المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الترغيب في تشييع الميت وحضور دفنه] - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ١٣

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في عيش السلف

- ‌الترغيب في البكاء من خشية الله تعالى

- ‌الترغيب في ذكر الموت وقصر الأمل

- ‌الترغيب في الخوف وفضله

- ‌الترغيب في الرجاء وحسن الظن بالله سيما عند الموت

- ‌كتاب الجنائز وما يتقدمها

- ‌التَّرْغِيب فِي سُؤال الْعَفو والعافية

- ‌التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من رأى مبتلى

- ‌التَّرْغِيب فِي الصَّبْر سِيمَا لمن ابْتُلِيَ فِي نَفسه أَو مَاله وَفضل الْبلَاء وَالْمَرَض والحمى وَمَا جَاءَ فِيمَن فقد بَصَره

- ‌التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من آلمه شَيْء من جسده

- ‌التَّرْهِيب من تَعْلِيق التمائم والحروز

- ‌[التَّرْغِيب فِي الْحجامَة وَمَتى يحتجم]

- ‌[التَّرْغِيب فِي عِيَادَة المرضى وتأكيدها وَالتَّرْغِيب فِي دُعَاء الْمَرِيض]

- ‌[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يدعى بِهن للْمَرِيض وكلمات يقولهن الْمَرِيض]

- ‌[التَّرْغِيب فِي الْوَصِيَّة وَالْعدْل فِيهَا والترهيب من تَركهَا أَوالمضارة فِيهَا وَمَا جَاءَ فِيمَن يعْتق ويَتَصَدَّق عِنْد الْمَوْت]

- ‌التَّرْهِيب من كَرَاهِيَة الْإِنْسَان الْمَوْت وَالتَّرْغِيب في تلقيه بالرضى وَالسُّرُور إِذا نزل حبا للقاء الله عز وجل

- ‌فائدة فيها بشرى:

- ‌[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من مَاتَ لَهُ ميت]

- ‌[التَّرْغِيب فِي حفر الْقُبُور وتغسيل الْمَوْتَى وتكفينهم]

- ‌[التَّرْغِيب فِي تشييع الْمَيِّت وَحُضُور دَفنه]

- ‌التَّرْغِيب فِي كَثرَة الْمُصَلِّين على الْجِنَازَة وَفِي التَّعْزِيَة

- ‌[التَّرْغِيب فِي الْإِسْرَاع بالجنازة وتعجيل الدّفن]

- ‌فوائد يختم بها الباب:

- ‌[التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء للْمَيت وإحسان الثَّنَاءعَلَيْهِ والترهيب من سوي ذَلِك]

الفصل: ‌[الترغيب في تشييع الميت وحضور دفنه]

[التَّرْغِيب فِي تشييع الْمَيِّت وَحُضُور دَفنه]

[5310]

عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ رواه مسلم

(1)

والترمذي

(2)

والنسائي

(3)

وابن ماجه

(4)

.

قوله: "عن أبي هريرة" تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيه فسلم عليه" أما إفشاؤه فهو إشاعته وإكثاره وأن يبذله لكل مسلم

(5)

. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"

(6)

، وأما ردّه فهو فرض بالإجماع، وتقدم شيء من ذلك.

قوله: "وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له" تقدم الكلام على الدعوة وعلى النصيحة قريبا.

(1)

صحيح مسلم (2162).

(2)

سنن الترمذي (2737).

(3)

سنن النسائي (4/ 53).

(4)

سنن ابن ماجه (1435) صحيح البخاري (1240) سنن أبي داود (5030).

(5)

شرح النووي على مسلم (14/ 32).

(6)

البخاري (12) و (28) و (6236)، ومسلم (63 - 39) عن عبد الله بن عمرو.

ص: 652

قوله: "وإذا عطش فشمّته" ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله

(1)

.

قال الخطابي

(2)

معنى جب العطاس وكراهية التثاؤب وذمّه أن العطاس إنّما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم [انتهى وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشيطان ويسهل الطاعة

(3)

.

وأما التثاؤب بضد ذلك مما وإنما يكون مع] ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل

(4)

وذلك مما يفرح به الشيطان من الإنسان الإنسان فصار العطاس محمودا لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموما لأنه يثنيه أي يميله عن الخيرات

(5)

، فالمحبة والكراهة تنصرف إلى الأسباب الأسباب الجالبة لهما وإنما أضيف إلى الشيطان لأنه هو الذي زيّن للنفس شهوتها

(6)

، اهـ.

(1)

صحيح البخاري (6223).

(2)

معالم السنن (4/ 141)، وشرح السنة (12/ 207)، والمفاتيح (5/ 148).

(3)

الأذكار (ص 426) والمجموع (4/ 624).

(4)

معالم السنن (4/ 141)، وشرح السنة (12/ 207)، والمفاتيح (5/ 148).

(5)

معالم السنن (4/ 141)، وشرح السنة (12/ 207)، والمفاتيح (5/ 148).

(6)

أعلام الحديث (3/ 1517)، وشرح السنة (12/ 207)، والكواكب الدراري (22/ 69) =

ص: 653

تنبيه: التشميت المشهور استحبابه على الكفاية وأوجبه بعض المالكية والحنفية على كل من سمعه، وقيل هو فرض كفاية

(1)

وهذا إن سمعه حمد الله تعالى وإلا فلا يشمت كما صح في الحديث، ويستحب في أول مرة فإن تكرر فهو مزكوم، فقيل يقول: أنت مزكوم بعد الثالثة، وجاء بعد الثالثة وعندي أنه يدعى له بالعافية

(2)

. وأما الذمي فيدعى له الهداية دون الرحمة والفرق أن الدعاء بالهداية يشعر بما هو عليه من الضلالة بخلاف الرحمة فإنها تشعر بأهليته للدعاء بها، اهـ. قاله في شرح الإلمام

(3)

.

[5311]

وَعَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَيَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ مَا تواد اثْنَان فَيُفَرق بَينهمَا إِلَّا بذنب يحدثه أَحدهمَا وَكَانَ يَقُول للْمُسلمِ على الْمُسلم ستّ يشمته إِذا عطس ويعوده إِذا مرض وينصحه إِذا غَابَ أَو شهد وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويجيبه إِذا دَعَاهُ ويتبعه إِذا مَاتَ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن

(4)

.

[5312]

وَعَن أبي أَيُّوب رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول للْمُسلمِ

= (22/ 69).

(1)

انظر إكمال المعلم (8/ 541)، والمفهم (21/ 145 - 146)، وشرح النووي على مسلم (14/ 32) و (18/ 120) والأذكار (ص 428).

(2)

انظر المفهم (21/ 147)، والأذكار (ص 431).

(3)

شرح الإلمام (2/ 94 - 95).

(4)

أخرجه أحمد 2/ 68 (5357). قال الهيثمي في المجمع 8/ 184: رواه أحمد وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3495). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

ص: 654

على أَخِيه الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة فَمن ترك خصْلَة مِنْهَا فقد ترك حَقًا وَاجِبا فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِ مَا تقدم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب ورواتهما ثِقَات إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم

(1)

.

5313 -

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رواه أحمد

(2)

والبزار

(3)

وابن حبان في صحيحه

(4)

، وتقدم هو وغيره في العيادة.

قوله: "وعن أبي سعيد الخدري" تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" الحديث، يُندب أن يعمّ بعيادته جميع المرضى ولا يخص بها قريبا من بعيد ولا صديقا

(1)

أخرجه الحارث في المسند (910)، والطبراني في الكبير (4/ 180 رقم 4076). وقال الهيثمي في المجمع 8/ 185: رواه الطبراني، وعبد الرحمن وثقه يحيى القطان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (2055). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

(2)

أخرجه أبو يعلى (1043) و (1044)، وابن حبان (2771)، وقال الهيثمي في المجمع (3/ 29) رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (1023)، - صحيح الترغيب (686) و (1899) و (3470) و (3496).

(3)

البزار (821)، (822 زوائد).

(4)

ابن حبان (2955).

ص: 655

من عدو حتى الأرمد

(1)

لما روى أبو داود عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمد أصابني

(2)

، لكن شرط ابن الصباغ في عيادة المريض أن يكون مسلما وفيه نظر

(3)

لأنه صلى الله عليه وسلم عاد غلاما يهوديا، الحديث

(4)

. وقال الشاشي: الصواب عندي أن عيادة الكافر جائزة فإن اقترن بها نوع حرمة كقرابة أو جوار كانت قربة، ولم يورد الرافعي والنووي غير ذلك، فقا لا: عيادة الذمي جائزة ولا تستحب إلا لقرابة وجوار ويندب أن تكون العيادة غبا ولا يواصلها في جميع الأيام

(5)

. قال صلى الله عليه وسلم: أغبّوا عيادة المريض أو اربعوا، اهـ. قاله في مختصر الكفاية

(6)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: "واتبعوا الجنائز" الحديث، واتباع الجنائز بالتشديد.

5314 -

وَعنهُ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عودوا المرضى وَاتبعُوا الْجَنَائِز تذكركم الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه

(7)

وَتقدم

(1)

الحاوى (3/ 4) كفاية النبيه (5/ 6)، ومختصر الكفاية (لوحة 30/ مخ 2176 ظاهرية).

(2)

سبق.

(3)

كفاية النبيه (5/ 6) ومختصر الكفاية ا (لوحة 30/ مخ 2176 ظاهرية).

(4)

أخرجه البخاري (1356).

(5)

كفاية النبيه (5/ 6) ومختصر الكفاية (لوحة 30/ مخ 2176 ظاهرية).

(6)

المجموع شرح المهذب (5/ 112) ومختصر الكفاية (لوحة 30/ مخ 2176 ظاهرية).

(7)

أخرجه أحمد 3/ 48 (11445) و (11446)، والبخاري في الأدب المفرد (518)، والبزار (822 و 823/ كشف الأستار)، وابن حبان (2955). وقال الألباني: حسن صحيح - "أحكام الجنائز"(86) وصحيح الترغيب (3497) والصحيحة (1981). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

ص: 656

هُوَ وَغَيره فِي العيادة.

[5315]

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان قيل وَمَا القيراطان قَالَ مثل الجبلين العظيمين رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه

(1)

. وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد

(2)

.

[5316]

وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الأجر بقيراطين كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط

(3)

.

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" الحديث. وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد، الشهود الحضور، والمراد بذلك أن يكون معها من حين يخرج بها من بيتها وإلا فلا يحصل القيراط بمجرد الصلاة

(4)

، نبّه على ذلك شيخنا العلامة العلامة تقي الدين السبكي نعم له أجر الصلاة وهذا قيراط الصلاة أصغرهما،

(1)

أخرجه البخاري (47) و (1325)، ومسلم (52 - 945)، وابن ماجه (1539)، وأبو داود (3168)، والترمذي (1040)، والنسائي في المجتبى 4/ 132 (2011) و (2012).

(2)

صحيح مسلم (53 - 945).

(3)

أخرجه البخاري (47)، والنسائي في المجتبى 4/ 133 (2013) و 4/ 134 (2014).

(4)

قاله ابن العطار في العدة (2/ 791).

ص: 657

كما رجحه الطوفي وعلله بما في اتباعها للدفن من المشقة [أو تعظيما] لشأن الصلاة وهو الظاهر

(1)

، اهـ.

والجنازة بالجيم المفتوحة والمكسورة والكسر أفصح وهي مشتقة من جنز إذا ستر ويقال أنه بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه أيضا

(2)

. قال الجوهري

(3)

: الجنازة بالكسر [وهو الغالب] والعامة يقولون بالفتح والمعنى للميت على السرير وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش ويصلى عليها بكسر اللام وفتحها.

قوله: "فله قيراطان" أي فله تمام قيراطين، قاله الكرماني

(4)

. وقال الشيخ شهاب الدين بن العماد في شرح العمدة في هذا الحديث دليل على الحث على الصلاة على الجنازة واتباعها ومصاحبتها حتى تدفن

(5)

.

فائدة: لصلاة الجنازة أركان عدها الجمهور سبعة وجعلها الغزالي تسعة فجعل التكبيرات الأربع أربعة أركان:

أحدها: النية ووقتها كغيرها ولا يجب تعيين النية.

الثاني: أربع تكبيرات فيها تكبيرة الإحرام.

والثالث: السلام لأنه صلاة وقال صلى الله عليه وسلم: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.

(1)

الأشباه والنظائر (1/ 137 - 138).

(2)

المفهم (8/ 81).

(3)

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/ 870).

(4)

الكواكب الدراريص (1/ 186) و (7/ 110).

(5)

انظر: إحكام الأحكام (1/ 373).

ص: 658

الرابع: القيام إن قدر لأنها صلاة مفروضة. والخامس: قراءة الفاتحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها وقراءة الفاتحة فيها فرض بلا خلاف، واتفقوا على استحباب التأمين عقب الفاتحة كما في سائر الصلوات، وفي دعاء الاستفتاح وجهان، أصحهما أن المستحب تركه وفي التعوذ وجهان أصحهما استحبابه

(1)

، والسادس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

وفي استحباب الحمد قبل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجهان أصحهما نعم والثاني وهو مقتضى كلام الأكثرين لا يستحب والركن السابع الدعاء للميت بما يقع عليه الاسم لأنه المقصود الأعظم من صلاته اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا إلى آخره، والمستحب أن يقدم هذا الدعاء ثم يعقّبه بقوله اللهم هذا عبدك وابن عبدك إلى آخره

(3)

، وهذا الدعاء نقله المزني في المختصر عن الشافعي وليس منقولا هكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة وإنما أخذه الشافعي من مجموع أحاديث واستحسنه الأصحاب واستحبوه

(4)

اهـ.

وقوله: "ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" هل هما غير قيراط الصلاة

(1)

بحر المذهب (2/ 586)، هادى النبيه (لوحة / 70 مخ 2121 ظاهرية).

(2)

هادى النبيه (لوحة 70/ مخ 2121 ظاهرية)

(3)

بحر المذهب (2/ 586)، وهادى النبيه (لوحة 70 و 71/ مخ 2121 ظاهرية)، وكفاية الأخبار (ص 162 - 163).

(4)

النجم الوهاج (3/ 48).

ص: 659

أو به نعم يؤيد الثاني الرواية الأخرى: من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع بقيراطين وهذا صريح في ذلك

(1)

، اهـ.

[ومعناه][على هذا]

(2)

قيراط [من] الصلاة وقيراط بالدفن لا أنه يكون المجموع ثلاثة قراريط كما زعم أهل الظاهر لأن العرب تضيف الثاني إلى الأول ونظير ذلك حديث من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله [ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله] أي تتمة الليل [نصفا] للعشاء [ونصفا] للصبح وخالف البيهقي فاختار أن الصبح في جماعة بقيام ليلة فإن كانت العشاء جماعة كان له نصف آخر وقالت الظاهرية يكتب له ليلة ونصف ويرد هذا رواية أبي داود فإن صلى العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله

(3)

.

وقوله: "ومن شهدها حتى تدفن" أي ويفرغ من دفنها، كما في رواية في الصحيحين فهو الصحيح. وقيل: يحصل القيراط الثاني بمجرد ستره باللبن وإن لم يتم دفنه، وقيل بمجرد الوضع والحكمة في شهود الجنائز ومعالجة الموتى حصول الاعتبار بذلك وفيه الحث على الاجتماع لها والتنبيه على فضل الله تعالى فيما شرعه ورتب عليه الأجور.

[وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن شهدها حتى تدفن" فيه] دليل على أن القيراط الثاني

(1)

شرح النووي على مسلم (7/ 13).

(2)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(3)

انظر: الأشباه والنظائر (1/ 137)، والأعلام (4/ 531 - 432).

ص: 660

إنما يحصل بالفراغ من دفنها. قال النووي

(1)

: وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقد جاء مصرحا به في حديث عبد الأعلى حتى يفرغ من دفنها. قال: وقال بعض أصحابنا يحصل القيراط الثاني إذا سُتر الميت في القبر باللبن ولم يلق عليه التراب ويدل عليه رواية عبد الرزاق في مسلم حتى يوضع في القبر لكنه مؤوَّل على أن المراد حتى يوضع في القبر ويفرغ من إهالة التراب بدليل الرواية الأخرى وقد يستدل بالحديث على أن من شهدها حتى دفنت ولم يصل عليها على حصول القيراط كما لو صلى عليها ولم يشهد دفنها حتى لو مر بجنازة تدفن فيشهد حصل له القيراط لكن في الرواية الأخرى من تبع الجنازة ما يقتضي خلاف ذلك، وقد ورد في الحديث اتباعها من عند أهلها وسيأتي هذا الحديث في أواخر الباب والقيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى. وهذا الحديث يدل على عدم مقدراه في هذا الموضع ولا يلزم منه أن يكون هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط وفي رواية قيراطان بل ذلك قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر.

قال الروياني في البحر

(2)

: اختلفوا في المراد بنقص منه، فقيل ينقص بما مضى من عمله وقيل من مستقبله. قال: واختلفوا في محل نقص القيراط فقيل ينقص قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل، وقيل قيراط من

(1)

شرح النووي على مسلم (7/ 13 - 15).

(2)

بحر المذهب للروياني (2/ 553).

ص: 661

عمل الفرض وقيراط من عمل [النفل]. وأما قيراط الصلاة على الجنازة فقال بعض المالكية أنه جزء منسوب إلى بقية سائر عمل الميت حتى أن الشخص لو قام بسائر عمل الميت من تلقينه الشهادة وتغميضه وتوجيهه القبلة وغسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه كتب له أجر تجهيز الميت كاملا ومن صلى عليه كتب له قيراط من ذلك الأجر الكامل ومن صلى وشهد الدفن كتب له قيراطان وإذا كان القيراطان كالجبلين العظيمين فما ظنك بالأجر الكامل.

وقال في النهاية

(1)

: أما القيراط في الجنائز وفي اقتناء الكلب هو اسم لمقدار معلوم في الفرق وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا [هذا] وقد يراد به الجزء مطلقا ويكون عبارة عن الحظ والنصيب فيكون تمثيلا لجزء من الأجر ومقدار منه ألا [ترى] أنه قال مثل الجبلين العظيمين أو مثل أحد وهذا من مجاز التشبيه فإنه شبه المعنى العظيم بالجزء العظيم والمقصود من الحديث أن من صلى على جنازة كان له جزء عظيم من الثواب والأجر فإن صلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك إذ قد عمل عملين أحدهما صلاته والثاني كونه معه إلى أن يدفن، اهـ.

وفي هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى استأثر بعلمه ومقدار فضله وأن الملائكة لا تحصي ذلك وأنها تكتبه مبهما وهذا كما أن ثواب الصوم لا يحصيه إلا الله تعالى والملائكة تكتبه مبهما والله تعالى يضاعف لمن يشاء.

(1)

النهاية في غريب الحديث والأثر (4/ 42).

ص: 662

وقوله في القيراطين أنهما مثل الجبلين العظيمين فيه تنبيه على أن هذه القراريط لا توزن بموازين الدنيا كما يوزن قراريطها وإنما [توزن] بموازين الآخرة وفيه دفع لما يسبق إليه وَهْمُ السامع من كون القيراطين من قراريط الدنيا

(1)

.

وقوله: "أصغرهما مثل أحد"[لم]

(2)

يبين فيه الأصغر هل هو قيراط الصلاة أو قيراط الدفن والظاهر أن الأصغر هو قيراط الدفن لأن قيراط الصلاة مرتب على واجب وهو الصلاة وقيراط الدفن مرتب على مستحب وثواب الواجب يفضل على ثواب المستحب بسبعين درجة كما ورد في رواية ويمكن حمل الرواية الأولى على من [تعين عليه] شهود الدفن [فيستوي] قيراطه مع قيراط الصلاة لاستوائهما في الموجب

(3)

، اهـ. والله أعلم.

[وفي الحديث وجوب الصلاة والحمل والدفن وفيه أداء الحقوق الميت بالصلاة عليه ومواراته وغير ذلك اهـ.

وفي رواية للبخاري من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها]

(4)

، الحديث، يفرغ من دفنها ضبط بضم الياء وفتح الراء وعكسه والأول أحسن وأعم ففي هذه الرواية

(5)

أتبع وفي رواية تبع، ظاهر هذه

(1)

كشف الأسرار (لوحة 53).

(2)

سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.

(3)

كشف الأسرار (لوحة 54).

(4)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

(5)

شرح النووي على مسلم (7/ 15).

ص: 663

الرواية يقتضي المشي وراء الجنازة

(1)

وهو قول علي بن أبي طالب، ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة [وأما] جمهور الصحابة والتابعين وجماهير العلماء

(2)

، وأما الأئمة الثلاثة الأخر فقالوا هو قُدامَها أفضل وحملوا الاتباع على المعنى العرفي إذ لو تقدم عليها أو حاذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعدُّ من مشيعيها كان له حكم الاتباع عرفا ورجحوا القُدَّام

(3)

لما روى أبو دواد

(4)

بإسناد صحيح [عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان، من جهة المعنى أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم وحد القرب أن يكون بحيث لو التفت لرآها اللهم إلا أن يكثر الحاضرون

(5)

]، وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم والشيخين كانوا يمشون أمامها أي ركبانا ومشاة كما رواه أبو داود والترمذي والمشي أفضل من الركوب لأنه صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة بل قال الماوردي: الركوب مكروه لمخالفة السنة إلا أن يعجز أو يبعد الموضع فلا يكره

(6)

.

وروى الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم رآى أناسا ركبانا في جنازة فقال: ألا تستحيون أن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهر الدواب، ولا يكره الركوب في العَوْد لأنه

(1)

الكواكب الدراري (1/ 185).

(2)

شرح النووي على مسلم (7/ 14).

(3)

الكواكب الدراري (1/ 185).

(4)

سنن أبي داود (3179).

(5)

النجم الوهاج (3/ 38 - 39).

(6)

النجم الوهاج (3/ 38).

ص: 664

-صلى الله عليه وسلم ركب فرسا في عوده من جنازة أبي الدحداح كما رواه مسلم

(1)

، وروى أبو داود

(2)

أنه صلى الله عليه وسلم أتي [بدابة] وهو مع جنازة فلم يركبها فلما انصرف ركب وقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن راكبا وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.

وأيضا المشيعون للجنازة كالشفعاء لها ولهذا يقولون في الدعاء: وقد جئناك شفعاء له ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له. وقال الثوري وطائفة [معه]

(3)

الكل على السواء لا ترجيح فيه

(4)

، يعني أن قدام الجنازة ووراءها.

فائدة: قال القاضي عياض وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك. وحكى عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن وهو قول جماعة من الصحابة

(1)

صحيح مسلم (965).

(2)

سنن أبي داود (3177)، وأخرجه ابن ماجه (1480)، والترمذي (1033)، والبزار في مسنده كما في مختصر سنن أبي داود للمنذري 4/ 314، والحاكم 1/ 355، وعنه البيهقي (4/ 23)، وصححه الحاكم وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ثوبان بهذا الإسناد، وهو حسن الإسناد، ولا نعلم كلاما جاء به أحد غيره بإسناد متصل. وقد رواه عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، لم يقل عن أبي سلمة ولا ثوبان. ومعمر أثبت من عامر بن يساف.

(3)

سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.

(4)

الكواكب الدراري (1/ 185).

ص: 665

والله تعالى أعلم بالصواب

(1)

.

فرع: ولا يكره لمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عليه وقد مات أبوه أبو طالب اذهب فواره

(2)

.

قوله صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري

(3)

: حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، الحديث، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط، والانصراف عن الميت أحوال. أحدها: عقيب الصلاة فله قيراط، والثاني بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقبل إهالة التراب فهل يحصل له القيراطان فيه وجهان: اختيار الإمام الحصول، وصحح الماوردي أنه لا يحصل واختاره النووي لظاهر الحديث. والثالث بعد الفراغ من الدفن فله قيراطان بلا خلاف، والرابع أن يدعو للميت ويستغفر له بعد الدفن وهو أكمل الأحوال، قاله في مختصر الكفاية، ثمّ في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهو أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني وكذا

(1)

إكمال المعلم (3/ 403).

(2)

أخرجه أحمد 1/ 131 (759) وأبو داود (3214) والنسائي (1/ 110)، (4/ 65) وفي الكبرى (195 و 2133) وفي خصائص علي (149)، وأبو يعلي (423) وأبو يعلى في معجمه (239) وفي مسنده (423)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (717)، وفي السلسلة الصحيحة (161)، وأحكام الجنائز (1/ 134)

(3)

صحيح البخاري (47).

ص: 666

لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له إنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكن له أجر في الجملة وفاته فضيلة المتابعة للميت، والله أعلم.

سؤال في قوله صلى الله عليه وسلم: من صلى جنازة فله قيراط، الحديث، لأيِّ معنى عبّر بالقيراط ولأي شيء أبهم القيراط ولأيّ جملة نسب القيراط ولم شبّه أصغرهما بأحد قيل: قال فله قيراط ولم يقل فله عشر قراريط على مقتضى القاعدة في أنّ الحسنة بعشر أمثالها. قيل يحتمل والله أعلم أنه عبّر بالقيراط لأنه أول المقادير التي يخبر بها ويوزن وهو أول الأعداد فعبر بالقيراط لأنه أول المراتب ثم بيّن صلى الله عليه وسلم أن هذا القيراط ليس معادلا للقيراط الذي ألفوه في موازين الدنيا بل هو قيراط عظيم ليس في موازين الدنيا ما يحمله وإنما يمكن وزنه في موازين القيامة وبيّن أن أصغر القيراطين كأحد لأنه أكبر [جبل] عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد وقيل أكبر جبل في الدنيا لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، والقيراط الآخر أبهمه لعظمه لأن عطاء الله واسع فلا يحد والله يضاعف لمن يشاء وإنما عبر بالقيراط ولم يعبر بعشرة لأن الحسنة الواحدة قد ترجح على حسنات كثيرة وهذا كما قيل عمر حسنة من حسنات أبي بكر الصديق

(1)

.

(1)

أخرجه الحسن بن عرفة في جزء ابن عرفة (35) وعنه: أبو يعلى الموصلي في المسند (1603) ومن طريقه: أبو بكر القطيعي في الزوائد على فضائل الصحابة (678)، والآجري في الشريعة (1393)، وابن عدي في الكامل (8/ 360)، وابن شاهين في شرح =

ص: 667

وأما إبهام الأجر فلم يبين في الحديث الآخر المنسوب إليه هذا القيراط فيحتمل أن يكون ذلك الأجر هو أجر الصائمين وأن هذا قيراط منه ويحتمل أن يكون أجر الجهاد أو أجر الحج لكن ذلك غير مراد لأن هذه أنواع من الخير من غير الجنس والمقادير إنما تنسب وتضاف إلى أجناسها وما يناسبها.

وقد حكي عن بعض المالكية أن القيراط ها هنا مضاف إلى مقدار الأجر الحاصل لمن قام بسائر أعمال الميت والقول متعين وتقدم هذا وعلى هذا لو فرضنا أن إنسانا قام بتجهيز الميت من لدن مات إلى مواراته في التراب حصّل الأجر المرتّب على تجهيز الميت كله فلو صلى معه إنسان على الميت حصل له قيراط منسوب إلى جملة ما حصل لمن أتى بفرض الكفاية كله وليس القيراط منسوبا إلى أربعة وعشرين بل إلى الأعمال التي تتعلق بالميت من تغميضه وتقبيله إلى القبلة وشد لحييه بعصابة ونزع ثيابه التي مات فيها ووضعه على سرير وتغسيله وتكفينه وحمله والمشي معه والصلاة عليه

= مذاهب أهل السنة (129)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (2431)، والحنائي في الفوائد (2/ 1192)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (17/ 35)، وقوام السنة الأصبهاني في سير السلف الصالحين (1/ 129)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (30/ 123)، وابن الجوزي في الموضوعات (1/ 321)، وفي العلل المتناهية (1/ 189)، قال الحنائي: هذا حديث غريب من حديث أبي إسماعيل حماد بن أبي سليمان، قال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث موضوع ولا أعرف إسماعيل قال الهيثمي: فيه الوليد بن الفضل العنزي، وهو ضعيف جدا، مجمع الزوائد (9/ 68).

ص: 668

[وحضور دفنه وحفر القبر ووضعه فيه وسدّه عليه]

(1)

وإهالة التراب. فهذه خمسة عشر فمن أتى بالصلاة فله قيراط من خمسة عشر قيراطا والخمسة عشر هي جملة الأجر ومن حضر الدفن فله قيراط آخر وهذه القراريط بعضها أفضل من بعض لأن بعض هذه الأعمال أفضل فالصلاة عليه أفضل من حضور دفنه لأن الصلاة عليه فرض وحضور الدفن سنة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: أصغرهما، فيحتمل أن يراد به قيراط شهود الدفن لما تقدم ولموافقته القواعد لأن ثواب الواجب يزيد على ثواب الندب بسبعين درجة وإنما أبهمه صلى الله عليه وسلم ليحرص الإنسان على الإتيان بالقيراطين لأنه لو بيّن [لما] يترتب على أصغر القيراطين لربما تكاسل عند الناس ورغبوا في فعل ما ترتب عليه القيراط الأكبر ويحتمل أن يكون القيراط الأكبر مرتبا على شهود الدفن ولا يبعد أن يزيد ثواب المندوب على ثواب الواجب كما إن الإبراء من الدين أفضل من الإنظار مع أنه مستحب والإنظار واجب وابتداء السلام أفضل من الرد ولو صلى إنسان على جنائز دفعة حصل له بكل ميت قيراط لأنه شفع ودعا لهم ولأن الفعل الواحد إذا عمّ نفعه تعدّد الأجر بعدد أفراد ما عمّه النفع، قال الله تعالى:{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} إلى قوله: {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} . قال الزجاج في تفسيره: إنما كان كذلك لأن من أحيا نفسا أو أحسن إليها أو علّمها علما فقد أحسن إلى جنس بني آدم وكأنه أدخل السرور على كل واحد منهم بإحسانه إلى أخيهم فأعطي بكل [نسمة حسنة ومن قتل نفسا

(1)

سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

ص: 669

فكأنه أساء إلى سائر الجنس وإلى كل فرد من أفراده فأعطى بكل] نسمة سيئة فكما يكون الإحسان على المرة كذلك تكون العقوبة على الإساءة وأيضا فقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى على جنازة" نكرة في سياق الشرط فيعم كلّ جنازة فوجب أن تتضاعف له القراريط بعدد الأموات

(1)

، والله أعلم.

[5317]

وَعَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد ابْن عمر رضي الله عنهما إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة فَقَالَ يَا عبد الله بن عمر أَلا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة رضي الله عنه يَقُول إِنَّه سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا واتبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد فَأرْسل ابْن عمر إِلَى عَائِشَة رضي الله عنها يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة ثمَّ يرجع إِلَيْهِ فيخبره بِمَا قَالَت وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصى الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى يرجع فَقَالَ قَالَت عَائِشَة صدق أَبُو هُرَيْرَة فَضرب ابْن عمر بالحصى الَّذِي كَانَ فِي يَده الأَرْض ثمَّ قَالَ لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة رواه مسلم

(2)

.

قوله: "وعن عامر بن سعد بن أي وقاص أنه كان قاعدا عند ابن عمر إذ طلع خبّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع إلى ما يقول أبو هريرة؟ يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج مع جنازة من بيتها فصلى عليها واتبعها حتى تدفن فله قيراطان" فذكر الحديث إلى قوله:

(1)

كشف الأسرار (لوحة 53 و 54 و 55).

(2)

صحيح مسلم (945).

ص: 670

"فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع فيخبره الحديث، وإنما بعث ابن عمر إلى عائشة يسألها بعد إخبار أبي هريرة لأنه خاف على أبي هريرة النسيان والاشتباه فلما وافقته عائشة علم أنه حفظ وأتقن رضي الله عنه

(1)

.

قوله: "وأخذ بن عمر قبضة من حصى المسجد يقلّبها في يده حتى يرجع. فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة" الحديث، الحصى مقصور جمع حصاة وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها حصباء بالباء والمد عكس الأول وكلاهما صحيح، والحصباء هو الحصى وفيه أنه لا بأس بمثل هذا الفعل

(2)

.

قوله رضي الله عنه، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. أي ضيّعنا حيث قصّرنا في اتباع الجنازة في قراريط كثيرة وفيه ما كانت الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين تبلغهم والتأسف على ما يفوتهم فيها وإن كانوا لا يعلمون عظم موقعه

(3)

وفرطت إشارة إلى ما ورد في القرآن {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} ، ومعناه ضيّعت من أمر الله، وذكره البخاري مناسبة لقوله فرّطنا

(4)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (7/ 16 - 17).

(2)

شرح النووي على مسلم (7/ 16).

(3)

شرح النووي على مسلم (7/ 15).

(4)

الكواكب الدراري (7/ 110).

ص: 671

تنبيه: قول الحافظ رواه مسلم. قال الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر قلت: ورواه أبو داود

(1)

أيضا هكذا ذكره على حاشية نسخته.

5318 -

وَعَن ثَوْبَان رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان القيراط مثل أحد رواه مسلم

(2)

. وابن ماجه

(3)

أيضا من حديث أبي بن كعب وَزَاد فِي آخِره وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد هَذَا.

قوله: "وعن ثوبان"، هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقدم الكلام على ترجمته.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى على جنازة فله قيراط" وفي آخر الحديث: القيراط مثل أحد، وفي رواية ابن ماجه: والذي نفسي بيده القيراط أعظم من أحد، هذا وفي رواية قالوا: يا رسول الله مثل قراريطنا هذه؟ قال: لا بل مثل أحد وأعظم من أحد، رواه أحمد. أحد منصرف وهو الجبل الذي يجنب المدينة على نحو ميلين منها، والقيراط لغة نصف دانق وأصله قرّاط بتشديد الراء لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي التضعيف كما في الدينار فالقيراط اسم لمقدار

(1)

سنن أبي داود (3169).

(2)

صحيح مسلم (946).

(3)

سنن ابن ماجه (1541) وأخرجه ابن أبي شيبة (11614)، وأحمد (21201)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1267) قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 502): هذا إسناد ضعيف لتدليس حجاج بن أرطأة. الطبراني في الأوسط (58)، ومن طريقه الضياء في المختارة (1167) و (1170). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (4/ 41)، والتعليق الرغيب (4/ 172).

ص: 672

معلوم في العرف وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين جزءا، قاله الكرماني. فهذه الأحاديث تدل على عظم مقدراه، ومقصود الحديث أن من صلى على جنازة كان له حظ عظيم من الثواب والأجر فإن صلى عليها واتبعها كان له حظان عظيمان من ذلك إذ قد عمل عملين أحدهما صلاته والثاني كونه معه إلى أن يدفن، اهـ. قاله الإمام القرطبي

(1)

.

5319 -

وَعَن ابْن عمر رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَإِن لَهُ قيراطا فَسئلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن القيراط فَقَالَ مثل أحد.

وَفِي رِوَايَة قَالُوا يَا رَسُول الله مثل قراريطنا هَذِه قَالَ لَا بل مثل أحد أَو أعظم من أحد. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات

(2)

.

5320 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من أَتَى جَنَازَة فِي أَهلهَا فَلهُ قِيرَاط فَإِن اتبعها فَلهُ قِيرَاط فَإِن صلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط فَإِن انتظرها حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا معدي بن سُلَيْمَان.

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدمت ترجمته.

(1)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (8/ 82).

(2)

أخرجه أحمد 2/ 16 (4650) و (2/ 31 - 32)(4867) و (6305)، والترمذي في "العلل الكبير"(257)، والطبراني في الكبير (13/ 180 رقم 13884) و (13/ 225 رقم 13953). قال الهيثمي في المجمع 3/ 30: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، إلا أنه قال في الكبير: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تبع جنازة حتى يصلي عليها ثم يرجع فله قيراط، ومن صلى عليها ثم مشى معها حتى يدفنها فله قيراطان" قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال:"مثل أحد". والبزار بنحوه، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3502). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.

ص: 673

قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى جنازة في أهلها فله قيراط فإن اتبعها فله قيراط فإن صلى عليها فله قيراط فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط" فهذا الحديث فيه التصريح بأربعة قراريط إذا أتى جنازة في أهلها وحضرها إلى أن تدفن.

قوله: "ورواته رواة الصحيح إلا معدي بن سليمان" قال أبو زرعة واهي الحديث. وقال النسائي ضعيف ووثقه أبو حاتم وغيره وصحح له الترمذي.

5321 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح مِنْكُم الْيَوْم صَائِما قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من أطْعم مِنْكُم الْيَوْم مِسْكينا قَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ من عَاد مِنْكُم الْيَوْم مَرِيضا فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من تبع مِنْكُم الْيَوْم جَنَازَة قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال قطّ فِي رجل إِلَّا دخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه

(1)

.

5322 -

وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن أول مَا يجازى بِهِ العَبْد بعد مَوته أَن يغْفر لجَمِيع من اتبع جنَازَته رواه البزار

(2)

،

(1)

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (515)، ومسلم (12 و 87 - 1028)، وابن خزيمة (2131). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.

(2)

أخرجه البزار في المسند (5855) وقال البزار: لا نعلم رواه إلا معدي. أخرجه مسلم في التمييز (83) قال مسلم: فهذه الرواية، المتقنون من أهل الحفظ على خلافها، وإنّهم لم يذكروا في الحديث إلا قيراطين، قيراط لمن صلى عليها، ثم يرجع، ولمن انتظر دفنها قيراطان. كذلك روى أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجوه ذوات عدد سنذكرها إن شاء الله.

فأما حديث معدي بن سليمان في روايته من ذكر أربعة قراريط، فلم يواطأ عليه من وجه من الوجوه المعروفة، وخولف في إسناده عن ابن عجلان والحديث ذكره الهيثمي في =

ص: 674

ورواته رواة الصحيح إلا معدي بن سليمان

(1)

.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أول ما يجازى به العبد بعد موته أن يغفر لجميع من اتبع جنازته. رواه البزار

(2)

.

قوله: "وروي عن ابن عباس " تقدم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يجازى به العبد بعد موته أن يغفر لجميع من اتبع جنازته" فهذا الحديث فيه بشرى لمتبع الجنازة [بغفران] ذنوبه الصغائر دون

= مجمع الزوائد 3/ 33 وقال: رواه البزار وفيه معدي بن سليمان صحح له الترمذي ووثقه أبو حاتم وغيره وضعفه أبو زرعة والنسائي وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 309) ومعدي فيه مقال.

(1)

معدي بن سليمان أبو سليمان صاحب الطعام ضعيف وكان عابدا تهذيب الكمال (28/ 258). تقريب التهذيب (ص: 540 ت 6788).

(2)

أخرجه البزار (4796 و 5160)، البزار في مسنده -كما في كشف الأستار (1/ 388) -، وعبد بن حميد في المنتخب (1/ 539)، والعقيلي، في "الضعفاء"(6/ 41)، وابن عدي، في "الكامل" 8/ 119، والبيهقي، في "شعب الإيمان"(8820)، وقال البزار: وقد روى عن مروان: محمد بن الزبرقان وعبد المجيد، وهو مع ذلك لين الحديث. وقال العقيلي: "مروان بن سالم الجزري،

أحاديثه مناكير، لا يتابع عليها إلا من طريق يقاربه.

وقال ابن عدي: "ولمروان بن سالم غير ما ذكرت من الحديث، وعامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 29)، وقال: فيه مروان بن سالم الشامي وهو ضعيف.

وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 451) فيه مروان بن سالم الجزري، وهو ضعيف.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1823). ضعيف الترغيب والترهيب (2057).

ص: 675

الكبائر كما ذكر في غيره. [فروع يختم بها الباب.

الفرع الأول: لا يقدح في نقص الأجر من القيراط كون الإنسان يتبع الجنازة لأجل أقاربها لأن ذلك مأمور به فلا يداخله الرياء كما توهمه بعضهم. وقد روينا في الحلية لأبي نعيم عن ابن سيرين أنه سئل عن ذلك فقال: إن فيه صلة الحي والميت أي فيكون ذلك أعظم أجرا

(1)

والله أعلم. ذكره ابن العماد في شرح العمدة.

الفرع الثاني: [إذا مر عليه بالجنازة فالمنصوص وقول الأكثرين أنه لا يستحب له القيام لها بل قالوا يكره. قال وفي زوائد الروضة وانفرد المتولي باستحبابه واختار في شرح المهذب مقالة المتولي

(2)

والله تعالى أعلم.

فيستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها وأن لا يشتغل بشيء عن التفكر فيما هو لاقيه وصائر إليه

(3)

.

قال سعيد بن معاذ

(4)

: ثلاثة أشياء قويت عليها ما مشيت في جنازة قط إلا وكنت متفكرا فيما يقال لها وما به يجيب، ولا صليت صلاة فحدثت فيها

(1)

الحلية (2/ 264) ولفظه: عن يحيى بن عتيق، قال: قلت لمحمد بن سيرين: الرجل يتبع الجنازة لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها له في ذلك أجر قال: "أجر واحد بل له أجران أجر لصلاته على أخيه وأجر لصلته الحي".

(2)

النجم الوهاج (3/ 41).

(3)

النجم الوهاج (3/ 92).

(4)

النجم الوهاج في شرح المنهاج (3/ 92).

ص: 676

نفسي بشيء من أمور الدنيا ولا بلغتني سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها]

(1)

.

من البدع ما يفعله بعضهم من حضور القراء على باب الميت أو قريبا من داره ويبسط لهم [الحصر] والبسط على الطريق المشتركة وذلك بدعة، وهم غاصبون لطريق المسلمين التي جلسوا فيها من غير ضرورة شرعية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات

(2)

فيجب إنكار ذلك على كل قادر

(3)

والله أعلم.

الفرع الثالث من البدع قراءة المقرئين أمام الجنازة على ما يعهد من تمطيطهم القراءة وتلحينهم وزيادتهم في الحروف وهذا بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر وقد استفتي النووري رحمه الله فقيل له هذه القراءة التي يقرءونها الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا

أجاب رحمه الله: بل هذا منكر ظاهر فاحش وهو حرام بإجماع العلماء وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد وعلى ولي الأمر وفقه الله تعالى

(1)

وسقطت هذه الفقرة من الأصل.

(2)

صحيح البخاري (2465)، ومسلم (2121).

(3)

تنبيه الغافلين (ص 486).

ص: 677

زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم ويجب إنكاره على كل [مسلم] تمكن من إنكاره، اهـ، فإن كانت القراءة على وجهها من غير تمطيط ولا إلحان كان ذلك بدعة مكروهة لأن ذلك لم يرد فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد ممن يقتدى به من السلف وكذلك الذكارين مع الجنازة بدعة مكروهة

(1)

والله أعلم.

الفرع الرابع: ومن البدع ما ابتدعه بعضهم وهو أنهم يحملون أمام الجنازة الخبز والزيت والملح والغنم على رءوس الحمالين فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا الغنم وفرّقوا لحمها مع الخبز ويقع بسبب ذلك زحمة وضراب [ولغط] ونهب وأكثر ذلك يصل إلى من لا يستحقه وربما نهبوا ذلك قبل وصوله إلى القبر والضعيف على المزاحمة والضراب لا [يصل] إليه شيء وهذا إن كان من مال التركة وفيها يتيم أو غائب فذلك حرام وإن كان الميت قد أوصى بذلك أو تبرّع به الورثة الجائز تبرعهم ففيه ما فيه من المفاخرة والرياء والسمعة والمباهاة إذ لو كان القصد بهذه الصدقة وجه الله تعالى وأيضا الأجر إلى الميت لكانوا يصرفونها سرا وجهرا في غير الجنازة مع قصد المستحقين للصدقة وأما الذبح عند القبر وإن سلِم من المقاصد الفاسدة فهو بدعة مكروهة من أعمال الجاهلية. وقد روى أبو داود

(2)

عن أنس أن النبي

(1)

تنبيه الغافلين (ص 481).

(2)

سنن أبي داود (3222)، وأخرجه الترمذي (1601) وفي العلل (2/ 684) والنسائي 4/ 16، وعبد الرزاق في المصنف (6690)، وأحمد (13032)، وعبد بن حميد =

ص: 678

-صلى الله عليه وسلم قال: لا عقر في الإسلام، والمراد بالعقر ما كانت الجاهلية يفعلونه من الذبح عند القبر

(1)

، اهـ.

الفرع الخامس: ومن البدع ما يفعل على القبر بالصندوق والدربزين وذلك بدعة مخالفة للسنة وأكثر ما يفعلون ذلك في قبور الصالحين الذين هم أولى الناس باتباع السنة

(2)

، والله أعلم. ذكر هذه الفروع ابن النحاس في كتابه التنبيه ومنه نقلت]

(3)

.

تتمة: استحب القاضي حسين والشيخ نصر المقدسي وغيرهما تلقين الميت بعد الدفن مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لقّن ولده إبراهيم وهو غريب، قالوا: ولم يزل أهل الشام على العمل به فيعقد الملقن عند رأس القبر ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر العهد الذي فارقتنا عليه شهادة أن لا إله إلا

= (1253)، وابن حبان (3146)، والبيهقي (4/ 57 و 9/ 314)، والضياء في المختارة (1785، 1786) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنسوقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: لا أعرف هذا الحديث إلا من حديث عبد الرزاق، لا أعلم أحدا رواه عن ثابت غير معمر وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (7535)، والصحيحة (2436)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (5/ 115)(3136)، وأحكام الجنائز (1/ 203).

(1)

تنبيه الغافلين (ص 488 - 489).

(2)

تنبيه الغافلين (ص 489).

(3)

وقع تأخير لهذه الصحيفة [] في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله فيما سيأتي:(وليس المراد المقبرة الموقوفة للدفن فإن هذه يحرم البناء فيها قطعا والله أعلم، قاله في الديباجة).

ص: 679

الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق والساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إمام وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، رواه أبو عوانة والطبراني في الكبير

(1)

وله شواهد كثيرة يعضد بعضها بعضا. وفي زوائد الروضة أن الطفل ونحوه لا يلقن، وحكى ابن الصلاح وجهين في أن التلقين قبل إهالة التراب أو بعده، قال والمختار الأول، وقال ابن عبد السلام في فتاويه التلقين بدعة لم يصح فيه شيء، اهـ

(2)

.

تنبيه: روى البيهقي

(3)

من حديث عامر بن ربيعة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحثو

(1)

أكبر (معاجمه)[8/ 249].

(2)

النجم الوهاج (3/ 120 - 121).

(3)

السنن الكبرى للبيهقي (3/ 575)، والبزار = البحر الزخار (9/ 273)، ومعجم ابن المقرئ (ص: 393)، وقال ابن الملقن في البدر المنير (5/ 316 - 317) وهذا حديث ضعيف، القاسم بن عبد الله واه، قال أحمد: كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناس حديثه. وأما عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر فضعفه مالك وغيره، وأما علي بن حفص فقد أخرج له م، ووثقه د و س، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وأجمل البيهقي القول في تضعيفه فقال لما رواه: إسناده ضعيف، إلا أن له شاهدا من جهة جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

قلت: رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر به، قال البيهقي: ويروى عن أبي هريرة مرفوعا. قلت: ورواه أبو داود في "مراسيله" عن أحمد بن منيع، عن حماد بن خالد، عن هشام بن سعد، عن [زياد]، عن أبي المنذر:"أنه عليه السلام حثى في قبر ثلاثًا". وذكر هذا ابن أبي حاتم في "مراسيله"، وقال: قال أبي: أبو المنذر والذي قبله مجهولان.

ص: 680

بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على قبر عثمان بن مظعون وفي رواية ابن ماجه

(1)

أن النبي صلى الله عليه وسلم حثى عليه من قبل رأسه ثلاثا فيكون الحثو من جهة الرأس مستحبا فيستحب لكل من دنا من القبر أن يحثي ثلاث حثيات من التراب باليدين جميعا بعد الفراغ من شفير اللحد، هذا هو المنصوص المتفق عليه، وقال القاضي حسين والمتولي وآخرون يستحب أن يقول في الحثية الأولى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}

(2)

، وكذلك رواه أحمد في مسنده، ثم يهال التراب بعد ذلك بالمساحي

(3)

، قاله في الديباجة.

تتمة: يستحب أن يوضع رأس الميت عند [رجل] القبر وهو طرفه الذي يكون فيه رجل الميت وأن يُسجّى القبر بثوب عند الدفن سواء كان الميت رجلا أو امرأة، وفي وجه يختص ذلك بالمرأة واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا وهو مذهب أبي حنيفة ثم يسلّ من قبل رأسه سلا رفيقا ويقال [عند ذلك] باسم الله [وبالله] وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود، وفي رواية للترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابن ماجه باسم

(1)

وقال ابن الملقن في البدر المنير (5/ 316 - 317) ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثى من قبل رأس الميت ثلاثًا". إسناده لا بأس به، وخالف أبو حاتم الرازي فقال: إنه حديث باطل، وفيه زيادة لطيفة وهي:"من قبل رأسه". فيكون الحثي من قبل الرأس مستحبا وضعفه الألباني في إرواء الغليل (752).

(2)

سورة طه: 55.

(3)

المجموع (5/ 293)، وروضة الطالبين (2/ 136)، والنجم الوهاج (3/ 79 - 80).

ص: 681

الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالملة والسنة هنا الدين والشريعة

(1)

.

قال الطوفي: والملة والسنة في الأصل واحدة

(2)

، وأما في الاصطلاح فالملة أخص لأنها عبارة عن التوحيد أصلا وفرعا اعتقادا وقولا والسنة عبارة عن الأحكام الفرعية ولهذا يقال: التوحيد من الملة ولا يقال من السنة إلا إن أراد بها الملة

(3)

. وفي الحديث استحباب قول ذلك لما فيه من التبرك باسمه الكريم لعل قائله ينجو ببركته من الأهوال ويسأل الله له التثبيت.

قال الشافعي في المختصر: ويستحب أن يقال: اللهم سلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمه وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأهل العفو أنت وأنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك الله اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين

(4)

ويستحب أن يوسّد رأسه بلبنة أو حجر أو نحوها ويفضي بخده إلى القبلة [وإلى التراب] ومعناه أن ينحي الكفن عن

(1)

المجموع (5/ 291) وكفاية النبيه (5/ 139).

(2)

البيان (3/ 105).

(3)

الأحكام (4/ 146) للآمدى.

(4)

مختصر المزنى (8/ 133).

ص: 682

خده ويوضع على التراب ويستحب أن يجعل خلفه شيء من لبن أو غيره يسنده ويمنعه أن يقع على قفاه

(1)

. اهـ.

تتمة أيضا: السنة أن يجعل عند رأس الميت علامة [شاخصة] من حجر أو خشبة أو غيرهما، هكذا قاله الشافعي وسائر الأصحاب إلا صاحب الحاوي فإنه قال يستحب علامتان إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حجرين كذلك على قبر عثمان بن مظعون

(2)

كذا قال، والمعروف في الحديث حجر واحد

(3)

، ويستحب أن يوضع على القبر حصى وهو الحصى الصغار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقبر ولده إبراهيم صلى الله عليه وسلم

(4)

، قاله في الديباجة.

فائدة: اتفقوا على أن البناء في المقبرة المسبّلة يهدم لأنه يضيق على الناس، وجزم النووي في شرح المهذب

(5)

بتحريم البناء على القبر وذكر نحوه في شرح مسلم

(6)

. قال الشافعي: رأيت من الولاة عندنا بمكة من يهدم ما بني في المقبرة المسبلة ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، ولا فرق بين أن

(1)

المجموع (5/ 293).

(2)

أخرجه أبو داود (3201)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (3/ 412)، وقال ابن حجر في التلخيص (2/ 133): إسناده حسن. وصححه الألباني صحيح أبي داود (2745).

(3)

المجموع (5/ 298).

(4)

الأم (3/ 107) والنجم الوهاج (3/ 112).

(5)

المجموع شرح المهذب (5/ 296).

(6)

شرح النووي على مسلم (7/ 27).

ص: 683

يكون ذلك بيتا أو مسجدا أو غير ذلك، فمن المسبّل قرافة مصر، قال ابن عبد الحكم ذكر في تاريخ مصر

(1)

أن عمرو بن العاصي أعطاه المقوقس فيها مالا جزيلا وذكر أنه وجد في الكتاب الأول أنها تربة الجنة فكاتب أمير المؤمنين عمر في ذلك فكتب إليه إني لا أعرف تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم، وقد أفتى الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين الجميزي وتلميذه الظهير [التزمنتي بهدم ما بني بها والمراد بالمسبلة التي جرت عادة أهل البلد] بالدفن فيها وليس المراد المقبرة الموقوفة للدفن فإن هذه يحرم البناء فيها قطعا

(2)

والله أعلم، قاله في الديباجة.

تتمة: يكره تجصيص القبور والكتابة عليها، كرهها الجمهور سواء كان المكتوب اسم صاحبه أو غيره وسواء كان في لوح أو ثوب وضع عليه أو غير ذلك وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال الإمام مالك والإمام أحمد وداود وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يكره ودليلنا الأحاديث الصريحة في النهي

(3)

لكن الجمهور صرحوا بأن وضع الحجر ليعرف به الميت مستحب فإذا كانت الكتابة طريقا إلى ذلك ينبغي أن لا يكره هذا إذا كان بقدر الحاجة إلى الإعلام فقط

(4)

.

(1)

ذكره الدميرى في النجم الوهاج (3/ 111) وهو في فتوح مصر (ص 183 - 184).

(2)

النجم الوهاج (3/ 111).

(3)

المجموع (5/ 297).

(4)

النجم الوهاج (3/ 110).

ص: 684

وقال الشيخ أبو زيد: إذا خشي من نبش القبر يجصص ويبني عليه حتى لا يقدر النابش عليه ويظهر أن يكون مثله إذا خشي عليه نبش الضبع ونحوه، والتجصيص التبييض بالجص وهو النورة البيضاء وهو الجير ويروى التقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة هو الجص وفيه من جهة المعنى أنه زينة وهي لا تناسب حال الميت بخلاف التطيين فإنه لا بأس به

(1)

، ونقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي أنه قال: لا يكره التطيين أيضا وهو الصحيح ويكره أيضا أن يجعل على القبر قبة أو مظلة لأن عمر رضي الله عنه رآى قبة على قبر فنحاها وقال: نحوه يظله عمله

(2)

.

وفي صحيح البخاري

(3)

: مات الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فضربت امرأته على قبره قبة سنة ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول: هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا، اهـ.

(1)

النجم الوهاج (3/ 109 - 110).

(2)

صحيح البخاري (2/ 95) وانظر التذهيب (2/ 446) والنجم الوهاج (3/ 110).

(3)

صحيح البخاري (2/ 88) معلقا.

ص: 685