الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم أو خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس» . رواه مسلم «1» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي قد حكم أنه لن يخلو قرن من القرون، ولا أمة من الأمم من طائفة مقيمة على الحق، أي متمسكون بكتاب الله وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولذلك يستحيل أن تجتمع هذه الأمة على الضلالة لأن اجتماعهم على ضلالة معناه أن تكون هذه الفئة الصالحة القائمة بأمر الله غير موجودة، أو غرّها اجتماع السواد الأعظم من الناس على منكر، فمالت إليهم، وهذا أيضا ينافي الحديث، ولذلك فاجتماع الأمة على أمر من الأمور، أو حكم من الأحكام، دليل قطعي على أن هذا الأمر هدى وليس بضلالة، حيث إن الفئة الصالحة، لا يمكن أن تقر أو ترضى بالباطل، فالأمر المجمع عليه من الأمة حق، وهذه الأمة لا تجتمع على باطل، وهي حكمة عظيمة من الله- عز وجل، لأنها لو اجتمعت على باطل، فقد يستقر هذا الباطل إلى يوم القيامة، ويندثر الحق الذي هو ضد هذا الباطل، وحيث إنه لا نبي سيأتي بعد، يكون في استقرار الباطل واندثار الحق مفسدة عظيمة، وتكمن المفسدة، في أن الناس يبحثون عن الحق فلا يجدونه، ولذلك تكون لهم حجة على الله- عز وجل، وهذا ينافي حكمة الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] .
وعدم اجتماع الأمة على ضلالة من أكبر نعم الله عليها، حيث ضمنت به الأمة عدة أمور من أهمها:
1-
إضافة أصل أصيل تستند إليه الأمة بعد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ألا وهو (الإجماع) ، وهو أصل تحتاج إليه أمة سيبقى شرعها صالحا إلى يوم القيامة، كل يوم يظهر من الأمور والمصالح ما يحتاج إلى الإفتاء والاجتهاد، فما أجمعت عليه الأمة أنه معروف فهو معروف، وما أجمعت عليه أنه منكر فهو منكر، ولا شك أن هذا من باب التوسعة عليها؛ لأنه كلما زادت مصادر التشريع كان ذلك من أوجه مظاهر رحمة الله بالعباد.
2-
ألّا ترتد الأمة على أعقابها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم؛ لأن ارتدادها يعني أنها قد اجتمعت على ضلالة وهذا محال.
3-
ضمنت الأمة بهذا الأصل ألا يندثر شيء من أمور دينها ولو كان من المكملات
(1) مسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة
…
» ، برقم (1037) .
المحسنات؛ لأنه لو اندثرت سنة من السنن وسكتت الأمة على هذا الاندثار سواء بعدم الدعوة لهذه السنة أم عدم العمل بها لتحقق فيها الاجتماع على باطل، والأمة معصومة من ذلك.
وقد بين الشيخ السعدي المسألة بيانا جميلا، حيث قال ما نصه: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة، على أن إجماع هذه الأمة حجة، وأنها معصومة من الخطأ، ووجه ذلك أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، وسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مفرد مضاف، يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء، أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته- فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110]، ووجه الدلالة:
أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا، ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء، فهو مما نهوا عنه، فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] . فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا، أي عدلا خيارا؛ ليكونوا شهداء على الناس، أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة، لكونهم عالمين بما شهدوا به، عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم، ولا عالمين بها، ومثل ذلك قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] ، يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه، بل اتفقوا عليه، أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة، فلا يكون مخالفا، فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع، أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة) «1» .
ويجب التنبه إلى أن حديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» والذي يتداوله الكثير من الناس، حديث ضعيف، والحمد لله أن هدى الله أهل العلم أن في آية وحديث الباب دليلين على حجية الإجماع، وأنه حجة في التشريع بعد الكتاب والسنة، ولا عبرة للمخالف.
(1) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ، (203) .