الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ ساعدته فولي كِتَابَة السِّرّ بحلب ثمَّ ساعدته فَحَضَرَ إِلَى دمشق على وكَالَة بَيت المَال وَكِتَابَة الدست وَاسْتمرّ بهما إِلَى أَن مَاتَ بالطاعون لَيْلَة عَاشر شَوَّال سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
وَكَانَت لَهُ همة عالية فِي التَّحْصِيل فَمَا صنف كتابا إِلَّا وسألني فِيهِ عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ من فقه وَحَدِيث وأصول وَنَحْو لَا سِيمَا أَعْيَان الْعَصْر فَأَنا أَشرت عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ ثمَّ اسْتَعَانَ بِي فِي أَكْثَره وَلما أخرجت مختصري فِي الْأَصْلَيْنِ الْمُسَمّى جمع الْجَوَامِع كتبه بِخَطِّهِ وَصَارَ يحضر الْحلقَة وَهُوَ يقْرَأ عَليّ ويلذ لَهُ التَّقْرِير وسَمعه كُله عَليّ وَرُبمَا شَارك فِي فهم بعضه رَحمَه الله تَعَالَى
نبذ مِمَّا دَار بيني وَبَين هَذَا الرجل
كنت أَصْحَبهُ مُنْذُ كنت دون سنّ الْبلُوغ وَكَانَ يكاتبني وأكاتبه وَبِه رغبت فِي الْأَدَب فَرُبمَا وَقع لي شعر رَكِيك من نظم الصّبيان فَكَتبهُ هُوَ عني إِذْ ذَاك وَأَنا ذَاكر بعض مَا بَيْننَا مِمَّا كَانَ فِي صغري ثمَّ لما كَانَ بعد ذَلِك كتب إِلَيّ مرّة وَقد سَافر إِلَى مصر وَلم يودعني
(يَا سيدا سَافَرت عَنهُ وَلم أجد
…
جلدي يطاوعني على توديعه)
(إِن غبت عَنْك فَإِن قلبِي حَاضر
…
يصف اشتياقي للحمى وربوعه)
فِي أَبْيَات أخر فَكتبت الْجَواب
(يَا راحلا بحشا الْمُقِيم على الوفا
…
مَا الطّرف بعْدك مُؤْذِيًا بهجوعه)
(إِن غبت عَنهُ فَمَا تغير مِنْهُ إِلَّا
…
جِسْمه سقما ولون دُمُوعه)
(وَالْقلب بَيت هَوَاك رَاح كَأَنَّهُ
…
بَيت العروضيين من تقطيعه)
فِي أَبْيَات أخر أنسيتها
كتب إِلَيّ مرّة وَقد ولد لَهُ ولد يدعوني إِلَى حُضُور عقيقته
(عَبدك هَذَا الْجَدِيد أضحى
…
يَقُول فاسمع لَهُ طَرِيقه)
(يَا جوهرا فِي الزَّمَان فَردا
…
مَا ضرّ أَن تحضر العقيقه)
فَكتبت إِلَيْهِ
(هنيت ذَا الْجَوْهَر المفدى
…
بِالْعرضِ الكنه والحقيقه)
(لَو لم تكن حازما مصيبا
…
لم تفتد النَّفس بالعقيقه)
أعارني مرّة من تَذكرته مجلدا وَكَانَ يصنف كتابا فِي الْوَصْف والتشبيه وَينظر عَلَيْهِ التَّذْكِرَة وَيكْتب على كل مُجَلد إِذا نجز نجز التَّشْبِيه مِنْهُ فَلَمَّا وجدت ذَلِك عَلَيْهِ بِخَطِّهِ قلت هَذَا نصف بَيت فَكتبت إِلَى جَانِبه
(نجز التَّشْبِيه مِنْهُ
…
وروى الراوون عَنهُ)
(إِن مَوْلَانَا لبحر
…
طافح إِن لم يكنه)
(فَاقِد الْأَشْبَاه فَرد
…
فرغ التَّشْبِيه مِنْهُ)
وَلَا يحضرني الْآن مَا كتبه هُوَ جَوَابا عَن هَذَا
كتب هُوَ إِلَيّ مرّة يسألني عَن تَثْنِيَة لفظ عين وَعين فِي بَيت الحريري فانثنى بِلَا عينين فأجبته بِجَوَاب يطول قد حَكَاهُ هُوَ فِي كِتَابه الْمُسَمّى صرف الْعين وَقلت فِي آخِره
وكتبت إِلَيْهِ من الْقَاهِرَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
(لَا تبكين مَاء تسنه
…
ودع الرسوم المستجنه)
(خل ادكارك فالعيون
…
كليلة آثَار دمنه)
(واهجر غزالا نَار خديه
…
إِذا حققت جنه)
(وَسنَان كم نبهته
…
وَالْعجب يطبق مِنْهُ جفْنه)
(متغافل أَدْعُوهُ من
…
وجد إِذا مَا اللَّيْل جنه)
(فِي النَّفس حاجات إِلَيْك
…
من الْوِصَال وفيك فطنه)
(فرض على الْعين البكا
…
إِذْ لحظه للفتك سنه)
(أحوى بديع الْحسن ظَبْي
…
فِي الْحَقِيقَة أَو كَأَنَّهُ)
(وَله معاطف مَا دَعَا
…
هن الصِّبَا إِلَّا أجبنه)
(هَذَا وَذَا مَعَ أَنه
…
لم يلْتَفت يَوْمًا لِأَنَّهُ)
(وَيخَاف من واش لَهُ
…
عين مراقبه الأكنه)
(وفم فُضُولِيّ تقل
…
الرجل مِنْهُ راس فتنه)
(بكر العواذل فِي الغرام
…
يلمنني وألومهنه)
(وَيَقُلْنَ شيب قد علاك
…
وَقد كَبرت فَقلت إِنَّه)
(أبرزن لما لمن قلبِي
…
الْمُضْمرَات المستكنه)
(فتحركت نفس على
…
نَار الصبابة مطمئنه)
(قد هجن حِين عذلتها
…
وعواذل العاني يهجنه)
(أَنى يَصح من العواذل
…
من نها صبا ونهنه)
(هم جمع تكسير تصرف
…
فِي دفاعهم الأعنه)
(فاهجرهم الهجر الْجَمِيل
…
فَكل مَا قَالُوهُ هجنه)
(وَاذْكُر صفاء أبي الصَّفَا
…
والخطب معتكر الدجنه)
(السَّيِّد اليقظ الْأَغَر
…
أخي الْوَفَاء بِدُونِ مِنْهُ)
(وَالنَّدْب ذُو الهمات مَا
…
أبدأن من جود أعدنه)
(والجود مثل الْجُود يسْقِي
…
الْألف مِنْهُ ألف مزنه)
(والحلم كالجبل اعتلت
…
فِيهِ الرِّيَاح فَمَا أزلنه)
(وَالْجد ينْهض لَو تعالته
…
النُّجُوم لما بلغنه)
(والأيد تبطش لَو تغالبه
…
الْأسود لما غلبنه)
(متدرع ثوب التقى
…
حصنا وتقوى الله جنه)
(متفنن بَحر إِذا
…
جَارِيَته لم تدر فنه)
(أدب نضير يسْتَحبّ لمن
…
لَهُ الْآدَاب سنه)
(وَله بَنَات الْفِكر غرتها
…
استهلت كالأجنه)
(فكر إِذا عاين معنى
…
طائرا فِي الجو صدنه)
(وعلوم دين لم يخل
…
خليلها فرضا وسنه)
(وجليل قدر دق فهما
…
لَا يضاهي التبر ذهنه)
(يَا أَيهَا الحبر الَّذِي
…
جعل الْإِلَه الْخَيْر ضمنه)
(لَو فصل الْخياط قَالَ
…
لكل مَا وصلت حسنه)
(أسدي وألحم لست أقدر
…
أَن أَزِيد عَلَيْك طعنه)
(وَلَو أَن الأفوه حَاضر
…
لعرته بَين يَديك لكنه)
(وَغدا الصريع بِهِ كديك
…
الْجِنّ مِمَّا قلت جنه)
(دم وابق مَا بَقِي الزَّمَان
…
فَإِن وَهِي زلزلت وهنه)
(ولقدرك العالي الْعُلُوّ
…
فَمَا النُّجُوم علا يطلنه)
يقبل الأَرْض لَا يبعد الله دارها وَلَا يُجَاوز إِلَّا بالجوزاء مقدارها وَلَا يسْمعهَا من أنباء من أعلن لَهَا أَو سَارهَا إِلَّا سَارهَا تقبيلا يقوم بِسنة الْفَرْض ويعرب عَن مَبْنِيّ ود
مديد كَامِل الطول وَالْعرض ويفصح عَن خضوع لفضه فَإِذا أنْشد منشده بَين يَدَيْهِ بلغنَا السَّمَاء تَلا هُوَ {فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض} وَأنْشد
(من أَجله جعلت نَفسِي أَرضًا
…
للصادر الْوَارِد حَتَّى يرضى)
وَيُنْهِي بعد وصف حب اعتده دينا فتسلم كِتَابه بِالْيَمِينِ ثَابت يزِيد حلاوة إيمَانه فِي الْقلب مر السِّين بَاقٍ لَا يُبدل إِذا مَا غير النأي المحبين
(مَا غير الْبعد حَالا كنت تعرفه
…
وَلَا تبدلت بعد الذّكر نِسْيَانا)
(وَلَا ذكرت جَلِيسا كنت آلفه
…
إِلَّا جعلتك فَوق الْكل عنوانا)
أَن مُوجب تَأْخِير كتبه مَحْض الِاقْتِدَاء وَالسير على سنتكم فِي قلَّة الْكتب
مَعَ كَثْرَة الْوَفَاء وَكَيف لَا وَقد رفع أَبُو رَافع مولى الْقَوْم مِنْهُم إِلَى سيد الْأَنْبِيَاء وَعند ذَلِك يَنْقَلِب معتذرا عَن تهجمه بِهَذِهِ الضراعة مبتدرا إِلَى ذكر الفار حَيْثُ أَطَالَ لِسَانه وَبَاعه مزدجرا عَمَّا لَعَلَّه ذَنْب إِذا علم بِهِ مَوْلَاهُ سامه الْبعد وَبَاعه فَيَقُول قيد الْحبّ أطلق لساني فأعرب عَن الْمَبْنِيّ على السّكُون وسرح يَدي فخطت مَا هُوَ فِي لوحها الْمَحْفُوظ مصون وَأذن لي فتصرفت فِي الْكِتَابَة وَكَيف لَا يتَصَرَّف العَبْد الْمَأْذُون فأصدرت هَذِه الْوَارِدَة مدى بِأَنِّي مِنْهُم وهم مني وَهَذَا المنى
وَقلت اسألي عَنْهُم وخبري عني حاشاك من عَنَّا وبادري مَوْلَاك وَلَا تخشي أَن يُقَال مَا أَتَى بك هَاهُنَا وخذي من شرح الْحَال فِي كل فن وكوني مِمَّن إِذا سمع صَالحا أذاعه وَإِن سمع طالحا أَو يرى رِيبَة دفن وأطلقي الدمع وَلَا تخافي أَن يُقَال مَا هاج الْعُيُون الذرفن واعتمدي على الْمُسَامحَة فهم أهلوها واتخذي إخلاص الْوَلَاء ذَرِيعَة أَن
لَا يفتقدوها وثقي بهم فهم أحسن النَّاس وُجُوهًا وأنضر هموها
(أَضَاءَت لَهُم أحسابهم ووجوههم
…
دجا اللَّيْل حَتَّى نظم الْجزع ثاقبه)
الْمَمْلُوك يُنْهِي أَنه مُنْذُ سَافر من دمشق مُسْتَبْشِرًا وَبَاعَ الْأَسْفَل بالأعلى وتلا {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم} فَحَمدَ الْمُشْتَرى وَوصل إِلَى مصر فَرحا مَسْرُورا وَمَا شكى غليه جمله طول السرى بل حمد سيره وخيل الْبَرِيد وبهيم اللَّيْل وساحة البيدا وَقدم فَنزل جوَار الْبَحْر فَقَالُوا نزل مَاء السما وَكَاد ينشد
(أَقمت بِأَرْض مصر فَلَا ورائي
…
تخب بِي الركاب وَلَا أَمَامِي)
وَلم ينشد
(ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللوى
…
والعيش بعد أُولَئِكَ الْأَيَّام)
لِكَثْرَة مَا لَقِي من التَّعْظِيم الَّذِي لَو شعر بِهِ الْعَدو لَا نظم أَسبَابه خيم الْمَمْلُوك على كرم الله وَسَار متوكلا عَلَيْهِ يحْسب كل حمد فَمد سبحانه وتعالى أطنابه وَورد حَيْثُ قصد فَوجدَ الله عِنْد فوفاه حسابه وَلم يخْش بِحسن ظَنّه من ذِي الْعَرْش إقلالا وَلم يُصَادف إِلَّا من قَالَ لَهُ أهابك إجلالا
وَلم يناده كل محب إِلَّا بِكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا وَقَالَ كل أَمِير أَنْت الحكم الترضى حكومته هُنَاكَ هُنَاكَ وَأنْشد
(الله أَعْطَاك فضلا من عطيته
…
)
وأولاك وَبَالغ فِي الْبشر وَمَا كل من يُبْدِي البشاشة كَائِنا أَخَاك بل رُبمَا حسبته أَبَاك
وَأما زمر الْأَعْدَاء فَكل مِنْهُم عبس وَتَوَلَّى وَتبين لوَلِيّ الْأَمر أَن لمثله يُقَال {نوله مَا تولى}
وناديت كلا من زاجري عَن حُضُور هَذِه المعركة
(أَلا أَيهَا ذَا الزاجري أحضر الوغى
…
)
أولى لَك فَأولى لقد استولى الْحق على عَرْشه واستوى وَلم يكن غير الإحراجات الأهوية وللأعراض قائلة {لَا نخلفه نَحن وَلَا أَنْت مَكَانا سوى}
فَلَمَّا طلع صبح الْحق على من أمرضت قلبه بَان وبدا لَهُ من بعد مَا اندمل الْهوى قوم أشربوا فِي قُلُوبهم المنصب فَقطع أمعاءهم وأعجبوا بألسنة حداد فضلعت أعضاءهم واستكلبوا على اصطياد جارحة فطرحهم قَتْلَى ورد أهواءهم لم يرجِعوا حَتَّى وقف الْهوى وأهلكهم كل نزاعة للشوى وقوبل كل أفاك مِنْهُم بِمَا نوى لعب بهم شَيْطَان الْحَسَد وَشد وثاقهم الَّذِي لَا يوثق بِهِ بِحَبل من مسد وطبع على قلبه واغتاله فَقلت لَهُ غالتك إِذا الغول بل اغتالك الْأسد
(وَلَقَد عذلت حليمهم ونهيته
…
فَأبى وَقَالَ هواي أَمر مُحكم)
(وقف الْهوى بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ لي
…
مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا مُتَقَدم)
(فَأَرَدْت أطنب قَالَ لي متبرما
…
أطنب أَو أوجز حَبل كيدي مبرم)
(أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذة
…
حسدا وبغيا فليلمني اللوم)
فَلَمَّا سَمِعت قَوْله
(أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذة
…
)
وَرَأَيْت من قلبه الْمعَانِي مَا يحملهُ على أَن يَجْعَل ضَالَّة الْمُؤمن منبوذة ويطبع على قلبه والأفئدة بِدُونِ هَذَا مَأْخُوذَة عرفت أَن العذل لَا يرجعه وَأَن الْحق ختم على قلبه فَلَا ينجده الْعدْل وَلَا ينجعه وَأَنه لَا يزَال يحاول سُقُوط من كَانَ فَوق مَحل الشَّمْس مَوْضِعه وَأَنه لزم إِطْلَاق اللِّسَان فِيمَا لَا يعنيه لُزُوم الْخَطِيب للمنابر وَكِتَابَة الْبَاطِل لُزُوم الأقلام للمحابر والاشتغال لمن يترفع قدره عَنهُ لُزُوم الْأَعْرَاض للجواهر عدلت عَن عذله واكتفيت بالحكم الْعدْل وعدله ورفت قصتي على يَدي إحسانه وفضله وَجئْت فشاهدت من الْأَمِير الْكَبِير وَالسُّلْطَان مَا رغم بِهِ أنف الشَّيْطَان
وَقد علمت بكنه ذَلِك عدنان وقحطان وصرت المسؤول فِيمَا حسبوا أَنِّي أحاوله استقرارا والمتضرع إِلَيْهِ فِي الْعود مرَارًا والمعرض عَمَّا حسدوا عَلَيْهِ استصغارا لقوم {ومكروا مكرا كبارًا}
وحفتين من الله ألطافه ونعمه وَأطلق فِي الثَّنَاء عَليّ بِفضل من هُوَ كل يَوْم فِي شَأْن لِسَانه وقلمه وَبَان ووضح أَن الْعَدو ظمآن وَفِي بَحر الغواية فَمه
وكل ذَلِك ببركة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سيد النَّبِيين فلست وَالله قدر وَاحِدَة من هَذِه النعم الَّتِي تقلدت عقدهَا الثمين وَلَا أَنا مِمَّن يفتخر بِعلم وَلَا دين وَلَا نسب وَلَو شِئْت لأنشدت
(وَكَانَ لنا أَبُو حسن عَليّ
…
أَبَا برا وَنحن لَهُ بَنِينَ)
ثمَّ لما كَانَ قد امْتَلَأَ من مَاء دمشق بَطْني ونادى حَوْض الآمال قطني