المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب أركان الشركة وأحكامها والنزاع بين الشريكين] - التاج والإكليل لمختصر خليل - جـ ٧

[محمد بن يوسف المواق]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الصُّلْحِ] [

- ‌أَنْوَاع الصُّلْح]

- ‌[لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فَافْتَدَى مِنْهَا بِمَالٍ]

- ‌الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ

- ‌[الصُّلْحُ مِنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ جُرْحِ عَمْدٍ]

- ‌[كِتَابُ الْحَوَالَةِ]

- ‌[شُرُوطُ الْحَوَالَةِ]

- ‌[شَرْطُ بَيْعِ الدَّيْنِ]

- ‌[كِتَابُ الضَّمَانِ]

- ‌[بَاب أَرْكَان الضَّمَان وَحُكْمه وَحَمَالَة الْجَمَاعَة]

- ‌[الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ]

- ‌[سُقُوطُ الْحَمَالَةِ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ]

- ‌[مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ]

- ‌[الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ]

- ‌[أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بَعْدَ كَفِيلٍ]

- ‌[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [

- ‌بَاب أَرْكَان الشَّرِكَة وَأَحْكَامهَا والنزاع بَيْن الشَّرِيكَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ]

- ‌[كِتَابُ الْوَكَالَةِ]

- ‌[بَاب أَرْكَان الْوَكَالَة وَحُكْمهَا والنزاع فِيهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]

- ‌[بَابٌ أَرْكَانُ الْإِقْرَارِ وَالْأَقَارِيرِ الْمُجْمَلَةِ]

- ‌[بَاب فِي تعقب الْإِقْرَار بِمَا يَرْفَعهُ]

- ‌[بَابٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ]

- ‌[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ] [

- ‌الْوَدِيعَةُ ضَمَانٌ عِنْدَ التَّلَفِ وَرَدٌّ عِنْدَ الْبَقَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]

- ‌[فِي أَرْكَانِ الْعَارِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَفَصْلِ الْخُصُومَةِ فِيهَا]

- ‌[كِتَابُ الْغَصْبِ] [

- ‌بَاب فِي ضَمَانِ الْمَغْصُوب وَمَا يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَة أَوْ نقصان]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِاسْتِحْقَاقُ]

- ‌[كِتَابُ الشُّفْعَةِ]

- ‌[بَابٌ فِي أَرْكَانِ الشُّفْعَة وَكَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ]

- ‌[بَاب فِيمَا يَسْقُط فِيهِ حَقّ الشُّفْعَة]

- ‌[كِتَابُ الْقِسْمَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي الْقِسَامِ وَكَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ وَتَمَيُّزِ مَا يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ] [

- ‌قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ]

- ‌[كِتَابُ الْقِرَاضِ]

- ‌[بَاب فِي أَرْكَان الْقِرَاض وَحُكْمه وَشُرُوطه وَالتَّفَاسُخ وَالتَّنَازُع فِيهِ]

- ‌[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ]

- ‌[بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْمُسَاقَاة وَمَا بِهِ تَنْعَقِدُ وَحُكْمِهَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ]

- ‌[شُرُوطُ الْأُصُولِ الَّتِي تَجُوزُ مُسَاقَاتُهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِجَارَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْإِجَارَة وَحُكْمِهَا وَفِي الطَّوَارِئِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسْخِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي كِرَاءِ الْحَمَّامِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِعَالَةِ] [

- ‌فِي أَحْكَامِ الْجِعَالَةِ وَأَرْكَانِهَا]

- ‌[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

- ‌[بَابٌ مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

- ‌[بَاب الْمَنَافِع الْمُشْتَرَكَة فِي الْبِقَاع كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِد]

- ‌[بَاب فِي الْأَعْيَان الْمُسْتَفَادَة مِنْ الْأَرْض كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاه]

- ‌[كِتَابُ الْوَقْفِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْوَقْفِ وَحُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ]

الفصل: ‌باب أركان الشركة وأحكامها والنزاع بين الشريكين]

[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [

‌بَاب أَرْكَان الشَّرِكَة وَأَحْكَامهَا والنزاع بَيْن الشَّرِيكَيْنِ]

وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ الْعَاقِدَانِ، وَالصِّيغَةُ وَالْمَحَلُّ وَهُوَ الْمَالُ وَالْأَعْمَالُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهَا. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي النِّزَاعِ. (لِلشَّرِكَةِ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا) ابْنُ عَرَفَةَ:

ص: 64

الشَّرِكَةُ الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرٌ مُتَمَوَّلٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا فَقَطْ، وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مَالِكِ كُلٍّ بَعْضَهُ بِبَعْضِ الْآخَرِ يُوجِبُ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ.

(وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِهَا الْعَاقِدَانِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إلَّا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ لِنَفْسِهِ

ص: 66

وَلِصَاحِبِهِ بِإِذْنِهِ.

(وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا كَاشْتَرَكْنَا) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِهَا الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكْفِي قَوْلُهُمَا اشْتَرَكْنَا إذَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ

ص: 71

عُرْفًا.

ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِاللَّفْظِ.

(بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعَيْنِ مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَا دَنَانِيرَ وَدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَدَرَاهِمَ مُتَّفِقَةَ النَّفَاقِ وَالْعَيْنِ (وَبِهِمَا مِنْهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا إنْ أَخْرَجَ هَذَا ذَهَبًا وَفِضَّةً وَهَذَا مِثْلَهُ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا دَنَانِيرَ وَالْآخَرَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ بَاعَ

ص: 73

نِصْفَ ذَهَبِهِ بِنِصْفِ فِضَّةِ صَاحِبِهِ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذِهِ صَرْفٌ مَعَ شَرِكَةٍ وَالْأُولَى لَيْسَ فِيهَا صَرْفٌ.

(وَبِعَيْنٍ وَبِعَرَضٍ) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ بِالْعَرَضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَوْ الْعَرَضِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ إذَا اسْتَوَتْ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْبَيْعُ وَالشَّرِكَةُ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْضَافَ إلَى الشَّرِكَةِ بَيْعٌ وَلَا إجَارَةٌ إذَا كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْهَا. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَا دَاخِلَيْنِ فَأَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونَ، وَاضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَأَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلَانِ بِالْعَرَضَيْنِ مِنْ صِنْفَيْنِ إذَا اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا، وَبِالْعُرُوضِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِالدَّابَّةِ وَالْآخَرُ بِالْبَيْتِ أَوْ الرَّحَا فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا عَلَيْهِمَا وَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَةُ كِرَائِهِمَا، وَأَجَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ نِصْفَ الدَّابَّةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا عَلَيْهِمَا وَاسْتَوَتْ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ دَاخِلَانِ فِي الشَّرِكَةِ فَهُوَ جَائِزٌ.

وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً وَلِأَحَدِهِمَا دَابَّةٌ وَالْأُخْرَى يَعْمَلُ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ انْتَهَى.

وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّحَا. وَمَسْأَلَةُ الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَظَاهِرُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَسْأَلَةِ اسْتِئْجَارِ أَحَدِهِمَا الدَّابَّةَ أَنَّهَا مُعَارِضَةٌ لِمَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ وَالرَّحَا. وَاَلَّذِي لِلْمُتَيْطِيِّ: إنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا الْحَانُوتَ وَالْآخَرُ الْأَدَاةَ وَكَانَا ذَوِي صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَأَكْرَى هَذَا مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَتَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِقَوْلِ مَالِكٍ: إذَا جَاءَ أَحَدُهُمَا بَرِحَا وَالْآخَرُ بِدَابَّةٍ وَلَمْ يَتَقَاوَمَا ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَأَمَّا إنْ قَوَّمَا الرَّحَا وَالدَّابَّةَ قَبْلَ الشَّرِكَةِ وَأَكْرَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَيَجُوزُ، وَتَكْتُبُ فِي ذَلِكَ: تَشَارَكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِأَنْ حَصَّلَ فُلَانٌ بَيْتًا حَدُّهُ كَذَا وَفُلَانٌ بَغْلًا صِفَتُهُ كَذَا وَفُلَانٌ رَحًا بِجَمِيعِ آلَتِهَا وَقَوَّمُوا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْكِرَاءِ، فَاعْتَدَلَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ وَتَسَاوَوْا جَمِيعًا فِيهِ، وَتَمَّ الْعَقْدُ اهـ.

وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ هَذَا بِرَحًا وَهَذَا بِدَابَّةٍ وَأَكْرَى هَذَا مِنْ هَذَا وَهَذَا مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَتَسَاوَى ذَلِكَ جَازَ. يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوَّازِيَّةِ إنْ عَمِلَ فِيهَا هَكَذَا، هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟ فَانْظُرْهُ أَنْتَ. وَرَأَيْت فِي الِاسْتِغْنَاءِ مَا نَصُّهُ: إنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا عَلَى دَوَابِّهِمَا مِنْ غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ لَا خَيْرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُكْرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخِرِ نِصْفَ دَوَابِّهِ. وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَصَائِدَيْنِ فِي بَازَيْنِ " مَزِيدُ نَقْلٍ.

(وَبِعَرَضَيْنِ مُطْلَقًا) ابْنُ رُشْدٍ: الشَّرِكَةُ بِالْعَرَضَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ جَائِزَةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَبِالْعَرَضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ إنْ كَانَ الْقَصْدُ بَيْعَ بَعْضِ أَحَدِهِمَا بِبَعْضِ الْآخَرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَعَلَى أَنَّهُمَا لَا يَتَّجِرَانِ فِي أَثْمَانِهِمَا إذَا بِيعَا كَانَتْ جَائِزَةً وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَغَابُنٌ أَوْ تَفَاضُلٌ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ لِيَتَّجِرَا بِأَثْمَانِهِمَا جَازَتْ الشَّرِكَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّرِكَةِ مَبْلَغَ قِيمَةِ

ص: 74

سِلْعَتِهِ، فَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَالْقِيَمُ مُخْتَلِفَةٌ لَمْ يَجُزْ.

وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّرِيكَيْنِ يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ، مَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَجَازَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.

(وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ لَا فَاتَ إنْ صَحَّتْ) أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ اشْتَرَكَا بِعِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى الْقِيَمِ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا عَرَضَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَوَّمَهُ بِهِ فَإِنَّمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ قِيمَةِ عَرَضِهِ يَوْمَ قُوِّمَ، وَلَيْسَ لَهُ مَا بِيعَ بِهِ إذَا قُوِّمَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اتَّفَقَ قِيمَةُ الْعَرَضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَعَرَفَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ جَازَتْ شَرِكَتُهُمَا، وَهُوَ بَيْعٌ لِنِصْفِ عَرَضِ هَذَا بِنِصْفِ عَرَضِ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا وَيَذْكُرَا بَيْعًا. وَلَوْ شَرَطَا التَّسَاوِي فَلَمَّا قُوِّمَا تَفَاضَلَتْ الْقِيَمُ، فَإِنْ لَمْ يَعْمَلَا فَلَا شَرِكَةَ، وَإِنْ عَمِلَا وَفَاتَتْ السِّلْعَتَانِ فَرَأْسُ مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَمَنُ سِلْعَتِهِ وَمَقْدِرَةُ رِبْحِهِ وَضَيْعَتُهُ؛ لِأَنَّ شَرِكَتَهُمَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً، وَفِي الصَّحِيحَةِ رَأْسُ مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا قُوِّمَتْ بِهِ سِلْعَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَكَا، وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا بِيعَتَا بِهِ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا قُوِّمَا بِهِ أَوْ أَقَلَّ حِينَ قُوِّمَا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ نِصْفَ سِلْعَتِهِ بِنِصْفِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ، وَصَارَ ضَمَانُهُمَا مِنْهُمَا بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ. وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: إنْ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ فُسِخَتْ قَبْلَ الْعَمَلِ.

ثُمَّ ذُكِرَ مَا تَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ أَنَّ لَهُمَا فِي التَّقْوِيمِ أَنْ يَتَغَابَنَا وَيَتَفَاضَلَا. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالطَّعَامِ الْمُخْتَلِفِ اخْتِلَافًا يَسِيرًا كَمَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِيَزِيدِيَّةٍ وَمُحَمَّدِيَّةٍ مُخْتَلِفَةِ النَّفَاقِ شَيْئًا يَسِيرًا.

(إنْ خُلِطَا وَلَوْ حُكْمًا) ابْنُ عَرَفَةَ: الْخَلْطُ الْحُكْمِيُّ كَوْنُ الْمَالِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ وَلَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَكَا بِمَالَيْنِ سَوَاءٍ فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ ذَهَبَهُ فَصَرَّهَا عَلَى حِدَةٍ وَجَعَلَا الصُّرَّتَيْنِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي تَابُوتِهِ أَوْ خُرْجِهِ فَضَاعَتْ وَاحِدَةٌ فَالذَّاهِبَةُ مِنْهُمَا (وَإِلَّا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ) مِنْ

ص: 75

الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَقِيَتْ صُرَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِيَدِهِ فَضَيَاعُهَا مِنْهُ حَتَّى يَخْلِطَا أَوْ يَجْعَلَا الصُّرَّتَيْنِ عِنْدَ أَحَدِهِمَا (وَمَا اُبْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا وَعَلَى الْمُسْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بَقِيَتْ كُلُّ صُرَّةٍ بِيَدِ رَبِّهَا حَتَّى ابْتَاعَ بِإِحْدَاهُمَا أَمَةً عَلَى الشَّرِكَةِ وَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى وَالْمَالَانِ مُتَّفِقَانِ فَمُصِيبَةُ الصُّرَّةِ مِنْ رَبِّهَا، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَهِيَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ ثَمَنِهَا.

ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا عَلَى الشَّرِكَةِ (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهَا أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ تَرَدُّدٌ) عَبْدُ الْحَقِّ: إنْ اشْتَرَى بِصُرَّتِهِ بَعْدَ التَّلَفِ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ بِهِ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَوْ يَدَعَهَا لَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا لِنَفْسِي فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ حَتَّى اشْتَرَى فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثُمَّ تَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ اشْتَرَى بَعْدَ أَنْ عَلِمَ فَتَلِفَ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ عَلِمَ فَإِنْ شَاءَ انْفَرَدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت أَنَّ الْمَالَ تَلِفَ لَمْ أَشْتَرِ إلَّا لِنَفْسِي، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَ صَاحِبَهُ ذَلِكَ.

(وَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا) اللَّخْمِيِّ: أَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ بِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ لَوْ كَانَتْ مُبَايَعَةً كَمَا يَقُولُهُ سَحْنُونَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا ذَهَبًا وَفِضَّةً وَهَذَا ذَهَبًا وَفِضَّةً (إنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يَتَّجِرْ لِحُضُورِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: إنَّمَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْمَالِ الْغَائِبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَا لَا يَتَّجِرَانِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَالِ الْغَائِبِ، فَأَمَّا إنْ كَانَا يَتَّجِرَانِ إلَى أَنْ يَقْبِضَا الْمَالَ الْغَائِبَ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَيْضًا إذَا لَمْ تَكُنْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً جِدًّا.

قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَإِنْ أَخْرَجَ هَذَا مِائَتَيْنِ وَهَذَا مِائَةً عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ وَالْعَمَلَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ فَاشْتَرَيَا سِلْعَةً بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَنَقْدَا الثَّلَاثَمِائَةِ، فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلَوْ شَرَطَا بَيْنَهُمَا الرِّبْحَ سَوِيَّةً فَسَدَتْ

ص: 76

الشَّرِكَةُ وَرَجَعَ الْقَلِيلُ الْمَالِ عَلَى الْآخَرِ بِفَضْلِ عَمَلِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ لِأَحَدِهِمْ عَشَرَةٌ وَلِلْآخَرِ خَمْسَةٌ وَالثَّالِثُ لَا مَالَ لَهُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَرَبِحُوا أَوْ خَسِرُوا، فَهَذَا فَاسِدٌ وَالرِّبْحُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَى صَاحِبَيْ الْمَالِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلِلَّذِي لَا مَالَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ عَلَى الْمَالَيْنِ، وَلِلْقَلِيلِ الْمَالِ أَجْرُهُ فِيمَا عَمِلَ فِي الْخَمْسَةِ الْفَاضِلَةِ. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ هَذَا فِي ابْنِ يُونُسَ.

(لَا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا وَابْنُ سَحْنُونَ أَجَازَ ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّمَا لَا يَجُوزُ صَرْفٌ وَشَرِكَةٌ إذَا كَانَ الصَّرْفُ خَارِجًا مِنْ الشَّرِكَةِ. وَكَذَا قَالَ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اضْطَرَبَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِي الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ خَارِجًا عَنْهَا فَلَا يَجُوزُ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الشَّرِكَةَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَالْبَائِعُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ مِنْهُ بِاَلَّذِي سَمَّى لِمَا رَجَّى مِنْ الِانْتِفَاعِ بِشَرِكَتِهِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْقَى شَرِيكًا مَعَهُ فَوَقَعَ فِي هَذَا غَرَرٌ فِي الْبَيْعِ. وَانْظُرْ اجْتِمَاعَ شَرِكَةٍ وَإِجَارَةٍ.

قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ هَذَا الْغَزْلِ عَلَى أَنْ يَنْسِجَ نِصْفَهُ الْآخَرَ ثَوْبًا وَانْعَقَدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَشَارَكَا فِيهِ فَنَسَجَهُ كُلَّهُ مُشَاعًا فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ زِيَادَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَيْءٌ فَتَصِيرُ شَرِكَةً وَإِجَارَةً، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الشَّرِكَةِ بَيْعٌ أَوْ شَرْطُ زِيَادَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ انْتَهَى.

وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله يُجِيزُ لِلنِّسَاءِ الشَّرِكَةَ فِي عَمَلِ فَشَاتِيلَ تُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْغَزْلِ قَدْرَ مَا تُرِيدُ مِنْ الْفَشَاتِيلِ وَيَخْلِطْنَ الْغَزْلَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلَ مَعَهُمْ النَّسَّاجَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الشَّرِكَةِ بِغَزْلَيْنِ عَلَى نَسْجِهِمَا نَظَرٌ اُنْظُرْهُ فِيهِ.

(وَبِطَعَامَيْنِ وَلَوْ اتَّفَقَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَانَ مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ أَمْ لَا، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ.

وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ فِي الطَّعَامِ الْمُتَّفِقِ فِي الصِّفَةِ وَالْجَوْدَةِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ عَلَى الْكَيْلِ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ لِكَرَاهِيَةِ مَالِكٍ فِيهِ وَجْهًا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ وَبِعَيْنٍ وَعَرَضٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَمِ وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ الْعَمَلُ وَالرِّبْحُ.

(ثُمَّ إنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ وَإِنْ بِنَوْعٍ فَمُفَاوَضَةٌ وَلَا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ) ابْنُ رُشْدٍ شَرِكَةُ الْأَمْوَالِ ثَلَاثَةٌ: مُفَاوَضَةٌ وَمُضَارَبَةٌ وَعِنَانٌ. فَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ أَنْ يُجِيزَ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

ص: 77

عَلَى صَاحِبِهِ، وَسُمِّيَتْ مُفَاوَضَةً لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الرِّبْحِ وَالضَّمَانِ وَشُرُوعِهِمَا فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ تَفَاوَضَ الرَّجُلَانِ فِي الْحَدِيثِ إذَا شَرَعَا فِيهِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى مَا يَتَفَاوَضَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ.

وَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ عَلَى حِدَةٍ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْمُفَاوَضَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمُفَاوَضَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَإِمَّا فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَتَفَاوَضَانِ فِيهِ كَشِرَاءِ الرَّقِيقِ أَوْ غَيْرِهِ يَتَفَاوَضَانِ فِيهِ.

(وَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْ اسْتَأْلَفَ بِهِ أَوْ خَفَّ كَإِعَارَةِ آلَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُعِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ صَاحِبُهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا

ص: 78

كَعَارِيَّةِ غُلَامٍ لِسَقْيِ دَابَّةٍ وَنَحْوِهِ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.

وَالْعَارِيَّةُ مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اسْتِئْلَافَ التِّجَارَةِ فَلَا يَضْمَنُ. وَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا جَارِيَةً ثُمَّ وَهَبَ ثَمَنَهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا فِي حِصَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا كَفَالَةُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ.

وَمَا جَنَى أَحَدُهُمَا أَوْ غَصَبَ أَوْ اسْتَهْلَكَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ آجَرَ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.

(وَدَفْعِ كِسْرَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ عَلَى عَامِلِ الْقِرَاضِ فِي إعْطَائِهِ السَّائِلَ الْكِسْرَةَ.

(وَيُبْضِعُ وَيُقَارِضُ وَيُودِعُ لِعُذْرٍ إلَّا ضَمِنَ وَيُشَارِكُ فِي مُعَيَّنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ

ص: 79

وَيُقَارِضَ دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَارِضَ شَرِيكًا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.

وَأَمَّا إنْ شَارَكَهُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا غَيْرِ شَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ فَجَائِزٌ، وَأَمَّا إيدَاعُهُ فَإِنْ كَانَ لِوَجْهِ عُذْرٍ لِنُزُولِهِ بِبَلَدٍ فَيَرَى أَنْ يُودَعَ إذْ مَنْزِلُهُ الْفَنَادِقُ وَمَا لَا أَمْنَ فِيهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا مَا أَوْدَعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.

(وَيُقِيلُ وَيُولَى وَيَقْبَلُ الْمَعِيبَ وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَضِيَهُ هُوَ أَوْ شَرِيكُهُ لَزِمَ ذَلِكَ الْآخَرَ، فَإِنْ رَدَّهُ مُبْتَاعُهُ وَرَضِيَهُ شَرِيكُهُ لَزِمَهُ رِضَاهُ، وَإِقَالَةُ أَحَدِهِمَا فِيمَا بَاعَهُ هُوَ أَوْ شَرِيكُهُ وَتَوْلِيَتُهُ لَازِمَةٌ

ص: 80

كَبَيْعِهِ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَيَكُونُ كَالْمَعْرُوفِ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَا جَرَّ بِهِ إلَى التِّجَارَةِ نَفْعًا وَإِلَّا لَزِمَهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهُ وَإِقَالَةٍ لِخَوْفِ عَدَمِ الْغَرِيمِ وَنَحْوِهِ مِنْ النَّظَرِ وَكَشِرَاءٍ حَادِثٍ.

(وَيُقِرُّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ لِجَدَّتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ صَدِيقٍ مُلَاطِفٍ وَمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَيَجُوزُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ.

(وَيَبِيعُ بِالدَّيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ: إنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا لِأَجَلٍ ثُمَّ أَخَّرَ الْغَرِيمَ بَعْدَ حُلُولِهِ جَازَ اسْتِئْلَافًا، وَمَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ لَا يَجُوزُ لِشَرِيكِهِ شِرَاؤُهُ نَقْدًا بِأَقَلَّ جَوَازِ بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالدَّيْنِ دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيِّ لِلْمُدَوِّنَةِ.

(لَا الشِّرَاءُ بِهِ) قَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالذِّمَمِ بِغَيْرِ مَالٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَا مَا ابْتَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفَاوُضًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ أَوْ فِي بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: تَحَمَّلْ عَنِّي بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْت عَلَى أَنْ أَتَحَمَّلَ عَنْكَ بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْت إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا فِي اشْتِرَاءِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَاضِرَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ فَيَبْتَاعُهَا بِدَيْنٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ جَازَ ذَلِكَ.

ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَنْصِبَاؤُهُمَا مُتَّفِقَةً. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْرَهُ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَا بِهِ وَبِالدَّيْنِ مُفَاوَضَةً، فَإِنْ فَعَلَا فَمَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ جَاوَزَ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمَا. أَصْبَغُ: وَإِذَا وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بِالذِّمَمِ كَانَ مَا اشْتَرَيَا بَيْنَهُمَا وَتُفْسَخُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ الْآنِ (كَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ وَإِذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ) فِيهَا وَعَبْدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلَا يُكَاتِبَهُ وَلَا يُعْتِقَهُ عَلَى مَالٍ يَتَعَجَّلُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ مَالًا مِنْ أَمِينٍ عَلَى عِتْقِهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ فَأَكْثَرَ فَيَجُوزُ وَهُوَ كَبَيْعِهِ.

(وَمُفَاوَضَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَاوِضَ شَرِيكًا.

(وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلَا إذْنٍ وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ وَمُتَّجِرٌ

ص: 81

بِوَدِيعَةٍ بِالْمُودَعِ بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ) ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِرَاضًا لِنَفْسِهِ أَوْ أَجَّرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ أَوْ فِي حِرَاسَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ، أَوْ تَسَلَّفَ مَالًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَرَبِحَ فِيهَا، أَوْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا بِدَيْنٍ فَرَبِحَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُتَفَاوِضَيْنِ فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ دُونَ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى ذَلِكَ لَهُ أَيْضًا دُونَ شَرِيكِهِ وَلَا يَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إجَارَةً لِشَرِيكِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَالِ الشَّرِكَةِ فَهَلَكَ فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَقُولُ لَهُ: كُنْت تَسْتَأْجِرُ لِئَلَّا أَضْمَنَ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ بِالضَّمَانِ إنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ فِي الْحَيَوَانِ.

وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: يَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ وَحْدَهُ الدَّابَّةَ إنْ قَضَى بِذَلِكَ قَاضٍ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَاضِي بِمِصْرٍ يَوْمَئِذٍ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا وَدِيعَةً فَعَمِلَ الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا فَرَبِحَ، فَإِنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا بَيْنَهُمَا فَلَهُمَا الرِّبْحُ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ خَاصَّةً (وَكُلٌّ وَكِيلٌ فَيَرُدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ كَالْغَائِبِ إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَإِلَّا انْتَظَرَ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا فِي الْخِيَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ ".

(وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ وَلِكُلٍّ أَجْرُ

ص: 82

عَمَلِهِ لِلْآخَرِ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يَتَّجِرْ لِحُضُورِهِ ".

(وَلَهُ التَّبَرُّعُ وَالسَّلَفُ وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ بِعَمَلٍ فِي الْجَمِيعِ جَازَ وَلَا أَجْرَ لَهُ. وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَارَكَهُ وَأَسْلَفَهُ نِصْفَ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ طَلَبَ رِفْقَهُ وَصِلَتَهُ إلَيْهِ لَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَلَا لِقُوَّةِ تَبَصُّرِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَجَعَ فَكَرِهَهُ، وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ. اُنْظُرْ الْمَسْأَلَةَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَالِكًا مَرَّةً صَدَّقَهُ وَمَرَّةً اتَّهَمَهُ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا قَصَدَ الرِّفْقَ بِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ أَوْ وَهَبَهُ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ اخْتِلَافَ نِسْبَةِ الرِّبْحِ وَالْعَمَلِ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ إنَّمَا يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ إنْ كَانَ شَرْطًا فِي عَقْدِهَا، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ جَازَ، اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ تَعَقَّبَ هَذَا، وَانْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ فَإِنَّهُ يُرَشِّحُ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ.

(وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّهُ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَضَاعَتْ مِنْهُ صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.

ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ تُهْمَةٌ كَدَعْوَاهُ التَّلَفَ وَهُوَ فِي رُفْقَةٍ لَا يَخْفَى ذَلِكَ فِيهَا (وَالْخُسْرِ وَالْآخِذُ لَائِقٌ لَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّلَفَ وَالْخُسْرَانَ وَمَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ طَعَامٍ لِمَنْزِلِهِ وَكِسْوَةٍ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُهُ نِصْفَهُ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِهِ وَحَسْبُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَالِ مِثْلَ مَا أَخَذَ صَاحِبُهُ (وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا.

(وَحَمَلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا) هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ: إذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ حُمِلَ عَلَى النِّصْفِ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي شَرِيكَيْنِ أَرَادَا الْمُفَاصَلَةَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَكَ الثُّلُثُ وَلِي الثُّلُثَانِ وَقَالَ الْآخَرُ: الْمَالُ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ وَلَيْسَ الْمَالُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ قَالَ: لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ النِّصْفُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثُ، وَيُقَسَّمُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَعَلَى هَذَا ثَبَتَ ابْنُ الْقَاسِمِ.

وَقَالَ أَشْهَبُ: الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ حُمِلَ عَلَى النِّصْفِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخِلَافُ قَوْلِ أَشْهَبَ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ انْتَهَى.

وَعَلَى هَذِهِ فَعِبَارَةُ الشَّارِحِ حَسَنَةٌ جِدًّا إذْ قَالَ: لَوْ ادَّعَى الثُّلُثَيْنِ وَالْآخَرُ النِّصْفَ لِكُلٍّ مَا سَلَّمَ لَهُ وَقُسِمَ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: يَحْلِفَانِ وَيُنَصَّفُ.

(وَلِلِاشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى كَإِرْثِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا مُفَاوِضُهُ كَانَ جَمِيعُ مَا بِأَيْدِيهِمَا بَيْنَهُمَا إلَّا مَا قَامَتْ فِيهِ

ص: 83

بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ لَهُ قَبْلَ التَّفَاوُضِ وَأَنَّهُ لَمْ يُفَاوِضْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ خَاصَّةً وَالْمُفَاوَضَةُ فِيمَا سِوَاهُ قَائِمَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا تَنَازَعَا فِي شَيْءٍ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ. وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: إنْ قَالَ أَحَدُهُمَا فِي مَالٍ بِيَدِهِ لَيْسَ مِنْ الشَّرِكَةِ هُوَ لِي مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ جَائِزَةٍ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ فِي مَتَاعٍ بِيَدِهِ إنَّ مَتَاعَ التَّجْرِ هُوَ لِي وَلَمْ يَزَلْ بِيَدِي قَبْلَ الشَّرِكَةِ كَانَ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ قَالَتْ لَا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا) الْمُتَيْطِيُّ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: إنْ قَالَ الشُّهُودُ وَهَبَ لَهُ هَذَا الْمَالَ قَبْلَ الْمُفَاوَضَةِ وَلَا نَعْلَمُ أَفَاوَضَ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَالُوا وَهَبَ لَهُ وَلَا نَدْرِي قَبْلَ الْمُفَاوَضَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا.

(إنْ شَهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ فَالْإِقْرَارُ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُقِيمُ بَيِّنَةً بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الْأَخْذِ أَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَأَقَامَ صَاحِبُهُ بَيِّنَةً أَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَيِّتِ فَلَمْ تُوجَدْ وَلَا عُلِمَ مُسْقِطُهَا، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ أَخْذِهَا فِيمَا يُظَنُّ أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَشْغَلْهَا فِي تِجَارَةٍ فَهِيَ فِي حِصَّتِهِ، وَمَا تَطَاوَلَ وَقْتُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ. أَرَأَيْت لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَبَضَهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَهُمَا يَتَّجِرَانِ، أَتَلْزَمُهُ؟ أَيْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَمَّا إنْ أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِ الْمِائَةِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ رَدَّهَا طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ.

(كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أَنَّهُ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ) سَأَلَ شَجَرَةُ سَحْنُونًا عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ عَنْ أَخِيهِ وَهُوَ مُفَاوِضُهُ صَدَاقَ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ مَالِهِ وَلَا مِنْ مَالِ أَخِيهِ ثُمَّ مَاتَ الدَّافِعُ، فَقَالَ الْوَرَثَةُ: هَذَا مِنْ مَالِ وَلِيِّنَا فَأَجَابَهُ: إنْ كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ وَأَقَامَا سِنِينَ كَثِيرَةً فِي تَفَاوُضِهِمَا لَا يَطْلُبُ أَخَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا شَطْرَانِ وَيُحَاسِبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَاقِي حُجَّةٌ (كَسَنَةٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ:" وَأَقَامَا سِنِينَ كَثِيرَةً "، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَبَضَهَا مُنْذُ سَنَةٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

اُنْظُرْ آخِرَ تَرْجَمَةِ جَامِعِ الْقَوْلِ فِي الْمُتَفَاوِضِينَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ (إلَّا لِبَيِّنَةٍ فَكَإِرْثِهِ وَإِنْ قَالَتْ لَا نَعْلَمُ) تَقَدَّمَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَتَقَرَّرَ مَا يُشْبِهُهَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُتَيْطِيِّ فَانْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَاهُ.

(وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ كَشَاهِدٍ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَأَقَرَّ الْحَيُّ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا رَهَنَا مَتَاعًا مِنْ الشَّرِكَةِ عِنْدَ فُلَانٍ، وَقَالَ وَرَثَةُ الْهَالِكِ: بَلْ أَوْدَعْتَهُ أَنْتَ إيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِ وَلِيِّنَا، فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ الْحَيِّ وَيَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ رَهْنًا، وَإِنْ أَبَى فَلَهُ حِصَّةُ الْمُقَرَّرِ هُنَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَحَدِ الْوَرَثَةِ يُقِرُّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ: إنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَ مِنْ الْمُقِرِّ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ حِصَّتِهِ دَيْنَهُ كُلَّهُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ

ص: 84

لِلشَّرِيكِ وَكَذَلِكَ إقْرَارُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِدَيْنٍ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَيَلْزَمُهُمَا فِي أَمْوَالِهِمَا.

وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَلْزَمُ الْمُقِرَّ حِصَّتُهُ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمَشْهُودُ لَهُ.

(وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ كَعِيَالِهِمَا إنْ تَقَارَبَا وَإِلَّا حُسِبَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالٍ كَثِيرٍ يَتَفَاوَضَانِ فِيهِ وَهُمَا فِي بَلَدَيْنِ عَلَى أَنْ يُجَهِّزَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُلْغِيَا نَفَقَتَهُمَا وَإِنْ اخْتَلَفَ سِعْرُ الْبَلَدَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا قَصَدَ لِلتَّجْرِ مَعَ قِلَّةِ مُؤْنَةِ كُلِّ وَاحِدٍ فَاسْتُسْهِلَ اخْتِلَافُ السِّعْرَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عِيَالٌ وَاخْتَلَفَتْ أَسْعَارُ الْبَلَدَيْنِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا أَنْ تُحْسَبَ النَّفَقَةُ إذْ نَفَقَةُ الْعِيَالِ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ وَكَانَا ذَوِي عِيَالٍ أَوْ لَا عِيَالَ لَهُمَا فَيُلْغِيَانِ نَفَقَتَهُمَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا تَقَارَبَا فِي الْعِيَالِ. وَانْظُرْ كِتَابَ الشَّرِكَةِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا رَمَلُوا وَمَا يَجْمَعُهُ الرُّفَقَاءُ مِنْ طَعَامٍ، وَهَلْ كَذَلِكَ الصَّغِيرُ مِنْ الْقَرَابَاتِ.

(كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ) قَالَ: وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عِيَالٌ وَوَلَدٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ حَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَرْفَقَ.

وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ فِيهَا: لَمَّا قَالَ مَالِكٌ تُلْغَى النَّفَقَةُ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَنْفَقَا إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَالْكِسْوَةُ لَهُمَا وَلِعِيَالِهِمَا تُلْغَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: تُلْغَى النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ مِنْ النَّفَقَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَصٌّ فِي لُزُومِ كِسْوَةِ مَنْ الْتَزَمْت نَفَقَتَهُ، وَفِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كِسْوَةً لَيْسَ مِمَّا يَلْتَزِمُ بِهَا الْعِيَالُ مِثْلُ الْوَشْيِ فَهَذِهِ لَا تُلْغَى، اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا نَصٌّ آخَرُ. وَلِلْمُتَيْطِيِّ قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى رَجُلٍ وَأَبَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ مَعَ النَّفَقَةِ بِالْكِسْوَةِ.

وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: إنَّمَا هَذَا فِي كُلِّ نَفَقَةٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا، وَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ نَفَقَتَهُ تَطَوُّعًا فَلَا

ص: 85

يَلْزَمُهُ كِسْوَةٌ. اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيُّ فِي الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ.

(وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ فَلِلْآخَرِ رَدُّهَا) اُنْظُرْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ السِّلَعِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ مَالِ شَرِكَتِهِمَا جَارِيَةً لِنَفْسِهِ لِلْوَطْءِ - وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لِلْخِدْمَةِ - وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ وَلَمْ يَطَأْ بَعْدُ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ بَيْنَهُمَا وَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ وَلَيْسَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَغَاصِبِ الثَّمَنِ أَوْ مُتَعَدٍّ فِي وَدِيعَةٍ ابْتَاعَ بِهَا سِلْعَةً، وَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ لِرَبِّ الدَّنَانِيرِ إلَّا مِثْلُ دَنَانِيرِهِ وَهُوَ كَمُبْضِعٍ مَعَهُ شِرَاءُ سِلْعَةٍ أَوْ مُقَارَضٍ أَوْ وَكِيلٍ تَعَدَّى، فَرَبُّ

ص: 86

الْمَالِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ مَا اشْتَرَى أَوْ تَرْكِهِ (إلَّا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهَا إنْ هَلَكَتْ وَلَهُ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِ خَسَارَتُهَا، فَهَذَا قَدْ أَسْلَفَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ ثَمَنِهَا فَلَهُ النَّمَاءُ وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِمِلْكِهَا اهـ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ خَلِيلٍ، وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَارِيَةِ فِي الْوَطْءِ فَكَيْفَ كَانَ يَسْتَثْنِيهِ فِي هَذَا الْفَرْعِ؟ . فَانْظُرْهُ

ص: 87

أَنْتَ.

(وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشَّرِكَةِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ وَإِلَّا فَلِلْآخَرِ إبْقَاؤُهَا أَوْ مُقَاوَمَتُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: الْحُكْمُ فِي الْأَمَةِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَنْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَلَا خِيَارَ فِي ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالتَّحْلِيلِ لَهُ الَّذِي تَلْزَمُ الْقِيمَةُ فِيهِ بِالْوَطْءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا

ص: 88

إذَا وَطِئَهَا مُتَسَوِّرًا فَإِنْ حَمَلَتْ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى كُلِّ حَالٍ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَوْمَ حَمَلَتْ لَا يَوْمَ وَطِئَهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَوَّمَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ بِنَصِيبِهِ. هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَإِذَا تَمَسَّكَ بِنَصِيبِهِ وَلَمْ يُقَوِّمْهَا عَلَيْهِ مُنِعَ مِنْ الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَعُودَ إلَى وَطْئِهَا وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلِهِ إلَّا أَنَّ عُقُوبَتَهُ أَخَفُّ مِنْ

ص: 89

عُقُوبَةِ الْعَالِمِ.

(وَإِنْ اشْتَرَطَ نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ أَقْسَامِ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ شَرِكَةُ الْعِنَانِ وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ كَأَنَّهُ عَنَّ لَهُمَا أَمْرٌ أَيْ عَرَضَ لَهُمَا فَاشْتَرَكَا فِيهِ، وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ بِإِجْمَاعٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ إذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَرَضُوا بِهَا، وَهِيَ لَازِمَةٌ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ فِيمَا اشْتَرَوْهُ لِلتِّجَارَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُزَايَدَةِ، فَمَا كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فِي سُوقِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ التِّجَارَةِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا غَيْرُ الطَّعَامِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

اُنْظُرْ تَرْجَمَةَ جَامِعِ الْمَسَائِلِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ اشْتَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ لَزِمَ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ عِنَانٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْصُورَةٍ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَهِيَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ.

(وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْفِرَاخِ) ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إنْ اشْتَرَكَا بِالْحَمَامِ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا الذُّكُورَ وَالْآخَرُ الْأُنْثَى كَانَتْ الْفِرَاخُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَى التَّرْبِيَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْبَيْضِ يُعْطِيهَا لِلْحَاضِنَةِ.

قَالَ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ حَضِّنْ هَذَا الْبَيْضَ تَحْتَ دَجَاجَتِكَ وَالْفِرَاخُ بَيْنَنَا هِيَ لِرَبِّ الدَّجَاجَةِ وَلِرَبِّ الْبَيْضِ مِثْلُهُ.

(وَاشْتَرِ لِي وَلَكَ فَوَكَالَةٌ)

ص: 90

ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ لِي وَلَكَ فَوَكَالَةٌ مَقْصُورَةٌ، وَإِنْ حَصَلَتْ شَرِكَةٌ.

(وَجَازَ وَانْقُدْ عَنِّي إنْ لَمْ يَقُلْ وَأَبِيعُهَا لَكَ) قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ، لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ، وَلَوْ هَلَكَتْ السِّلْعَةُ فَلِمَنْ نَقَدَ الثَّمَنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ.

الْبَاجِيُّ: فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُ حَظِّ الْمُسَلِّفِ.

(وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ وَاحْبِسْهَا فَكَالرَّهْنِ) الَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ اشْتَرَى لَكَ سِلْعَةً بِأَمْرِكَ وَأَسْلَفَكَ الثَّمَنَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَالْوَدِيعَةِ لَا كَالرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: اُنْقُدْ عَنِّي فِيهَا وَاحْبِسْهَا حَتَّى أَدْفَعَ إلَيْكَ الثَّمَنَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ. اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ.

(وَإِنْ أَسْلَفَ غَيْرُ الْمُشْتَرِي جَازَ إلَّا لِكَبَصِيرَةٍ الْمُشْتَرِي) أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُسْلِفُ رَجُلًا سَلَفًا لِيُشَارِكَهُ وَذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ مَرَّةً، وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَهُ إلَّا إنْ كَانَ أَسْلَفَهُ لِنَفَاذِهِ وَبَصَرِهِ بِالتِّجَارَةِ ثُمَّ جَعَلَ مِثْلَ مَا أَسْلَفَهُ وَتَشَارَكَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَلَهُ التَّبَرُّعُ ".

وَسَمِعَ أَصْبَغُ: إنْ اشْتَرَكَا فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا اشْتَرَيَاهَا بِدَيْنٍ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ، وَإِنْ قَالَا: مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِدَيْنٍ فَنَحْنُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَلَا مَالَ لَهُمَا لَمْ يُعْجِبْنِي. أَصْبَغُ: وَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ وَضَمِنَاهُ وَفُسِخَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا.

ص: 91

ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

(وَأُجْبِرَ عَلَيْهَا إنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِسُوقِهَا لَا لِسَفَرٍ وَقِنْيَةٍ وَغَيْرِهِ وَحَاضِرُهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً لَمْ يَتَكَلَّمْ فَلَمَّا تَمَّ الْبَيْعُ قَالَ: أَنَا شَرِيكُكَ فَهُوَ شَرِيكُهُ، فَإِنْ أَبَى أُلْقِيَ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَفْعَلَ إنْ اشْتَرَاهُ لِيَبِيعَهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ لِمَنْزِلِهِ أَوْ لِيَخْرُجَ بِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ شِرْكٌ.

ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ الْقَضَاءُ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا ابْتَاعَهُ بَعْضُهُمْ بِحَضْرَتِهِمْ لِلتَّجْرِ عَلَى غَيْرِ الْمُزَايَدَةِ رِفْقًا بِهِمْ.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا يَرَى ذَلِكَ مَالِكٌ لِتُجَّارِ أَهْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ وَأَهْلِ سُوقِهَا إنْ كَانَ مُشْتَرِيهَا مِنْ أَهْلِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ إذَا اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَك؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التِّجَارَةِ وَجَبَتْ لَهُ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا لَمْ تَجِبْ لَهُ إلَّا بِرِضَا الْمُشْتَرِي اهـ.

وَانْظُرْ مَسْأَلَةً سُئِلْت عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ قَدِمَ بِقِشْرٍ لِسَقِيفَةِ الْجِلْدِ فَصَعُبَ عَلَيْهِ الْمَقَامُ حَتَّى يَقُومَ السُّوقُ فَبَاعَهُ مِنْ إنْسَانٍ كَانَ حَاضِرًا، فَأَفْتَيْته بِأَنْ لَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا لِلتِّجَارَةِ فِي سُوقِ الطَّعَامِ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ مِنْ التُّجَّارِ وَهُمْ سُكُوتٌ، فَلَمَّا تَمَّ لَهُ الشِّرَاءُ كَانَ مِنْ حُقُوقِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ هُوَ أَنْ يُدْخِلَهُمْ مَعَهُ إلَّا إنْ أَرَادُوا.

وَلَوْ قَالُوا لَهُ: أَشْرِكْنَا مَعَكَ فَقَالَ لَهُمْ: لَا قَبْلَ انْبِرَامِ الْبَيْعِ لَمْ يَلْزَمْهُ لَهُمْ شَرِكَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَنْذَرَهُمْ لِيَشْتَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ إنْ أَرَادُوا، وَإِنْ سَكَتَ دَخَلُوا مَعَهُ إلَّا إنْ كَانُوا لَمَّا قَالُوا لَهُ وَهُوَ يَسُومُ: أَشْرِكْنَا وَاشْتَرِ عَلَيْنَا فَسَكَتَ وَانْصَرَفُوا وَانْبَرَمَ بَيْعُهُ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ مَا أَشْرَكَهُمْ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى مُشْتَرِي الْقِشْرِ الْمَذْكُورِ.

ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَمِينُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَنَّ الْفُتْيَا قَدِيمًا مِنْ الشُّيُوخِ كَانَتْ بِإِلْزَامِ الشَّرِكَةِ. وَانْظُرْ أَيْضًا مَسْأَلَةً أُخْرَى سُئِلْت عَنْهَا، وَذَلِكَ أَهْلُ صَيْدِ الْحَجَلِ يَكُونُ لَهُمْ الْمُعَامِلُ مِنْ الدَّجَّاجِينَ يَأْتُونَهُ بِالْحَجَلِ فَيُرِيدُ أَهْلُ سُوقِهِ الدُّخُولَ مَعَهُ وَأَفْتَيْته بِهَذَا أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ أَتَاهُ بِالْقَصْدِ لِحَانُوتِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَا ابْتَاعَهُ الرَّجُلُ بِحَانُوتِهِ فَلَا شِرْكَ لِأَحَدٍ مَعَهُ مِمَّنْ حَضَرَ الْبَيْعَ، وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ:" إنْ اشْتَرَى شَيْئًا " فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا ذَلِكَ الطَّعَامُ خَاصَّةً انْتَهَى.

نَقَلْتُ هَذَا مِنْ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ أَصْبَغَ. ثُمَّ وَجَدْتُ لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ شِرَاءَ سِلْعَةٍ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْفِقْهَ ثُمَّ قَالَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: وَهَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ.

(وَهَلْ وَفِي الزُّقَاقِ لَا كَبَيْتِهِ؟ قَوْلَانِ) أَصْبَغُ: لَا يَدْخُلُ زَيَّاتٌ عَلَى بَزَّازٍ وَلَا أَهْلُ سِلْعَةٍ عَلَى أَهْلِ سِلْعَةٍ، وَلَوْ أَنَّ مُحْتَكِرًا لِهَذِهِ

ص: 93

التِّجَارَاتِ كُلِّهَا وَيَتَّجِرُ بِهَا رَأَيْت أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذِهِ السِّلَعِ حَيْثُ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهَا فِي أَسْوَاقِهَا، وَلَوْ لَقِيَ سِلْعَةً فِي بَعْضِ الْأَزِقَّةِ وَالدُّورِ فَابْتَاعَهَا بِحَضْرَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا فَلَا شَرِكَةَ لَهُ مَعَهُ وَلَا شَرِكَةَ فِي السِّلَعِ إلَّا فِي مَوَاقِفِهَا لَا فِيمَا اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ فِي حَانُوتِهِ أَوْ بَيْتِهِ أَوْ دَارِهِ. اهـ.

نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ: وَنَحْوَهُ عَزَا ابْنُ رُشْدٍ لِأَصْبَغَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِعُمُومِهِ فِيمَا يُبَاعُ بِالسُّوقِ وَفِيمَا بِيعَ بِالطُّرُقِ وَالْأَزِقَّةِ إلَّا مَا اشْتَرَى فِي حَانُوتِهِ أَوْ دَارِهِ.

(وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ إنْ اتَّحَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ أَوْ عَلَى عَمَلِ الْأَبْدَان إذَا كَانَتْ صَنْعَةً وَاحِدَةً الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ حَمَّالَيْنِ اشْتَرَكَا فِي أُجْرَةِ مَا يَحْمِلَانِهِ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا: لَا أَحْمِلُ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَحَمَلَ لَهُ صَاحِبُهُ وَحَمَلَ هُوَ لِغَيْرِهِ وَاقْتَسَمَا الْأُجْرَةَ فَقَالَ: الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.

(أَوْ تَلَازَمَا) اللَّخْمِيِّ: لَوْ اشْتَرَكَ حَائِكَانِ بِأَمْوَالِهِمَا وَكَانَ يَتَوَلَّى وَاحِدٌ الْعَمَلَ وَالْآخَرُ الْخِدْمَةَ وَالشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ وَلَا يُحْسِنُ النَّسْجَ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ سَوَاءً، جَازَتْ الشَّرِكَةُ. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ وَكَانَا يَتَقَبَّلَانِ الْمَتَاعَ لِيَعْمَلَ أَحَدُهُمَا وَيَخْدُمَ الْآخَرُ وَيَتَوَلَّى مَا سِوَى النَّسْجِ وَتَسَاوَتْ الْقِيمَةُ جَازَ ذَلِكَ، وَهُمَا بِخِلَافِ الْمُخْتَلِفَيْ الصَّنْعَةِ فَصَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْ الصَّنْعَةِ يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ. أَحَدُهُمَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْآخَرِ عَمَلٌ وَالشَّرِكَةُ عَلَى الْحِيَاكَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ دَخَلَا عَمِلَا جَمِيعًا وَإِلَّا تَعَطَّلَا جَمِيعًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَرَرٌ.

وَعَلَى مِثْلِ هَذَا أُجِيزَتْ الشَّرِكَةُ فِي اللُّؤْلُؤِ أَحَدُهُمَا يَتَكَلَّفُ الْغَوْصَ وَالْآخَرُ يَقْذِفُ أَوْ يُمْسِكُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ سَوَاءً جَازَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى التَّسَاوِي فِيمَا خَرَجَ مِنْ اللُّؤْلُؤِ، وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ مَنْ يُخْرِجُهُ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِ.

(وَتَسَاوَيَا فِيهِ أَوْ تَقَارَبَا) اللَّخْمِيِّ: مِنْ شُرُوطِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ أَنْ يَكُونَا فِي الْإِبْطَاءِ وَالسُّرْعَةِ وَالْجَوْدَةِ وَاحِدًا أَوْ مُتَقَارِبًا (وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَرِكَةُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ جَائِزَةٌ بِوَجْهَيْنِ: أَنْ تَكُونَ الصَّنْعَةُ وَاحِدَةً وَأَنْ يَعْمَلَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ.

وَأَجَازَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ فِي حَانُوتَيْنِ فِي صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ. ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي مَوْضِعَيْنِ نَفَاقُهُمَا وَاحِدٌ وَتَكُونُ أَيْدِيهِمَا تَجُولُ فِي الْحَانُوتَيْنِ جَمِيعًا. ابْنُ رُشْدٍ: لَا وَجْهَ لِمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا عَلَى أَخْذِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً مِنْ الْعَمَلِ يَذْهَبُ بِهِ إلَى حَانُوتِهِ يَعْمَلُهُ فِيهِ لِرِفْقٍ لَهُ فِي ذَلِكَ لِسَعَةِ حَانُوتِهِ أَوْ انْشِرَاحِهِ أَوْ قُرْبِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. عِيَاضٌ: تَأَوَّلَ شُيُوخُنَا مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى تَعَاوُنِهِمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَوْ أَنَّ نَفَاقَ السِّلْعَتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ فَيَكُونُ وِفَاقًا لِلْمُدَوِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَكَانِ تَقَارُبُ أَسْوَاقِهِ وَمَنَافِعِهِ.

ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَالَ فِي

ص: 94

الْمُدَوَّنَةِ: " لَا يَجُوزُ إذَا افْتَرَقَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ صَنْعَتُهُمْ وَاحِدَةً " لِاخْتِلَافِ نَفَاقِ الْأَعْمَالِ فِي الْمَوَاضِعِ فَرُبَّمَا عَمِلَ أَحَدُهُمَا لِكَثْرَةِ الْعَمَلِ فِي مَوْضِعِهِ وَيَبْطُلُ الْآخَرُ فَصَارَ ذَلِكَ تَفَاضُلًا فِي الشَّرِكَةِ، وَمِنْ سُنَنِهَا الْمُسَاوَاةُ، وَذَلِكَ فِي شَرِكَتِهِمَا فِي عَمَلِ الْأَيْدِي.

فَأَمَّا إنْ كَانَا يَتَّجِرَانِ فِي الصَّنْعَتَيْنِ بِأَمْوَالِهِمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ.

قَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا مُتَسَاوِيًا عَلَى أَنْ يَقْعُدَ هَذَا بَزَّازًا وَهَذَا عَطَّارًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِ وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اشْتَرَكَ ذَوُو صَنْعَةٍ عَلَى عَمَلِ أَيْدِيهِمَا وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى رَأْسِ مَالٍ عَلَى أَنَّ عَلَى أَحَدِهِمَا ثُلُثَ الْعَمَلِ وَلَهُ ثُلُثُ الْكَسْبِ وَعَلَيْهِ ثُلُثُ الضَّيَاعِ وَثُلُثَا ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَهُ ثُلُثُ الْكَسْبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَالْأَمْوَالِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَرِيكَا الصَّنْعَةِ وَمِنْ رَأْسِ مَالٍ أَخْرَجَاهُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَعَمِلَا جَمِيعًا.

وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَ رَأْسِ الْمَالِ وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَالرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ يَكُونُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْوَضِيعَةِ وَالْعَمَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ. ابْنُ يُونُسَ: فَإِذَا احْتَاجَ الصَّانِعَانِ إلَى رَأْسِ مَالٍ، أَخْرَجَاهُ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمَا وَلَا يَفْتَرِقَانِ بِخِلَافِ التَّجْرِ؛ لِأَنَّ الصَّانِعَيْنِ وَإِنْ احْتَاجَا إلَى رَأْسِ مَالٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الصَّنْعَةُ لَا مَا يُخْرِجَانِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَتْ صَنْعَةٌ لَا قَدْرَ لَهَا وَالْمُبْتَغَى مِنْهَا التَّجْرُ لَجَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا.

(وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَارِهِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ افْتَقَرَتْ الْآلَةُ كَالْكَمْدِ وَصَيْدِ الْجَوَارِحِ وَحَمْلِ الدَّوَابِّ جَازَتْ بِشَرْطِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْآلَةِ بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ آلَتِهِ بِنِصْفِ آلَةِ صَاحِبِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْكِتَابِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا كِرَاءً وَتَسَاوَيَا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى. وَأَجَازَ سَحْنُونَ

ص: 95

ابْتِدَاءً انْتَهَى مِنْهُ وَمِنْ عِيَاضٍ.

وَانْظُرْ اشْتِرَاكَ الصَّيَّادِينَ لِلْحَجَلِ يَأْتِي هَذَا بِغَزْلِهِ وَهَذَا بِغَزْلِهِ صَدَرَتْ مِنِّي الْفُتْيَا أَنَّهُمْ إذَا احْتَاجُوا لِلشَّرِكَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِأَجْلِ حِرَاسَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُعَاوَنَتِهِمْ أَنْ يَجْمَعُوا الشِّبَاكَ وَيُقَدِّمُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشِّبَاكِ مَا يُنَاسِبُهُ وَيَخْتَارُ لَهُ مَوْضِعًا يَلِيقُ بِهِ وَيُعِينُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي النِّصْفِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا قَدْ جَالَتْ أَيْدِيهِمْ فِي الشِّبَاكِ كَمَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي الْحَانُوتَيْنِ وَتَعَاوَنُوا فِي النِّصْفِ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ فِي تَعَاوُنِهِمَا بِالْمَوْضِعَيْنِ، فَإِذَا كَانُوا عَلَى هَذَا جَازَتْ شَرِكَتُهُمْ وَإِلَّا فَهُمْ كَمَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ فِي الصَّيَّادَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فَيُصِيبُ أَحَدُهُمَا فِي شَبَكَةِ صَيْدٍ.

قَالَ: هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ لَا تَحُلُّ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِعَدَمِ التَّعَاوُنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إذَا جَعَلَ أَحَدُهُمَا الذَّكَرَ وَالْآخَرُ الْأُنْثَى.

(كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ شَرِكَةُ الْمُعَلِّمَيْنِ فِي مَكْتَبٍ وَاحِدٍ لَا فِي مَوْضِعَيْنِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا كَانَ ثَمَنُ مَا يَشْتَرُونَهُ مِنْ الدَّوَاءِ بَيْنَهُمْ.

قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُعَلِّمَيْنِ سَلِيقِيًّا وَالْآخَرُ نَحْوِيًّا جَازَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى الِاعْتِوَانِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَعْلَمِهِمَا فَضْلٌ مِنْ الْكَسْبِ بِقَدْرِ عِلْمِهِ عَلَى صَاحِبِهِ. ابْنُ يُونُسَ: إنْ اسْتَوَيَا فِي عِلْمٍ مَا يُعَلِّمَانِهِ الصِّبْيَانَ وَجَبَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْكَسْبِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ مِنْ الْآخَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. السَّلِيقَةُ: الطَّبِيعَةُ فُلَانٌ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلِيقَةِ أَيْ بِطَبْعِهِ لَا عَنْ تَعَلُّمٍ.

(وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ نِصْفَ دَابَّةِ رَجُلٍ ثُمَّ اشْتَرَكَا فِي الْعَمَلِ عَلَيْهَا جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَكَا لِيَحْتَطِبَا أَوْ يَجْمَعَا ثِمَارَ الْبَرِّيَّةِ وَنَقْلُهَا عَلَى رِقَابِهِمَا أَوْ دَوَابِّهِمَا فَأَمَّا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَائِزٌ، وَلَا يَجُوزُ إنْ افْتَرَقَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي صَيْدِ السَّمَكِ وَالطَّيْرِ بِنِصْفِ الشَّرَكِ وَالشِّبَاكِ إذَا عَمِلَا جَمِيعًا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي التَّعَاوُنِ بِالنِّصْفِ وَغَيْرِهِ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَصِيدَا بِبَازَيْهِمَا أَوْ كَلْبَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَمْلِكَا رِقَابَهُمَا أَوْ يَكُونَ الْكَلْبَانِ وَالْبَازَانِ طَلَبُهُمَا وَاحِدًا لَا يَفْتَرِقَانِ فَجَائِزٌ. وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ الْبَازَانِ أَوْ الْكَلْبَانِ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: شَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ شَرْطًا وَاحِدًا، إمَّا أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْجَوَارِحِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ وَاحِدًا. وَغَيْرُهُ شَرَطَ الشَّرْطَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ:" وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرَةٍ ".

وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ الْبُزَاةُ شَرِكَةً جَازَ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الِاصْطِيَادِ، وَأَنْ يَكُونَا شُرَكَاءَ فِي الْبُزَاةِ جَازَ إذَا كَانَ الصَّائِدَانِ يَتَعَاوَنَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ افْتِرَاقَ الْأَكْرِيَاءِ فِي الْبُلْدَانِ إنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ (وَهَلْ وَإِنْ افْتَرَقَا رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنُ يُونُسَ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَا رِقَابَهُمَا أَوْ يَكُونَ الْبَازَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ وَعَلَى هَذِهِ أَيْضًا حَمَلَهَا ابْنُ عَاتٍ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ

ص: 96

كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ بِالْوَاوِ وَبِأَوْ.

(وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ وَمَعْدِنٍ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ وَأَقْطَعَهُ الْإِمَامُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي حَفْرِ الْقُبُورِ وَالْمَعَادِنِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبُنْيَانِ وَعَمَلِ الطِّينِ وَضَرْبِ اللَّبِنِ وَطَبْخِ الْقَرَامِدِ وَقَطْعِ الْحِجَارَةِ مِنْ الْجِبَالِ إذَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ هَذَا فِي غَارٍ وَهَذَا فِي غَارٍ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَإِنْ عَمِلَا فِي الْمَعْدِنِ مَعًا فَأَدْرَكَا نَيْلًا كَانَ بَيْنَهُمَا وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَعْدَ إدْرَاكِهِ النَّيْلَ لَمْ يَرِثْ حَظَّهُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَالسُّلْطَانُ يَقْطَعُهُ لِمَنْ رَأَى وَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَقَيَّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ) عِيَاضٌ: ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَدْرَكَ النَّيْلَ كَانَ

ص: 97

لِوَرَثَتِهِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ النَّيْلَ (وَلَزِمَهُ مَا يَقْبَلُ صَاحِبُهُ وَضَمَانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا يَقْبَلُ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ لَزِمَ الْآخَرَ عَمَلُهُ وَضَمَانُهُ وَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ افْتَرَقَا.

(وَأُلْغِيَ مَرَضٌ كَيَوْمَيْنِ) أَوْ غَيْبَتِهِمَا لَا إنْ كَثُرَتْ (وَفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ

ص: 98

غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ، فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرَضٍ مِنْهُمَا أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمِلَ الْآخَرُ فَبَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَقَدَا عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ، فَإِنْ نَزَلَ كَانَ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ مِنْ عَمَلٍ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً دُونَ الْآخَرِ، ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ (وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ) قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: إنْ لَمْ يَعْقِدَا عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ الزَّائِدُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ وَيُسْمَحُ فِي الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْ التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا إذَا فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ فَلَا يُسْمَحُ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَانْظُرْ أَنْتَ اللَّخْمِيَّ، وَانْظُرْ ذِكْرَ غَيْبَةِ شَرِيكِ الْعَمَلِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْبَةَ

ص: 100

شَرِيكِ الْمَالِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ عَمَلِ الْأَبْدَانِ أَوْ غَابَ وَطَالَ وَشَحَّ شَرِيكُهُ فَلَهُ عَمَلُهُ قَالَ: وَأَمَّا فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ فَلَهُ نِصْفُ أُجْرَةٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا الْفَضْلُ إنَّمَا جَرَّهُ الْمَالُ.

وَانْظُرْ مَسْأَلَةً تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى بِالنِّسْبَةِ لِلشُّرَكَاءِ فِي الْحَرَارَةِ يَسْتَخْدِمُونَ الصُّنَّاعَ فَيَغِيبُ بَعْضُ الصُّنَّاعِ وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بِحُكْمِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ فَيَخْدُمُ عَنْ صَانِعٍ وَيَأْخُذُ أَجْرًا، أَمَّا إنْ شَرَطُوا هَذَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ.

قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: إنْ اشْتَرَكَا شَرِكَةً صَحِيحَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَا جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لِيَتَّجِرَ بِنَصِيبِهِ جَازَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى أَنْ يَقْسِمَ مَتَى أَحَبَّ، وَأَمَّا إنْ عَقَدَا الشَّرِكَةَ وَالْإِجَارَةَ مَعًا فَلَا يَجُوزُ (وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ وَهُوَ بَيْنَهُمَا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:" لَا الشِّرَاءُ بِهِ ".

(وَكَبَيْعِ

ص: 102

وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ) ابْنُ شَاسٍ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ لَا تَصِحُّ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَبِيعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِزِيَادَةِ رِبْحٍ فَيَكُونُ لَهُ بَعْضُهُ.

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى الذِّمَمِ دُونَ مَالٍ وَلَا صَنْعَةٍ عَلَى مَا اشْتَرَيَاهُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا وَرِبْحُهُ بَيْنَهُمَا وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ.

(وَذِي رَحًا وَذِي بَيْتٍ وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ وَتَرَادُّوا الْأَكْرِيَةَ وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَمَلُ

ص: 103

رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِعَيْنٍ وَبِعَرَضٍ " أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَجَازَهَا سَحْنُونَ، وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ مَنْعَهَا ابْنَ الْقَاسِمِ مُعَارِضًا لِإِجَازَتِهِ الشَّرِكَةَ بِالْعَرَضَيْنِ مِنْ صِنْفَيْنِ وَلِإِجَازَتِهِ أَنْ يَشْتَرِكَ ثَلَاثَةٌ يُخْرِجُ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَقَرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ. قَالَ: إذَا تَسَاوَى الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي إخْرَاجِ الزَّرِيعَةِ جَازَ.

وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُتَيْطِيِّ فِي ذِي الرَّحَا وَذِي الْبَيْتِ وَذِي الدَّابَّةِ إنْ أَكْرَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ جَازَتْ شَرِكَتُهُمْ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ أَتَى أَحَدُهُمَا بِرَحًا وَالْآخَرُ بِدَابَّةٍ وَالثَّالِثُ بِالْبَيْتِ، وَعَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِأَيْدِيهِمْ وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمْ لَهُ أَثْلَاثًا، فَعَمِلُوا عَلَى ذَلِكَ وَجَهِلُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ مَا أَصَابُوا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إنْ كَانَ كِرَاءُ الدَّابَّةِ وَالْبَيْتِ وَالرَّحَا مُعْتَدِلًا وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّحَا وَالدَّابَّةَ وَالْبَيْتَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمْ فَأَكْرَى ثُلُثَيْ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبَيْهِ وَعَمِلُوا جَازَتْ الشَّرِكَةُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ مَا أَخْرَجُوهُ مُخْتَلِفًا قُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ عَمَلُ أَيْدِيهِمْ وَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهِ وَيَرْجِعُ مَنْ لَهُ فَضْلُ كِرَاءٍ عَلَى

ص: 104

أَصْحَابِهِ فَيَتَرَادُّونَ شَيْئًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أَخْرَجُوهُ مِمَّا يُكْرَى وَقَدْ اُكْتُرِيَ كِرَاءً فَاسِدًا وَلَمْ يَتَرَاجَعُوا فِي عَمَلِ أَيْدِيهِمْ لِتَسَاوِيهِمْ فِيهِ فَجَعَلْت ذَلِكَ كَرُءُوسِ أَمْوَالِهِمْ. أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ كَانَ كِرَاءُ الْبَيْتِ ثَلَاثَةً وَالدَّابَّةُ دِرْهَمَيْنِ وَالرَّحَا دِرْهَمًا لَدَفَعَ صَاحِبُ الرَّحَا لِصَاحِبِ الْبَيْتِ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْكِرَاءِ سِتَّةٌ فَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ كِرَاءُ دَابَّتِهِ دِرْهَمَانِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ.

وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً فِي شُرَكَاءِ الْأَبْدَانِ إذَا عَقَدَا الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا فِي هَذَا خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ تَرَاضَيَا بَعْدَ الشَّرِكَةِ أَنْ يَرْعَى هَذَا شَهْرًا وَهَذَا شَهْرًا جَازَ، وَكَذَا مُعَلِّمُو الصِّبْيَانِ. وَانْظُرْ أَيْضًا هَاهُنَا مَسْأَلَةً أُخْرَى.

قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ تَصَرُّفِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كَغَاصِبٍ أَمْ لَا. سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ عَبْدٍ ضَرْبُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ إلَّا فِي ضَرْبِ أَدَبٍ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَأَى مَالِكٌ شَرِكَتَهُ شُبْهَةً تُسْقِطُ الضَّمَانَ فِي ضَرْبِ الْأَدَبِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَ ضَرْبِهِ أَدَبًا يُفْسِدُهُ.

وَانْظُرْ زَرْعَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَبِنَاءَهُ فِي أَرْضٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فِي كَوْنِهِ كَغَاصِبٍ يَقْلَعُ زَرْعَهُ وَبِنَاءَهُ أَمْ لَا لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ. اُنْظُرْهُ فِيهِ أَوَّلَ صَفْحَةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ. وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: إذَا زَرَعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَدْرَ حَظِّهِ مِنْ الْأَرْضِ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَرَعَ قَدْرَ حِصَّتِهِ بِخِلَافِ مَرْكَبٍ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ رَاكِبَهُ سَافَرَ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَى شَرِيكِهِ أَنْ يُسَافِرَ مَرْكَبُهُ بِغَيْرِ كِرَاءٍ وَالْأَرْضُ هِيَ عَلَى حَالِهَا. الْبُرْزُلِيِّ: وَكَذَا يَلْزَمُ فِي الدَّارِ أَنَّهَا عَلَى حَالِهَا بِخِلَافِ الْمَرْكَبِ اهـ.

وَيَظْهَرُ مِنْ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ رَجَّحَ هَذَا عَلَى فُتْيَا السُّيُورِيِّ فِي امْرَأَةٍ لَهَا شِقْصٌ بِدَارٍ بَقِيَتْ بِتِلْكَ الدَّارِ تَسْكُنُهُ وَحْدَهَا فَقَامَ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ الْبَقِيَّةُ بِكِرَاءِ حَظِّهِ فَقَالَتْ: إنَّمَا سَكَنْتُ قَدْرَ حَظِّي. فَقَالَ السُّيُورِيُّ: عَلَيْهَا الْكِرَاءُ. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةَ الْبِئْرِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَتَنْهَارُ وَالْعَيْنُ فَتَنْقَطِعُ فَيَعْمَلُ فِيهَا أَحَدُهُمَا وَيَأْبَى شَرِيكُهُ أَنْ يَعْمَلَ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَاءِ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ لِشَرِيكِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ.

(وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ) تَبِعَ خَلِيلٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ ابْنَ الْحَاجِبِ وَكَثِيرًا مَا هُوَ يَتْبَعُ ابْنَ شَاسٍ، وَهَذَا الْفَصْلُ فِي ابْنِ شَاسٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إذْ جَعَلَهُمَا فَصْلَيْنِ: الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ فِي الطُّرُقِ

ص: 105

وَالْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ دُعِيَ أَحَدُ شَرِيكَيْ مَا لَا يَنْقَسِمُ لِإِصْلَاحِهِ أُمِرَ بِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلِابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِمَّنْ يُصْلِحُهُ.

وَعَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا السَّمَاعِ أَيْضًا أَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ عَلَيْهِ مِنْ حَظِّهِ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ حَظِّهِ بَعْدَمَا بِيعَ عَلَيْهِ مِنْهُ. ابْنُ رُشْدٍ:

ص: 108

وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُهُ.

(كَذِي سُفْلٍ إنْ وَهِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَفِيهَا بُيُوتٌ وَسَاحَةٌ وَلَهَا غُرَفٌ وَسُطُوحٌ بَيْنَ يَدَيْهَا فَقَسَمُوا الْبِنَاءَ عَلَى الْقِيمَةِ وَأَبْقَوْا السَّاحَةَ، فَإِنَّ السَّطْحَ يُقَوَّمُ مَعَ الْبِنَاءِ تُقَوَّمُ الْغَرْفَةُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْمِرْفَقِ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ

ص: 109

يَرْتَفِقُ بِسَاحَةِ السُّفْلِ كَارْتِفَاقِ صَاحِبِ السُّفْلِ وَلَا مِرْفَقَ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ فِي سَطْحِ الْأَعْلَى إذْ لَيْسَ مِنْ الْأَقْبِيَةِ، وَيُضِيفُ الْقَاسِمُ قِيمَةَ خَشَبِ السَّطْحِ وَالْغُرَفِ مَعَ قِيمَةِ الْبَيْتِ الَّذِي تَحْتَ ذَلِكَ وَمَا رَثَّ مِنْ خَشَبِ الْعُلْوِ الَّذِي هُوَ أَرْضُ الْغُرَفِ وَالسَّطْحِ فَإِصْلَاحُهُ عَلَى رَبِّ الْأَسْفَلِ وَلَهُ مِلْكُهُ كَمَا عَلَيْهِ إصْلَاحُ مَا وَهِيَ وَرَثَّ مِنْ جَدَرَاتِ الْأَسْفَلِ.

وَإِذَا سَقَطَ الْعُلْوُ عَلَى الْأَسْفَلِ فَهَدَمَهُ جُبِرَ رَبُّ الْأَسْفَلِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَبْنِيَهُ حَتَّى يَبْنِيَ رَبُّ الْعُلْوِ عُلْوَهُ، فَإِنْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَبْنِيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ بِنَائِهِ جُبِرَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَبْنِيَهُ.

ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ جُبِرَ عَلَى بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ وَفِي تَرَبُّصِهِ لِلْبَيْعِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ (وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ) ابْنُ شَعْبَانَ: إذَا خِيفَ سُقُوطُ السُّفْلِ فَقِيلَ: إنَّ تَعْلِيقَ الْأَعْلَى عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ حَمْلَهُ بِالْبِنَاءِ وَبِهَذَا أَقُولُ، إلَّا أَنْ يَهْدِمَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَقِيلَ: إنَّ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْأَعْلَى (وَالسَّقْفِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا رَثَّ مِنْ خَشَبِ الْعُلْوِ اُنْظُرْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَذِي سُفْلٍ ".

(وَكَنْسِ مِرْحَاضٍ) أَشْهَبُ: كَنْسُ بِئْرِ الْمِرْحَاضِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهُ بِئْرُهُ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهِ سُقَاطَتَهُ وَأَنْ يَرْتَفِقَ بِهِ فَهُوَ كَسَقْفِ السُّفْلِ.

وَلِابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوُهُ انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْجَمَاجِمِ. قَالَ: وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي كَنْسِ كَنِيفِ الدَّارِ الْمُكْرَاةِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى رَبِّهَا.

وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى الْمُكْتَرِي.

وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ اهـ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: " إذَا وَقَعَتْ فِي بِئْرِ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ فَأْرَةٌ أَوْ مَاتَتْ بِهِ أَوْ هِرٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ تَنْقِيَةَ الْبِئْرِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ فَعَلَيْهِ إصْلَاحُهَا، وَمِنْ الْكَافِي: مَنْ كَانَ لَهُ مَسِيلُ مَاءٍ عَلَى سَطْحِ رَجُلٍ فَانْهَدَمَ فَإِصْلَاحُ السَّطْحِ عَلَى رَبِّهِ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَسِيلِ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِ.

وَمَنْ كَانَ لَهُ شِرْبٌ فِي بُسْتَانِ رَجُلٍ فَاحْتَاجَتْ سَاقِيَتُهُ أَوْ نَهَرُهُ إلَى تَنْقِيَتِهِ فَتَنْقِيَةُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْمِلْكِ وَالشِّرْبِ جَمِيعًا مِنْهُ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الدَّابَّةِ تَدْخُلُ دَارَ رَجُلٍ فَتَمُوتُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ إخْرَاجَهَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ:" وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ ". وَانْظُرْ مَسْأَلَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْقَنَاةُ تَنْسَدُّ فِي أَوَّلِهَا قَالُوا: الْأَوَّلُونَ يَكْنُسُونَ أَوَّلًا وَلَا كَنْسَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنْ انْسَدَّتْ مِنْ آخِرِهَا كَنَسَ الْأَوَّلُونَ مَعَ الْآخَرِينَ.

قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي قَنَوَاتِ الْمَرَاحِيضِ؛ لِأَنَّهَا إذَا انْسَدَّتْ فِي أَوَّلِهَا بَاقِيهَا غَيْرُ مَسْدُودٍ فَالضَّرَرُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَوَّلِينَ إذْ لَا مَنْفَذَ لِجَرْيِ مَائِهِمْ وَأَثْفَالِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا سَدَّ فِي مَجْرَاهُمْ وَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُمْ. وَإِذَا انْسَدَّتْ فِي آخِرِهَا فَالضَّرَرُ يَلْحَقُهُمْ أَجْمَعِينَ؛ لِأَنَّهَا إذَا انْسَدَّتْ عَلَى الْآخَرِينَ طَلَعَ السَّدُّ إلَى الْأَوَّلِينَ فَأَضَرَّ بِجَمِيعِهِمْ، وَأَمَّا سَوَاقِي السَّقْيِ وَالْمَطَاحِنُ فَإِذَا انْسَدَّتْ فِي أَوَّلِهَا وَخَرِبَتْ

ص: 110

قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى انْتِفَاعِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَنْسُهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ إذْ لَوْ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ الْكَنْسُ إلَى دَارِ الْأَوَّلِ وَتَمَّ لَهُ الِانْتِفَاعُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَوْ لَمْ يَكْنُسْ بَقِيَّتَهَا ارْتَفَعَ الْكَنْسُ عَنْ هَذَا وَكَنَسَ الْبَاقُونَ، ثُمَّ إذَا تَمَّ انْتِفَاعُ الثَّانِي أَيْضًا ارْتَفَعَ الْكَنْسُ مِنْهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ إلَخْ.

اُنْظُرْ نَوَازِلَ أَصْبَغَ مِنْ السُّدُودِ وَالْأَنْهَارِ.

(لَا سُلَّمٌ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: عَلَى مَنْ السُّلَّمُ؟ قَالَ: عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ إذَا كَانَ لَهُ عُلْوٌ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ عُلْوَهُ، ثُمَّ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ الْأَعْلَى مَا أَدْرَكَ الْعُلْوُ الْأَوَّلُ إلَى عُلْوِهِ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِنَاءَ السُّلَّمِ إلَى حَدِّ الْعُلْوِ إنْ كَانَ، ثَمَّ عُلْوٌ آخَرُ فَعَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ الْأَوَّلِ مِنْ بِنَاءِ السُّلَّمِ مِنْ حَدِّ عُلْوِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ سَقْفَ عُلْوِهِ الَّذِي عَلَيْهِ عُلْوُ الْآخَرِ.

(وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلْوِ إلَّا الْخَفِيفَ) أَشْهَبُ: لَيْسَ لِرَبِّ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلْوِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا خَفَّ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِرَبِّ السُّفْلِ، فَإِنْ بَنَى مُضِرًّا قُلِعَ، وَلَوْ انْكَسَرَتْ خَشَبَةٌ مِنْ سَقْفِ الْعُلْوِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إدْخَالُ خَشَبَةٍ أَثْقَلَ مِنْهَا.

(وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يُعَلِّقُ الْأَسْفَلُ الْعُلْوَ، وَالسَّقْفُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ مِمَّنْ تَنَازَعَاهُ.

وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا مَنْزِلٌ لِأَحَدِهِمَا عُلْوُهُ وَلِلْآخَرِ أَسْفَلُهُ فَانْكَسَرَ السَّقْفُ الْأَدْنَى لِسَقْفِ الْبَيْتِ قَالَ: عَلَى رَبِّ الْأَسْفَلِ إصْلَاحُ خَشَبِهِ وَجَرِيدِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدِي اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَذِي سُفْلٍ ".

(وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا مُتَعَلِّقِ بِلِجَامٍ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا تَنَازَعَا جِدَارًا حَائِلًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا فَصَاحِبُ الْيَدِ مِنْهُمَا مَنْ كَانَ إلَيْهِ وَجْهُ الْجِدَارِ أَوْ الطَّاقَاتُ وَمَعَاقِدُ الْقُمُطِ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ جُذُوعٌ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَكَذَا رَاكِبُ الدَّابَّةِ مَعَ الْمُتَعَلِّقِ بِلِجَامِهَا الرَّاكِبُ مُخْتَصٌّ بِالْيَدِ.

(وَإِنْ

ص: 111

أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًا إنْ أَبَيَا فَالْغَلَّةُ لَهُمْ وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ) قَالَ عِيسَى: إذَا تَهَدَّمَتْ الرَّحَا الْمُشْتَرَكَةُ فَدَعَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ إلَى عَمَلِهَا وَأَبَى الْبَاقُونَ، فَإِنَّ مَنْ أَبَى يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ. قَالَهُ مَالِكٌ: وَلَوْ عَمِلَ بَعْضُهُمْ فَلَمَّا تَمَّتْ وَطَحَنَتْ قَالَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ: خُذْ نِصْفَ مَا أَنْفَقْتَ وَأَكُونُ مَعَكَ شَرِيكًا قَالَ: ذَلِكَ لَهُ. فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ قَدْ اغْتَلَّ مِنْهَا غَلَّةً قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَنْفَقَ فَقَالَ لِي ابْنُ الْقَاسِمِ:

ص: 112

الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ حَتَّى يُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمِلَ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا اغْتَلَّ فَبِمَا أَنْفَقَ فَإِنْ اغْتَلَّ جَمِيعَ نَفَقَتِهِ رَجَعَ فِي حَظِّهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَقَضَى عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ ".

(وَبِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لِإِصْلَاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ) سَحْنُونَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ حَائِطَهُ مِنْ دَارِ جَارِهِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ فَيَنْظُرَ حَائِطَهُ، وَكَذَا لَوْ قَلَعَتْ الرِّيحُ ثَوْبَ رَجُلٍ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ

ص: 113

يَدْخُلَ لِيَأْخُذَهُ أَوْ يُخْرِجَهُ الْمُشَاوِرُ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي دَارِ رَجُلٍ.

(وَبِقِسْمَتِهِ إنْ طُلِبَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْجِدَارُ إذَا كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةً وَأَبَى الْآخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَوْ كَانَ يَنْقَسِمُ قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَمْ يُقْسَمْ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ جُذُوعُ هَذَا مِنْ هَاهُنَا وَجُذُوعُ هَذَا مِنْ هَاهُنَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِسْمَةً وَلَكِنْ يَتَقَاوَيَاهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ.

(لَا بِطُولِهِ عَرْضًا) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي قِسْمَةِ الْجِدَارِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْسَمُ، وَصِفَةُ قَسْمِهِ إذَا كَانَ جَارِيًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا طَائِفَةً تَلِي الْمَشْرِقَ وَالْآخَرُ طَائِفَةً أُخْرَى تَلِي الْمَغْرِبَ، وَلَيْسَتْ الْقِسْمَةُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مَا يَلِيَ الْقِبْلَةَ وَالْآخَرُ مَا يَلِي الْجَوْفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِسْمَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَضَعُهُ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ مِنْ خَشَبٍ فَثِقَلُهُ وَمَضَرَّتُهُ عَلَى

ص: 114

جَمِيعِ الْحَائِطِ وَلَيْسَ يَخْتَصُّ الثِّقَلُ وَالضَّرَرُ بِمَا يَلِيهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتَسِمَا أَعْلَاهُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أَرْضُهُ شِبْرَيْنِ فَيَبْنِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَعْلَاهُ شِبْرًا مِمَّا يَلِيهِ لِنَفْسِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ قِسْمَةً لِلْأَعْلَى وَجُمْلَةُ الْحَائِطِ عَلَى الشَّرِكَةِ الْأُولَى، أَوْ يَكُونُ مِمَّا أَرَادَا قِسْمَتَهُ بَعْدَ انْهِدَامِهِ فَيَقْسِمَانِ أَرْضَهُ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: فَصِفَةُ قَسْمِهِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ أَنْ يُقْسَمَ طُولًا لَا عَرْضًا.

وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَسْمُهُ طُولًا لَا عَرْضًا لِقَوْلِهِ: " وَكَانَ يَنْقَسِمُ " قَالَ: وَأَمَّا عَرْضًا فَيَنْقَسِمُ اهـ. وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةَ إذَا خِيفَ سُقُوطُ جِدَارٍ هُوَ بَيْنَهُمَا وَأَبَى أَحَدُهُمَا مِنْ إصْلَاحِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يُجْبَرُ أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ.

عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بِنَائِهِ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ.

(وَبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ إنْ هَدَمَهُ ضَرَرًا لَا لِإِصْلَاحٍ أَوْ هُدِمَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْجِدَارِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَانْهَدَمَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ: لَا يُجْبَرُ عَلَى إعَادَتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ هَدَمَهُ هُوَ لِوَجْهِ مَنْفَعَتِهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَوْ هَدَمَهُ لِلضَّرَرِ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُ.

قَالَ سَحْنُونَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى بُنْيَانِهِ إذَا انْهَدَمَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُجْبَرُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَبِهِ أَقُولُ. وَابْنِ رُشْدٍ: وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَانْظُرْهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

وَهُنَا ذَكَرَ أَيْضًا ضَرَرَ الشَّجَرِ بِالْجِدَارِ وَكَيْفَ إنْ نَبَتَتْ مِنْهَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ جَارِهِ أَوْ نَبَعَ عَيْنٌ مِنْ عَيْنِهِ، وَكَيْفَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ رَحًا فَوْقَ رَحَاهُ؟ وَانْظُرْ أَيْضًا آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ إذَا نَقَلَ السَّيْلُ تُرَابَ قَوْمٍ لِأَرْضِ آخَرِينَ لَا يَلْزَمُهُمْ نُقْلَانَهُ. وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ آخِرَ كِتَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِينَ قَالَ: وَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ فَأَضَرَّ بِهَا.

ص: 115

وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ أَيْضًا: إذَا جَرَّ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلٍ فَنَبَتَ بِأَرْضِ آخَرَ كَمَا لَوْ جَرَّ شَجَرَةً كَذَلِكَ كَمَا لَوْ انْتَشَرَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ وَنَبَتَ لِقَابِلٍ. وَانْظُرْ أَيْضًا هُنَاكَ ذَكَرُوا أَنَّ مَا نَبَتَ بِالتُّخُمِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ نَهْرٍ يُشَقُّ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَنَبَتَ بِهِ قَصَبٌ هِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إذْ مَا لِصَاحِبِ الْمَاءِ إلَّا مَجَازُ الْمَاءِ خَاصَّةً.

وَانْظُرْ فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ فِي مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ حُكْمُ النَّهْرِ يَكُونُ لِنَاحِيَةِ أَرْضِ رَجُلٍ فَيَيْبَسُ حَتَّى يَصِيرَ أَرْضًا تُعْتَمَرُ لِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ الْمَوْضِعُ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الْوَادِي هُوَ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ وَلَا يَكُونُ مَوَاتًا، وَبِهَذَا هِيَ الْفُتْيَا خِلَافًا لِلْمَازِرِيِّ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَهُ ابْنُ حَمْدِيسٍ. وَبِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَقُولُ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ.

ص: 116

(وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: قَضَى عُمَرُ رضي الله عنه بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ. ابْنُ حَبِيبٍ: يَعْنِي بِالِانْتِفَاعِ لِلْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فِيهَا لِلْبِيَاعَاتِ الْخَفِيفَةِ، وَلَيْسَ أَنْ يُحَازَ بِالْبُنْيَانِ وَالتَّحْظِيرِ. وَقَالَهُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ مَرَّ عُمَرُ رضي الله عنه بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَقَالَ: تُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ.

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ فَحَدُّهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي انْتِفَاعُهُمْ بِهَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ أَنْ يُكْرُوهَا. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ كُلَّ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ صَادِقَةٍ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا بَيْتَ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّ إجَارَةَ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ.

قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَاجِيُّ وَلَا ابْنُ يُونُسَ وَلَا الشَّيْخُ غَيْرَهُ.

وَأَمَّا بَيْتُ الْمَدْرَسَةِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيِّ: كُنْت بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَذَكَرْت أَنَّ أَصْحَابَ حَبْسِ الْمَدَارِسِ وَالزَّوَايَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا عَارِيَّةٌ ثُمَّ إنِّي افْتَقَرْت لِسُكْنَى بَعْضِهَا

ص: 118

فَأَعَارَنِي طَالِبٌ بَيْتًا فِي مَدْرَسَةِ شَيْخُونٍ وَأَعَارَنِي آخَرُ أُخْرَى فِي الْمَدْرَسَةِ المُسْتَنْصِرِيَّة حَالَةَ الرَّجْعَةِ فَاعْتَرَضُوا عَلَيَّ بِمَا كُنْت أَفْتَيْتُ، فَأَجَبْتُ بِأَنِّي مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ لَكِنْ سَبَقَنِي فِيهِ غَيْرِي فَإِذَا طَابَتْ نَفْسُهُ زَمَنًا مَا بِرَفْعِ يَدِهِ أَوْ مُطْلَقًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَوَّيْته بِمَا أَجَابَنِي بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّطَهُّرِ فِي مَطَاهِرِ الْمَدَارِسِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَبْسِ فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ لِسَاكِنِ الْمَدَارِسِ إنْزَالُ الضَّيْفِ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ بِخِلَافِ الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ انْتَهَى.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يُبَاحُ لِذِي الْفِنَاءِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَرُدَّ كَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ: يُهْدَمُ كَذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَصْبَغَ: إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ فَابْتَنَى مِنْهُمْ مُبْتَنٍ وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ لَمْ يُمْنَعْ إنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَرَاءَهُ وَاسِعًا وَأَكْرَهُهُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَحْكُمْ عَلَيْهِ بِزَوَالِهِ.

وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقَائِلُونَ بِالْهَدْمِ أَكْثَرُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْهَدْمِ أَظْهَرُ، وَأَفْتَى بِالْأَوَّلِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ، وَأَفْتَى بِعَدَمِ الْهَدْمِ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ.

(وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ) تَقَدَّمَ أَوَّلَ

ص: 124

الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ يُقْضَى لِأَرْبَابِ الدُّورِ بِالْأَفْنِيَةِ لِلْحَوَائِطِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.

(وَلِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ) عِيَاضٌ: قَالُوا: مَنْ قَعَدَ مِنْ الْبَاعَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَفْنِيَةِ الطُّرُقِ وَأَفْنِيَةِ الْبِلَادِ غَيْرِ الْمُتَمَلَّكَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالْمَرَافِقِ فَهُوَ أَوْلَى بِهَا مَا دَامَ بِهِ جَالِسًا، فَإِنْ قَامَ مِنْهُ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِنْ غَدٍ بِمَتَاعِهِ فَرَوَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَقِيلَ: السَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ هَذَا مَوْضِعَ الْمُقْرِئِ فِي الْمَسْجِدِ.

قَالَ عِيَاضٌ: الْمُفْتِي إذَا أَلِفَ بِالْمَسْجِدِ

ص: 127

مَوْضِعًا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَاجِبٍ.

(وَبِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ مِنْ خَلْفَهَا) سُئِلَ سَحْنُونَ عَمَّنْ فَتَحَ كُوَّةً فِي غَرْفَةٍ يَرَى مِنْهَا مَا فِي دَارِ جَارِهِ

ص: 128

فَقَضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهَا فَطَلَبَ أَنْ يَسُدَّهَا مِنْ خَلْفِ بَابِهَا فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلْيَقْلَعْ الْبَابَ وَيَسُدَّهُ، وَتَرْكُ الْبَابِ يُوجِبُ لَهُ حِيَازَةً بَعْدَ الْيَوْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الْبَابَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَيَصِيرُ حِيَازَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يُقْلَعَ.

(وَبِمَنْعِ دُخَانٍ: كَحَمَّامٍ وَرَائِحَةٍ: كَدِبَاغٍ وَأَنْدَرَ قِبَلَ بَيْتٍ وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ) مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ أَحْدَثَ أَنْدَرَا إلَى جَنْبِ جِنَانِ رَجُلٍ وَهُوَ يَضُرُّ بِهِ فِي تَذْرِيَةِ التِّبْنِ قَالَ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ أَحْدَثَ إلَى جَانِبِ دَارٍ فُرْنًا أَوْ حَمَّامًا فَيَضُرُّ بِمَنْ جَاوَرَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْغَسَّالُ أَوْ الضَّرَّابُ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ ضَرْبِهِمَا فَلَا يُمْنَعَانِ مِنْ هَذَا، وَأَمَّا الدَّبَّاغُ يُؤْذِي جِيرَانَهُ بِرَائِحَةِ دِبَاغَةٍ مُنْتِنَةٍ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَالْفُرْنِ وَالْحَمَّامِ.

قَالَ: وَلَوْ أَحْدَثَ جَنَّاتٍ إلَى جَانِبِ الْأَنْدَرِ وَتِبْنُ الْأَنْدَرِ يَضُرُّ بِهِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَيُمْنَعُ صَاحِبُ الْأَنْدَرِ مِنْ الضَّرَرِ كَمَا كَانَ يُمْنَعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وُقُوعُ التِّبْنِ فِي أَرْضِهِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.

ابْنُ رُشْدٍ: إحْدَاثُ أندر بِإِزَاءِ دَارٍ أَوْ جِنَانٍ يَضُرُّ مَا يَقَعُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ تِبْنٍ عِنْدَ الذَّرِّ، وَكَذَا دُخَانُ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ أَوْ رَائِحَةُ دَبْغٍ أَوْ إلْصَاقُ كَنِيفٍ بِجِدَارِ جَارِهِ أَوْ رَحًا تَضُرُّ جِدَارَهُ وَشِبْهُهُ اتِّفَاقًا فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى.

وَقَدْ نَقَلَ هَذَا ابْنُ عَاتٍ فِي طُرَرِهِ وَذَكَرَ هَلْ يُجْعَلُ أُنْبُوبًا فِي أَعْلَى الْفُرْنِ يَرْتَقِي الدُّخَانُ فِيهَا وَلَا يَضُرُّ بِمَنْ جَاوَرَهُ.

اُنْظُرْهُ فِي ابْتِيَاعِ حِصَّةٍ مِنْ أَنْدَرِ الْمُشَاوِرِ الصَّوْتُ لَا يَخْرِقُ الْأَسْمَاعَ وَلَا يَضُرُّ بِالْأَجْسَامِ، فَلَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالْجَدَرَاتِ فَيُمْنَعُ وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي حَانُوتِهِ دِبَاغًا أَوْ يَفْتَحَ بِقُرْبِ جَارِهِ مِرْحَاضًا وَلَا يُغَطِّيهِ أَوْ مَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْمِعَى وَتُؤْذِي الْإِنْسَانَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عليه السلام:«مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» الْحَدِيثَ. قَالَ: فَكُلُّ رَائِحَةٍ تُؤْذِي يُمْنَعُ مِنْهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَبِهَذَا الْعَمَلُ.

(وَإِصْطَبْلٍ) مِنْ الْمُفِيدِ: يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ إصْطَبْلًا عِنْدَ بَيْتِ جَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِبَوْلِ الدَّوَابِّ وَزِبْلِهَا بِبَيْتِ جَارِهِ وَحَرَكَتِهَا فِي

ص: 134

اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ النَّوْمِ (وَحَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابِ دَارٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ ".

(وَيُقْطَعُ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ إنْ تَجَدَّدَتْ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) قَالَ مُطَرِّفٌ فِي الشَّجَرِ يَكُونُ إلَى جَانِبِ دَارِ رَجُلٍ فَيَضُرُّ بِهِ: فَإِنْ كَانَتْ أَقْدَمَ مِنْ الْجِدَارِ وَكَانَتْ عَلَى حَالِ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مِنْ انْبِسَاطِهَا فَلَا تُقْطَعُ، وَإِنْ حَدَثَ لَهَا أَغْصَانٌ بَعْدَمَا بَنَى الْجِدَارَ تَضُرُّ بِالْجِدَارِ فَلْيُشَمِّرْ مِنْهَا كُلَّ مَا أَضَرَّ بِالْجِدَارِ مِمَّا حَدَثَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُتْرَكُ وَمَا حَدَثَ وَانْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْجِدَارِ.

ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ أَصْبَغُ بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالُوا أَجْمَعُ: إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مُحْدَثَةً بَعْدَ الْجِدَارِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْهَا كُلُّ مَا آذَى الْجِدَارَ وَأَضَرَّ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي شَجَرَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ فَطَالَتْ حَتَّى صَارَ يُشْرِفُ مِنْهَا إلَى دَارِ جَارِهِ إذَا طَلَعَ يَجْنِيهَا أَوْ غَرَسَهَا قَرِيبًا مِنْ جَارِهِ، فَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُطْرَقَ مِنْهَا فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ إلَّا مَا خَافَ مِنْ الطَّرْقِ أَوْ مِمَّنْ يَجْنِيهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ وَيُؤْذِنُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْنِيَهَا، وَأَمَّا إنْ خَرَجَ مِنْ فُرُوعِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ الْخَارِجَ فَقَطْ، وَنَحْوُهُ لِأَصْبَغَ قَالَ: إنْ كَانَ عِظَمُهَا وَامْتِدَادُهَا صُعُودًا إلَى السَّمَاءِ فَلَا تُغَيَّرُ عَنْ حَالِهَا كَالْبُنْيَانِ يَرْفَعُهُ الرَّجُلُ فِي حَقِّهِ فَيَسْتُرُ بِهِ الرِّيحَ

ص: 135

وَالشَّمْسَ عَنْ جَارِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا امْتَدَّتْ مِنْ أَرْضِ جَارِهِ فَتُشَمَّرُ وَتُقْطَعُ وَتُرَدُّ إلَى حَالٍ لَا تُؤْذِي.

قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيَقْطَعْ حَتَّى تَعُودَ فُرُوعُهَا حِذَاءَ أَرْضِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا.

قَالَ أَصْبَغُ: وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ بِمِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قَسْمٍ فَامْتَدَّتْ فُرُوعُهَا فَلَا قَوْلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ.

وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَمَنْ فِي حَائِطِهِ شَجَرَةٌ فَيَخْرُجُ مِنْهَا قُضْبَانٌ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَظْهَرُ فِي أَرْضِ جَارِهِ وَتَصِيرُ شَجَرًا مُثْمِرًا وَثَبَتَ ذَلِكَ، فَلْيُخَيَّرْ مَنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ أَنْ يَقْلَعَهَا أَوْ يُعْطِيَ لِلْآخَرِ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً مَطْرُوحَةً.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ مَنْفَعَةٌ لَوْ قَلَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا بِمَوْضِعٍ آخَرَ لَنَبَتَتْ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَهِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ.

قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَضَرَّةٌ؛ لِأَنَّ عُرُوقَ الْقَدِيمَةِ تَسْقِي هَذِهِ فَلَهُ قَلْعُهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي ظَهَرَتْ فِي أَرْضِهِ أَنْ يَقْطَعَ عُرُوقَهَا الْمُتَّصِلَةَ بِشَجَرَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا تَضُرَّ بِهَا وَيُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً إنْ كَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ فَذَلِكَ لَهُ. وَأَفْتَى اللَّخْمِيِّ بِقَطْعِ نَخْلَةٍ خِيفَ مِنْ سُقُوطِهَا عَلَى زَيْتُونَةٍ.

(لَا مَانِعَ ضَوْءٍ وَشَمْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَتَجَاوَزَ بُنْيَانَ جَارِهِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ رَفْعِ بُنْيَانِهِ وَمُنِعَ مِنْ الضَّرَرِ بِهِ، وَإِنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ وَأَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تَرْتَفِعَ فِي حُجْرَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هَذَا الْبُنْيَانِ.

وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ مَنْعِ الضَّوْءِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ.

(وَرِيحِ الْأَنْدَرِ) الْبَاجِيُّ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مُلَاصِقَةٌ أَنْدَرَ غَيْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الرِّيحَ عَنْ الْأَنْدَرِ وَيَقْطَعُ مَنْفَعَتَهُ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُمْنَعُ. وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي قَلْعِ مَرَافِقِ الْأَنْدَرِ الَّتِي تُقَامُ. زَادَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالْأَنَادِرُ كَالْأَفْنِيَةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّضْيِيقُ فِيهَا وَلَا قَطْعُ مَنَافِعِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ.

قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ (وَعُلْوِ بِنَاءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ أَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِ جَارِهِ وَكُوَاهُ.

(وَصَوْتٍ كَكَمْدٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي ضَرَرِ صَوْتِ الْحَرَكَاتِ طُرُقٌ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَحْدَثَ رَحًا تَضُرُّ بِجَارِهِ مُنِعَ. الْبَاجِيُّ: أَمَّا الرَّحَا إنْ ثَبَتَ أَنَّهَا تَضُرُّ بِجَدَرَاتِ الْجِنَانِ مُنِعَ مِنْهَا، وَأَمَّا صَوْتُهَا فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْغَسَّالِ وَالضَّرَّابِ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ صَوْتِهِمَا: إنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخِلَافَ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّوْتِ الضَّعِيفِ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ أَوْ مَا لَا يُسْتَدَامُ، وَأَمَّا مَا كَانَ صَوْتًا شَدِيدًا مُسْتَدَامًا كَالْكَمَّادِينَ وَالصَّفَّارِينَ وَالرَّحَا ذَاتِ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ كَالرَّائِحَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَحْكِ الصَّقَلِّيُّ غَيْرَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ. ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى مَنْعِ ضَرَرِ الصَّوْتِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: " اُطْرُدْ هَذَا الْقَارِئَ عَنِّي فَقَدْ آذَانِي ".

ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ هَذَا بِدَلِيلٍ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَانْظُرْ أَوَاخِرَ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِمَّا يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ قُرْبَ فُرْنٍ آخَرَ أَوْ قُرْبَ دَارٍ لَا يَضُرُّهَا الدُّخَانُ.

ص: 136

اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ.

(وَبَابٍ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِكَ أَوْ يُسَاوِيهِ، وَلَا تُحَوِّلْ بَابًا هُنَاكَ إذَا مَنَعَكَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ بِهِ بَابَكَ لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ بِهِ بَابِي فِي سُتْرَةٍ وَلَا أَدَعُكَ أَنْ تَفْتَحَ قُبَالَةَ بَابِي أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ، وَشِبْهَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ.

وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْت أَوْ تُحَوِّلَ بَابَكَ حَيْثُ شِئْت مِنْهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْفَتْحِ قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ أَوْ يُقَدِّمُ بَابَهُ جِوَارَ بَابِ جَارِهِ الْمُلَاصِقَةِ لَهُ فِي السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ أَوْ النَّافِذَةِ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ.

وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّهُ يُمْنَعُ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ مِنْ أَنْ يَضُرَّ بِجَارِهِ فِي أَنْ يَفْتَحَ قُبَالَتَهُ أَوْ يَقْرُبَ مِنْ بَابِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا النَّافِذَةُ فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ مِنْ الْأَبْوَابِ أَوْ يُقَدِّمَهَا.

قَالَ

ص: 137

ابْنُ وَهْبٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ حَوَانِيتَ فِي جِدَارِهِ إلَى سِكَّةٍ مِنْ السِّكَكِ مُشَاعَةً لِلنَّاسِ وَلِرَجُلٍ دَارٌ يُقَابِلُ بَابُهَا تِلْكَ الْحَوَانِيتَ فَشَكَا ضَرَرَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت مَا فِي السِّكَكِ النَّافِذَةِ.

قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَتْ نَافِذَةً فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ وَيَنْقُلَ مَا أَحَبَّ.

ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ تَفْتَحَ بَابًا أَوْ حَانُوتًا قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ فِي الزُّقَاقِ النَّافِذِ.

وَقَالَهُ أَشْهَبُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَابْنِ وَهْبٍ. وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ أَحْدَثَ بِدَارِهِ بَابًا وَحَانُوتَيْنِ قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ نَافِذٌ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ دَارِ الْجَارِ وَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا عَلَى نَظَرِ الْجَالِسِينَ فِي الْحَانُوتَيْنِ لِعَمَلِ صَنْعَتِهِمْ وَهُوَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِرَبِّ الدَّارِ، بِأَنْ يَأْمُرَ أَنْ يُنَكِّبَ بَابَهُ وَحَانُوتَيْهِ عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِغَلْقِهَا وَتُرِكَ.

اُنْظُرْ فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فَفِيهَا نَحْوُ هَذَا.

(وَرَوْشَنٍ) الْجَوْهَرِيُّ: الرَّوْشَنُ الْكُوَّةُ. الْمُحْكَمُ الرَّوْشَنُ الرَّفُّ. الْبَاجِيُّ: مَا خَرَجَ مِنْ الْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَنَاحُ بِأَسْفَلِ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَيُمْنَعُ انْتَهَى.

اُنْظُرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ تَحْتَ الْأَرْضِ، مِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: أَمَّا وَضْعُ سَاقِيَةٍ تَمْشِي تَحْتَ الْأَرْضِ وَيُغَطِّيهَا مِنْ فَوْقُ بِالتُّرَابِ فَمَا يَجْرِي جَوَازُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ، وَنَقَلَ بَعْدَ هَذَا لَا يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ رَفًّا عَلَى طَرِيقٍ وَلَا كَنِيفًا إذَا سَتَرَهُ وَغَطَّاهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرُ أَحَدٍ.

(وَسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ) سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ: لِمَنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَنْ يَبْنِيَ جِدَارَيْهِمَا غُرْفَةً أَوْ مَجْلِسًا فَوْقَ

ص: 145

الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ.

ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ رَفَعَ بِنَاءَهُ رَفْعًا يُجَاوِزُ رَأْسَ الْمَارِّ رَاكِبًا. وَنَحْوُهُ فِي الزَّاهِي وَكَذَا الْأَجْنِحَةُ انْتَهَى.

وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: سُنَّةُ الْأَنْهَارِ وَالطُّرُقِ الِارْتِفَاقُ بِهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْصِبَ عَلَى نَهْرٍ إذَا كَانَتْ الضِّفَّتَانِ لَهُ أَوْ إحْدَاهُمَا وَأَبَاحَ لَهُ صَاحِبُ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لِلسُّلْطَانِ أَنَّ الْوَادِيَ لَهُ انْتَهَى (بِسِكَّةٍ

ص: 146

نَافِذَةٍ) مَا وَجَدْتُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ فَاسْتَظْهِرْ عَلَيْهِ.

(وَإِلَّا فَكَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ) حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا أَوْ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الزُّقَاقِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ وَأَقَامَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ. الثَّانِي - أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُقَابِلْ بَابَ جَارِهِ وَلَا قَرُبَ مِنْهُ فَيَقْطَعُ بِهِ مِرْفَقًا عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

وَسُئِلَ سَحْنُونَ عَنْ دَرْبٍ كَبِيرٍ غَيْرِ نَافِذٍ فِيهِ زَنْقَةٌ فِي نَاحِيَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّنْقَةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ قَالَ: لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَلَا يُحَرِّكُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الدَّرْبِ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافٌ لِلْمُدَوِّنَةِ، وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصْوَبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنَ وَهْبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَةَ مُشَاعَةٌ لَا يَتَمَيَّزُ حَظُّ أَحَدِهِمْ عَنْ صَاحِبِهِ، فَمَا يُفْتَحُ فِيهِ مُشْتَرَكٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَالدُّورُ فِي الدُّرُوبِ غَيْرِ النَّافِذَةِ مُتَمَيِّزَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْنَعَ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِجَارِهِ (إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ) تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى

ص: 148

مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ وَأَقَامَهُ ابْنُ زَرْبٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَفْتَى بِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ لِسَحْنُونٍ، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السِّكَّةَ غَيْرُ النَّافِذَةِ كَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ لَا يُسْتَحْدَثُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ إلَّا بَابًا نُكِّبَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ.

وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةً فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ لَهُ دَارَانِ فِي رَحْبَةٍ لِأَهْلِ الطَّرِيقِ ارْتِفَاقٌ بِالْأَحْمَالِ بِهَا حِينَ ضَيَّقَ الطَّرِيقَ بِالْأَوَّلِ وَشِبْهُهَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا بَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ لَهُ فِنَاءً وَلَمْ يَزِدْ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ شَيْئًا.

قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا بِتُونِسَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَحَكَمَ بِهَدْمِ الْبَابِ وَإِزَالَتِهِ.

(وَصُعُودَ نَخْلَةٍ وَأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ صَعِدَ إلَى شَجَرَةٍ يَجْنِيهَا فَيَرَى مِنْهَا مَا فِي دَارِ جَارِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا وَلَكِنْ يُؤْذِنُ جَارَهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ نَحْوَهُ انْتَهَى.

وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ صَوْمَعَةٍ أُحْدِثَتْ يُطَّلَعُ مِنْهَا عَلَى بَعْضِ الدُّورِ، هَلْ هِيَ كَالشَّجَرَةِ يُطَّلَعُ مِنْهَا حِينَ اجْتِنَائِهَا عَلَى دَارِ الْجَارِ؟ فَأَفْتَى بِسَدِّ كُلِّ مَا يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى دَارٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّجَرَةِ بِكَثْرَةِ صُعُودِ الصَّوْمَعَةِ وَقِلَّةِ طُلُوعِ الشَّجَرَةِ انْتَهَى. اُنْظُرْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْكَلَامَ عَلَى ضَرَرِ الِاطِّلَاعِ.

وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الدُّورِ، وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْبِنَاءِ الَّذِي يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى الْفَدَادِينِ وَالْمَزَارِعِ وَيُخْتَلَفُ فِي الْجَنَّاتِ.

قَالَ: الْمُشَاوِرُ يُمْنَعُ الِاطِّلَاعَ إذَا تَبَيَّنَتْ الْأَشْخَاصُ وَإِلَّا فَلَا.

ابْنُ عَرَفَةَ: اُنْظُرْ هَلْ أَرَادَ الْأَشْخَاصَ بِاعْتِبَارِ الصِّنْفِ كَالرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ النَّوْعِ كَالْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِالْجُزْئِيَّةِ كَزَيْدٍ مِنْ عُمَرَ فَلَا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ شَكَا شَجَرَةً بِدَارِ جَارِهِ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ مِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا بِخِلَافِ مَا دَخَلَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي دَارِهِ بِخِلَافِ شَجَرَةٍ فِي أَرْضِهِ لِغَيْرِهِ لَيْسَ لَهُ قَطْعُ مَا انْبَسَطَ مِنْهَا.

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي الِاطِّلَاعِ أَنَّ مَا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ وَقَصْدٍ إلَى التَّطَلُّعِ بِتَكَلُّفِ صُعُودٍ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ إنْ اطَّلَعَ.

قَالَ: وَأَفْتَى الشُّيُوخُ عِنْدَنَا فِيمَنْ فَتَحَ فِي قَصَبَتِهِ بَابًا لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى دَارِ جَارِهِ إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ الْبَابِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْبَابِ شَرْجَبًا وَثِيقًا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِ أَحَدٍ رَأْسَهُ مِنْهُ وَهُوَ حَسَنٌ مِنْ الْفَتْوَى انْتَهَى.

مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: وَانْظُرْ فَصْلَ الضَّرَرِ فِي ابْنِ سَلْمُونَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْأَحْبَاسِ ذَكَرَ فِيهِ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي إحْدَاثِ ضَرَرٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؟ وَإِنْ عَلِمَ بِالضَّرَرِ وَسَكَتَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ فَلَا قِيَامَ لَهُ وَإِذَا أَحْدَثَ عَلَيْهِ بِنَاءً فَسَكَتَ حَتَّى تَمَّ الْبِنَاءُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا سَكَتَ رِضًا، فَإِنْ بَاعَ سَقَطَ قِيَامُهُ.

(وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبِهِ) الْمُوَطَّأُ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً تُغْرَزُ فِي

ص: 149

جِدَارِهِ» رَوَى ابْنُ وَهْبٍ " خَشَبَةً " بِلَفْظِ الْوَحْدَةِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ " خَشَبَهُ " عَلَى الْجَمْعِ وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ نَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ مُعْرِضِينَ؟ أَمَا وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. وَالصَّوَابُ بِالتَّاءِ. وَرُوِيَ بِالنُّونِ " أَكْنَافِكُمْ ".

ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ هَذَا نَدْبٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ " وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَالُوا: هَذَا مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُوَافِقِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالِاسْتِمْلَاكِ وَلَيْسَ الْمِرْفَقُ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْهُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا وَمَنَعَ مِنْ الْآخَرِ؟ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِذَلِكَ وَقَالَ لِابْنِ مَسْلَمَةَ: وَاَللَّهِ لَيُمَرَّنَّ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ. وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّكَ؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عِنْدَ عُمَرَ مَا جَبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ قَضَى لِابْنِ عَوْفٍ عَلَى ابْنِ زَيْدٍ.

وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ «أَنَّ غُلَامًا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ: أَبْشِرْ هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَمَا يُدْرِيهَا؟ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» . وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَانْظُرْ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ أَنَّ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِيهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِرْ الْمَسْجِدُ دَارَ رَجُلٍ فَلَا يُعَلِّقْ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَانْظُرْ فِيهَا أَيْضًا مَنْ

ص: 150

أَرَادَ أَنْ يُعَلِّقَ بَيْتًا فِي دَارِهِ عَلَى أَرْجُلٍ مِنْ حَائِطِ جَارِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِجَارِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ أَنْ يَمَسَّ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ وَتَدًا فِي جِدَارِهِ وَلَا أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَا يَضُرُّ بِهِ كَالزِّبْلِ وَالتِّبْنِ. (وَإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ وَفَتْحُ بَابٍ) الْبَاجِيُّ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: كُلُّ مَا طَلَبَهُ جَارُهُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ إرْفَاقٍ بِمَاءٍ أَوْ طَرِيقٍ وَشِبْهِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ مِنْهُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ.

(وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَفِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ وَفِي مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَذِنْتَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِكَ أَوْ يَغْرِسَ فَلَمَّا فَعَلَ أَرَدْتَ إخْرَاجَهُ، فَأَمَّا بِقُرْبِ إذْنِكَ لَهُ مِمَّا لَا يُشْبِهُ أَنْ تُعِيرَهُ إلَى مِثْلِهِ تِلْكَ الْمُدَّةُ الْقَرِيبَةُ فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ. وَقَالَ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا: قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ. ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ " أَيْ إذَا أَخْرَجَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا مِنْ آجُرٍّ أَوْ جِيرٍ. وَقَوْلُهُ: " مَا أَنْفَقَ " إذَا أَخْرَجَ ثَمَنًا فَاشْتَرَى بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ.

ابْنُ يُونُسَ: فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ. وَقِيلَ: رَأَى أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغَابُنٌ أَوْ كَانَ فِيهِ تَغَابُنٌ يَسِيرٌ، وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَعْدَلَ إذْ قَدْ يُسَامَحُ مَرَّةً فِيمَا يَشْتَرِيهِ، وَمَرَّةً يُغْبَنُ فِيهِ فَإِذَا أَعْطَى قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمَ بِنَائِهِ لَمْ يَظْلِمْ. ابْنُ يُونُسَ: فَيَكُونُ عَلَى هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَالتَّأْوِيلَانِ مَعًا مُحْتَمَلَانِ. وَقِيلَ: تَأْوِيلٌ آخَرُ هُوَ خَطَأٌ اهـ.

اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُكْمَ إذَا أَبَى أَنْ يَدْفَعَ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يُعْطِهِ مَا أَنْفَقَ تَرَكَهُ إلَى مِثْلِ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّكَ أَعَرْته إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْأَمَدِ. وَرَوَى أَبُو عُمَرَ: مَنْ أَعَارَ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ أَغْضَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ فَقَالَ: انْزِعْ خَشَبَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. وَرَوَى الْبَاجِيُّ: إذَا أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَغْرِزَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَاحْتَاجَ إلَى جِدَارِهِ مَاتَ أَوْ عَاشَ أَوْ بَاعَ.

وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا أَتَى عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُعَارُ مِثْلُهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَهُ مَنْعُهُ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: الْغَرْزُ فِي جِدَارِ الدَّارِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى رَبِّ الْجِدَارِ.

وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَيَأْتِي أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَمَرِّ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ لِجَارِهِ إنْ لَمْ

ص: 151