائي من قول الأرجاني (4): (من الطويل)

فإن يك أعدائي عليَّ تَناصَروا

فما هو إلاّ من تَخاذُلِ خُلاّني

ولم أدْعُ للجُلَّى صديقاً أجابَني

ولم أرضَ خِلاًّ للوِدادِ فأرْضاني

وقال آخر (5): (من الوافر)

وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً

فكانوها ولكنْ للأعادي

وخِلتهم سهاماً صائبات

فكانوها ولكن في فؤادي

/* (6)

وقالوا قد صفت منا قلوبٌ

لقد صَدَقوا ولكن من ودادي

وقالوا قد سعينا كل سعيٍ

لقد صدقوا ولكن في فسادي

وقال ابن الرومي (7): (من الطويل)

تخذتكُمُ دِرعاً حَصيناً لتدفعوا

سِهامَ العدى عنِّي فكنتُمْ نصالَها

وقد كنتُ أرجو منكُم خيرَ ناصرٍ

على حينِ خذلان اليمين شِمالَها

فإنْ أنتُمُ لم تحفظوا لمودّتي

ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَها

قفوا موقفَ المعذورِ عنّي بمعزلٍ

وخلّوا نبالي للعِدى ونبالَها

قال علقمة بن لبيد العطاردي (8) لابنه: يا بني إنْ نزعت بك إلى صحبة الرجال حاجةٌ فاصحب مَنْ إنْ صحبته زانك، وإنْ أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت سدد قولك، وإن صلت شدّد صولك، وإنْ مددت يدك بفضل مدّها، وإنْ بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها،

(1) في الغيث المسجم 1/ 330: في التأميل قبل التأمل

(2)

ديوانه 1/ 193

(3)

لناصح الدين الأرجاني، ديوانه 1/ 296

(4)

ديوانه (م)

(5)

لابن الرومي، ديوانه (م)، والبيت الرابع ليس في المطبوع من ديوانه.

(6)

* من هنا بدأنا النقل عن النسخة ب، لأن الأوراق 33، 34 ـ 35، 36 مكررة في النسخة أ، وهذه الصفحة هي [27 أ] في

النسخة ب.

(7)

ديوانه (م)

(8)

كتبت: العطاري، وما أثبتناه من الغيث المسجم 1/ 332، وهو الصحيح.

ص: 59

وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك وإنْ نزلت بك إحدى الملمات (1) واساك، مَنْ لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق.

قال الشارح: وذكرت بوصية علقمة لولده قول الفضل بن عبد الرحمن لرقيّة بنت عتبة بن أبي لهب: انظري لي امرأة معروفة النسب، كريمة الحسب، فائقة الجمال، مليحة الدلال، إن قعدت أشرفت، وإنْ قامت أضعفت، وإنْ مشت ترقرقت، تروع من بعيد، وتفتن من قريب، تسرّ مَنْ عاشرت، وتُكرم مَنْ جاورت، وتبدُّ من فاخرت، ودودا ولودا، لا تعرف أهلها، ولا تسرّ إلاّ بعلها، فقالت له: يا ابن العم، أخطب هذه من ربِّك في الآخرة، فإنك لا تجدها في الدنيا.

قال أبو موسى المكفوف لنخّاس: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري، ولا يدخلني تحت البواري، إنْ أكثرت علفه شكر، وإن قللته صبر، وإن ركبته هام، / (2) وإن ركبه غيرك نام، فقال له النخاس: اصبر أعزك الله، عسى أن يُمسخ القاضي حمارا فتصيب حاجتك.

وعلى الصحيح فالكمال معدوم إلاّ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا بدّ في الإنسان من لو ولولا، ومَنْ كانت ماهيته متضادة فالنقص به أولى، وما سلك الصواب صديق إلاّ ونُكِب، فلا تغترّ، أي الرجال المهذب (3)،

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها (4).

ولوِ انتقَدْتَ بَني الزّما

نِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَطْ (5)

وقد هوّن الأمر في الصحبة مؤيد الدين الطغرائي رحمه الله في قوله (6): (من الوافر)

أخاكَ أخاكَ فهو أجَلُّ ذُخْرٍ

إِذا نابَتْكَ نائبةُ الزمانِ

وإن رابتْ إساءتُه فَهبْهَا

لما فيه من الشِّيَمِ الحِسَانِ

تُريدُ مهذَّباً لا عَيْبَ فيهِ

وهل عُودٌ يفوحُ بلا دُخَانِ

وقال أيضا وإن لم يكن من الباب (7): (من البسيط)

غايِظْ صديقَكَ تكشفْ عن ضمائِرِه

وتَهْتِكِ السِتْرَ عن محجوبِ أسرارِ

(1) كتبت: المهمات، وما أثبتناه من الغيث المسجم 1/ 333

(2)

من هنا تبدأ الصفحة [27 ب] في المخطوطة ب.

(3)

من بيت للنابغة الذبياني، وتمامه: وَلَستَ بِمُستَبقٍ أَخاً لا تَلُمَّهُ

عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِجالِ المُهَذَّبُ

ديوانه ، ص 18.

(4)

صدر بيت من الطويل لعلي بن الجهم، وتمامه: وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها

كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ

ديوانه / (م).

(5)

للحريري من مجزوء الكامل، انظر المقامة الشعرية.

(6)

ديوانه، ص 394

(7)

ديوانه، ص 164

ص: 60