الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هي خير من أمتنا أو أن ما عندها هو خير مما عندنا- مما يتصل بأمور العقيدة والشريعة وما يتفرع منهما وما ينبغي عليهما-؛ لأن في ذلك تكذيبا لصريح القرآن الكريم، فلو قال قائل: إن هذه الخيرية قد نزعت منا لتقصيرنا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت له: بحمد الله لم تنزع منا لأن معنا أصل الإيمان بالله ورسوله، وهذا الأصل لا يشاركنا فيه أحد ألبتة في كل أنحاء المعمورة.
الفائدة الرابعة:
في الآية دليل واضح على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أفضل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله، فمنهم نتعلم وبهم نقتدي؛ لأن الآية الكريمة قيدت الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان، عن عمران بن حصين- رضي الله عنهما قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» . قال عمران:
لا أدري أذكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة «1» .
الفائدة الخامسة:
إرادة الله- سبحانه وتعالى الشرعية أن تكون هذه الأمة هي خير الأمم، ولذلك يجب على هذه الأمة أن تأخذ بكل أسباب العزة والقوة والتقدم المحمود تحقيقا لإرادة الله- عز وجل.
الفائدة السادسة:
يجب على كل مؤمن أن يربي نفسه على أن يكون نفعه متعديا لغيره وألا يقتصر على نفسه، تعلمنا ذلك من أمر الله لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أعظم أبواب إيصال الخير إلى الغير.
الفائدة السابعة:
تختلف الأمم في الأفضلية والخيرية اختلافا بينا بحسب تفاضل أنبيائها وكتبها وشرائعها، ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو خير الأنبياء، وكتابنا القرآن الكريم هو خير الكتب وشريعة الإسلام هي أفضل الشرائع وأكملها، كانت هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس.
3- أمة وسط شاهدة على بقية الأمم:
قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143] .
(1) البخاري، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم (2651) ، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم..، برقم (2535) .
قال الشيخ السعدي رحمه الله في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي:(عدلا خيارا) ، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة لا تشديدات اليهود وآصارهم ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم ولا يطهرهم الماء من النجاسات وقد حرّمت عليهم طيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج) .
انتهى «1» .
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: (إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع يعترفون لكم بالفضل، والوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] . انتهى «2» .
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: (ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء، ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي أن هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) .
وفيما قاله علماؤنا رحمهم الله الكفاية وزيادة لبيان ما منّ الله- عز وجل به على هذه الأمة من فضائل لا تحصى، سواء كان ذلك في العقائد أم في الشرائع، وكذا حفظها من الزيغ والضلال، وضمان عدم اجتماعها على الباطل، كما سيأتي في الفوائد.
وخلاصة القول: أن الله- عز وجل ما امتن منة على أمة من الأمم إلا امتن علينا بأحسن ما يكون من جنس هذه النعمة، فعلى سبيل المثال امتن على الأمم السابقة بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع، ولكن خصّنا دون الأمم السابقة بأفضل أنبيائه وأشرف كتبه وأحكم شرائعه، فضلا عما أولاه سبحانه وتعالى لنا من نعم كثيرة وآلاء جسيمة لم يكن لأمة من قبلنا ما يناظرها أو حتى يقاربها، وقد