الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طلب العون من الأولياء الأموات
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ 28/11/1424هـ
السؤال
السلام عليكم.
سألت أحد العلماء عن حكم طلب العون من أحد أولياء الله، مثل أن نقول:"يا شيخ أرجوك أن تساعدني" وهل في ذلك شرك؟ فأجابني قائلاً: (الذي تفعله هو الصواب، فسؤال الأولياء هو ما ورد في القرآن والسنة، وهو مذكور في كتاب الله في قوله -تعالى -: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"، وهكذا فإن سيدنا عبد القادر الجيلاني يساعدك، وذلك يكون مساعدة من الله لك بواسطته، وهناك مزيد من التوضيح بخصوص هذه المسألة في كتاب (التوسل بطلب العون) ، للدكتور طاهر القدري، أرجو الرد وبيان حقيقة الأمر والمفهوم الحقيقي للآية المذكورة أعلاه.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فإن طلب العون من الحي القادر جائز لا خلاف في ذلك، قال الله -تعالى-:"وتعانوا على البر والتقوى"[المائدة: 2]، وقال -تعالى- عن موسى عليه السلام:"فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه"[القصص:15] .
أما طلب العون من الميت فهذا لا يجوز، بل هو عين الشرك الذي أنزل الله الكتب وأرسل الرسل لتحذير الناس منه، مهما كانت منزلة هذا المطلوب، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصحابة - رضوان الله تعالى عليهم- وهم القدوة كانوا يستعينون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويطلبون منه العون والدعاء، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد عن أحد منهم مهما كان وفي أحلك الأحوال وأشدها أنه طلب العون من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إنهم في الاستسقاء وعندما تجدب الأرض كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته أن يدعو الله لهم ليغاثوا فيستسقي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لجأوا إلى عمه العباس رضي الله عنه يطلبون منه أن يستسقي لهم فيقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا، واليوم نستسقي بعم نبيك فاسقنا ثم يقول يا عباس فادع الله لنا انظر ما رواه البخاري (1010) من حديث عمر رضي الله عنه، فعدول الصحابة رضي الله عنهم عن طلب الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى من هو دونه من الأحياء دليل قاطع على أنه لا يجوز طلب العون والمدد من الميت، وإذا لم يجز هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونه من باب أولى.
وأصل الشرك إنما هو طلب العون والشفاعة وقضاء الحاجات من غير الله –تعالى-، (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر) هذه أسماء لأقوام صالحين مثل عبد القادر الجيلاني رحمه الله وغيره، اتخذوا على قبورهم تماثيل لتذكرهم بالعبادة لله –تعالى- ولما تقادم الزمان طلبوا منهم -وهم أموات- العون وقضاء الحاجات فكان ذلك منهم شركاً، وكذلك اللات، كان رجلاً صالحاً يلت السويق ويسقيه الحاج، يعني من المحسنين، فلما مات عكفوا على قبره أو الحصاة التي كان يجلس عندها فعبدت، وكذلك الذين يأتون إلى قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني – رحمه الله – وأمثاله من الصالحين مثل قبر الحسين وزينب – رضي الله عنهم وغيرهم، ويسألونهم الحاجات ويدعونهم من دون الله –تعالى-، هذا تماماً مثل سؤال ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) ، ومثل سؤال اللات، قال الله –تعالى-:"ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"[الزمر:3] ، فالذين عبدوا الأصنام إنما كان مقصدهم أن هؤلاء من الصالحين ونريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله، وهذه العلة هي بعينها التي يرددها من يجيز طلب العون والشفاعة من الأموات.
وقد زاد المتأخرون على شرك المتقدمين الذين قاتلهم النبي – صلى الله عليه وسلم بأن ادعوا لهم التصرف في الكون، وأن الله تعالى وكل تصريف الأمور وتدبير الكون لهم فيقول قائلهم:
عبد القادر يا جيلاني يا متصرف في الأكوان.
فماذا بقي لله –تعالى-؟! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وإذا لم يكن هذا شركاً فليس على وجه الأرض شرك البتة.
أما من أفتى السائل بأن الذي تفعله من سؤال عبد القادر في قبره العون والمدد هو الصواب وهو ما ورد في القرآن والسنة، فهذا كذب وافتراء على كتاب الله –تعالى- وعلى سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم وأين في كتاب الله –تعالى- جواز سؤال الموتى الحاجات؟ وأين ذلك في سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم وهذه سنته – صلى الله عليه وسلم بين أيدينا وسيرة أصحابه – رضوان الله تعالى عليهم- بين ظهرانينا؟
بل ما أنزل الكتاب وأرسل الرسول – صلى الله عليه وسلم بل وجميع الكتب وجميع الرسل إلا لتحقيق التوحيد وإفراد الله –تعالى- بالعبادة، قال تعالى:"وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"[الأنبياء:25]، وقد حذر الله –تعالى- في العديد من الآيات من دعاء الأموات فقال تعالى عنهم:"إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"[الأعراف:194]، وقال تعالى عنهم:"إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ"[فاطر:14]، ومن الأدلة على افتراء هذا الأفاك الأثيم استدلاله بهذه الآية الكريمة:"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"[المائدة:55-56]، وأين في هذه الآية جواز سؤال الأموات العون وطلب المدد؟! أما المعنى الصحيح لهذه الآية: فالآية جاءت في سياق النهي عن تولي اليهود والنصارى، قال الله –تعالى-:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"[المائدة:51] ، فلما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وذكر أن مآل توليهم الخسران المبين، أخبر بعد ذلك بآيتين صفة من يجب، ويتعين توليه، وذكر فائدة ذلك ومصلحته، فقال تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"[المائدة: 55-56] .
وقد ورد في سبب نزولها عن ابن عباس – رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه لما تبرأ من اليهود وقد كان موالياً لهم في الجاهلية وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وقال جابر بن عبد الله- رضي الله عنه جاء عبد الله بن سلام إلى النبي – صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا ألا يجالسونا، فنزلت هذه الآية فقرأها عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وقيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب – رضي الله عنه أنه تصدق وهو راكع، لكن قال ابن كثير بعد أن ذكر عدة روايات في هذا الموضوع، لكن لا يصح منها شيء لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. وأياً كان سبب نزول الآية فلا شك أن علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وعبد الله بن سلام وغيرهم من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم – هم من المؤمنين الذي يدخلون فيها دخولاً أولياً. وانظر تفسير ابن كثير (3/1194 – 1195) .
وقال ابن كثير في تفسير الآيات: أي ليس اليهود بأوليائكم بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين. وكل من كان لله تقياً فهو لله ولي؛ كما قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"[يونس:62 -63]، قال بعدها مبيناً من هم:"الذين آمنوا وكانوا يتقون"، وليست مخصوصة بأشخاص بأعيانهم، لأن الله -تعالى-وحده هو أعلم بمن اتقى، فأين في الآية ما يدل على جواز طلب العون من الأموات؟!. سبحانك هذا بهتان عظيم.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.