المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في أركان الإجارة وحكمها وفي الطوارئ الموجبة للفسخ] - التاج والإكليل لمختصر خليل - جـ ٧

[محمد بن يوسف المواق]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الصُّلْحِ] [

- ‌أَنْوَاع الصُّلْح]

- ‌[لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فَافْتَدَى مِنْهَا بِمَالٍ]

- ‌الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ

- ‌[الصُّلْحُ مِنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ جُرْحِ عَمْدٍ]

- ‌[كِتَابُ الْحَوَالَةِ]

- ‌[شُرُوطُ الْحَوَالَةِ]

- ‌[شَرْطُ بَيْعِ الدَّيْنِ]

- ‌[كِتَابُ الضَّمَانِ]

- ‌[بَاب أَرْكَان الضَّمَان وَحُكْمه وَحَمَالَة الْجَمَاعَة]

- ‌[الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ]

- ‌[سُقُوطُ الْحَمَالَةِ بِإِسْقَاطِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ]

- ‌[مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ]

- ‌[الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ]

- ‌[أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ كَفِيلًا بَعْدَ كَفِيلٍ]

- ‌[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [

- ‌بَاب أَرْكَان الشَّرِكَة وَأَحْكَامهَا والنزاع بَيْن الشَّرِيكَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ]

- ‌[كِتَابُ الْوَكَالَةِ]

- ‌[بَاب أَرْكَان الْوَكَالَة وَحُكْمهَا والنزاع فِيهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]

- ‌[بَابٌ أَرْكَانُ الْإِقْرَارِ وَالْأَقَارِيرِ الْمُجْمَلَةِ]

- ‌[بَاب فِي تعقب الْإِقْرَار بِمَا يَرْفَعهُ]

- ‌[بَابٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ]

- ‌[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ] [

- ‌الْوَدِيعَةُ ضَمَانٌ عِنْدَ التَّلَفِ وَرَدٌّ عِنْدَ الْبَقَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]

- ‌[فِي أَرْكَانِ الْعَارِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَفَصْلِ الْخُصُومَةِ فِيهَا]

- ‌[كِتَابُ الْغَصْبِ] [

- ‌بَاب فِي ضَمَانِ الْمَغْصُوب وَمَا يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَة أَوْ نقصان]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِاسْتِحْقَاقُ]

- ‌[كِتَابُ الشُّفْعَةِ]

- ‌[بَابٌ فِي أَرْكَانِ الشُّفْعَة وَكَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ]

- ‌[بَاب فِيمَا يَسْقُط فِيهِ حَقّ الشُّفْعَة]

- ‌[كِتَابُ الْقِسْمَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي الْقِسَامِ وَكَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ وَتَمَيُّزِ مَا يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ] [

- ‌قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ]

- ‌[كِتَابُ الْقِرَاضِ]

- ‌[بَاب فِي أَرْكَان الْقِرَاض وَحُكْمه وَشُرُوطه وَالتَّفَاسُخ وَالتَّنَازُع فِيهِ]

- ‌[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ]

- ‌[بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْمُسَاقَاة وَمَا بِهِ تَنْعَقِدُ وَحُكْمِهَا فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ]

- ‌[شُرُوطُ الْأُصُولِ الَّتِي تَجُوزُ مُسَاقَاتُهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِجَارَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْإِجَارَة وَحُكْمِهَا وَفِي الطَّوَارِئِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسْخِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي كِرَاءِ الْحَمَّامِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِعَالَةِ] [

- ‌فِي أَحْكَامِ الْجِعَالَةِ وَأَرْكَانِهَا]

- ‌[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

- ‌[بَابٌ مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

- ‌[بَاب الْمَنَافِع الْمُشْتَرَكَة فِي الْبِقَاع كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِد]

- ‌[بَاب فِي الْأَعْيَان الْمُسْتَفَادَة مِنْ الْأَرْض كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاه]

- ‌[كِتَابُ الْوَقْفِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْوَقْفِ وَحُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ]

الفصل: ‌باب في أركان الإجارة وحكمها وفي الطوارئ الموجبة للفسخ]

[كِتَابُ الْإِجَارَةِ] [

‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْإِجَارَة وَحُكْمِهَا وَفِي الطَّوَارِئِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسْخِ]

ابْنُ شَاسٍ: فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ: الْعَاقِدَانِ وَالْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ وَهِيَ كُلُّ مَنْفَعَةٍ يُسْتَبَاحُ تَنَاوُلُهَا. الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ.

الثَّالِثُ فِي الطَّوَارِئِ الْمُوجِبَةِ لِلْفَسْخِ. عِيَاضٌ: يُقَالُ آجَرْت فُلَانًا وَأَجَّرْته بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَكَذَلِكَ آجَرَهُ اللَّهُ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الْمَدَّ فِي الْإِجَارَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَصْلُهَا الثَّوَابُ وَهِيَ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَهِيَ مُعَاوَضَةٌ صَحِيحَةٌ يَجْرِي فِيهَا مَا يَجْرِي فِي الْبُيُوعِ مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِجَارَةُ بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ غَيْرَ

ص: 493

سَفِينَةٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا يُعْقَلُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا.

(صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ) ابْنُ شَاسٍ: أَرْكَانُ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ:

الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَلَا يَخْفَى. ابْنُ الْحَاجِبِ: هُمَا كالمتبايعان. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْأَجْرُ وَهُوَ كَالثَّمَنِ يُطْلَبُ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا قَدْرًا وَصِفَةً.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى جَوَازِ الْمَجْهُولَاتِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْبَدَلِ، وَأَجَازُوا أَنْ يُعْطِيَ حِمَارَهُ لِمَنْ يُسْقِي عَلَيْهِ أَوْ يَعْمَلُ بِنِصْفِ مَا يُرْزَقُ بِسَعْيِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيُعْطِيَ الْحَمَّامَ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْهُ مِمَّا يُحَصِّلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ. قَالُوا: وَأَبَاحَ اللَّهُ إجَارَةَ الْمُرْضِعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الصَّبِيُّ مِنْ لَبَنِهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الصِّبْيَانِ فِي الرَّضَاعِ وَاخْتِلَافِ أَلْبَانِ النِّسَاءِ وَوَرَدَ الْقُرْآنُ بِجَوَازِهِ اهـ. مِنْ الِاسْتِنْكَارِ. اُنْظُرْ هَلْ يَنْتَظِمُ فِي هَذَا السِّلْكِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ يَحْسُنُ إلَيْهِمْ أَنْ يَبِيتُوا بِالْبَهَائِمِ فِي فَدَّانِ إنْسَانٍ. وَمِنْ هَذَا مَا سُئِلْتُ عَنْهُ فِي قُرَى السَّاحِلِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ الْبَهَائِمِ الَّذِي يُشَتِّي بِالسَّاحِلِ بَهَائِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى بَعْضِ دُورِ تِلْكَ الْقُرَى فَيُنْفِقَ صَاحِبُ الدَّارِ عَلَيْهِ

ص: 494

وَيُعْطِيَهُ بَهَائِمَ نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا يَنْتَفِعُ بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كُلُّهُ قَرِيبٌ. وَقَدْ أَلْفَيْتُ الْقَوْمَ وَقَدْ شَدَّدُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَا وَهُمْ لَا بُدَّ فَاعِلُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَيَخْلِطُهُمَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ " مَا فِي مِثْلِ هَذَا التَّشْدِيدِ مِنْ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ. وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُؤَاجِرَ الْخَيَّاطَ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السَّنَةِ، وَالْفَرَّانَ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ أَشْهُرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ مِثْلَ هَذَا فِي الْحَمَّامِ إلَّا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ رَجَّحَ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْخُبْزِ وَالْخِيَاطَةِ بِأَنَّ أَكْلَ النَّاسِ مَعْرُوفٌ وَالْخِيَاطَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ قَالَ: بِخِلَافِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ.

قَالَ: فَالْمَنْعُ فِي الْحَمَّامِ هُوَ الصَّوَابُ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ قَالَ سَحْنُونَ: لَوْ حُمِلَتْ أَكْثَرُ الْإِجَارَاتِ عَلَى الْقِيَاسِ لَبَطَلَتْ، وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ الْغَنَمِ الْمُؤَلَّفَةِ لِلتَّزْلِيلِ تَنْفَتِقُ الشَّبَكَةُ فَتَرْعَى الْغَنَمُ مَا حَوْلَهَا قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا عَلَى أَصْحَابِ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَهَا وَبَيَّتَهَا فِي أَرْضِهِ فَمَا جَنَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَانْظُرْ الْأَوْلَى فِي هَذَا الْبَابِ الدُّخُولُ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ لِمَ أَجَازَ مَالِكٌ الْهِبَةَ لِغَيْرِ ثَوَابٍ مُسَمًّى؟ قَالَ: لِأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُ مُسْتَعْمِلَهُ دُونَ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ إذَا فَرَغَ رَاضَاهُ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوا هَذَا كَمَا يُعْطِي الْحَجَّامَ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَرَجٌ وَغُلُوٌّ فِي الدِّينِ اهـ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابَ الْإِجَارَةِ وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اهـ.

وَنَقَلَ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ يُقَالَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا

ص: 495

بَأْسَ بِهِ اهـ. وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله فِيمَا هُوَ جَارٍ عَلَى هَذَا لَا يُفْتِي بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً وَلَا يُشَنِّعُ عَلَى مُرْتَكِبِهِ، قُصَارَى أَمْرِ مُرْتَكِبِهِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَرَعِ وَمَا الْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ لَا حِسْبَةَ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ دَعَتْ لِذَلِكَ حَاجَةٌ، وَمِنْ أُصُولِ مَالِكٍ أَنْ يُرَاعَى الْحَاجِيَّاتُ كَمَا يُرَاعَى الضَّرُورِيَّاتُ. فَأَجَازَ الرَّدَّ عَلَى الدِّرْهَمِ مَعَ كَوْنِهِ يَجْعَلُ مُدَّ عَجْوَةٍ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَأَجَازَ تَأْخِيرَ النَّقْدِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَخَفُّ؛ لِأَنَّ بِالتَّحَلُّلِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُمْ بِخِلَافِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَبَابُ الرِّبَا، وَيُبَاحُ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ بِخِلَافِ بَابِ الرِّبَا. وَمِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ: وَسُئِلَ أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِي كَرْمٍ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا يُخْرِجُ الْكَرْمُ أَوْ جُزْءٍ. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ يَحْرُسُ لَهُ الزَّرْعَ وَلَهُ بَعْضُهُ؟ قَالَ: يَنْظُرُ إلَى أَمْرِ النَّاسِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَلَا يَجِدُونَ الْعَمَلَ لَهُ إلَّا بِهِ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إذَا عَمَّ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى أَعْمَالِ النَّاسِ وَلَا يَجِدُونَ مِنْهُ بُدًّا مِثْلُ كِرَاءِ السُّفُنِ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ. وَسُئِلَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ رحمه الله: هَلْ تَجُوزُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَعْلُوفَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَرِقُ عَلَى وَاحِدٍ وَعَلَى الْآخَرِ الْخِدْمَةُ وَتَكُونُ

ص: 496

الزَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى نِسْبَةِ الْحَظِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ: قَدْ أَجَازَ مَا ذُكِرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لِلضَّرُورَةِ وَتَعَذَّرَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فَيُرْجَى أَنْ يَجُوزَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَأَيْتُ لَهُ فُتْيَا أُخْرَى قَالَ فِيهَا: وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي إجَارَةِ الْآخَرِ الْكُلِّيِّ الْحَاجِيِّ. وَسُئِلَ عَنْ إعْطَاءِ الْجِبَاحِ لِمَنْ يَخْدُمُهَا بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهَا قَالَ: هِيَ إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ وَكَذَلِكَ فِي الْأَفْرَانِ والأرحي. وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْتَبِيحُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْيَوْمَ عَمَلُ النَّاسِ فِي أُجْرَةِ الدَّلَّالِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِقِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَكَثْرَةِ الْخِيَانَةِ كَمَا اعْتَذَرَ مَالِكٌ بِمِثْلِ هَذَا فِي إبَاحَةِ تَأْخِيرِ الْأُجْرَةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ رُبَّمَا لَا يُوَفُّونَ، فَعِنْدَ مَالِكٍ هَذَا ضَرُورَةُ إبَاحَةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَالنَّاسُ مُضْطَرُّونَ لِهَذَا وَاَللَّهُ الْمُخَلِّصُ.

(وَعُجِّلَ إنْ عُيِّنَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْعِوَضُ الْمُعَيَّنُ أَجْرًا كَشِرَائِهِ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ أَوْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ طَعَامٍ فَتَشَاحَّا فِي النَّقْدِ وَلَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْكِرَاءِ بِالْبَلَدِ بِالنَّقْدِ جَازَ وَقَضَى بِنَقْدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّتُهُمْ بِالنَّقْدِ لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ وَلَوْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِ النَّقْدَ. فِي الْعَقْدِ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يُقْبَضَ إلَى شَهْرٍ، وَيُفْسَخُ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ وَكَانُوا يَكْرُونَ بِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ وَأَبْهَمُوا الْكِرَاءَ، فَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لَا يُوجِبُ نَقْدَ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفًا أَوْ شَرْطًا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَنْقُدَ إنْ بِقَدْرِ مَا رَكِبَ أَوْ سَكَنَ بِخِلَافِ شِرَاءِ السِّلَعِ الْمُعَيَّنَةِ، هَذِهِ بِتَمَامِ عَقْدِ شِرَائِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْدُ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِدُهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ نَقْدُ ثَمَنِهَا، وَالرُّكُوبُ وَالسُّكْنَى لَمْ يَنْقُدْهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُدَ إلَّا ثَمَنَ مَا قَبَضَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عَقْدُ الْكِرَاءِ لَا يُوجِبُ انْتِقَادَ ثَمَنِهِ فَكَأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْكِرَاءِ بِهَذِهِ الْمُعَيَّنَاتِ عَلَى التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ فَسَادُ الْكِرَاءِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَا بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ قَضَى بِنَقْدِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهَا فِي الْعَقْدِ.

(أَوْ بِشَرْطٍ) قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اسْتَأْجَرَ صَانِعًا عَلَى عَمَلٍ عُرِفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ فَسَأَلَهُ تَقْدِيمَ الْأُجْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُهُ إلَّا إلَى شَهْرٍ لَا يَصْلُحُ تَقْدِيمُ أَجْرِهِ لَهُ حَتَّى يَبْدَأَ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ بَدَأَهُ قَدَّمَهُ لَهُ إنْ شَاءَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

ص: 499

لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ (أَوْ عَادَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَرَادَ الصُّنَّاعُ وَالْأُجَرَاءُ تَقْدِيمَ الْأَجْرِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْعَمَلِ حُمِلُوا عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَّا الْأَكْرِيَةُ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ إجَارَةِ بَيْعِ السِّلَعِ وَنَحْوِهَا فَبِقَدْرِ مَا مَضَى، وَلَيْسَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ نِصْفَ الثَّوْبِ أَخْذُ نِصْفِ الْأَجْرِ حَتَّى يَتِمَّ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: وَلِأَنَّهُ لَوْ خَاطَهُ كُلَّهُ ثُمَّ ضَاعَ الثَّوْبُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَكَذَلِكَ إذَا خَاطَ بَعْضَهُ.

(أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا) . ابْنُ رُشْدٍ: الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَنَسْجِ الْغَزْلِ إنْ كَانَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ كَانَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.

(إلَّا كِرَاءَ حَجٍّ فَالْيَسِيرُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ مِثْلِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ النَّقْدُ وَلَكِنْ يُعَجَّلُ مِثْلُ الدِّينَارَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَنْتَقِدَ مِثْلَ ثُلُثَيْ الْكِرَاءِ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: قَدْ اقْتَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرُوهُمْ بِالنَّقْدِ وَيُعَرْبِنُوهُمْ الدِّينَارَ وَشِبْهَهُ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا بِغَيْرِ أَجَلٍ وَشَرَعَ فِي الرُّكُوبِ جَازَ بِغَيْرِ نَقْدٍ؛ لِأَنَّ نَقْدَ أَوَائِلِ الرُّكُوبِ كَقَبْضِ جَمِيعِهِ إذْ هُوَ أَكْثَرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ اكْتَرَى كِرَاءً مَضْمُونًا لَا يَرْكَبُ فِيهِ إلَّا إلَى أَجَلٍ فَالنَّقْدُ فِيهِ جَائِزٌ، بَلْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّقْدِ كُلِّهِ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْمَضْمُونِ كَتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ مَالِكٌ إذَا أُخِّرَ بَعْضُ النَّقْدِ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ اقْتَطَعُوا أَمْوَالَ النَّاسِ فَأَجَازَ فِيهِ تَأْخِيرَ بَعْضِ الثَّمَنِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ بَعْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ. (وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ:

ص: 500

أَمَّا فِي الْأَكْرِيَةِ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ إجَارَةِ بَيْعِ السِّلَعِ وَنَحْوِهِ فَبِقَدْرِ مَا مَضَى ابْنُ الْقَصَّارِ كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ اسْتَحَقَّ أَجْرَهُ (وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ) . ابْنُ يُونُسَ: أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، فَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ:" أَوْ بِشَرْطٍ ". اُنْظُرْ آخَرَ تَرْجَمَةِ مَا يَحِلُّ أَوْ يَحْرُمُ فِي الْجُعْلِ وَجُعِلَ مِنْ ذَلِكَ النِّكَاحُ مَعَ الْبَيْعِ وَالْجُزَافُ مَعَ الْمَكِيلِ وَحُكِيَ

ص: 501

الْخِلَافُ فِي الْجَمِيعِ.

(كَمَعَ جُعْلٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: الْجُعْلُ وَالْبَيْعُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجْتَمِعُ الْجُعْلُ وَالْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا فِي مَعْلُومٍ وَالْجُعْلُ يَجُوزُ فِيهِ الْمَجْهُولُ، فَهُمَا مُخْتَلِفَا الْأَحْكَامِ مَتَى جُمِعَا فَسَدَا.

وَعَنْ سَحْنُونٍ: إجَارَةُ الْمُغَارَسَةِ مَعَ الْبَيْعِ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى (لَا بَيْعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: كَذَلِكَ إلَّا فِي الْمَبِيعِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ جَائِزٌ فِي الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ كَالثَّوْبِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَتَهُ وَفِيهَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ إذَا أَمْكَنْت

ص: 503

إعَادَتُهُ كَالصُّفْرِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ الْبَائِعُ قَدَحًا.

(وَكَجِلْدٍ لِسَلَّاخٍ وَنُخَالَةٍ لِطَحَّانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى سَلْخِ شَاةٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا. ابْنُ شَاسٍ: لَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالْجِلْدِ وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ لَمْ يَجُزْ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْجِلْدُ جَازَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيْعُهُ وَالنُّخَالَةُ تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الدَّقِيقِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ بِدِرْهَمٍ وَقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ

ص: 505

الْإِجَارَةُ بِهِ. الْبُرْزُلِيِّ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ دُخُولُ الْمَعْصَرَةِ بِالْفِيتُورِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا مَعْلُومًا.

(وَجُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ آجَرْته عَلَى دَبْغِ جُلُودٍ أَوْ عَمَلِهَا أَوْ نَسْجِ ثَوْبٍ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ ذَلِكَ إذَا فَرَغَ لَمْ يَجُزْ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ؛ وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ

ص: 506

أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِهِ. ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ الْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ عَلَى أَنْ يَدْبُغَهَا مُجْتَمِعَةً فَأَفَاتَهَا بِالدِّبَاغِ فَإِنَّ لَهُ نِصْفَهَا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا وَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ فِي نِصْفِهَا، مِنْ تَرْجَمَتِهِ فِي الْإِجَارَةِ وَالسَّلَفِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: إلَّا إنْ قَالَ لَكَ نِصْفُ الْغَزْلِ عَلَى أَنْ تَنْسِجَ لِي نِصْفَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ.

قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْتَرِي ثَوْبًا بَقِيَ مِنْهُ ذِرَاعٌ عَلَى أَنْ يُتِمَّهُ لَكَ.

ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ شَرَطَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ صِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بِضَمَانٍ، وَإِنْ دَفَعَ إلَيْكَ نِصْفَ هَذَا الْغَزْلِ عَلَى أَنْ تَنْسِجَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ ثَوْبًا وَانْعَقَدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَشَارَكَا فِيهِ فَنَسَجَهُ كُلَّهُ مُشَاعًا فَذَلِكَ جَائِزٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ زِيَادَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَيْءٍ فَيَصِيرُ شَرِكَةً وَإِجَارَةً، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الشَّرِكَةِ بَيْعٌ أَوْ شَرْطُ زِيَادَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الشَّرِكَةِ بِغَزْلَيْنِ عَلَى نَسْجِهِمَا مَعَهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ نِصْفِ غَزْلِهِ بِشَرْطِ نَسْجِهِ. وَحَكَى الصَّقَلِّيُّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ بِإِجَازَتِهِ مَا لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا. وَمِنْ ابْنِ سَلْمُونَ: أَشْهَدَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ عَلَى السَّوَاءِ فِي كَذَا وَكَذَا رَأْسًا مِنْ الْغَنَمِ، مَا أَفَادَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ بَيْنَهُمَا وَهِيَ عَلَى يَدِ فُلَانٍ مِنْهُمَا يَرْعَاهَا وَأَجْرُهُ فِي ذَلِكَ كَذَا. ابْنُ حَبِيبٍ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: اطْحَنْ لِي هَذَا الْقَمْحَ وَلَكَ نِصْفُهُ أَوْ حِكْ لِي هَذَا الْغَزْلَ وَلَكَ

ص: 507

نِصْفُهُ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ قَالَ: فَلَكَ نِصْفُهُ قَمْحًا أَوْ غَزْلًا فَجَائِزٌ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبْهَمًا فَهُوَ عَلَى الْأَمْرِ الْجَائِزِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِقَوْلِهِ دَقِيقًا أَوْ ثَوْبًا.

وَكَذَلِكَ فِي عَصْرِ الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ وَحَصَادِ الزَّرْعِ بِنِصْفِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْجَائِزِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْحَصَادِ حَتَّى يُصَرِّحَ فَيَقُولَ بَعْدَ عَصْرِهِ أَوْ حَصَادِهِ فَلَا يَجُوزُ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ قُلْت احْمِلْ طَعَامِي إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ تَنْقُدَهُ الْآنَ مَكَانَكَ، وَإِنْ أَخَّرْتَهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحْمِلُهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ إلَى أَجَلٍ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَجَائِزٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَشْهَبَ انْتَهَى.

وَانْظُرْ لَوْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْجُلُودِ ادْبَغْ هَذِهِ الْجُلُودَ بِنِصْفِهَا وَشَرَطَا نَقْدَ النِّصْفِ، نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ مِثْلُ نَسْجِ الْغَزْلِ بِجُزْءٍ مِنْهُ قَالَ: فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِ الثَّوْبِ مِنْ النَّسْجِ وَلَا وَجْهُ خُرُوجِ الْجِلْدِ مِنْ الدِّبَاغِ قَالَ: وَأَصْلُ هَذَا. أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ اشْتِرَاطُهُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ بِالْجُزْءِ مِنْهُ. انْتَهَى مِنْ

ص: 508

رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ. اللَّخْمِيِّ: إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْجُلُودُ تَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ وَالْعَدَدِ أَوْ تَتَقَارَبُ، وَإِنْ تَبَايَنَ اخْتِلَافُهَا لَمْ يَجُزْ انْتَهَى. فَانْظُرْ عَلَى هَذَا بِالنِّسْبَةِ إذَا قَالَ لَهُ اعْمَلْ لِي فَحْمًا بِنِصْفِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ وَشَرَطَا النَّقْدَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَحْمَ يَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ وَبَيْعُ نِصْفِ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْفَحْمُ جَائِزٌ، وَمَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ. فَانْظُرْ أَنْتَ فِي ذَلِكَ، وَانْظُرْهُ مَعَ مَا يَأْتِي قَبْلَ قَوْلِهِ وَكَإِنْ خِطْته الْيَوْمَ فَمُقْتَضَاهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُجِيزَ حِصَّتَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، هَكَذَا هُوَ فِي الْفَحْمِ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِصَّتِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ أَجَازَ فِي الْمُوَطَّأِ مُسَاقَاةَ مَا حَلَّ بَيْعُهُ.

قَالَ سَحْنُونَ: فَهِيَ إجَارَةٌ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " كَاحْصُدُوا دَرْسَ " وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ ثَوْبٍ أَوْ نِصْفَ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرَهُمَا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالْبَلَدِ جَازَ إنْ ضَرَبَا لِبَيْعِ ذَلِكَ أَجَلًا مَا خَلَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا.

(أَوْ رَضِيعٍ وَإِنْ مِنْ الْآنِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَرْضَعَتْ بِجُزْءٍ مِنْ الرَّضِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ الْفِطَامِ لَمْ يَجُزْ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِشَخْصِهَا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ وَهِيَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرْته عَلَى تَعْلِيمِ عَبْدِكَ الْكِتَابَ سَنَةً وَلَهُ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ مَالَهُ فِيهِ قَبْلَ السَّنَةِ وَقَدْ يَمُوتُ الْعَبْدُ

ص: 509

فِيهَا فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعَلِّمُ نِصْفَهُ الْآنَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سَنَةً لَمْ يَجُزْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الْعَبْدِ صَنْعَةً سَنَةً بِنِصْفِهِ.

(وَبِمَا سَقَطَ أَوْ خَرَجَ فِي نَفْضِ زَيْتُونٍ أَوْ عَصْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ، أَوْ جُدَّ نَخْلَتِي هَذِهِ وَلَكَ نِصْفُهَا، جَازَ وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ. وَكَذَلِكَ لَقْطُ الزَّيْتُونِ وَهُوَ كَبَيْعِ نِصْفِهِ. وَإِنْ قَالَ: فَمَا حَصَدْت أَوْ لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا جُعْلٌ. وَإِنْ قَالَ: اُحْصُدْ الْيَوْمَ وَالْتَقِطْ الْيَوْمَ فَمَا اجْتَمَعَ فَلَكَ نِصْفُهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يَحْصُدُ الْيَوْمَ فَلَا أُجِيزُهُ ثَمَنًا مَعَ ضَرْبِ الْأَجَلِ فِي الْجُعْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ فَيَجُوزُ.

ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ قَالَ: اُنْفُضْهُ كُلَّهُ وَلَكَ نِصْفُهُ لَجَازَ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: اُنْفُضْ شَجَرِي أَوْ حَرِّكْهَا فَمَا نَفَضْت أَوْ لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَهِيَ إجَارَةٌ فَكَأَنَّهُ عَمِلَ بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ بِخِلَافِ اللَّقْطِ لَوْ قَالَ فِيمَا لَقَطْت أَوْ

ص: 510

حَصَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ لَجَازَ وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ. وَإِنْ قَالَ: اعْصِرْ زَيْتُونِي أَوْ جُلْجُلَانِي فَمَا عَصَرْت فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ إذْ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ وَإِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ إذَا شَرَعَ، وَلَيْسَ هَكَذَا الْجُعْلُ وَالْحَصَادُ يَدْعُهُ مَتَى شَاءَ إذَا قَالَ فَمَا حَصَدْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:" اُحْصُدْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ " فَتِلْكَ أُجْرَةٌ لَازِمَةٌ. وَإِنْ قَالَ: اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ فَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ، وَلِأَنَّكَ بِعْتَهُ زَرْعًا جُزَافًا قَدْ يَبِسَ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ حَصَادَهُ وَدَرْسَهُ وَذَرْيَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى حَبًّا جُزَافًا لَمْ يُعَايِنْ جُمْلَتَهُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِكُلِّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْكَيْلِ وَهُوَ يَصِلُ إلَى صِفَةِ الْقَمْحِ بِفَرْكِ سُنْبُلِهِ.

وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي دَرْسِهِ إلَى نِصْفِ شَهْرٍ فَهُوَ قَرِيبٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَحِنْطَةٍ فِي بَيْتِكَ، تِلْكَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ صِفَةٍ أَوْ عِيَانٍ، وَهَذَا مُعَيَّنٌ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ:" فَمَا لَقَطْتَ فَرَضَهَا " ابْنُ رُشْدٍ قَالَ: لِكَوْنِ أَوَّلِهَا أَسْهَلَ مِنْ آخِرِهَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ إلَّا مَا جَدَدْت مِنْ نَخْلِي فَلَكَ نِصْفُهُ وَمَا قَبَضْت مِنْ دَيْنِي فَلَكَ نِصْفُهُ وَمَا حَصَدْت مِنْ زَرْعِي فَلَكَ نِصْفُهُ، فَذَكَرَ هَذَا مُسَلَّمًا ثُمَّ رَدَّدَ النَّظَرَ فِي مَسْأَلَةِ اللَّقْطِ ثَالِثِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ. (كَاحْصُدْ وَادْرُسْ وَلَكَ نِصْفُهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ قَوْلَهُ:" اُحْصُدْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ جَائِزٌ ". فَإِنْ قَالَ: اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَالْآتِي عَلَى أُصُولِهِمْ فِي: " اُحْصُدْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ " أَنَّهُ وَجَبَ لَهُ بِالْعَقْدِ قَالَ: أَلَا تَرَاهُمْ كَيْفَ جَعَلُوا مَا هَلَكَ قَبْلَ حَصَادِهِ وَبَعْدَ حَصَادِهِ مِنْ الْأَجِيرِ فَهُوَ يَحْصُدُ النِّصْفَ لَهُ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِنَفْسِهِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: إنْ قَالَ مَنْ حَلَّ بَيْعُ زَرْعِهِ لِرَجُلٍ: اُحْصُدْهُ

ص: 511

وَادْرُسْهُ عَلَى النِّصْفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. الصَّقَلِّيُّ: هَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ، وَجَوَازُ ذَلِكَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الزَّرْعِ يَجِبُ لَهُ بِالْعَقْدِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنٍ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ لَهُ شَجَرَةُ تِينٍ طَابَتْ فَيُعْطِيهَا لِمَنْ يَحْرُسُهَا وَيَجْنِيهَا وَلَهُ جُزْءٌ مِنْهَا نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذْ لَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ نَفْسَهُ بِمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ.

وَفِي الْمُوَطَّأِ: مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ كَالْإِجَارَةِ. سَحْنُونَ: وَهِيَ جَائِزَةٌ. ابْنُ يُونُسَ: كَجَوَازِ بَيْعِ نِصْفِهِ؛ وَلِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ.

(وَكِرَاءُ الْأَرْضِ بِطَعَامٍ أَوْ بِمَا تُنْبِتُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَا بِطَعَامٍ تُنْبِتُ مِثْلَهُ أَوْ لَا تُنْبِتُهُ وَلَا بِمَا تُنْبِتُهُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ أُصْطُبَّةً إذْ قَدْ يَزْرَعُ فِيهَا ذَلِكَ فَتَصِيرُ مُحَاقَلَةً، وَلَا بِقَصَبٍ أَوْ قُرْطٍ أَوْ تِينٍ أَوْ عَلَفٍ، وَلَا بِلَبَنٍ مَحْلُوبٍ أَوْ فِي ضُرُوعِهِ، وَلَا بِجُبْنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ خُبْزٍ أَوْ مِلْحٍ، وَلَا بِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَنْبِذَةِ، وَإِذَا خِيفَ فِي اكْتِرَائِهَا بِبَعْضِ مَا تَنْبُتُ مِنْ الطَّعَامِ أَنْ يَدْخُلَهُ طَعَامٌ بِمِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ خِيفَ فِي اكْتِرَائِهَا بِطَعَامٍ لَا تُنْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ طَعَامًا بِطَعَامٍ خِلَافُهُ إلَى أَجَلٍ، وَلَا تُكْرَى بِالْفُلْفُلِ وَلَا بِزَيْتِ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ وَلَا بِزَيْتِ الْجُلْجُلَانِ وَلَا بِالسَّمَكِ، وَلَا بِطَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ لِلسِّكِّينِ، وَلَا بِشَاةِ لَحْمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الطَّعَامِ، وَلَا بِزَعْفَرَانٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تُنْبِتُ، وَلَا بِطِيبٍ يُشْبِهُ الزَّعْفَرَانَ يُرِيدُ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَلَا بِعُصْفُرٍ، وَعَلَى مَنْعِهَا بِالْكَتَّانِ قَالَ مُحَمَّدٌ:

ص: 512

قَدْ تَجُوزُ بِثِيَابِهِ (إلَّا كَخَشَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْأَرْضِ يُرِيدُ بِالْعُودِ يُرِيدُ الْهِنْدِيَّ

ص: 513

وَبِالسَّنْدَلِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ وَالْجُذُوعِ قَالَ سَحْنُونَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَطُولُ مُكْثُهَا وَوَقْتُهَا؛ فَلِذَلِكَ سَهُلَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ تُنْبِتُهَا الْأَرْضُ. اللَّخْمِيِّ: وَيَجُوزُ بِالْحَلْفَاءِ وَالْحَشِيشِ وَالْمَصْطَكَى.

(وَحَمْلِ طَعَامٍ لِبَلَدٍ بِنِصْفِهِ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْآنَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قُلْت: احْمِلْ طَعَامًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ تَنْقُدَهُ الْآنَ مَكَانَك. اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ رَضِيعٌ "، وَانْظُرْ مَسْأَلَةً أُخْرَى فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَجَّرْت فُلَانًا عَلَى حَمْلِ طَعَامٍ بَيْنَكُمَا إلَى بَلَدٍ يَبِيعُهُ بِهَا عَلَى أَنَّ عَلَيْك كِرَاءَ حِصَّتِكَ وَسَمَّيْت ذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطْت أَنْ لَا تُمَيِّزَ حِصَّتَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ

ص: 514

مَتَى شَاءَ مَيَّزَهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ أَوْ يَخْرُجَ جَازَ إنْ ضَرَبَ لِلْبَيْعِ أَجَلًا يُرِيدُ ضَرَبَ أَجَلًا بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ وَلَا يَنْقُدُهُ إجَارَةَ الْبَيْعِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ آجَرْتَهُ عَلَى طَحْنِهِ فَإِنْ كَانَ إذَا شَاءَ أَفْرَدَهُ وَطَحَنَ حِصَّتَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ لَا يَطْحَنَهُ إلَّا مُجْتَمِعًا لَمْ يَجُزْ. وَكَذَلِكَ إنْ آجَرْتَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بَيْنَكُمَا جَازَ وَلَزِمَتْهُ الْإِجَارَةُ إذْ كَانَ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَكَ حِصَّتَهُ وَيَبِيعَهَا مَتَى شَاءَ وَضَرَبْت لِلرِّعَايَةِ أَجَلًا وَشَرَطْت خَلَفَ مَا هَلَكَ مِنْ حِصَّتِكَ، اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّ فِيمَنْ بَاعَ نِصْفَ غَنَمِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى مُدَّةٍ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ الْمُبْتَاعُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَلَى مِلْكِهِ طُولَ الْمُدَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ إذَا شَرَطَ خَلَفَ مَا نَقَصَ مِنْ نِصْفِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَرْكَ الْمُقَاسَمَةِ.

(وَكَإِنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ بِكَذَا وَإِلَّا فَبِكَذَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ

ص: 515

آجَرْتَ رَجُلًا يَخِيطُ لَكَ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَاطَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ بِمَا لَا يَعْرِفُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ آجَرَ مَنْ يُبَلِّغُ لَهُ كِتَابًا إلَى ذِي الْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَإِنْ بَلَّغْتَهُ فِي يَوْمَيْنِ فَلَكَ زِيَادَةُ كَذَا، فَكَرِهَهُ وَاسْتَخَفَّهُ فِي الْخِيَاطَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِجَازَةُ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَبِهِ أَخَذَ سَحْنُونَ.

(أَوْ اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا

ص: 516

حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُهُ وَهُوَ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا عَكْسُ لِتُكْرِيهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ دَابَّةً أَوْ إبِلًا أَوْ دَارًا أَوْ سَفِينَةً أَوْ حَمَّامًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ وَلَهُ نِصْفُ الْكِرَاءِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ نَزَلَ كَانَ لَكَ جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ كَمَا لَوْ قُلْت لَهُ: بِعْ سِلْعَتِي فَبِعْتهَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَوْ قُلْت لَهُ فَمَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ فَبَيْنَنَا فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالثَّمَنُ لَكَ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. ابْنُ يُونُسَ: سَاوَى بَيْنَ الدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَالسُّفُنِ إذَا قَالَ لَهُ: أَكْرِهَا وَلَكَ نِصْفُ الْكِرَاءِ أَنَّ الْكِرَاءَ لِرَبِّهَا وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ لِلرَّجُلِ وَهُوَ أَصْوَبُ. وَلَوْ أَعْطَيْتَهُ الدَّابَّةَ أَوْ السَّفِينَةَ أَوْ الْإِبِلَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا فَمَا أَصَابَ بَيْنَكُمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَإِنْ عَمِلَ عَلَيْهَا فَالْكَسْبُ هَاهُنَا لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ مَا بَلَغَ وَكَأَنَّهُ اكْتَرَى لَكَ كِرَاءً فَاسِدًا وَالْأَوَّلُ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْكَ إجَارَةً فَاسِدَةً فَافْتَرَقَا.

(وَكَبَيْعِهِ نِصْفًا بِأَنْ يَبِيعَ نِصْفًا إلَّا بِالْبَلَدِ إنْ أَجَلًا وَلَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ ثَوْبٍ أَوْ نِصْفَ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالْبَلَدِ جَازَ إنْ ضَرَبَ لِبَيْعِ ذَلِكَ أَجَلًا مَا خَلَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

قَالَ سَحْنُونَ: لِأَنَّهُ قَبَضَ

ص: 517

إجَارَتَهُ وَهِيَ طَعَامٌ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ بِيعَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَيَرُدُّ حِصَّةَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ إجَارَةً وَسَلَفًا، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِبَيْعِهِ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ شَرَطَ بَيْعَهُ فِي الْبَلَدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ نِصْفَ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَهُوَ كَأَمْرٍ طَرَأَ. ابْنُ يُونُسَ: وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَيَجُوزُ فِي الْمِثْلِيِّ وَالصَّوَابُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ إذَا اشْتَرَيْتَ ثَوْبًا بَقِيَ مِنْهُ ذِرَاعٌ عَلَى أَنْ يُتِمَّهُ لَك إنَّمَا مَنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ تَأَخَّرَ قَبْضُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ الْمَجْهُولِ عَلَى هَذَا.

(وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يَحْتَطِبُ بِهِمَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ دَابَّتَهُ لِمَنْ يَحْتَطِبُ عَلَيْهَا عَلَى النِّصْفِ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: يُرِيدُ نِصْفَ ثَمَنِ الْحَطَبِ وَلَوْ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ النَّقْلَةِ كَانَ جَائِزًا. وَكَذَلِكَ عَلَى نَقَلَاتٍ مَعْرُوفَاتٍ أَوْ قَالَ: لِي نَقْلَةٌ وَلَك نَقْلَةٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ كُلُّهُ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: إذَا قَالَ مَا حَطِبْت عَلَيْهَا مِنْ الْحَطَبِ فَلِي نِصْفُهُ وَلَكَ نِصْفُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَهُ دَابَّتَك أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ غَدًا لِرَبِّهَا.

قَالَ

ص: 518

ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ قَالَ خُذْ دَابَّتِي فَاعْمَلْ عَلَيْهَا شَهْرًا لِنَفْسِكَ وَتَعْمَلُ عَلَيْهَا شَهْرًا لِنَفْسِي لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي مِثْلِ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَشِبْهِهَا.

وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنِ الْقَاسِم: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَيَنْقُدَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ إلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ قَالَ: وَجَائِزٌ النَّقْدُ فِيهِ إذَا كَانَ يَقْبِضُهُ إلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: فَمَسْأَلَتُكَ إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ شَهْرٍ وَيَنْقُدَهُ كِرَاءَهُ الْآنَ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ دَابَّتَهُ هَذَا الشَّهْرَ هُوَ أُجْرَتُهُ، وَأَمَّا فِي الْخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا فَهُوَ مِثْلُ الَّذِي أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ أَنْ يَكْتَرِيَ الرَّجُلُ دَارًا يَسْكُنُهَا سَنَةً بِسُكْنَى دَارٍ لَهُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ. ابْنُ يُونُسَ: لِقِلَّةِ أَمْنِ الْحَيَوَانِ فَصَارَ النَّقْدُ فِيهِ إذَا لَمْ يُقْبَضْ عَمْدًا وَلَا غَرَرَ فِيمَا قَرُبَ اهـ. مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْأَكْرِيَةِ: إذَا قَالَ: خُذْ حِمَارِي اعْمَلْ عَلَيْهِ شَهْرًا لِنَفْسِكَ وَشَهْرًا لِي لَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إنْ بَدَأَ بِالشَّهْرِ الَّذِي لِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يَجُوزَ إنْ بَدَأَ بِالشَّهْرِ الَّذِي لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِكِرَاءٍ نَقَدَهُ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ لِيَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِأَعْيَانِهَا لَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ أَوْ الْغَنَمِ. رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَصَاعِ دَقِيقٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ زَيْتٍ لَمْ يَخْتَلِفْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُؤَاجِرَهُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبٍّ بِدِرْهَمٍ وَقَفِيزٍ مِنْ دَقِيقِهِ إذْ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ. وَلَوْ أَجَّرْته يَطْحَنُهُ لَكَ بِدِرْهَمٍ وَبِقِسْطٍ مِنْ زَيْتِ زَيْتُونٍ قَبْلَ أَنْ يَعْصِرَهَا جَازَ ذَلِكَ، وَلَوْ بِعْت مِنْهُ دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ قَبْلَ أَنْ يَطْحَنَهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ تَلِفَتْ هَذِهِ الْحِنْطَةُ كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ. وَإِنْ كَانَ الزَّيْتُ وَالدَّقِيقُ مُخْتَلِفًا خُرُوجُهُ إذَا عُصِرَ وَطُحِنَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى يُطْحَنَ أَوْ يُعْصَرَ. وَقَدْ خَفَّفَ مَالِكٌ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعَ طَحْنَهَا إذْ لَا يَكَادُ الدَّقِيقُ يَخْتَلِفُ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ مُخْتَلِفًا مَا جَازَ.

ص: 519

(وَاسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَقُومُ الْوَارِثُونَ مَقَامَ الْمُسْتَأْجِرِينَ.

(وَتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ أَخْذِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ دَفَعْت غُلَامَكَ إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ لِيُعَلِّمَهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِعَمَلِهِ سَنَةً جَازَ.

قَالَ عِيسَى: وَالسَّنَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ.

(وَاحْصُدْ هَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ أَوْ جُدَّ نَخْلِي هَذِهِ وَلَكَ نِصْفُهَا جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَكَذَلِكَ لَقْطُهُ الزَّيْتُونَ هُوَ كَبَيْعِ نِصْفِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْعَمَلُ فِي تَهْذِيبِهِ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ وَلَوْ شَرَطَ فِي الزَّرْعِ قَسْمَهُ حَبًّا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ بِالْحَصَادِ فَجَائِزٌ.

(وَمَا حَصَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ فَمَا حَصَدْت أَوْ لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّ هَذَا جُعْلٌ.

(وَإِجَارَةُ دَابَّةٍ لِكَذَا عَلَى إنْ اسْتَغْنَى فِيهَا حَاسَبَ) مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَكَارَى دَابَّتَهُ بِدِينَارٍ إلَى بَلَدِ كَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ مِنْهَا فَبِحِسَابِ مَا تَكَارَى مِنْهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا سَمَّى مَوْضِعَ التَّقَدُّمِ أَوْ عَرَفَ نَحْوَهُ وَقَدْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَبْدِي الْآبِقُ بِذِي

ص: 520

الْمَرْوَةِ فَأَكْتَرِي مِنْكَ إلَيْهَا بِدِينَارٍ، فَإِنْ تَقَدَّمْت فَبِحِسَابِ ذَلِكَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ عُرِفَ وَجْهُهُ فَهُوَ كَتَسْمِيَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ تَكَارَى مِنْهُ إلَى مَوْضِعٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ أَيْنَمَا بَلَغَ مِنْ الْأَرْضِ كُلِّهَا فَبِحِسَابِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، مَرَّةً يَذْهَبُ إلَى الْعِرَاقِ وَمَرَّةً إلَى الْغَرْبِ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ مَوْضِعُ التَّقَدُّمِ مَعْلُومًا مُسَمًّى أَوْ أَمَدٌ لَهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ قَدْرُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: ثُمَّ لَا يَنْقُدُهُ إلَّا كِرَاءَ الْغَايَةِ الْأُولَى فَإِنْ نَقَدَهُ الْكِرَاءَيْنِ دَخَلَهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.

قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّي مَوْضِعًا، فَإِنْ سَمَّاهُ وَقَالَ: إنْ وَجَدْت حَاجَتِي دُونَ ذَلِكَ رَجَعْت وَكَانَ عَلَيَّ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَنْقُدْ. اهـ نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " لَا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ " هُوَ نَحْوُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اكْتِرَاءِ الدَّارِ سَنَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَهَا حَاسَبَهُ بِمَا سَكَنَ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي إجَارَةِ الرَّجُلِ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ مَتَى شَاءَ تَرَكَ أَنَّهُ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَنْقُدْ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِخِيَارٍ.

قَالَ فَضْلٌ: مَنَعَ ذَلِكَ سَحْنُونَ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ إلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إنَّمَا هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْجَمِيعِ الْآنَ وَكُلَّمَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ شَيْءٌ كَانَ بِالْخِيَارِ فِيمَا بَقِيَ.

(وَاسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لِمُكْتَرِي الدَّابَّةِ لِلْحُمُولَةِ وَالدَّارِ وَالسَّفِينَةِ كِرَاؤُهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ، وَكَذَلِكَ الْفُسْطَاطُ لَهُ كِرَاؤُهُ مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَأَمَانَتِهِ وَصَنْعَتِهِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ لِاخْتِلَافِ اللُّبْسِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنْ دَفَعَهُ لِغَيْرِهِ ضَمِنَ إنْ تَلِفَ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ

ص: 521

ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَلَهُ أَنْ يَكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ أَقَلَّ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِعَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ فَلَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ يَعْمَلُ لِلنَّاسِ وَيَأْتِيهِ بِمَا عَمِلَ أَوْ يُكْرِيَهُ فِي مِثْلِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَلْزَمُ الْأَجِيرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لَهُ وَيَأْتِيهِ بِالْأُجْرَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ فِي عَمَلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَالْقِصَارَةِ فَيَنْقُلُهُ لِقِصَارَةٍ.

(أَوْ مُسْتَثْنَى مَنْفَعَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: تَصِحُّ إجَارَةُ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُسْتَأْجَرَةٌ أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهَا مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا غَالِبًا وَالنَّقْدُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:

ص: 522

قَوْلُهُ: " الرَّقَبَةُ " يَشْمَلُ الْحَيَوَانَ وَغَيْرَهُ.

(وَالنَّقْدُ فِيهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا أَوْ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَ الدَّارَ إلَى حَدٍّ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِبًا وَيَنْتَقِدُ، فَأَمَّا مَا لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهَا فِيهِ لِطُولِ الْمُدَّةِ أَوْ لِضَعْفِ الْبِنَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ دُونَ النَّقْدِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَبْقَى إلَى الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا إلَيْهَا. وَلَوْ أَجَّرَ سِنِينَ وَلَمْ يُقَدِّرْ حِصَّةَ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ الْأُجْرَةِ صَحَّ كَمَا فِي الْأَشْهُرِ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الْعَبْدِ عَشْرَ سِنِينَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَالدَّوَرَانُ بَيْنَ ذَلِكَ فِيهَا جَائِزٌ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِجَارَةِ فِيهِ بِشَرْطٍ. ابْنُ يُونُسَ: تَجُوزُ إجَارَةُ الدُّورِ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِالنَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا لِكُلِّ سَنَةٍ عَشَرَةٌ؟ قَالَ: لَا، بَلْ تُحْسَبُ عَلَى قَدْرِ نَفَاقِهَا كُلَّ سَنَةٍ.

(وَكِرَاءُ أَرْضٍ تُتَّخَذُ مَسْجِدًا مُدَّةً وَالنَّقْضُ لِرَبِّهِ إذَا انْقَضَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ رَجَعَتْ الْأَرْضُ إلَى رَبِّهَا وَكَانَ النَّقْضُ لِمَنْ بَنَاهُ.

قَالَ سَحْنُونَ: وَيَجْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ وَلَيْسَ مِثْلُ الْأَرْضِ تُسْتَحَقُّ وَقَدْ بَنَيْت مَسْجِدًا يُرِيدُ فَهَذَا يَجْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ لِلَّهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْآخَرُ إنَّمَا جَعَلَهُ لِلَّهِ عَلَى الْمُدَّةِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ تَمَامِهَا. ابْنُ يُونُسَ: كَمَنْ دَفَعَ فَرَسَهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ غَزْوَةً ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ.

ص: 524

(وَعَلَى طَرْحٍ كَمَيْتَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى طَرْحِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ.

(وَالْقِصَاصِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَتَلَ رَجُلًا ظُلْمًا بِأَجْرٍ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَمَنْ وَجَبَ لَهُمْ الدَّمُ قِبَلَ رَجُلٍ فَقَتَلُوهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا بِهِ إلَى الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ الْأَدَبِ لِئَلَّا يَجْتَرِئَ عَلَى الدِّمَاءِ وَلَا يُمَكَّنُ الَّذِي لَهُ الْقَوَدُ فِي الْجِرَاحِ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يَقْتَصُّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ بِأَرْفَقِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأُجْرَةُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُقْتَصُّ لَهُ. وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُهُ وَيُنْهَى عَنْ الْعَبَثِ فِيهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى قَتْلِ قِصَاصٍ يُرِيدُ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِحُكْمِ قَاضٍ عَدْلٍ وَالْأَدَبِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِكَ أَوْ وَلَدِكَ لِلْأَدَبِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَدَبِ فَلَا يَنْبَغِي (وَعَبْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا. وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي حُكْمِ النَّقْدِ، وَاَلَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ اُسْتُخِفَّ النَّقْدُ فِي الْعَقَارِ سِنِينَ وَاسْتُكْثِرَ فِي الْحَيَوَانِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ اهـ.

ص: 525

وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَوْ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسَهُ.

(وَيَوْمًا أَوْ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ مَثَلًا وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ) ابْنُ شَاسٍ: اسْتِصْنَاعُ الْآدَمِيِّ يُعْرَفُ إمَّا بِالزَّمَانِ أَوْ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الْخَيَّاطَ مَثَلًا يَوْمًا أَوْ بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: اسْتَأْجَرَكَ لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَصِحَّ اهـ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ نَسْجِ غَزْلٍ أَوْ طَحْنِ قَمْحٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا الْفَرَاغُ مِنْهُ مَعْلُومٌ وَلَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ بِوَقْتٍ يُشَكُّ فِي سَعَتِهِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا إشْكَالَ فِي سَعَتِهِ فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَوْلُهُ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا عَلَى أَنْ يَطْحَنَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ فَوَجَدَهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا، أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَلَمْ يَفْسَخْ الْإِجَارَةَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، أَجَازَ أَنْ يُشَارِطَ الْمُعَلِّمَ فِي تَعْلِيمِ الْغُلَامِ الْقُرْآنَ عَلَى الْحِذْقِ نَظَرًا أَوْ ظَاهِرًا سِيَّمَا إنْ جَعَلَا فِي ذَلِكَ أَجَلًا وَلَمْ يُسَمِّيَاهُ، وَعَزَاهُ لِمَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ

ص: 526

ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يَمْضِيَ إنْ وَقَعَ.

(وَبَيْعُ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: يَجُوزُ بَيْعُ الدَّارِ وَاسْتِثْنَاءُ سُكْنَاهَا مُدَّةً لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا غَالِبًا، وَفِي حَدِّهَا بِسَنَةٍ أَوْ لَا: سِتَّةُ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ قَائِلًا: وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا.

(أَوْ أَرْضٍ لِعُشْرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: بَيْعُ الْأَرْضِ وَاسْتِثْنَاؤُهَا أَعْوَامًا أَخَفُّ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ فِيهَا عَشَرَةُ أَعْوَامٍ. اُنْظُرْ فِي السَّلَمِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ: مِنْ الْغَرَرِ شِرَاءُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ إلَّا لِأَجَلٍ إلَّا مَا لَهُ وَجْهٌ كَبَيْعِ دَارٍ وَاسْتِثْنَاءِ سُكْنَاهَا شَهْرًا، أَوْ دَابَّةٍ يُسْتَثْنَى رُكُوبُهَا يَوْمَيْنِ، أَوْ زَرْعٍ يَبِسَ عَلَى كَيْلٍ يَتَأَخَّرُ حَصَادُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ ثَمَرًا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكْتَالَهُ إلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ السِّلَعُ كُلُّهَا عِنْدِي هُوَ فِيهَا أَبْيَنُ.

(وَاسْتِرْضَاعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الظِّئْرِ عَلَى رَضَاعِ الصَّبِيِّ حَوْلًا أَوْ حَوْلَيْنِ بِكَذَا، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطْت عَلَيْهِمْ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا فَهُوَ جَائِزٌ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عَلَى قَدْرِهَا وَقَدْرِ هَيْئَتِهَا وَقَدْرِ أَبِي الصَّبِيِّ فِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْأَطْعِمَةِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ أَنْ يَقْتَاتُوهَا وَيَأْتَدِمُوهَا، وَأَمَّا الرَّضَاعُ فَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي يَرْضِعُهُ الصَّبِيُّ لَا قَدْرَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا أَكْثَرُ الْإِجَارَةِ لِقِيَامِهَا بِالصَّبِيِّ وَتَكَلُّفِهَا جَمِيعِ مُؤَنِهِ فَكَانَ اللَّبَنُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا قَدْرَ لَهُ.

ص: 527

(وَالْعُرْفُ فِي كَغَسْلِ خِرَقِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَحْمِلُونَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الصَّبِيُّ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي كَغَسْلِ خِرَقِهِ وَحَمِيمِهِ وَدُهْنِهِ وَدَقِّ رَيْحَانِهِ وَطِيبِهِ عَلَى مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ (وَلِزَوْجِهَا فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إنْ آجَرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ إجَارَتَهَا.

(كَأَهْلِ الطِّفْلِ إذَا حَمَلَتْ) نَحْوُ هَذَا لِلَّخْمِيِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا حَمَلَتْ الظِّئْرُ فَخِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِهَا تُرْضِعُهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا اُكْتُرِيَتْ عَلَى رَضَاعِهِ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ سَافَرَ الْأَبَوَانِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَخْذُ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَا إلَى الظِّئْرِ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ.

(وَمَوْتِ إحْدَى الظِّئْرَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ آجَرَ ظِئْرَيْنِ فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ فَلِلْبَاقِيَةِ أَنْ لَا تُرْضِعَ وَحْدَهَا.

قَالَ سَحْنُونَ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ. وَانْظُرْ إذَا قَالَ الْأَبُ: أَرْضِعِيهِ النَّوْبَةَ الَّتِي كُنْت تُرْضِعِيهِ أَوْ قَالَتْ هِيَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.

ص: 528

(وَمَوْتِ أَبِيهِ وَلَمْ تَقْبِضْ أُجْرَةً وَإِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ هَلَكَ الْأَبُ فَحِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ، قَدَّمَهُ الْأَبُ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ، وَتَرْجِعُ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ قَدَّمَهُ الْأَبُ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفَقَةُ الصَّبِيِّ قَدَّمَهَا الْأَبُ لَمْ تَكُنْ تَلْزَمُهُ إلَّا مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَنْهُ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ أَجْرِ الرَّضَاعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَطِيَّةٍ وَجَبَتْ إذْ لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ لَمْ يُورَثْ عَنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لِلْأَبِ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ، فَفَارَقَ الضَّمَانَ فِي الَّذِي يَقُولُ لِرَجُلٍ: اعْمَلْ لِفُلَانٍ عَمَلًا أَوْ بِعْهُ سِلْعَتَكَ وَالثَّمَنُ لَكَ عَلَيَّ فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ إنْ مَاتَ، فَلَا طَلَبَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَلَا عَلَى الَّذِي عَمِلَ لَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ

ص: 529

أَجْرَ الرَّضَاعِ لَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ فَإِذَا قَدَّمَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّبِيَّ يَحْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الصَّبِيُّ بَانَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَاَلَّذِي قَالَ: بِعْ مِنْ فُلَانٍ سِلْعَتَكَ وَالثَّمَنُ لَكَ عَلَيَّ هُوَ مُتَطَوِّعٌ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمْهُ، فَلَمَّا تَطَوَّعَ بِهِ وَضَمِنَ لِلْبَائِعِ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ لَزِمَهُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا وَلَمْ تَأْخُذْ الظِّئْرُ مِنْ إجَارَتِهَا شَيْئًا فَلَهَا فَسْخُ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَائِهَا لَمْ تُفْسَخْ، يُرِيدُ وَلَوْ قَبَضَتْ أُجْرَتَهَا ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَفْسَخُوا الْإِجَارَةَ وَيَأْخُذُ مِنْهَا حِصَّةَ بَاقِي الْمُدَّةِ، وَلَكِنْ يُتْبَعُ الصَّبِيُّ بِمَا يَنُوبُهُمْ مِنْ أُجْرَةِ بَاقِي الْمُدَّةِ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَيْضًا اسْتِحْسَانٌ وَتَوَسُّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ لِابْنِهِ مُعَلِّمًا فَمَاتَ الْأَبُ فَإِنَّ ذَلِكَ لِلِابْنِ بِخِلَافِ أَجْرِ الرَّضَاعِ. وَانْظُرْ إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ هَلْ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.

(وَكَظُهُورِ مُؤَجَّرٍ أُوجِرَ بِأَكْلِهِ أَكُولًا) ابْنُ يُونُسَ: إنْ وَجَدَ الْأَجِيرَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ بِطَعَامٍ أَكُولًا خَارِجًا عَنْ عَادَةِ النَّاسِ فِي الْأَكْلِ فَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إجَارَتَهُ: ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ كَعَيْبٍ وَجَدَهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَجِيرُ بِطَعَامٍ وَسَطٍ، وَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا أَكُولَةً خَارِجَةً عَنْ النَّاسِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ نِكَاحِهَا، فَإِمَّا أَشْبَعَهَا أَوْ طَلَّقَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُرَدُّ إلَّا مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا عَوْرَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ وَلَوْ شَاءَ لَاسْتَثْبَتَ.

(وَمُنِعَ زَوْجٌ رَضِيَ مِنْ وَطْءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ

ص: 530

أَنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إنْ آجَرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ، أَخَذَ الشُّيُوخُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ اخْتَلَعَتْ لِزَوْجِهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تُتِمَّ رَضَاعَهُ. (وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) أَصْبَغُ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا عَلَيْهِ تَرْكَ الْوَطْءِ لَمْ يُمْنَعْ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ ضَرَرَ ذَلِكَ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَمَّ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا» . ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِالْيَمِينِ لِتَرْكِهِ.

(وَسَفَرٍ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَكَذَا إنْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا فَإِنْ آجَرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.

(كَأَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ آجَرَهَا عَلَى رَضَاعِ صَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ. وَكِرَاؤُهُ هَذَا مِنْ نَحْوِ أَجِيرٍ عَلَى مِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ إنْ عَدَّ غَيْرَهَا مَعَهَا إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْأُولَى إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ.

(وَلَا يَسْتَتْبِعُ حَضَانَةً كَعَكْسِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الْأُجْرَةُ عَلَى الِاسْتِرْضَاعِ لَا تُوجِبُ الْحَضَانَةَ وَالْعَكْسُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْآخَرِ كَالْخِيَاطَةِ وَالطَّرْزِ.

(وَبَيْعُهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً إنْ شَرَطَ الْخَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ لِرَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِثَمَنِهَا سَنَةً، فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ إنْ تَلِفَ الْمَالُ أَخْلَفَهُ لَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَتِمَّ عَمَلُهُ بِهَا سَنَةً جَازَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَضَاعَتْ الدَّنَانِيرُ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَخْلُفَهَا حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْأَجِيرِ: اذْهَبْ بِسَلَامٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرْت رَجُلًا يَعْمَلُ لَكَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ دِينَارٍ سَنَةً جَازَ ذَلِكَ إذَا شَرَطْت عَلَيْهِ

ص: 531

إنْ ضَاعَتْ أَخْلَفْتهَا لَهُ، فَإِنْ ضَاعَتْ كَانَ لَكَ أَنْ تُخْلِفَهَا أَوْ تَدَعَ وَقَدْ لَزِمَتْكَ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ.

قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ آجَرَهُ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِعَيْنِهَا سَنَةً وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنَّ مَا هَلَكَ مِنْهَا أَوْ بَاعَهُ أَوْ ضَاعَ ذَلِكَ أَخْلَفَهُ جَازَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ لِلْأَجِيرِ: أَوْفِ الْإِجَارَةَ وَخُيِّرَ رَبُّ الْغَنَمِ فِي خَلَفِ مَا ضَاعَ أَوْ تَرْكِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ مِائَةِ شَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ خَلَفَ مَا مَاتَ مِنْهَا وَلَهُ خَلَفُ مَا مَاتَ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّرْطِ فِيهَا.

وَقَالَ سَحْنُونَ: يَجُوزُ فِي الْمُعَيَّنَةِ مِنْ غَنَمٍ أَوْ دَنَانِيرَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ خَلَفُ مَا هَلَكَ وَالْحُكْمُ يُوجِبُ خَلَفَ مَا هَلَكَ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَبِهِ أَقُولُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ عِنْدِي أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى حَمْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ خَلَفَهُ إنْ هَلَكَ وَالْحُكْمُ يُوجِبُ خَلَفَهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ. الْبَاجِيُّ: لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَصْدِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ فَهَلَكَ فَقَالَ أَشْهَبُ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَنْفَسِخُ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافٌ لِقَوْلِهِ إنْ تَعَذَّرَ الْحَرْثُ بِنُزُولِ الْمَطَرِ سَقَطَ الْأَجْرُ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ تَعَذَّرَ الْحَرْثُ بِكَسْرِ الْمِحْرَاثِ أَوْ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ لَمْ يَسْقُطْ أَجْرُهُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ مَنَعَ أَجِيرَ الْبِنَاءِ أَوْ الْحَصَادِ أَوْ عَمَلٍ مَا مَطَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بِحِسَابِ مَا عَمِلَ مِنْ النَّهَارِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ كُلُّ الْأَجْرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي نَوَازِلِ يُونُسَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ تَقَدَّرَ عِنْدَهُمْ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَنُزُولِ الْخَوْفِ اهـ. اُنْظُرْ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّهُ يُحْكَمُ بِالْعُرْفِ هَلْ يَكُونُ؟ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا صَدَّرْت بِهِ فَتْوَى شَيْخِي ابْنِ سِرَاجٍ رحمه الله أَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَغْرَمَ كِرَاءً إنْ أَفْسَدَتْ النَّصَارَى الْغَلَّةَ أَنَّ لَهُ شَرْطَهُ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ بَعَثَ مَعَهُ بِخَادِمٍ يُبَلِّغُهَا مَوْضِعَهَا بِأَجْرٍ فَمَاتَتْ فَلَهُ الْإِجَارَةُ كُلُّهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي مِثْلِ هَذَا (كَغَنَمٍ عُيِّنَتْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ: وَكَذَلِكَ مَنْ آجَرَهُ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِعَيْنِهَا (وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آجِرِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ مِائَةٍ

ص: 532

غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ، وَلَهُ خَلَفُ مَا مَاتَ بِالْقَضَاءِ.

(كَرَاكِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَارَى قَوْمٌ دَابَّةً لِيَزِفُّوا عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَتَهُمْ فَلَمْ يَزُفُّوهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَعَلَيْهِمْ الْكِرَاءُ، وَإِنْ أَكْرَى دَابَّةً لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ مَعْلُومٍ أَوْ لِيَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعِهِ سَمَّاهُ فَبَدَا لَهُ أَوْ لِلرَّجُلِ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَلْيُكْرِ الدَّابَّةَ إلَى مَوْضِعٍ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى. وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِيَرْكَبَ يَوْمَهُ بِدِرْهَمٍ فَأُمْكِنَ مِنْهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى الْحَجِّ أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَاقَهُ مَرَضٌ أَوْ سَقَطَ أَوْ مَاتَ أَوْ عَرَضَ لَهُ غَرِيمٌ حَبَسَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَلَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كِرَاءُ الدَّابَّةِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَى مِنْ مِثْلِهِ وَيَكُونُ صَاحِبُ الْإِبِلِ أَوْلَى بِمَا عَلَى إبِلِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ. .

(وَحَافَّتَيْ نَهَرِكَ لِيَبْنِيَ بَيْتًا وَطَرِيقٌ فِي دَارٍ أَوْ مَسِيلُ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ لَا مِيزَابٍ إلَّا لِمَنْزِلِكَ فِي أَرْضِهِ) لَوْ قَالَ: " وَطَرِيقٌ

ص: 533

فِي دَارِ رَجُلٍ أَوْ مَسِيلِ مَصَبِّ مَاءِ مِيزَابٍ لَا مَاءَ مِيزَابٍ فِي أَرْضِهِ " لَنَاسَبَ مَا يَتَقَرَّرُ فَانْظُرْهُ أَنْتَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تُؤَاجِرَ حَافَّتَيْ نَهَرِكَ لِمَنْ يَبْنِي عَلَيْهِ بَيْتًا أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ.

قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ تَسْتَأْجِرَ مَصَبَّ مِرْحَاضٍ مِنْ دَارِ رَجُلٍ، وَأَمَّا مَسِيلُ مَاءِ مِيزَابِ الْمَطَرِ مِنْ دَارِ رَجُلٍ فَلَا يُعْجِبُنِي لِأَنَّ الْمَطَرَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَكُونُ وَلَا يَكُونُ. ابْنُ يُونُسَ: وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا افْتَرَقَ جَوَابُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَسِيلِ الْمِرْحَاضِ وَمَسِيلِ الْمَيَازِيبِ لِافْتِرَاقِ السُّؤَالِ، وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مَسِيلَ الْمِرْحَاضِ إنَّمَا اسْتَأْجَرَ مَسِيلَ الْمِرْحَاضِ مِنْ دَارِكَ عَلَى دَارِ صَاحِبِهِ فَذَلِكَ كَطَرِيقٍ اسْتَأْجَرَهَا، وَأَمَّا مَسِيلُ مَاءِ الْمِيزَابِ فَإِنَّمَا اكْتَرَى الْمَاءَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهَا، وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ جَوَازَ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ جَوَازِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ.

(وَكِرَاءُ رَحَى مَاءٍ بِطَعَامٍ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ رَحَى الْمَاءِ بِطَعَامٍ وَغَيْرِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ انْقَطَعَ عَنْهَا الْمَاءُ فَهُوَ غَرَرٌ تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ رَجَعَ الْمَاءُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ لَزِمَهُ بَاقِيهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ يَمْرَضُ ثُمَّ يَصِحُّ.

(وَعَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ مُشَاهَرَةً أَوْ عَلَى الْحُذَّاقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ قُرْآنٍ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ عَلَى الْحُذَّاقِ لِلْقُرْآنِ بِكَذَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَوْ سُدُسَهُ بِكَذَا. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَجْرِهِ شَيْئًا مَعْلُومًا كُلَّ فِطْرٍ وَأَضْحَى.

(وَأَخَذَهَا وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ) سُئِلَ سَحْنُونَ عَنْ الْمُعَلِّمِ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيُجْرِي لَهُمْ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ كُلَّ شَهْرٍ ثُمَّ يَحْذِقُهُ الْمُعَلَّمُ فَيَطْلُبُ الْحَذْقَةَ وَيَأْبَى الْأَبُ وَيَقُولُ: حَقُّكَ فِيمَا قَبَضْت فَقَالَ: يَنْظُرُ إلَى سُنَّةِ الْبَلَدِ فَيُحْمَلُونَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَذْقَةِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ إلَّا عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ وَحَالِهِ. قَالَ: وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ عِنْدَ الْمُعَلِّمِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْقُرْآنِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْحَذْقَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدَبَّرِ وَأَمِّ الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ أَمْوَالِهِمَا مَا لَمْ يَتَقَارَبْ عِتْقُهُمَا بِمَرَضِ السَّيِّدِ فَلَا يَنْتَزِعُ مِنْهُمَا شَيْئًا اهـ اُنْظُرْ إذَا شَرَطَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّةً فَعُزِلَ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ. ابْنُ حَبِيبٍ: نَحْنُ نُوجِبُ حَقَّ الْحَذْقَةِ وَنَقْضِي بِهَا لِلْمُعَلِّمِ.

(وَإِجَارَةُ مَاعُونٍ كَقَصْعَةِ وَقِدْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ إجَارَةُ الْآنِيَةِ وَالْقِدْرِ وَالصِّحَافِ. ابْنُ الْعَطَّارِ: وَلَا يَجُوزُ كِرَاءُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِثْلُ قِدْرُ الْفَخَّارِ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا قُصُورٌ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ يَسِيرًا مِنْ الْفِقْهِ تَيَقَّنَ أَنْ لَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ قَوْلِهَا الْقُدُورُ وَالصِّحَافُ تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا وَبَيْنَ مُقْتَضَى قَوْلِهَا بَعْضُ مَا لَا يُعْرَفُ

ص: 534

بِعَيْنِهِ. رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَعَلَى حَفْرِ بِئْرٍ إجَارَةً وَجِعَالَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ آجَرْتَهُ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ مِنْ صِفَتِهَا كَذَا ثُمَّ انْهَدَمَتْ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ بَعْدَ فَرَاغِهَا فَلَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، حَفَرَهَا فِي مِلْكِكَ أَوْ فِي غَيْرِ مِلْكِك. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَالْإِجَارَةُ تَجُوزُ فِي مِلْكِكَ أَوْ فِي غَيْرِ مِلْكِكَ مِنْ الْفَلَوَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْجُعْلِ تُجْعَلُ لَهُ دَرَاهِمُ مَعْلُومَةٌ عَلَى أَنْ يَحْفِرَ لَكَ بِئْرًا مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا فَحَفَرَ نِصْفَهَا ثُمَّ انْهَدَمَتْ قَبْلَ فَرَاغِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ انْهَدَمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذِهِ الْأُجْرَةُ فِيمَا لَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ جُعْلٌ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَكُونُ الْجُعْلُ فِي شَيْءٍ إذَا أَرَادَ الْمَجْعُولُ لَهُ تَرْكَ الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ يَشْرَعَ يَبْقَى مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ الْجَاعِلُ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَبْيَنُ فَرْقٍ بَيْنَ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَأَمَّا الْبِنَاءُ وَالْحَفْرُ فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ الْأَرْضِينَ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا الْإِجَارَةُ.

(وَيُكْرَهُ حَلْيٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ حَلْيِ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ مَرَّةً وَخَفَّفَهُ مَرَّةً أُخْرَى. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ، كِرَاءُ الْحَلْيِ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ زَكَاةَ الْحَلْيِ أَنْ يُعَارَ فَلِذَلِكَ كَرِهُوا

ص: 535

أَنْ يُكْرَى.

(كَإِيجَارِ مُسْتَأْجِرٍ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا لِمِثْلِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا تَلْبَسُهُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ فَلَا تُعْطِهِ لِغَيْرِكَ يَلْبَسُهُ لِاخْتِلَافِ اللُّبْسِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنْ هَلَكَ بِيَدِكَ لَمْ تَضْمَنْهُ، وَإِنْ دَفَعْتَهُ إلَى غَيْرِكَ ضَمِنْته إنْ تَلِفَ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لِمُكْتَرِي الدَّابَّةِ لِرُكُوبِهِ كِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لَمْ أَفْسَخْهُ، وَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ إذَا كَانَ، أَكْرَاهَا فِيمَا اكْتَرَاهَا فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَخِفَّتِهِ. وَلَوْ بَدَا لَهُ عَنْ السَّفَرِ أَوْ مَاتَ أُكْرِيَتْ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَكِرَاءِ الْحَمُولَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالدَّارِ. هَذَا لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فِي هَذَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ بِغَيْرِ كَرَاهِيَةٍ وَفِي الثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ، فَإِنْ أَكْرَى ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يُفْسَخْ وَلَمْ يَضْمَنْ اهـ. وَانْظُرْ فِي سَمَاعِ عِيسَى أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ مَنَافِعَهُ.

ص: 536

(وَتَعْلِيمِ فِقْهٍ وَفَرَائِضَ كَبَيْعِ كُتُبِهِ وَقِرَاءَةٍ بِلَحْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالشَّرْطُ عَلَى تَعْلِيمِهَا أَشَدُّ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ أَجَازَ غَيْرُهُ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِهَا جَائِزٌ عَلَى هَذَا. ابْنُ يُونُسَ: الصَّوَابُ جَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ. ابْنُ يُونُسَ: يَعْنِي التَّغَنِّيَ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ فَكَيْفَ بِالْغِنَاءِ وَكَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ الْبَيْعُ.

قَالَ سَحْنُونَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ وَلَا يُذْكَرَ غِنَاؤُهَا فَإِذَا تَمَّ الْبَيْعُ ذُكِرَ ذَلِكَ فَإِمَّا رَضِيَهَا الْمُبْتَاعُ أَوْ رَدَّهَا.

وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَا تُرَدُّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ فَيُفْسَخُ.

(وَكِرَاءُ دُفٍّ وَمِعْزَفٍ لِعُرْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَنْبَغِي إجَارَةُ الدُّفِّ وَالْمَعَازِفِ كُلِّهَا فِي الْعُرْسِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَضَعَّفَهُ.

قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ ضَعْفَ قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: وَأَمَّا الدُّفُّ الَّذِي أُبِيحَ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ إجَارَتُهُ.

وَقَالَ

ص: 539

عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: " أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ " كَذَا هُوَ وَمَعْنَاهُ نَوْحُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَنَاشِيدُهُمْ عَلَى طَرِيقِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ الْمُسَمَّى بِالتَّعْفِيرِ وَالْمَعَازِفُ عِيدَانُ الْغِنَاءِ لَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا وَلَا اسْتِئْجَارُهَا وَهِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَرَابِطِ وَالْعِيدَانِ.

(وَكِرَاءٌ كَعَبْدٍ كَافِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُكْرِي مُسْلِمٌ دَابَّتَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَرْكَبُونَهَا إلَّا لِأَعْيَادِهِمْ أَوْ لِكَنَائِسِهِمْ، أَوْ يَبِيعُ مِنْهُمْ شَاةً يَعْلَمُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَذْبَحُونَهَا لِذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَعْيَادِ الْكَنَائِسِ فَيَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ يَحْمِلُونَ إلَيْهَا الثِّيَابَ وَالْأَمْتِعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَبِيعُونَ يَبْتَغُونَ الْفَضْلَ فِيهَا.

قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُبَاعَ مِنْهُمْ الْجَزَرَةُ لِأَعْيَادِهِمْ وَهُوَ خِلَافُ مَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَاخْتِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا جَارٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِالشَّرِيعَةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يُكْرَهُ مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى

ص: 540

الْعِصْيَانِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ فِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَعَلَى هَذَا أَجَازَ فِي سَمَاعِ زُونَانَ أَنْ يَسِيرَ بِأُمِّهِ إلَى الْكَنِيسَةِ.

(وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، يُرِيدُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ صَارَ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ آجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ يُصَلُّونَ فِيهِ رَمَضَانَ لَمْ يُعْجِبْنِي ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا صَوَابٌ.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ الْبَيْتَ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَسْلَمَهُ إلَيْهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَاَلَّذِي أَجَّرَ أَرْضَهُ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهَا مُكْتَرِيهَا مَسْجِدًا أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

ص: 541

(بِمَنْفَعَةٍ تَتَقَوَّمُ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ، وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ مُتَقَوِّمَةً، فَمَا لَا تَتَقَوَّمُ مَنْفَعَتُهُ لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَسَّرُوا الْمُتَقَوِّمَةَ بِمَا لَهَا قِيمَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ، لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ، وَالطَّعَامِ لِتَزْيِينِ الْحَانُوتِ فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ انْتَهَى.

وَقَدْ نَصَّ

ص: 544

ابْنُ يُونُسَ أَنَّ مَنْ قَالَ: ارْقَ هَذَا الْجَبَلَ وَلَكَ كَذَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ.

(قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا حِسًّا وَشَرْعًا، فَيُمْنَعُ اسْتِئْجَارُ الْأَخْرَسِ لِلتَّعْلِيمِ وَالْأَعْمَى لِلْخَطِّ وَنَحْوِهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى قَطْعِ عُضْوٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ.

(بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا) هَكَذَا عَبَّرَ ابْنُ شَاسٍ قَائِلًا: لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا، وَالشَّاةِ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ الْوُجُودِ.

قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا وَاضِحٌ حُكْمُهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ، وَتَبِعَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ. وَلَوْ رَسَمَ الْمَنْفَعَةَ بِأَنَّ شَرْطَهَا إمْكَانُ اسْتِيفَائِهَا دُونَ إذْهَابِ عَيْنِ مَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ هَذَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَيَجُوزُ شِرَاءُ لَبَنِ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ إذَا عُرِفَ وَجْهُ حِلَابِهَا بِخِلَافِ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ شَاةٍ أَوْ شَاتَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُعَارَضُ هَذَا بِإِجَازَتِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَكْتَرِيَ الْبَقَرَةَ وَيَشْتَرِطَ حِلَابَهَا؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ خَفَّ بِمَا انْضَافَ إلَيْهَا مِنْ الْكِرَاءِ كَمَا خَفَّ فِي الْغَنَمِ إذَا كَثُرَتْ.

(وَلَا حَظْرَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ فِي قَوْلِهِ الْغَرَرُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّ فِي الْإِبْطَالِ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى قَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَدُ مُتَآكِلَةً وَالسِّنُّ مُتَوَجِّعَةً جَازَتْ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ: مَنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَفِّهِ فَخَافَ عَلَى بَاقِي يَدِهِ لَا بَأْسَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ مِنْ الْمَفْصِلِ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ خَوْفُ الْمَوْتِ مِنْ بَقَاءِ يَدِهِ كَذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ خَوْفِ الْمَوْتِ بِقَطْعِهِ فَلَهُ الْقَطْعُ. وَمِنْ الْإِكْمَالِ يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ مَنْ خُلِقَ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ أَوْ عُضْوٍ زَائِدَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ وَلَا نَزْعُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الزَّائِدُ مِمَّا يُؤْذِيهِ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ ضِرْسٍ وَيُؤْلِمُهُ، فَلَا بَأْسَ عَلَى كُلِّ

ص: 545

حَالٍ بِنَزْعِهِ عِنْدَ هَذَا وَغَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ. ابْنُ يُونُسَ: لَا جُعْلَ لِمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً وَأَتَى بِهَا إذْ لَا جُعْلَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إلَى رَبِّهَا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجُعْلُ لَا يَجُوزُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَفْعَلَهُ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ.

قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَلَكَ كَذَا فَلَا شَيْءَ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَشِرْ عَلَيَّ وَانْصَحْ لِي فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَوْ سَأَلَهُ إيَّاهُ دُونَ جُعْلٍ لَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» .

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ أَبْتَاعُ مِنْهُ أَوْ يَبْتَاعُ مِنِّي وَلَكَ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لَهُمَا.

قَالَ أَصْبَغُ: لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا بَيْعَ فِيهِ. وَمِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَقَالَ

ص: 546

ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ النِّيَابَةُ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهِمَا.

(وَلَوْ مُصْحَفًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُصْحَفِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ إجَارَتَهُ.

(وَأَرْضًا غَمَرَ مَاؤُهَا وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ وَمَاؤُهَا غَامِرٌ وَانْكِشَافُهُ نَادِرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ جَوَازُهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْغَيْرُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى أَرْضَهُ الْغَرِقَةَ بِكَذَا إنْ انْكَشَفَ مَاؤُهَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ عَنْهَا جَازَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِانْكِشَافِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ خِيفَ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ.

(وَشَجَرًا لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا عَلَى الْأَحْسَنِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ فِي إجَارَةِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ قَوْلَانِ، وَلَا أَعْرِفُ الْمَنْعَ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ كَإِجَارَةِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ وَحَائِطٍ لِحَمْلِ خَشَبٍ (لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا) تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ:" بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ ".

ص: 547

(وَاغْتُفِرَ مَا فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ بِالتَّقْوِيمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فِيهَا سِدْرَةٌ أَوْ دَالِيَةٌ أَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَبْتٌ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ أَوْ فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَزْهُ، فَالثَّمَرَةُ لِلْمُكْرِي إلَّا أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ الْمُكْتَرِي ثَمَرَةَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ تَبَعًا مِثْلَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ بِغَيْرِ شَرْطِ الثَّمَرَةِ؛ فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ قِيلَ: مَا قِيمَةُ الثَّمَرَةِ فِيمَا عُرِفَ مِمَّا تُطْعِمُ كُلَّ عَامٍ بَعْدَ طَرْحِ قِيمَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْعَمَلِ؟ فَيُعْلَمُ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةٌ فَأَقَلَّ جَازَ.

قَالَ أَصْبَغُ: وَهَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ تَطِيبُ قَبْلَ مُدَّةِ الْكِرَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَاهُ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا أُجِيزَ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي دُخُولِ رَبِّ الدَّارِ لِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ وَجِدَادِهَا كَمَا أُجِيزَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ لِلضَّرَرِ بِالدُّخُولِ عَلَى الْمُكْتَرِي، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْضَ الشَّجَرِ؟ أَجَازَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ.

وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: أَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَإِذَا كَانَ الْكِرَاءُ سِنِينَ وَاشْتُرِطَتْ الثَّمَرَةُ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَبِالشَّجَرِ ثَمَرٌ لَمْ يَزْهُ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي.

(وَلَا تَعْلِيمِ غِنَاءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ

ص: 548

النَّوْحِ وَأَنَّهُ نَوْحُ الصُّوفِيَّةِ.

(أَوْ دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: بِمَنْعِ اسْتِئْجَارِ حَائِضٍ لِكَنْسِ مَسْجِدٍ (أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً كَبَيْعِهَا لِذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِالْكِرَاءِ وَبِفَضْلَةِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَرْجَحِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَارِهِ أَوْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً. ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يَتَصَدَّق بِالثَّمَنِ وَبِالْكِرَاءِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَصَدَّقُ بِفَضْلَةِ الثَّمَنِ وَبِفَضْلَةِ الْكِرَاءِ؛ تُقَوَّمُ الدَّارَانِ لَوْ بِيعَتْ أَوْ أُكْرِيَتْ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ كَنِيسَةً، وَتُقَوَّمُ أَنْ لَوْ بِيعَتْ أَوْ أُكْرِيَتْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَيُعْلَمُ الزَّائِدُ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْكِرَاءِ أَوْ رُبُعَهُ تَصَدَّقَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ هُوَ ثَمَنُ مَا لَا يَحِلُّ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا فِي الْكِرَاءِ فَيَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَجَّرَ دَارِهِ لِمَا لَا يَحِلُّ كَمَنْ أَكْرَى دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ دَابَّتَهُ لِحَمْلِ الْخَمْرِ. ابْنُ يُونُسَ: وَبِهَذَا أَقُولُ.

(وَلَا مُتَعَيِّنٍ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تَتَعَيَّنُ ".

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ الْحَجُّ بِخِلَافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ وَفِي الْإِمَامَةِ ثَلَاثَةٌ.

(وَعُيِّنَ مُتَعَلِّمٌ وَرَضِيعٌ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجِبُ تَعْيِينُ الرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِخِلَافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا.

وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: تَجُوزُ إجَارَةُ الظِّئْرِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ حَاضِرًا يُرَى، فَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ سِنَّهُ. وَإِنْ جُرِّبَ رَضَاعُهُ لِيُعْلَمَ قُوَّةُ رَضَاعِهِ مِنْ ضَعْفِهِ كَانَ أَحْسَنَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا جَازَ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مُتَقَارِبٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ رَضَاعِهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الظِّئْرِ تُسْتَأْجَرُ لِرَضَاعِ صَبِيَّيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِاخْتِلَافِ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا إنْ آجَرَتْ نَفْسَهَا لِتُرْضِعَ آخَرَ مَكَانَ الْمَيِّتِ لَمْ يُدْرَ هَلْ رَضَاعُهُ مِثْلُ

ص: 549

الْمَيِّتِ أَمْ لَا.

(وَدَارٌ وَحَانُوتٌ وَبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: تَعَيَّنَ الْحَانُوتُ وَالدَّارُ وَالْحَمَّامُ وَشِبْهُهُ وَلَا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ قَدْرِ الْبِنَاءِ وَصِفَتِهِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ عَلَى الْجِدَارِ.

(وَمَحْمِلٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى مَحْمِلًا لِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وِطَاءَهُ أَوْ زَامِلَتَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَحْمِلُ مِنْ أَرْطَالٍ جَازَ وَحُمِلَ عَلَى فِعْلِ النَّاسِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّوَامِلَ عُرِفَتْ عِنْدَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ.

(إنْ لَمْ يُوصَفْ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ فِي الرَّضِيعِ إلَّا أَنْ يُذْكَرَ سِنُّهُ. وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَ دَارًا بِإِفْرِيقِيَةَ وَهُوَ بِمِصْرَ كَالْبَيْعِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ.

(وَدَابَّةٌ لِرُكُوبٍ وَإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ وَنَوْعٌ وَذُكُورَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كِرَاءُ الدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: دَابَّةٌ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونَةٌ.

وَفِي الْمَعُونَةِ الْمَرْكُوبُ الْمُعَيَّنُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ بِتَعْيِينٍ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ كَهَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ النَّاقَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِيُحِيطَ بِهَا الْمُكْتَرِي كَالْمُشْتَرِي. قَالَ: وَالْمَضْمُونَةُ يُذْكَرُ جِنْسُهَا وَنَوْعُهَا وَالذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ. وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَالْمُتَيْطِيُّ. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا بِتَعْيِينِ الرَّاكِبِ وَإِنْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهُ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كِرَاءُ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُعَيَّنًا وَمَضْمُونًا، فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَجُوزُ فِي النَّقْدِ وَالْأَجَلِ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ أَوْ كَانَ إنَّمَا يَرْكَبُ الْأَيَّامَ الْقَلَائِلَ الْعَشَرَةَ وَنَحْوَهَا قَالَهُ مَالِكٌ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْجِبُنِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ يُرِيدُ إذَا نَقَدَ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الرَّاحِلَةُ حَاضِرَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ لَا يَصْلُحُ فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ، وَأَمَّا إنْ اكْتَرَى الرَّاحِلَةَ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَهَا إلَّا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا فَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ النَّقْدِ. قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَهَذَا الْكِرَاءُ الْمُعَيَّنُ يَنْفَسِخُ فِيهِ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الرَّاحِلَةِ أَوْ الدَّابَّةِ، فَإِنْ مَاتَتْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى بِعَيْنِهَا يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مُنْتَهَى غَايَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ

ص: 550

فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَفَازَةٍ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ عِنْدَهُ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ. عِيَاضٌ: الرَّاحِلَةُ هِيَ النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ الْمُذَلَّلَةُ لَهُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي ذُكُورِ الْإِبِلِ وَإِنَاثِهَا، وَأَصْلُهَا مِنْ الرَّحْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا وَهِيَ الرَّاحِلَةُ أَيْضًا وَهُوَ مَرْكَبُ يُشَدُّ لِلْبِغَالِ، وَيُسَمَّى السَّرْجُ أَيْضًا رَحْلًا تَشْبِيهًا بِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمَضْمُونَةِ أَوْ الرَّاحِلَةِ الْمَضْمُونَةِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أُكْرِيَ مِنْكَ دَابَّةً أَوْ رَاحِلَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا بِالنَّقْدِ وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الرُّكُوبِ وَإِنَّمَا تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ كَالْمُكْتَرِي إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّلَمِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا خَفَّفَ أَنْ يَغْرَمَ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ أَقْطَعُوا بِالنَّاسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَّا أَنَّ الْكَرِيَّ إذَا قَدَّمَ لِلْمُكْتَرِي دَابَّةً فَرَكِبَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزِيلَهَا مِنْ تَحْتِهِ إلَّا بِرِضَاهُ.

(وَلَيْسَ لِرَاعٍ رَعْيُ الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَقُولَا بِمُشَارِكٍ، أَوْ نَقَدَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ خِلَافَهُ وَإِلَّا فَأَجْرُهُ لِمُسْتَأْجِرٍ كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ آجَرَ نَفْسَهُ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ كَثِيرَةٍ لَا يَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ رَاعٍ يَقْوَى بِهِ، وَإِنْ

ص: 551

كَانَتْ غَنَمًا يَسِيرَةً فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ رَبُّهَا أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا، فَإِنْ رَعَى الرَّاعِي مَعَهَا غَيْرَهَا بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ فَالْأَجْرُ لِرَبِّ الْأُولَى. وَكَذَلِكَ أَجِيرُكَ لِخِدْمَةٍ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِغَيْرِكَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَكَ أَخْذُ الْأَجْرِ أَوْ تَرْكُهُ وَإِسْقَاطُ حِصَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَجْرِ عَنْكَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا فِيمَا يُشَابِهُ بِمَا آجَرْتَهُ بِهِ أَوْ يُقَارِبُهُ، وَأَمَّا أَنْ تُؤَاجِرَهُ فِي الرِّعَايَةِ شَهْرًا بِدِينَارٍ فَيَذْهَبُ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي الْحَصَادِ، أَوْ تُؤَاجِرُهُ يَخْدُمُكَ فِي الْغَزْوِ فَيَذْهَبُ يُقَاتِلُ فَيَقَعُ فِي سُهْمَانِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَهَذَا وَشِبْهُهُ لَا يَكُونُ لَكَ إلَّا إسْقَاطُ حِصَّةِ مَا عَطَّلَ مِنْ عَمَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ.

(وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَعْيُ الْوَلَدِ إلَّا لِعُرْفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا وَشَرَطَ رَبُّهَا أَنَّ مَا مَاتَ مِنْهَا أَخْلَفَهُ فَتَوَالَدَتْ الْغَنَمُ حُمِلَا فِي رِعَايَةِ الْوَلَدِ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُنَّةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ رِعَايَتُهَا.

(وَعُمِلَ بِهِ فِي الْخَيْطِ) . ابْنُ شَاسٍ: مَنْ اسْتَأْجَرَ الْخَيَّاطَ لَا يُوجَبُ عَلَيْهِ الْخَيْطُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ خِلَافَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَقَوْلِهِ فِي آلَةِ الْبِنَاءِ وَعَرَفْنَا فِي الْأَجِيرِ أَنْ لَا خَيْطَ عَلَيْهِ وَفِي الصَّانِعِ الْخَيْطُ عَلَيْهِ.

(وَنَقْشِ الرَّحَا) ابْنُ عَرَفَةَ: حَفِيُّ الرَّحَا يُوجِبُ نَقْشَهَا. ابْنُ الْعَطَّارِ: وَهُوَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عُرْفًا فَإِنْ عُدِمَ الْعُرْفُ فَعَلَى رَبِّهَا. ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: عُرْفُنَا عَلَى الْمُكْتَرِي.

(وَآلَةِ بِنَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ آجَرْتَهُ عَلَى بِنَاءِ دَارٍ فَالْأَدَاةُ وَالْفُؤُوسُ وَالْقِفَافُ وَالْمَاءُ وَالدِّلَاءُ عَلَى مَا تَعَارَفَ النَّاسُ أَنَّهَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حَثَيَانُ التُّرَابِ عَلَى حَافَّةِ الْقَبْرِ وَنَقْشُ الرَّحَا وَشِبْهُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ فَآلَةُ الْبِنَاءِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَنَقْشُ الرَّحَا عَلَى رَبِّهِ (وَإِلَّا فَعَلَى رَبِّهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ فِي الْخَيْطِ، وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي آلَةِ الْبِنَاءِ وَنَقْشُ الرَّحَا.

(عَكْسُ إكَافٍ وَشِبْهِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ تَسْلِيمُ مَا الْعَادَةُ تَسْلِيمُهُ مَعَهَا مِنْ إكَافٍ وَبَرْذَعَةٍ وَحِزَامٍ وَسَرْجٍ فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَادٍ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إعَانَةِ الرَّاكِبِ فِي النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُكَرَّرَةِ وَكَذَا رَفْعُ الْحَمْلِ.

(وَفِي السَّيْرِ وَالْمَنَازِلِ) ابْنُ شَاسٍ: كَيْفِيَّةُ السَّيْرِ وَتَفْصِيلُهُ وَقَدْرُ الْمَنَازِلِ وَمَحَلُّ النُّزُولِ فِي مَعْمُورٍ أَوْ صَحْرَاءَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ.

(وَالْمَعَالِيقِ) ابْنُ شَاسٍ: يَصِفُ الْمَحْمِلَ بِالسَّعَةِ وَالضِّيقِ وَيَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْمَعَالِيقِ، فَإِنْ

ص: 552

أُطْلِقَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مَعْلُومًا فِي الْعَادَةِ صَحَّ الْعَقْدُ.

(وَالزَّامِلَةِ وَوِطَائِهِ بِمَحْمِلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَكْرَى مَحْمِلًا لِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وِطَاءً أَوْ زَامِلَةً إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ أَرْطَالٍ جَازَ، وَحُمِلَا عَلَى فِعْلِ النَّاسِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّوَامِلَ عُرِفَتْ عِنْدَهُمْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ الْمَعَالِيقَ وَكُلَّمَا عَرَفَهُ النَّاسُ مِنْ الْكِرَاءِ لَازِمُ لِلْمُكْرِي. عِيَاضٌ: الزَّامِلَةُ مَا عُمِلَ فِي مِثْلِ الْأَخْرَاجِ وَشِبْهِهَا وَتُشَدُّ عَلَى الدَّوَابِّ وَنَحْوٌ مِنْهَا الرَّاحِلَةُ.

(وَبُدِّلَ الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ انْتَقَصَتْ زَامِلَةُ الْحَاجِّ أَوْ نَفِدَتْ فَأَرَادَ تَمَامَهَا وَأَبَى الْحَمَّالُ حُمِلَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ.

(أَوْ تَوْفِيرِهِ) سَحْنُونَ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً عَلَى حِمْلٍ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ فَأَصَابَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَطَرٌ فَزَادَ وَزْنُهُ فَامْتَنَعَ الْحَمَّالُ مِنْ حَمْلِ الزِّيَادَةِ وَقَالَ رَبُّهُ هُوَ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَمَّالِ حَمْلُ الزِّيَادَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى قَوْلِهَا بِلُزُومِ حَمْلِ وَلَدِ الْمَرْأَةِ مَعَهَا حَمْلُ زِيَادَةِ الْبَلَلِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفٌ أَمْ لَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهَا فِي زَامِلَةِ الْحَاجِّ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ.

(كَنَزْعِ الطَّيْلَسَانِ قَائِلَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلُّبْسِ نَزَعَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي الْعَادَةُ نَزْعُهُ فِيهَا كَاللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَقَوْلِهَا مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مِنْ خِدْمَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

(وَهُوَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ الْأَكْرِيَاءَ وَالْأُجَرَاءَ فِيمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ كَالْأُمَنَاءِ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُونَهُ إلَّا الصُّنَّاعُ وَالْأَكْرِيَاءُ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ خَاصَّةً إذْ لَا غِنَى عَنْهُ، فَضَمِنَا

لِصَلَاحِ

الْعَامِلَةِ كَالصُّنَّاعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِمْ أَوْ يَكُونُ مَعَهُمْ أَرْبَابُهُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُوا، وَسَوَاءٌ حَمَلُوهُ عَلَى سَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ

ص: 553

رَحْلٍ.

قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنْ يُخَالِفُوا فِي شَرْطٍ يَجُوزُ. وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: الْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَى إبَاقَهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَتَلَفَهُ مِنْ الدَّوَابِّ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَضَيَّعَ فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا فَإِنْ وَجَدَهَا وَقَدْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا فَهِيَ لَهُ بِمَا غَرِمَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يُضَيِّعْهَا فَذَهَبَتْ لَمْ يَضْمَنْ.

(وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا شَرَطَ الْحَامِلُونَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الطَّعَامِ أَوْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ، وَمَا لَا يُضْمَنُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ.

(إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ) لَوْ قَالَ " وَلَوْ لَمْ يَأْتِ " لَكَانَ أَوْلَى. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْا مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَلِأُنَاسٍ شَتَّى أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا هَلَكَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا.

(أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ آنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَلَمْ يَتَعَدَّ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ وَلَمْ يَغُرَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ الْمُكْرِي فِي كُلِّ عَرَضٍ إنَّهُ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ صُدِّقَ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الطَّعَامِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرْتَهُ يَحْمِلُ لَكَ عَلَى دَوَابِّهِ دُهْنًا أَوْ طَعَامًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَعَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَسَقَطَتْ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ أَوْ هَلَكَ الطَّعَامُ أَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ فَسَقَطَ الْمَتَاعُ فَفَسَدَ، لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ عِثَارٍ أَوْ ضَعْفِ الْأَحْبَالِ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ. اللَّخْمِيِّ: إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ أَوْ ذَكَرَ أَنَّ ذَهَابَهُ كَانَ عَلَى صِفَةٍ أَتَى فِيهَا بِمَا لَا يُشْبِهُ ضَمِنَ.

(بِفِعْلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْمُكْرِي ضَمِنَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ

ص: 554

اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ ثَوْرًا لِلطَّحْنِ فَرَبَطَهُ فِي الْمِطْحَنَةِ فَكَسَرَهَا أَوْ أَفْسَدَ آلَتَهَا لَمْ يَضْمَنْ ذَلِكَ مُكْرِيهَا إلَّا أَنْ يَغُرَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ أَكْرَى دَابَّتَهُ عَالِمًا أَنَّهَا عَثُورٌ وَلَمْ يُعْلِمْهُ ذَلِكَ فَعَثَرَتْ فَانْكَسَرَ مَا عَلَيْهَا فَهُوَ ضَامِنٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ كَسْرِ الثَّوْرِ التَّضْمِينَ بِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ يُرَدُّ بِأَنَّ إيجَابَهُ لُزُومَ الْعَقْدِ يُصَيِّرُهُ كَالْفِعْلِ، فَالْقَوْلُ إنْ تَضَمَّنَ عَقْدًا كَانَ غُرُورًا بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ.

(كَحَارِسٍ وَلَوْ حَمَّامِيًّا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: أَجِيرُ الْحِرَاسَةِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَلَسَ يَحْفَظُ ثِيَابَ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ يَحْرُسُ بَيْتًا فَنَامَ فَسُرِقَ مَا فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ وَجَمِيعُ الْأَجْرِ لَهُ، وَكَذَلِكَ حَارِسُ النَّخْلِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَضْمَنُ جَمِيعُ الْحُرَّاسِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّوْا إنْ كَانَ مَا يَحْرُسُونَهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ يُعْطَى مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ

ص: 555

فَيَضِيعُ أَوْ يَضِيعُ ثَمَنُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

(وَأَجِيرٌ لِصَانِعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَضْمَنُ الْقَصَّارُ مَا أَفْسَدَهُ أَجِيرُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ.

وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ فِي الْغَسَّالِ يَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمَتَاعُ فَيَسْتَأْجِرُ الْأُجَرَاءَ يَبْعَثُهُمْ إلَى الْبَحْرِ بِالثِّيَابِ إنَّهُمْ ضَامِنُونَ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرِ الْقَصَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا انْقَلَبُوا بِهَا يَعْمَلُونَ وَغَابُوا عَلَيْهَا فَهُمْ كَالصُّنَّاعِ، سَوَاءٌ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ التُّجَّارِ أَوْ مِنْ الصُّنَّاعِ مِثْلُهُمْ.

(وَسِمْسَارٍ إنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ يُعْطِي مَتَاعًا يَبِيعَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ كَانَ لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالصَّانِعِ، وَأَظُنُّ أَنِّي وَقَفْت عَلَى ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي الْجَلِيسِ وَهُوَ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ فِي حَانُوتِهِ لِشِرَاءِ الْأَمْتِعَةِ قَالَ عِيَاضٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْبِلَادِ يَنْتَصِبُونَ لِذَلِكَ. وَأَمَّا مُسَمًّى السِّمْسَارِ فَفِي ضَمَانِهِ مَا دُفِعَ لَهُ لِيَبِيعَهُ وَمَا طَلَبُهُ رَبُّهُ لِمُشْتَرٍ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ ثَالِثُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا. الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِلْعُتْبِيَّةِ، وَالثَّالِثُ هُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَنُوتِيٍّ غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ بِفِعْلٍ سَائِغٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا غَرِقَتْ السَّفِينَةُ مِنْ أَمْرِ النَّوَاتِيَّةِ، فَإِنْ صَنَعُوا مَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِّ وَالْعَمَلِ فِيهَا لَمْ يَضْمَنُوا، وَإِنْ تَعَدَّوْا فَأُغْرِقُوا فِي مَدٍّ أَوْ عِلَاجٍ ضَمِنُوا مَا هَلَكَ فِيهِ مِنْ النَّاسِ وَالْحُمُولَةِ.

ص: 556

ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ. وَقِيلَ إنَّ الدِّيَاتِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ.

(لَا إنْ خَالَفَ مَرْعًى شُرِطَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ شُرِطَ رَعْيُهُ فِي مَوْضِعٍ فَرَعَى فِي غَيْرِهِ ضَمِنَ يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَهُ أَجْرُهُ إلَى يَوْمِهِ.

(أَوْ أَنْزَى بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَنْزَى الرَّاعِي عَلَى الْغَنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا ضَمِنَ.

(أَوْ غَرَّ بِفِعْلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَا فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ أَوْ يَتَعَدَّى أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ مَأْخَذِهِ بِعَمْدٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ خَطَأٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَأَلْت خَيَّاطًا قَيْسَ ثَوْبٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَقْطَعُ قَمِيصًا فَابْتَعْته بِقَوْلِهِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى بَائِعِهِ. وَكَذَلِكَ الصَّيْرَفِيُّ يَقُولُ فِي دِرْهَمٍ تُرِيهِ إيَّاهُ إنَّهُ جَيِّدٌ فَيُلْفَى رَدِيئًا، فَإِنْ غَرَّا مِنْ أَنْفُسِهِمَا عُوقِبَا وَلَا أَجْرَ لَهُمَا. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ إنْ جَاءَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ قَمِيصٌ فَاقْطَعْهُ لِي وَلَكَ كَذَا فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَجِئْ مِنْهُ قَمِيصٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ فِي الْفُرْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ كَأَنْ تَزِلَّ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ يَقْلَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فَهِيَ مِنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ عُوقِبَ وَيُخْتَلَفُ عَلَى مَنْ الدِّيَةُ. وَفِي رَسْمِ طَلَّقَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ إنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْفَرَّانِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْخُبْزِ مَا يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ خُبْزُ صَاحِبِهِ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ احْتَرَقَ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ بِشَيْءٍ يُعْرَفُ أَنَّهُ الْخُبْزُ بِعَيْنِهِ لَضَمِنَ، وَمِثْلُ هَذَا سَوَاءٌ الْغَزْلُ يَحْتَرِقُ فِي الْفُرْنِ. وَانْظُرْ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْهُ فِي ثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ بَيْنَ أَنْ يَتَّخِذَ فِي مَوْضِعِ الثَّقْبِ أَمْ لَا فَرْقَ. وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ دُونَ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَهُ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ شَاهِدٍ. وَمِثْلُ احْتِرَاقِ الْخُبْزِ الثَّوْبُ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ، وَالْحَجَّامُ يَقْلَعُ ضِرْسَ الرَّجُلِ فَيَمُوتُ بِخِلَافِ إذَا قَلَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فَإِنَّهَا مِنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ.

(فَقِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى دَابَّةً وَهِيَ عَثُورٌ أَوْ رَبُوضٌ وَلَمْ يُعْلِمْ الْمُكْتَرِيَ بِذَلِكَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا دُهْنًا مِنْ مِصْرَ إلَى فِلَسْطِينَ فَعَثَرَتْ بِالْعَرِيشِ ضَمِنَ قِيمَةَ الدُّهْنِ بِالْعَرِيشِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِمِصْرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا تَعَدَّى.

(أَوْ صَانِعٌ فِي مَصْنُوعِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَالْأَصْلُ فِي الصُّنَّاعِ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ

ص: 557

لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ، «وَقَدْ أَسْقَطَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الضَّمَانَ عَنْ الْأَجِيرِ» . وَخَصَّصَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ الصُّنَّاعَ وَضَمَّنُوهُمْ نَظَرًا وَاجْتِهَادًا لِضَرُورَةِ النَّاسِ. وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الْغَالِبَةِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ وَادَّعَى تَلَفَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا ثَبَتَ ضَيَاعُهُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ ضَمَّنَهُمْ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى التَّلَفِ. وَلِقَوْلِهِ حَظٌّ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَجَبَ أَنْ يَضْمَنُوا

لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ عَنْهُمْ بِالْبَيِّنَةِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْمَصَالِحُ وَقَطْعُ الذَّرَائِعِ لَا يُخَصَّصُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ. أَصْلُ ذَلِكَ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَلِأَنَّ مَنْ ضَمِنَ بِلَا بَيِّنَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ. أَصْلُهُ الْغَاصِبُ، وَلِأَنَّ مَنْ قَبَضَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَضَمِنَ بِلَا بَيِّنَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ. أَصْلُهُ الْقَرْضُ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ (لَا غَيْرُهُ وَلَوْ مُحْتَاجًا لَهُ) .

ابْنُ شَاسٍ: قَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا لَا صَنْعَةَ لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ حُضُورِهِ عِنْدَ الصَّانِعِ مِثْلَ الْكِتَابِ الْمُنْتَسَخِ مِنْهُ وَالْمِثَالُ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ وَجَفِيرُ السَّيْفِ الَّذِي يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سُلِّمَ لِلصَّانِعِ بِغَيْرِ جَفِيرٍ فَسَدَ، وَمِثْلُهُ ظَرْفُ الْقَمْحِ وَالْعَجِينِ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إذَا كَانَ الثَّوْبُ غَلِيظًا لَا يَحْتَاجُ لِوِقَايَةٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَضْمَنُ الْمِنْدِيلَ وَإِلَّا فَفِي طَرْحِ ضَمَانِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ حَبِيبٍ، وَالثَّالِثُ لِابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ. اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ فَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ

ص: 558

عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عَمَلِهِ كَالْآتِي لِلْخَرَّازِ بِزَوْجِي خُفٌّ لِيَعْمَلَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَّهُ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي تَلَفِ أَحَدِهِمَا، لَكِنْ الشُّيُوخُ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ تَقْوِيمِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا، هَلْ يُقَوَّمُ وَحْدَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا صَاحِبَ لَهُ أَوْ يُقَوَّمَا مَعًا ثُمَّ يُقَوَّمُ الْبَاقِي وَحْدَهُ؟ (وَإِنْ عَمِلَ بِبَيِّنَةٍ) سَمِعَ عِيسَى: لَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ حَتَّى يَكُونَ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ.

اللَّخْمِيِّ: وَسَوَاءٌ كَانَ بِسُوقِهَا أَوْ دَارِهِ (أَوْ بِلَا أَجْرٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ اسْتَعْمَلَ الصَّانِعَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا قَبَضُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ عَمِلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ كَغَيْرِهِ (أَوْ نَصَّبَ نَفْسَهُ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا فِي الصَّانِعِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الصَّانِعُ الْخَاصُّ الَّذِي لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلنَّاسِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَعْمَلَ إيَّاهُ أَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ أَوْ عَمِلَهُ فِي مَنْزِلِ رَبِّ الْمَتَاعِ (وَغَابَ عَلَيْهَا) ابْنُ رُشْدٍ: يَضْمَنُ الصُّنَّاعُ كُلَّمَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ مِنْ خَرْقٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ قَطْعٍ إذَا عَمِلُوهُ فِي حَوَانِيتِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ إلَّا فِيمَا كَانَ فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ مِثْلُ ثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَالثَّوْبِ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ فِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ الْبَيْطَارُ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ فَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ الْخَاتِنُ يَخْتِنُ الصَّبِيَّ فَيَمُوتُ مِنْ خِتَانِهِ،

ص: 559

أَوْ الطَّبِيبُ يَسْقِي الْمَرِيضَ فَيَمُوتُ مِنْ سَقْيِهِ، أَوْ يَكْوِيهِ فَيَمُوتُ مِنْ كيه، أَوْ يَقْطَعُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَمُوتُ مِنْ قَطْعِهِ، أَوْ الْحَجَّامُ يَقْلَعُ ضِرْسَ الرَّجُلِ فَيَمُوتُ الْمَقْلُوعَةُ ضِرْسُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي مَالِهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي جَمِيعِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ التَّغْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَكَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِمَا أَصَابَهُ. وَهَذَا إذَا لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ، وَأَمَّا إذَا أَخْطَأَ مِثْلَ أَنْ يَسْقِيَ الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ مَا لَا يُوَافِقُ مَرَضَهُ، أَوْ تَزِلَّ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ الْقَاطِعِ فَيَتَجَاوَزَ فِي الْقَطْعِ، أَوْ الْكَاوِي فَيَتَجَاوَزَ فِي الْكَيِّ، أَوْ يَدُ الْحَجَّامِ فَيَقْطَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُحْسِنُ وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ.

وَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدِّيَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عَلَيْهِ. وَانْظُرْ ابْنَ رُشْدٍ إذَا عَمِلُوهُ فِي حَوَانِيتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ. وَلَهُ فِي رَسْمِ جَعَلَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الصَّانِعَ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَعْمَلُهَا فِي دَارِهِ أَوْ فِي حَانُوتِهِ مَنْ غَرَّ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يَغُرَّ صَحِيحٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ كَالنَّارِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ تَفْرِيطٌ.

قَالَ: وَأَمَّا إذَا أَتَى الرَّجُلُ بِالصَّانِعِ إلَى دَارِهِ فَعَمِلَ عِنْدَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فِي عَمَلِهِ إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَدَّى فِي عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَمُؤْتَمَنٌ. وَلَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ خَالِدٍ: وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ مِنْ قَرْضِ فَأْرٍ أَوْ نَخْسِ سُوسٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَنْ يُضَيِّعُوا. وَمِثْلُ قَرْضِ الْفَأْرِ اُخْتُلِفَ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَأْرِ سَبَبٌ.

قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بَيْنَ أَنْ يَتْلَفَ بِسَيْلٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ فَرْقٌ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا احْتَرَقَ بَيْتُهُ أَوْ سُرِقَ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ فَادَّعَى أَنَّ الْمَطَرَ تَلِفَ فِي جُمْلَةِ مَتَاعِ بَيْتِهِ اهـ. اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الرَّهْنِ: " بِكَحَرْقِهِ ".

(فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ دَفْعِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا ادَّعَى الصَّانِعُ ضَيَاعَ الْمَتَاعِ الَّذِي اسْتَعْمَلَ إيَّاهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ دُفِعَ إلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ صِفَتِهِ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَقَرَّ أَنَّهُ تَلِفَ عِنْدَهُ أَوْ يَظْهَرُ عِنْدَ الصَّانِعِ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ بِمُدَّةٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ ظَهَرَ عِنْدَهُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالْعَارِيَّةُ.

(وَلَوْ شُرِطَ نَفْيُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.

(أَوْ دَعَا لِأَخْذِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا دَعَاكَ الصَّانِعُ لِأَخْذِ الثَّوْبِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْهُ وَلَمْ تَأْخُذْهُ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى يَصِلَ إلَى يَدِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ لَمْ يَقْبِضْ أَجْرَهُ.

(إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ ضَاعَ أَوْ سُرِقَ أَوْ احْتَرَقَ بِمُعَايَنَةِ بَيِّنَةٍ بِغَيْرِ سَبَبِ الصَّانِعِ لَمْ يَضْمَنْهُ.

(فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِكُلِّ صَانِعٍ أَوْ حَمَّالٍ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ سَفِينَةٍ مَنْعُ مَا حَمَلَ أَوْ عَمِلَ حَتَّى يَأْخُذَ أَجْرَهُ، فَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ فِي مَنْعِهِمْ فَالصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ وَلَا

ص: 560

أَجْرَ لَهُمْ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا مَا عَمِلُوا إلَى أَرْبَابِهِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ احْتَرَقَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْقَصَّارِ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ ضَاعَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْقِصَارَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ أَبْيَضَ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهُ مَصْنُوعًا أَوْ يُعْطِيَهُ أَجْرَهُ.

(إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ بِشَرْطِهِ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ أَحْضَرَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ وَرَآهُ صَاحِبُهُ مَصْبُوغًا عَلَى صِفَةِ مَا شَارَطَهُ عَلَيْهِ وَكَانَ قَدْ دَفَعَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ لَصُدِّقَ وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْإِجَارَةِ وَصَارَ إلَى الْإِيدَاعِ.

(وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالرَّاعِي مُصَدَّقٌ فِيمَا هَلَكَ أَوْ سُرِقَ، وَلَوْ قَالَ: ذَبَحْتهَا ثُمَّ سُرِقَتْ صُدِّقَ، وَلَوْ خَافَ مَوْتَ الشَّاةِ فَأَتَى بِهَا مَذْبُوحَةً صُدِّقَ وَلَمْ يَضْمَنْ.

(أَوْ قَلْعَ ضِرْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَلَعَ الْحَجَّامُ ضِرْسَ رَجُلٍ بِأَجْرٍ فَقَالَ لَهُ: لَمْ آمُرْكَ إلَّا بِقَلْعِ الَّذِي يَلِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِهِ حِين قَلَعَهُ فَتَرَكَهُ وَلَهُ أَجْرُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْحَجَّامُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَجْرٌ، يُرِيدُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ.

(أَوْ صَبَغَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرَنِي رَبُّهُ وَقَالَ رَبُّهُ أَخْضَرَ، صُدِّقَ الصَّانِعُ إلَّا أَنْ يَصْنَعَهُ صَبْغًا لَا يُشْبِهُ مِثْلُهُ (فَنُوزِعَ فِيهِ) اُنْظُرْ هَذَا الضَّمِيرَ هَلْ يَعُودُ عَلَى مَا ذُكِرَ.

(وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ لَا بِهِ إلَّا صَبِيَّ تَعْلِيمٍ وَرَضَاعٍ وَفَرَسَ نَزْوٍ وَرَوْضٍ) لَوْ قَالَ: " لَا لَهُ " لِتَنْزِلَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ. وَعِبَارَتُهُ أَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ: إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا غَايَةَ لَهُ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِأَعْيَانِهَا أَوْ يَتَّجِرَ لَهُ فِي مَالٍ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ،

ص: 561

فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ، وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى رَضَاعِهِ، وَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى رِيَاضَتِهَا، وَعُقُوقِ الرَّمَكَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأَكْوَامِ الْمُشْتَرَطَةِ اهـ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَوْلَ الشُّيُوخِ: الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِمُعَيَّنٍ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ.

وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ تَنْفَسِخْ عَلَى الْأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: الْأَشْيَاءُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ أَوْ طَعَامٍ مَا احْتَاجَ إلَى شَرْطِ خَلَفِهِ إنْ هَلَكَ وَالْحُكْمُ يُوجِبُ خَلَفَهُ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ إنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خَلَفٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ الْخَلَفَ، وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِيهِ عَلَى عَمَلِهِ أَوْ حَمْلِهِ أَوْ رِعَايَتِهِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ، فَيَصِيرُ رَبُّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَأْتِيَ بِغَيْرِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ هَلَكَتْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهَا. وَلَوْ أَرَاهُ حِينَ الْعَقْدِ مَا يَعْمَلُهُ أَوْ يَحْمِلُهُ أَوْ يَرْعَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالصِّفَةِ بِمَا يَعْمَلُ أَوْ يَحْمِلُ أَوْ يَرْعَى، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا يَعْدُوهُ لَمْ يَجُزْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَدَابَّةٌ لِرُكُوبِهَا " أَنَّ الرَّاكِبَ إنْ عَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آخَرَ كَرَاكِبٍ " قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُمْ لَمْ يَزِفُّوا عَرُوسًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ عَلَيْهِمْ الْكِرَاءَ. وَسَيَأْتِي أَيْضًا إذَا عَيَّنَ الْيَوْمَ فَتَأَخَّرَ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ وَلِذَهَابِ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ. وَيُرَدُّ الْكِرَاءُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ بِهِ فِي يَوْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.

وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَزِفَّ عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَةً مُعَيَّنَةً فَتَأَخَّرَ الزِّفَافُ لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِهِ اهـ. فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا كُلَّهُ وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ عَلَى حَصَادِ زَرْعٍ فَهَلَكَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْحَصَادِ فَقَالَ: يَحْصُدُ لَهُ زَرْعًا آخَرَ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيَغْرَمُ الْأَجِيرُ ثَمَنَ الْجُزْءِ الَّذِي لَهُ إنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مِنْهُ.

(وَسِنٍّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ) ابْنُ شَاسٍ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَنْعِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا كَسُكُونِ

ص: 562

أَلَمِ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهَا، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ كَانَ الْعَفْوُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجَرِ وَانْظُرْ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجَرِ فِي سُكُونِ أَلَمِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ.

(وَبِغَصْبِ الدَّارِ) فِي الْوَاضِحَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً أَوْ شَهْرًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ غَصَبَهَا إيَّاهُ السُّلْطَانُ فَمُصِيبَةُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهَا وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ.

وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُسَوَّدَةِ حِينَ أَخْرَجُوا الْمُتَكَارِيَيْنِ وَسَكَنُوا، وَكَذَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا) ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَوَاءٌ غَصَبُوا الدُّورَ مِنْ أَصْلِهَا وَأَخْرَجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا وَسَكَنُوهَا لَا يُرِيدُونَ إلَّا السُّكْنَى حَتَّى يَرْتَحِلُوا.

(وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ) ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِغَلْقِهَا الْأَكْرَاءُ عَلَى مُكْتَرِيهَا مِنْ رَبِّهَا.

وَقَالَ سَحْنُونَ: الْجَائِحَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي. وَلِابْنِ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ. ابْنُ يُونُسَ: لَيْسَ هَذَا كُلُّهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ الْمُكْتَرِيَ مِنْ السُّكْنَى مِنْ أَمْرٍ غَالِبٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَاصِبٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ كَانْهِدَامِ الدَّارِ أَوْ امْتِنَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ حَتَّى مَنَعَهُ حَرْثَ الْأَرْضِ، فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا اكْتَرَى.

وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ أَكْتَرَى رَحًا سَنَةً فَأَصَابَ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِتْنَةٌ جَلَوْا بِهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَجَلَا مَعَهُمْ الْمُكْتَرِي أَوْ بَقِيَ آمِنًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الطَّعَامُ لِجَلَاءِ النَّاسِ، فَهُوَ كَبُطْلَانِ الرَّحَا بِنَقْصِ الْمَاءِ أَوْ كَثْرَتِهِ، وَيُوضَعُ عَنْهُ قَدْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَوْا فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْفَنَادِقُ الَّتِي تُكْرَى لِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ إذَا أَخْطَأَهَا ذَلِكَ لِفِتْنَةٍ نَزَلَتْ أَوْ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الدَّارِ تُكْرَى ثُمَّ تَنْجَلِي الْفِتْنَةُ وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي آمِنًا أَوْ رَحَلَ لِلْوَحْشَةِ وَهُوَ آمِنٌ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ، وَلَوْ انْجَلَى لِلْخَوْفِ سَقَطَ عَنْهُ كِرَاءُ مُدَّةِ الْجَلَاءِ. اهـ. قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ.

(وَحَمْلِ ظِئْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَمَلَتْ الْمُرْضِعُ فَخَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ أَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.

وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ فَسْخَهُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ لَا بِقَيْدِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ قَائِلًا: لِأَنَّ رَضَاعَ الْحَامِلِ يَضُرُّ الْوَلَدَ.

(أَوْ مَرَضٍ لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَرِضَتْ الظِّئْرُ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ عَلَى رَضَاعِ الصَّبِيِّ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، فَإِنْ صَحَّتْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْهَا جَرَتْ عَلَى رَضَاعِهِ بَقِيَّتَهَا وَلَهَا مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعَتْ وَلَا عَلَيْهَا إرْضَاعُ مَا مَرِضَتْ. قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا.

(وَمَرَضِ عَبْدٍ وَهَرَبِهِ لِكَعَدُوٍّ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا لَا تُنْتَقَضُ، وَأَمَّا إنْ هَرَبَ الْعَبْدُ لِبَلَدِ الْحَرْبِ أَوْ أَبَقَ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.

قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ مَرَضًا بَيِّنًا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.

قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا أَوْ

ص: 563

فُسِخَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَمَامُهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَنْهَدِمُ بَعْضُهَا ثُمَّ يُصْلِحُهَا رَبُّهَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا، وَأَمَّا لَوْ انْهَدَمَ جَمِيعُهَا ثُمَّ بَنَاهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ سُكْنَى بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ. وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ تَرَاوَغَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ حَتَّى تَمَّتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ عَمِلَ شَيْئًا فَلَهُ بِحِسَابِهِ وَهَذَا فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اطْحَنْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيْبَةً فَهَذَا لَا يَضُرُّ ذِكْرُ الْوَقْتِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ عَلَى وَقْتٍ وَلَكِنْ عَلَى عَمَلٍ مُسَمًّى، وَكَمَنْ قَالَ لِلسَّقَّاءِ: اُسْكُبْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ قُلَّةً فَتَرَاوَغَ فِيهِ فَذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْهِ.

(بِخِلَافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اعْتَلَّتْ الدَّابَّةُ الْمُكْتَرَاةُ فِي الطَّرِيقِ، يُرِيدُ وَهُوَ بِعَيْنِهَا فُسِخَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ كِرَاؤُهَا بَقِيَّةَ الطَّرِيقِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِلضَّرُورَةِ فِي صَبْرِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهَا وَهِيَ إنْ صَحَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ اكْتَرَى غَيْرَهَا. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كِرَاؤُهُ لِلْعَبْدِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ مَا يَلْحَقُهُ فِي الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا.؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ فِي الْحَضَرِ. قَالَهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا.

(وَخُيِّرَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَارِقٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَأَلْفَاهُ سَارِقًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّحَفُّظَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَلْفَيْت الْمُسَاقِي سَارِقًا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ أَجِيرَ الْخِدْمَةِ قَدْ مَلَكْت جَمِيعَ مَنَافِعِهِ فَهُوَ كَالشِّرَاءِ، وَالْمُسَاقِي إنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ.

(وَبِرُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ عَلَيْهِ أَوْ

ص: 564

عَلَى سِلَعِهِ وَلِيٌّ إلَّا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ كَسَفِيهٍ ثَلَاثَ سِنِينَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَجَّرَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَاحْتَلَمَ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَبْقَى كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ، وَلَا يُؤَاجِرُ وَصِيٌّ يَتِيمَهُ وَلَا أَبٌ وَلَدَهُ بَعْدَ احْتِلَامِهِ.

قَالَ يَحْيَى: وَرُشْدِهِ وَإِنْ أَكْرَى الْوَصِيُّ رُبُعَ يَتِيمِهِ وَدَوَابِّهِ وَرَقِيقِهِ سِنِينَ وَاحْتَلَمَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ، فَإِنْ كَانَ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَلِمُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَعَجِلَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ فَلَا فَسْخَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ صَنَعَ مَا يَجُوزُ لَهُ، وَأَمَّا إنْ عَقَدَ عَلَيْهِ أَمَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ رَبْعٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ. وَأَمَّا سَفِيهٌ بَالِغٌ وَآجَرَ عَلَيْهِ وَلِيٌّ أَوْ سُلْطَانٌ رُبُعَهُ وَرَقِيقَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى حَالِ الرُّشْدِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ عَقَدَ يَوْمَئِذٍ مَا يَجُوزُ لَهُ.

(وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الْأَصَحِّ) . ابْنُ رُشْدٍ: إنْ مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَوِي الْوَقْفِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ لِتَنَاوُلِهَا مَا لَا حَقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ. وَقِيلَ: إنْ أَكْرَى مُدَّةً يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَيْهَا لَزِمَ بَاقِيهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَعْمَرَكَ رَجُلٌ حَيَاتَكَ خِدْمَةَ عَبْدٍ لَمْ تُؤَاجِرْهُ إلَّا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَمَدًا مَأْمُونًا، وَلَوْ أَوْصَى لَكَ بِخِدْمَةٍ عَشْرَ سِنِينَ وَأَكْرَيْتُهُ فِيهَا جَازَ. وَهَذَا خِلَافُ الْمُخْدَمِ حَيَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُخْدَمُ سَقَطَتْ الْخِدْمَةُ وَالْمُؤَجَّلُ يَلْزَمُ بَاقِيهَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ.

(لَا بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِإِقْرَارِ الْمُكْرِي بِغَصْبِ الْمُكْرَى وَاضِحٌ كَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي لَغْوِ إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ الرَّهْنِ بَعْدَ رَهْنِهِ لَا يُقْبَلُ عَلَى

ص: 565

الْمُرْتَهِنِ.

(أَوْ بِتَخَلُّفِ رَبِّ الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَجٍّ وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ إبِلَهُ إلَى بَلَدٍ فَهَرَبَ بِهَا، وَالْكِرَاءُ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، تَكَارَى عَلَيْكَ الْإِمَامُ وَرَجَعْت عَلَيْهِ بِمَا اكْتَرَيْت بِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا يُكْرَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مَعْرُوفٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَغَيَّبَ الْجَمَّالُ يَوْمَ خُرُوجِكَ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إنْ لَقِيَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الرُّكُوبُ أَوْ الْحَمْلُ وَلَهُ كِرَاؤُهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ سَفَرٍ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ إلَّا الْحَاجَّ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ قَبَضَ الْكِرَاءَ وَرَدَّهُ لِزَوَالِ إبَّانِهِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا فَاتَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اكْتَرَى أَيَّامًا بِعَيْنِهَا وَلَا يَتَمَادَى وَإِنْ رَضِيَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا إذَا نَقَدَهُ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ يَجِبُ فَسْخُ الْكِرَاءِ وَرَدُّ مَا انْتَقَدَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ رُكُوبًا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا يَكْتَرِيهَا لِيَرْكَبَهَا إلَى غَدٍ فَيَغِيبُ رَبُّهَا ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رُكُوبُهَا. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَعْيِينَ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الرُّكُوبَ، قَالَ غَيْرُهُ: وَلَوْ رَفَعَ إلَى الْإِمَامِ النَّظَرَ وَفَسْخَ مَا آلَ إلَى الضَّرَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَكْرَاهَا أَيَّامًا مُعَيَّنَةً انْتَقَضَ الْكِرَاءُ فِيمَا غَابَ مِنْهَا كَالْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ يَمْرَضُ أَوْ يَأْبَقُ فَإِنَّهُ تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ، وَكَذَلِكَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا لِرُكُوبٍ أَوْ طَحْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَضْمُونِ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا اكْتَرَى عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَأْتِ الْكَرِيُّ حَتَّى فَاتَ الْإِبَّانُ فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَ بَقِيَ لِقَابِلٍ بِخِلَافِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا فَاتَتْ لَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَعَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ ".

(أَوْ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ وَآجَرَ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَكُفَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا ظَهَرَتْ مِنْ مُكْتَرِي الدَّارِ خَلَاعَةٌ

ص: 566

وَفِسْقٌ وَشُرْبُ خَمْرٍ لَمْ يُنْتَقَضْ الْكِرَاءُ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى إخْرَاجَهُ أَخْرَجَهُ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ فِيهَا الدَّعَارَةُ وَالطَّنَابِيرُ وَالزَّمْرُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا فَلْيَمْنَعْهُ الْإِمَامُ وَلْيُعَاقِبْهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَخْرَجَهُ عَنْ جِيرَانِهِ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْفَاسِقِ يُعْلِنُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَارِ نَفْسِهِ إنَّهُ يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بَاعَ الدَّارَ عَلَيْهِ.

(أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ سَنَةً أَوْ أَخْدَمَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى تَتِمَّ، وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ تُنْتَقَضْ الْإِجَارَةُ وَلَا الْخِدْمَةُ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ لِتَمَامِ السَّنَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُخْدَمُ.

قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: وَالْكِرَاءُ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَطَأْهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: الْإِجَارَةُ أَمْلَكُ بِهِ وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ فَاخْتُلِفَ فِي إجَارَتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُسْأَلُ السَّيِّدُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بِتَمَامِ الْأُجْرَةِ صُدِّقَ وَالْأُجْرَةُ لَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا، وَإِنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ عِتْقِهِ فَهَلْ لِلْعَبْدِ قَبْضُهَا أَمْ لَا؟ (وَحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبْدِ (وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَهَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: يُسْأَلُ السَّيِّدُ. وَتَقَدَّمَ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى فَانْظُرْهُ أَنْتَ.

ص: 567