الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو حديث معلول؛ انظر علته في:
المراسيل لأبي داود (17)، سنن ابن ماجه (1760)، مسند أحمد (4/ 9 و 343)، مصنف عبد الرزاق (1/ 414/ 1620)، طبقات ابن سعد (5/ 510)، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 260/ 8774 و 8775)، أخبار المدينة (873 و 874 و 878 - 882)، الآحاد والمثاني (3/ 186 و 224/ 1152 و 1586)، شرح المعاني (1/ 13)، مشكل الآثار (3/ 399)، معجم ابن قانع (1/ 31)، المعجم الكبير للطبراني (17/ 169/ 448)، الموضح (1/ 326)، تهذيب الكمال (19/ 411)(20/ 149).
ويأتي تخريجه مطولًا -إن شاء الله تعالى- في موضعه من السنن.
2 -
حديث جبير بن مطعم، قال: أتيت المدينة في فداء بدرٍ -قال: وهو يومئذٍ مشركٌ- قال: فدخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة المغرب، يقرأ فيها بالطور، فكأنما صدع قلبي لقراءة القرآن.
أخرجه أحمد (4/ 83 و 85)، والطيالسي (2/ 253/ 985)، وأبو يعلى (13/ 404/ 7407)، والطحاوي (1/ 211)، والبيهقي في السنن (2/ 444)، وفي الشعب (2/ 489/ 2492)، والخطيب في تاريخ بغداد (3/ 53).
واختلف فيه على شعبة، وفي إسناده مبهم، وهو معلول بما رواه الشيخان [البخاري (765 - وأطرافه)، مسلم (463)] من طريق: الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور.
ويأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعه من السنن برقم (811).
قال سفيان بن عيينة: قالوا في هذا الحديث: أن جبيرًا قال: سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مشرك، فكاد قلبي أن يطير، ولم يقله لنا الزهري [الحميدي (556)، البخاري (4854)].
***
24 - باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
489 -
. . . الأعمش، عن مجاهد، عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ طَهورًا ومسجدًا".
• حديث صحيح.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/ 455)، والدارمي (2/ 295/ 2467)، وابن حبان (14/ 375/ 6462)، والحاكم (2/ 424)، وأحمد (5/ 145 و 148)، والطيالسي (474) معلقًا. وابن أبي شيبة (2/ 170/ 7755) و (6/ 304/ 31650)، والحسين المروزي في زيادات الزهد على ابن المبارك (1069 و 1620)، وأبو العباس السراج في مسنده
493 -
، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (293)، والعقيلي في ضعفائه (2/ 28) و (4/ 125) معلقًا. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 786/ 1450) معلقًا. وأبو نعيم في الحلية (3/ 277)، والبيهقي في الدلائل (5/ 473)، وابن عبد البر في التمهيد (19/ 68).
وقد اقتصر منه أبو داود على موضع الشاهد، واختصره، وساقه جميعهم بتمامه -عدا البخاري-، فرووه من طرقٍ عن الأعمش بألفاظٍ متقاربةٍ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وأُحلت ليَ الغنائم، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، ونُصرت بالرعب؛ فيرعب العدو من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وقيل لي: سل تعطه، واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي في القيامة، وهي نائلة -إن شاء الله- لمن لم يشرك بالله شيئًا".
وفي رواية ابن إسحاق، وكذا جرير بن عبد الحميد: قال الأعمش: فكان مجاهد يرى أن الأحمر: الأنس، والأسود: الجن.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجا ألفاظًا من الحديث متفرقة".
وقال أبو نعيم: "متن هذا الحديث في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم: ثابت مشهور، متفق عليه من حديث يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله، وغيره، وحديث عبيد بن عمير عن أبي ذر:
مختلفٌ في سنده، فمنهم من يرويه: عن الأعمش عن مجاهد عن أبي ذر، من دون عبيد، وتفرد جرير بإدخال عبيد بين مجاهد وأبي ذر عن الأعمش".
قلت: لم يتفرد جرير بن عبد الحميد بذلك؛ بل تابعه: أبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ومحمد بن إسحاق [وصرح بسماعه من الأعمش]، ومندل بن علي العنزي [ضعيف]:
أ- رواه خمستهم: عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- وخالفهم: وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، والفضل بن موسى السيناني [ثقة ثبت]:
فروياه: عن الأعمش، عن مجاهد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسًا. . . " الحديث، هكذا مرسلًا.
أخرجه الحسين المروزي في زيادات الزهد على ابن المبارك (1068 و 1618 و 1619).
ج- ورواه قطبة بن عبد العزيز [ثقة، من أصحاب الأعمش، مقدَّم فيه]، عن الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر [ليس بالقوي]، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر.
ذكره الدارقطني في العلل (6/ 257).
د- ورواه روح بن مسافر [متروك. اللسان (3/ 485)] عن الأعمش، عن أبي يحيى
القتات [لين الحديث]، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
أخرجه ابن عدي في الكامل (3/ 140) بإسنادٍ إلى روحٍ، فيه من لم أهتد إليه. وقد ذكر الدارقطني في العلل (6/ 256) بأن رواية روح مثل رواية الجماعة: جرير ومن معه، فالله أعلم.
هـ- ورواه بحر بن كنيز السقاء [متروك. انظر: التهذيب (1/ 212) وغيره]، واختلف عليه:
فقيل: عنه، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو [الأسدي الكوفي، صدوق]، عن مجاهد به.
وقيل: عنه، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة [الجملي الكوفي، ثقة]، عن مجاهد به.
ذكره الدارقطني في العلل (6/ 257).
ثم قال: "ففي هاتين الروايتين: بأن أن الأعمش لم يسمعه من مجاهد".
وقال في موضع آخر من العلل (8/ 234): "وقيل: إن الأعمش لم يسمع من مجاهد".
قلت: وذكر رواية أخرى لأحد المتروكين لا يعوَّل عليها، والحق: أنه لا يعوَّل أيضًا على رواية بحر السقاء فإنه أحد المتروكين، ممن كثرت المناكير في روايته، مما لا يتابعه عليها أحد في الأسانيد والمتون؛ فاستحق الترك [انظر: الكامل (2/ 50)، المجروحين (1/ 192)]، ولا عبرة أيضًا برواية روح بن مسافر؛ فإنه كسابقه.
• وعندئذ: يبقى الترجيح بين رواية الجماعة، ورواية وكيع والفضل، ورواية قطبة:
فإذا علمنا أن الأئمة اختلفوا في عدد الأحاديث التي سمعها الأعمش من مجاهد، فقال هشيم: أربعة فقط، وقال وكيع: أربعة، وفي رواية عنه: سبعة أو ثمانية، وقال ابن معين: أربعة أو خمسة، وقال يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني: ستة أو سبعة، وقال يعقوب بن شيبة في مسنده:"ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، خمسة أو نحوها، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: "سمعت"، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات، وحكيم بن جبير، وهؤلاء"، وأوصلها البخاري -بتتبع ما صرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد- إلى قريب من الثلاثين.
وقال يحيى بن سعيد القطان: "كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد: كلها ملزقة، لم يسمعها"، وقال أبو حاتم بعد حديث:"ليس الواصل بالمكافئ": "وأنا أخشى أن لا يكون سمع هذا الأعمشُ من مجاهد، إن الأعمشَ قليلُ السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد: مدلَّس"، وقال ابن معين:"الأعمش سمع من مجاهد، وكل شيء يروي عنه لم يسمع [يعني: لم يذكر السماع]: إنما [هي] مرسلةٌ مدلَّسةٌ"، [علل الترمذي الكبير
(47 و 49)، العلل ومعرفة الرجال (1/ 255/ 364)، تاريخ ابن معين للدوري (3/ 327/ 1570)، من كلام أبي زكريا في الرجال (59)، الجرح والتعديل (1/ 224 و 227 و 241)، العلل لابن أبي حاتم (2/ 210/ 2119)، الكامل لابن عدي (2/ 224)، شرح علل الترمذي (2/ 853)، جامع التحصيل (189)، تحفة التحصيل (136)، الإكمال لمغلطاي (6/ 92)، التهذيب (2/ 111)].
فعلى هذا فالضابط هنا: أن نقبل ما صرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد -من طريق صحيح ثابت عنه-، وطرح ما سوى ذلك؛ فإنه مما دلسه ولم يسمعه من مجاهد.
وقد أخرج البخاري للأعمش عن مجاهد في صحيحه: ستة أحاديث، توبع الأعمش في بعضها، وصرح في بعضها بالسماع من مجاهد [انظر: صحيح البخاري (218 و 1361 و 1378 و 6052) و (865) و (1393 و 6516) و (5444) و (5991) و (6416)].
ومما يؤكد أن الأعمش مع كونه سمع من مجاهد إلا أنه يدلس عنه ما لم يسمعه منه: ما رواه البخاري في تاريخه الكبير (1/ 74) قال: "وقال لي يحيى بن معين: قال أبو معاوية: أنا حدثت الأعمش، عن هشام، عن سعيد العلاف، عن مجاهد: في إطعام المسلم السغبان، فدلَّسه عني" وانظر القصة مفصلة في الكفاية (359)، وقال العلائي في جامع التحصيل (101):"قال أبو معاوية: كنت أحدث الأعمش، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد؛ فيجيء أصحاب الحديث بالعشي، فيقولون: حدثنا الأعمش، عن مجاهد بتلك الأحاديث، فأقول: أنا حدثته عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد. والأعمش قد سمع من مجاهد، ثم تراه يدلس عن ثلاثة عنه، وأحدهم: متروك، وهو الحسن بن عمارة".
قلت: وهذا الحديث مما لم يصرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد، وقد اختلف أصحابه فيه عليه، والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن الأعمش كان ينشط أحيانًا فيوصله، وأحيانًا يرسله، إلا أن رواية قطبة بن عبد العزيز [وهو: كوفي ثقة، صاحب كتاب، مشهور بالرواية عن الأعمش، وهو ثقة فيه، مقدَّم فيه على كيره. انظر: الطبقات للنسائي (59)، العلل ومعرفة الرجال (3100)، شرح العلل (2/ 620 و 717)، قد أفسدت رواية الجماعة، وبيَّنت عوارها، وأن الأعمش لم يسمعه من مجاهد، وإنما دلَّسه عن إبراهيم بن مهاجر، وهو: صدوق، يهم ويخالف، لا يحتج به إذا انفرد، سيما عن المشاهير [انظر ترجمة مفصلة عنه تحت الحديث المتقدم برقم (316)]، وهو هنا قد توبع:
قال الدارقطني في العلل (6/ 257/ 1115): "ورواه عبد الكريم الجزري -واختلف عنه-، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، نحو رواية أبي عوانة ومن تابعه عن الأعمش".
[تنبيه: قوله: "واختلف عنه" غير موجود في النسخة الهندية، ثم إن الدارقطني لم يذكر هذا الاختلاف، مما يقوي عدم ثبوت هذه اللفظة].
وعبد الكريم بن مالك الجزري: ثقة متقن.
• وقد اختلف على مجاهد في هذا الحديث:
أ- فرواه عبد الكريم الجزري، وإبراهيم بن مهاجر البجلي، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- ورواه واصل بن حيان الأحدب [كوفي، ثقة ثبت]، وأبو ذر عمر بن ذر المرهبي [كوفي، ثقة]:
كلاهما: عن مجاهد، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"أعطيت خمسًا. . ." الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/ 455)، وأحمد (5/ 161 - 162)، والطيالسي (474)، وابن أبي شيبة (2/ 169/ 7752)، والبزار (9/ 461/ 4077)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 786/ 1449)، والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 166/ 1112).
قال البزار: "وهذا الحديث رواه يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر، ورواه الأعمش عن عبيد بن عمير عن أبي ذر".
• تنبيه: هكذا رواه الحفاظ: أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، عن عمر بن ذر المرهبي.
وخالفهم أحد التلفى فأرسله: عبد العزيز بن أبان الأموي السعيدي [متروك، كذبه ابن نمير وابن معين]، قال: ثنا عمر بن ذر، قال: ثنا مجاهد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:. . . فذكره.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (2/ 876/ 942 - زوائده)، ومن طريقه: أبو نعيم في الحلية (5/ 117).
ج- ورواه يزيد بن أبي زياد [الهاشمي مولاهم، الكوفي، ضعيف، كان يقبل التلقين، قال البرديجي: "روى عن مجاهد، وفي سماعه منه نظر، وليس هو بالقوي"، وقد وصفه بالتدليس: الدارقطني والحاكم وغيرهما. انظر: التهذيب (4/ 413)، الميزان (4/ 423)، وغيرهما]، واختلف عليه:
• فرواه محمد بن فضيل [صدوق]، وعلي بن عاصم [صدوق، يخطئ ويصر]، وأبو عوانة [ثقة ثبت]:
ثلاثتهم: عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد ومقسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. . . فذكره.
أخرجه أحمد (1/ 250)، وابن أبي شيبة (2/ 169/ 7750) و (6/ 303/ 31643)، وعبد بن حميد (643)، والبزار (11/ 166/ 4902)، والعقيلي في الضعفاء (4/ 125) معلقًا. والآجري في الشريعة (1046).
• ورواه جرير بن عبد الحميد [ثقة]، وعبد العزيز بن مسلم القسملي [في رواية عنه] [وهو: ثقة]، وعَبيدة بن حميد [صدوق]، وعبثر بن القاسم [ثقة]:
أربعتهم: عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد [وحده]، عن ابن عباس، به مرفوعًا.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/ 455)، والبزار (11/ 166/ 4902)، والعقيلي في الضعفاء (4/ 125) معلقًا. وذكره الدارقطني في العلل (6/ 258).
• ورواه عبد العزيز بن مسلم القسملي [في رواية أخرى عنه]، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم [وحده]، عن ابن عباس، به مرفوعًا.
أخرجه أحمد (1/ 301)، وذكره الدارقطني في العلل (6/ 258).
وكما ترى فقد اضطرب فيه يزيد بن أبي زياد، ولم يقم إسناده.
د- ورواه الحكم بن عتيبة [ثقة ثبت فقيه]، عن مجاهد، عن ابن عباس، به مرفوعًا.
أخرجه البزار (11/ 165 - 166/ 4901)، والطبراني في الكبير (11/ 61/ 11047).
من طريقين عن حُصَين بن نُمَير: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم به.
وهذا إسناد ضعيف، لأجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقد كان سيئ الحفظ جدًّا، كثير الوهم، غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء؛ فلم يكن يحفظ الأسانيد والمتون، وقد خولف في إسناده:
قال البزار: "وحديث الحكم: فلا نعلم رواه إلا ابن أبي ليلى عنه، وهذا الحديث عن الحكم عن مجاهد قد خولف فيه:
فرواه الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر، ورواه واصل الأحدب عن مجاهد عن أبي ذر، ورواه سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر".
هـ- ورواه سلمة بن كهيل [ثقة]، عن مجاهد، عن ابن عمر، به مرفوعًا.
أخرجه البزار (194 - مختصر الزوائد)، والطبراني في الكبير (11/ 73/ 11085)[وجعله من مسند ابن عباس، ولعل الوهم فيه من الطبراني نفسه، أو من شيخه]، و (12/ 413/ 13522).
من طريق: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُهَيْلٍ: حدثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل به.
وهذا إسناد واهٍ، مسلسل بالضعفاء والمتروكين، يحيى بن سلمة بن كهيل، وابنه إسماعيل: متروكان، وحفيده إبراهيم: ضعيف.
و- ورواه إسماعيل بن إبراهيم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهرين على عدوه.
أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 64/ 11056).
قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: ثنا عبد الرحمن بن الفضل بن موفق: ثنا أبي: ثنا إسماعيل بن إبراهيم به.
ولم أميز إسماعيل بن إبراهيم هذا، ففي هذه الطبقة [التي يروي عنها الفضل بن موفق] جماعة بهذا الاسم، منهم الثقات، ومنهم الضعفاء، والأقرب أن يكون كوفيًّا، مثل: إسماعيل بن إبرهيم بن مهاجر البجلي، وهو: ضعيف، أو: الأحول التيمي، وهو: ضعيف أيضًا، والله أعلم.
والفضل بن موفق: قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، كان شيخًا صالحًا، قرابةً لابن عيينة، وكان يروي أحاديث موضوعة"، وذكره ابن حبان في الثقات [الجرح والتعديل (7/ 68)، الثقات (9/ 6)، التهذيب (3/ 396)، الميزان (3/ 360)، المغني (2/ 514)].
وابنه: عبد الرحمن: قال الهيثمي في المجمع (5/ 270) و (9/ 70): "لم أعرفه"، قلت: ذكره ابن حبان في المقات (8/ 382)، روى عنه مُطيَّن وأهل العراق.
ز- ورواه مزاحم بن زفر [ابن الحارث، الضبي، ويقال: العامري، الكوفي: ثقة]، واختلف عليه:
• فرواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا المسعودي، عن مزاحم بن زفر الضبي، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (1/ 103/ 101)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 27) و (4/ 124) معلقًا.
ولا يصح هذا، فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي: كان قد اختلط، وقد روى عنه أبو داود الطيالسي بعد الاختلاط [انظر: الكواكب النيرات (35)، شرح العلل (2/ 747)، وغيرهما].
• ورواه محمد بن فليح بن سليمان [صدوق يهم]، عن عبيد الله بن عامر، عن مزاحم بن زفر، عن مجاهد، عن أبي سعيد الخدري، به مرفوعًا مختصرًا بموضع الشاهد.
أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/ 124)[(4/ 1279) طبعة حمدي السلفي].
وعلقه في موضع آخر (2/ 28)[(2/ 376) طبعة حمدي السلفي]، لكن قال:"عن عبد الله العمري" بدل: "عبيد الله بن عامر".
وأيًّا كان فلا يصح أيضًا، عبيد الله بن عامر هذا: لم أقف له على ترجمة، وعبد الله بن عمر العمري: ضعيف.
فلا يثبت هذا عن مزاحم بن زفر.
ح- ورواه خازم بن خزيمة البصري، من تيم الرباب، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فجئت ذات ليلة إلى المكان الذي يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع فيه، فلم أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مضجعه، فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أقام الصلاة، فتطلعت ورميت ببصري يمينًا وشمالًا، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا إلى شجرة يصلي، فهويت نحوه، فإذا رجل قد أخرجه مثل الذي أخرجني، فقمنا أنا وهو خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ما شاء الله أن يصلي، حتى
إذا كان بين ظهراني صلاة سجد سجدةً ظننا أن قد قبض فيها، فابتدرناه فجلسنا بين يديه أنا وصاحبي، فساءلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألنا، ثم قال:"هل أنكرتم من صلاة الليلة شيئًا؟ " قلنا: نعم، سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة ظننا أن قد قبضت فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني أعطيت فيها خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: بعثت إلى الناس كافة، أحمرهم وأسودهم، وكان النبي قبلي يبعث إلى أهل بيته أو إلى قريته، ونصرت على عدوي بالرعب مسيرة شهر أمامي وشهر خلفي، وأحلت لي الغنائم والأخماس، ولم تحل لنبي قبلي، كانت الأخماس إنما تؤخذ وتوضع فتنزل عليها نار من السماء بيضاء فتحرقها، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، وأعطيت دعوة أخرتها شفاعة لأمتي يوم القيامة".
قال مجاهد: قال أبو هريرة: قال لي صاحبي -وكان أفضل مني-: نسيت أفضلها أو خيرها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنا أرجو أن ننال من لا يشرك بالله".
وذكر أبو هريرة أن صاحبه كان أبا ذر الغفاري.
أخرجه الطحاوي في المشكل (1/ 378/ 356 - ترتيبه) و (7/ 454 - 455/ 5486 - ترتيبه)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 26 - 27)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (2/ 548).
وهذا منكر بهذا الإسناد والسياق؛ تفرد به عن مجاهد: خازم بن خزيمة البصري التيمي، وليس بالمشهور، وقال العقيلي:"يخالف في حديثه"، وهو غير خازم بن خزيمة البخاري [انظر: ضعفاء العقيلي (2/ 26)، المؤتلف والمختلف للدارقطني (2/ 650)، الإكمال لابن ماكولا (2/ 284)، الميزان (1/ 626)، اللسان (3/ 312)].
• هذا ما وقفت عليه من الاختلاف على مجاهد في هذا الحديث، وأقربها للصواب: الأول والثاني، فإن كان الوجه المروي عن عبد الكريم الجزري ثابت عنه وهو عنه صحيح؛ فيُقضى له به على رواية واصل الأحدب وأبي ذر المرهبي، فالجزري أحفظ منهما، وقد تابعه عليه إبراهيم بن مهاجر، وعليه: يصح الحديث.
ولذا قال الدارقطني في العلل (6/ 258): "والمحفوظ: قول من قال: عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر".
وإلا فالقول: قول واصل الأحدب وأبي ذر المرهبي: عن مجاهد، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا منقطع، فقد قال أبو حاتم:"مجاهد، عن أبي ذر: مرسل"[المراسيل (758)، جامع التحصيل (273)، تحفة التحصيل (294)]، والله أعلم.
• ووجدت له إسنادًا آخر عن أبي ذر:
يرويه: ابن عساكر في تاريخه (60/ 416) بإسناده إلى: سويد بن عبد العزيز: نا موسى بن أبي كثير أبو الصباح، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: طلبت خليلي صلى الله عليه وسلم. . . فذكر الحديث بنحوه، وفيه قصة بنحو مما روى خازم بن خزيمة.
ولا يصح هذا؛ موسى بن أبي كثير أبو الصباح: وثقه ابن معين وابن سعد والفسوي، وقال أبو حاتم:"محله الصدق"، وقال في موضع آخر:"يكتب حديثه، ولا يحتج به"، وذكره في الضعفاء: أبو زرعة، والعقيلي، وابن حبان، وأبو نعيم [انظر: التهذيب (4/ 186)، إكمال مغلطاي (12/ 34)، الميزان (4/ 218)، ضعفاء العقيلي (4/ 167)، أسامي الضعفاء (311)، ضعفاء أبي نعيم (201)].
وسويد بن عبد العزيز: ضعيف، يروي أحاديث منكرة [انظر: التهذيب (2/ 134)، الميزان (2/ 252)، إكمال مغلطاي (6/ 166)].
• ولأبي ذر في هذا حديث آخر، وهو في الصحيح:
يرويه الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أَيُّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنةً، وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ؛ فهو مسجدٌ". وفي رواية: "فإن الفضل فيه". وفي أخرى: "فإن الأرضَ كلها مسجدٌ".
وفي رواية: عن الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السكة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبت أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول:. . . فذكره.
أخرجه البخاري (3366 و 3425)، ومسلم (520)، وأبو عوانة (1/ 327 و 328/ 1158 - 1161)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 124/ 1149)، والنسائي في المجتبى (2/ 32/ 690)، وفي الكبرى (1/ 384/ 771) و (10/ 48 و 146/ 11003 و 11217)، وابن ماجه (753)، وابن خزيمة (2/ 5 و 268/ 787 و 1290)، وابن حبان (4/ 475/ 1598) و (14/ 120/ 6228)، وأحمد (5/ 150 و 160 و 156 و 157 و 166 - 167)، والطيالسي (464)، وعبد الرزاق (1/ 403/ 1578) و (3/ 348/ 5925)، والحميدي (134)، وابن أبي شيبة (2/ 169/ 7751)، والأزرقي في تاريخ مكة (2/ 62 - 63)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (313 و 314)، وابن أبي عاصم في الأوائل (164)، وابن جرير الطبري في تفسيره (4/ 8)، وأبو العباس السراج في مسنده (494 - 497)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (294 - 297)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 180/ 753) و (5/ 123/ 2506)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (17)، والطحاوي في المشكل (1/ 452/ 440 - ترتيبه)، والطبراني في الأوائل (75)، والخطابي في غريب الحديث (1/ 33 1)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 216) وقال:"هذا حديث صحيح، متفق عليه"، وابن حزم في المحلى (4/ 82)، والبيهقي في السنن (2/ 433)، وفي الدلائل (2/ 43)، وفي الشعب (3/ 431/ 3982)، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 222) و (10/ 34)، والبغوي في التفسير (1/ 328)، والضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس (13).
• وأما شواهد حديث الباب فكثيرة، منها:
1 -
حديث جابر:
يرويه هشيم، عن سيار، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبةً طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة" لفظ مسلم.
ولفظ البخاري: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
أخرجه البخاري (335 و 438 و 3122)، ومسلم (521)، وأبو عوانة (1/ 330/ 1173)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 125/ 1150 و 1151)، والنسائي (9/ 201 - 211/ 432) و (2/ 56/ 736)، والدارمي (1/ 374/ 1389)، وابن حبان (14/ 308/ 6398)، وأحمد (3/ 304)، وابن أبي شيبة (2/ 169/ 7749) و (6/ 303/ 31642)، وعبد بن حميد (1154)، وأبو العباس السراج في مسنده (503)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (300)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 782/ 1438 و 1439)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 316)، وابن حزم في المحلى (1/ 65)، والبيهقي في السنن (1/ 212) و (2/ 329 و 433) و (6/ 291) و (9/ 4)، وفي المعرفة (2/ 254/ 1283)، وفي الشعب (1/ 283/ 305) و (2/ 177/ 1479 و 1480)، وفي الدلائل (5/ 473)، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 221)، والبغوي في شرح السنة (7/ 5/ 3510) وقال:"متفق على صحته"، وفي تفسيره (1/ 236)، وابن الجوزي في التحقيق (1)، والسبكي في طبقات الشافعية (5/ 141).
وله إسناد آخر؛ لكنه منكر، عند الطبراني في الأوسط (5/ 30/ 4586).
2 -
حديث حذيفة:
يرويه أبو مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت [لنا] الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا [إذا لم نجد الماء]، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطه أحد قبلي ولا يعطى أحد بعدي".
أخرجه مسلم (522) ولم يذكر الخصلة الثالثة. والبخاري في التاريخ الكبير (3/ 398)، وأبو عوانة (1/ 253/ 874)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 125/ 1152)، والنسائي في الكبرى (7/ 260/ 7968)[فضائل القرآن (47)]. وابن خزيمة (1/ 132 و 133/ 263 و 264)، وابن حبان (4/ 595/ 1697) و (14/ 310/ 6400)، وأحمد
(5/ 383)، والطيالسي (418)، وابن أبي شيبة (1/ 144/ 1662) و (2/ 169/ 7748) و (6/ 304/ 31649)، والبزار (7/ 257 و 264/ 2836 و 2845)، والفريابي في فضائل القرآن (53 - 55)، وأبو العباس السراج في مسنده (504 و 505)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (301 و 302)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 11 و 180/ 505 و 754)، والطحاوي في المشكل (1/ 380 - 381/ 358 - ترتيبه) و (9/ 18/ 6313 - ترتيبه)، والآجري في الشريعة (1044 و 1045)، والدارقطني (1/ 175 و 176)، واللالكائي (4/ 784/ 1444 و 1445)، وابن حزم في المحلى (1/ 105 و 155) و (2/ 117)، والبيهقي في السنن (1/ 213 و 223)، وفي المعرفة (1/ 294 - 295/ 331)، وفي الدلائل (5/ 475)، وفي الشعب (2/ 460/ 2399)، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 221)، والخطيب في الكفاية (428)، وفي الفقيه والمتفقه (1/ 313)، والجوزقاني في الأباطيل (1/ 561/ 366)، وابن الجوزي في التحقيق (2).
قال الخطيب في الكفاية: "قوله: "وجعلت تربتها لنا طهورًا" زيادة لم يروها فيما أعلم غير سعد بن طارق عن ربعي بن حراش، فكل الأحاديث لفظها: "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا"".
قلت: روى هذا الحديث عن سعد بن طارق أبي مالك الأشجعي: أبو عوانة، ومحمد بن فضيل، وزكريا بن أبي زائدة، وعلي بن مسهر، وأبو معاوية محمد بن خازم، وسعيد بن مسلمة [وهم: ثقات، عدا الأخير فإنه: ضعيف].
وقد اختلف الرواة على أبي عوانة وابن فضيل، فجاء عنهما:"تربتها" و"ترابها"، وقال ابن أبي زائدة وابن مسلمة:"تربتها"، ولعله هو الأشبه، وقال علي بن مسهر وأبو معاوية:"جعلت لي [لنا] الأرض مسجدًا وطهورًا"، فلم يذكرا التربة.
• وله أسانيد أخرى:
أ- قال ابن الأعرابي في معجمه (2/ 653/ 1300): نا أبو يحيى الزعفراني: نا عبد المؤمن بن علي: نا عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالاني، عن سعيد بن أبي بردة، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش".
وهذا إسناد حسن، جيد في المتابعات.
يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: صدوق يخطئ، وعبد السلام بن حرب: ثقة حافظ، له مناكير، قال ابن عدي:"يروي عن أبي خالد الدالاني بنسخة طويلة، رواها عن عبد السلام: عبد المؤمن بن علي الزعفراني الرازي"[التقريب (384)، الكامل (5/ 331)]، وعبد المؤمن بن علي الزعفراني الكوفي نزيل الري: روى عنه أبو حاتم، وأثنى عليه أبو كريب، كانت عنده أصول كتب عبد السلام بن حرب، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: الجرح والتعديل (6/ 66)، الثقات (8/ 417)، سؤالات البرذعي (348)]،
وأبو يحيى الزعفراني هو: جعفر بن محمد بن الحسين بن زياد: ثقة مفسر [انظر: الجرح والتعديل (2/ 488)، تاريخ بغداد (7/ 184)، السير (14/ 108)].
ب- قال الطبراني في الأوسط (7/ 278/ 7493): حدثنا محمد بن شعيب: ثنا عبد الرحمن بن سلمة: نا أبو زهير: نا الحسن بن سالم بن أبي الجعد، قال: سمعت نعيم بن أبي هند: نا ربعي بن حراش: حدثني حذيفة بن اليمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أُعطيتُ آيات من بيت كنز تحت العرش، لم يعطهن نبيٌّ قبلي ولا يعطاها أحدٌ بعدي، وجعلت لي الأرض مسجدى وطهورًا، وجعلت صفوفنا على مثل صفوف الملائكة، وأُيّدتُ بالرعب من مسيرة شهر" ثم قرأ الآيات من آخر البقرة {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284] حتى ختم السورة.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد إلا: أبو زهير".
قلت: أبو زهير، هو: عبد الرحمن بن مغراء الدوسي الكوفي: صدوق، حدث عن الأعمش بما لم يتابع عليه، وله عن غير الأعمش غرائب [انظر: التهذيب (2/ 554)، الميزان (2/ 592)، مختصر الكامل (1115)].
ولكنه لم ينفرد هنا بهذا الحديث عن الحسن بن سالم:
فقد تابعه عليه: عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، سمع الحسن بن سالم بن أبي الجعد، سمع نعيم بن أبي هند، عن ربعي، سمع النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (3/ 399).
هكذا في المطبوع: "ربعي، سمع النبي صلى الله عليه وسلم"، قال العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني في الحاشية:"كأنه سقط من هنا "حذيفة سمع"؛ فإن ربعيًّا تابعي اتفاقًا، والله أعلم".
قلت: وهو احتمال قوي، إن صح كانت متابعة عيسى بن يونس لأبي زهير تامة، وبها يصح الحديث.
والحسن بن سالم بن أبي الجعد: قال ابن معين: "صالح"، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: التاريخ الكبير (2/ 295)، الجرح والتعديل (3/ 15)، الثقات (6/ 164)].
ونعيم بن أبي هند: كوفي تابعي ثقة، رواه عن ربعي فقال:"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فلم يذكر التربة، ولم يختلف عليه في لفظه -فيما وقفت عليه-، بينما اختلف على أبي مالك الأشجعي في لفظه.
فكيف يعتمد بعد ذلك على رواية "ترابها"؟ وهي رواية وَهِم فيها راويها، فيؤخذ منها المنع من التيمم بغير التراب!، وعلى فرض ثبوتها فقد تقدم الكلام على توجيه معناها وأنه لا مفهوم لها: تحت الحديث السابق برقم (331).
3 -
حديث أبي هريرة؛ وله أسانيد:
أ- العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".
أخرجه مسلم (523/ 5)، وأبو عوانة (1/ 329 - 330/ 1169)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 126/ 1153)، والترمذي (1553)، وابن ماجه (567)، وابن حبان (6/ 87/ 2313) و (14/ 311 و 312/ 6401 و 6403)، وأحمد (2/ 412)، وعلي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (249)، وأبو يعلى (11/ 377 و 378/ 6491 و 6492)، وأبو العباس السراج في مسنده (506)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (303)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 12/ 506)، والطحاوي في المشكل (9/ 19/ 6314 - تحفة)، والآجري في الشريعة (1047)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 783/ 1440 و 1441)، وابن حزم في المحلى (2/ 117)، وفي الإحكام (5/ 168)، والبيهقي في السنن (2/ 433) و (5/ 9)، وفي المعرفة (2/ 254/ 1284)، وفي الدلائل (5/ 472)، والبغوي في شرح السنة (7/ 6/ 3511)، وفي تفسيره (1/ 237)، والأصبهاني في الدلائل (256 و 289)، والرافعي في التدوين (1/ 178).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ب- سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وأرسلت إلى الأحمر والأبيض، وأعطيت الشفاعة".
أخرجه الشافعي في السنن (185)، وفي المسند (242)، والحميدي (2/ 421/ 945)، وأحمد (2/ 240)، والسراج في مسنده (507 و 508)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (304 و 306)، والطحاوي في المشكل (1/ 378/ 355 - تحفة) و (9/ 18 و 26 و 341/ 6312 و 6322 و 6685 - تحفة)، وفي أحكام القرآن (1/ 102/ 100)، والبيهقي في المعرفة (1/ 294/ 330) و (2/ 253/ 1282).
وكان ابن عيينة أحيانًا يرويه هكذا يقول: "عن سعيد بن المسيب" جازمًا به، وأحيانًا كان يتردد ويشك، فيقول:"إما سعيد، وإما أبو سلمة"، أو:"عن أبي سلمة، أو سعيد"، ومثل هذا لا يضر؛ فإنه كيفما كان دار على ثقة، والله أعلم.
• وقد رواه جماعة من أصحاب الزهري عنه، بلفظ آخر:
رواه يونس بن يزيد الأيلي، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد، وإبراهيم بن سعد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن أخي الزهري، وغيرهم:
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعثت بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت بين يَدَيَّ".
قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم تَنْتَثِلُونَهَا [أي: تستخرجونها].
قال يونس وعقيل وإبراهيم وابن أخي الزهري ومعمر [في رواية]: عن سعيد وحده.
وقال الزبيدي ومعمر وشعيب وغيرهم: عن سعيد وأبي سلمة.
وقال يونس [في رواية]: عن أبي سلمة وحده.
قال الدارقطني: "والقولان: محفوظان عن الزهري".
أخرجه البخاري (2977 و 7013 و 7273)، ومسلم (523/ 6)، وأبو عوانة (1/ 330/ 1170 و 1171)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 126/ 1154 - 1156)، والنسائي (6/ 3 و 4/ 3087 - 3089)، وابن حبان (14/ 277/ 6363)، وأحمد (2/ 264 و 268 و 455)، ومعمر في الجامع (11/ 99/ 20033)، والسراج في مسنده (509)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (305)، والطبراني في مسند الشاميين (3/ 17/ 1712) و (4/ 171 - 172/ 3029)، والدارقطني في العلل (8/ 97 و 98/ 1425)، والقضاعي في مسند الشهاب (570 و 571)، والبيهقي في السنن (7/ 48)، وفي الدلائل (5/ 470 و 471)، وفي الشعب (1/ 161/ 139)، والأصبهاني في الدلائل (288)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (15/ 244)، والرافعي في التدوين (2/ 364).
ج- محمد بن عبد الرحمن الطفاوي: حدثنا أيوب [السختياني]، عن محمد [ابن سيرين]، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت مفاتيح الكلم، ونُصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وُضعت في يَدِي".
قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم تَنْتَقِلُونَهَا.
أخرجه البخاري (6998)، وابن المستوفي في تاريخ إربل (140)، وابن العديم في تاريخ حلب (4/ 1625 - 1626)، وابن البخاري في مشيخته (3/ 1827/ 1088).
وله إسناد آخر إلى ابن سيرين، ولا يصح:
يرويه حماد بن قيراط، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: أُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي قبلي، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وكان من قبلنا يصلون في المحاريب، وبُعثت إلى كل أسودَ وأحمرَ، وكان الرجل يُبعث إلى قومه خاصةً، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر بين يديَّ، يسمع بي القوم بيني وبينهم مسيرة شهر فيُرعبون مني، وجعل لي الرعب نصرًا، وقيل لي: سل تعطه، فجعلتها شفاعة لأمتي، وهي نائلة من شهد أن لا اله إلا الله، لا يشرك بالله شيئًا".
أخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 269/ 7471).
وقال: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا حماد بن قيراط".
قلت: في تفرده عن هشام بن حسان نكارة؛ فإنه ضعيف، غلب عليه الوهم والخطأ حتى قال فيه ابن عدي:"عامة ما يرويه: فيه نظر"، ووهَّاه ابن حبان جدًّا، وقد مشَّاه بعض الأئمة [انظر: اللسان (3/ 276) وغيره].
وشيخ الطبراني: محمد بن شعيب بن داود التاجر: ينفرد عن الرازيين بغرائب [انظر: طبقات المحدثين (4/ 243)، تاريخ أصبهان (2/ 252)]، وشيخه هنا هو: عبد الرحمن بن سلمة الرازي.
د- ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، أنه حدثه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"نُصرت بالرعب على العدو، وأوتيت جوامع الكلم، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت في يديَّ".
أخرجه مسلم (523/ 7)، وأبو عوانة (1/ 330/ 1172)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 127/ 1157)، وسعيد بن منصور في سننه (2/ 360/ 2862)، والبيهقي في الدلائل (5/ 471).
هـ- عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالرعب، وأُوتيت جوامع الكلم".
أخرجه مسلم (523/ 8)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 127/ 1158)، وأحمد (2/ 314)، والبيهقي في الدلائل (5/ 145)، وهو في صحيفة همام برقم (37).
و- محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالرعب، وأُوتيت جوامع الكلم، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وبينا أنا نائم إذ أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّتْ في يَدِي".
أخرجه ابن الجارود (123)، وأحمد (2/ 250 و 442 و 501)، ابن أبي شيبة (6/ 303/ 31644)، وأبو العباس السراج في مسنده (491)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (290 و 291)، والطحاوي في المشكل (1/ 376/ 354 - تحفة)، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 222)، والخطيب في الكفاية (178)، والبغوي في شرح السنة (7/ 7/ 3512) وقال:"هذا حديث صحيح".
تابعه عن أبي سلمة، فنقص خصلة وزاد ثلاثًا:
عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فُضلت على النبيين بست: أوتيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فجُعلت في يَدِي، وأُرسلت إلى الناس كافةً، وأحلت لي الغنائم، وخُتم بي النبيون".
أخرجه السراج في مسنده (492)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (292)، بإسناد صحيح إلى عمر.
ولا تقبل هذه الزيادة من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، لتفرد ابنه عمر بها، فإنه ليس بالقوي، وله عن أبيه مناكير [انظر: التهذيب (3/ 230)، الميزان (3/ 201)] إكمال مغلطاي (10/ 64)].
ز- سليمان بن بلال، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نُصرت بالرعب، وأُوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم إذ أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت في يَدِي".
قال: ثم يقول أبو هريرة على إثر هذا: فذهب أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ولم يتند منها بشيء، ثم أنتم تهدرونها.
أخرجه ابن البختري في الحادي عشر من حديثه (103)[مجموع مصنفاته (599)]، بإسناد حسن إلى سليمان بن بلال.
وهذا إسناد مدني حسن، عجلان هو: مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدني: لا بأس به، وابنه هو: محمد بن عجلان المدني: صدوق.
ح- أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالرعب، وأُوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت في يَدِي".
أخرجه أبو يعلى (11/ 6287/ 176)، والطبراني في مسند الشاميين (4/ 283/ 3305).
بإسنادين إلى أبي الزناد أحدهما حسن، والآخر صالح في المتابعات، وبه يصح الإسناد.
ورواه الإمام أحمد في المسند (2/ 395) قال: ثنا إسحاق بن عيسى: أنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، بمثله مرفوعًا.
وابن لهيعة: ضعيف، يكتب حديثه في الشواهد.
ط- كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"فُضلت بخصال ست -لا أقولهن فخرًا- لم يعطهن أحد كان قبلي: ففر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجُعلت أمتي خير الأمم، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وجُعلت لي الأرض مساجدَ وطَهورًا، وأُعطيت الكوثر، ونُصرت بالرعب، والذي نفسي بيده! إن صاحبكم لَصاحب لواء الحمد يوم القيامة -غير فخر- تحته آدم ومن دونه".
أخرجه البزار (14/ 393/ 8133)، وأبو العباس السراج في مسنده (490 و 514)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (289)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 783/ 1442 و 1443).
بإسنادين حسنين إلى كثير بن زيد، وهذا إسناد متصل، حسن في الشواهد؛ فكثير بن زيد الأسلمي: ليس ممن يحتج به إذا انفرد، نعم هو صدوق؛ لكن فيه لين، وليس بذاك القوي [انظر: التهذيب (3/ 458)، سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (97)، الميزان (3/ 404)]، وهو هنا قد تفرد ببعض الخصال من حديث أبي هريرة، ولم يتابع عليها، والله أعلم.
4 -
حديث أنس:
أ- عبد الوارث، عن أبي التيَّاح، عن أنس بن مالك، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فنزل في عُلْو المدينة،. . . فذكر الحديث بطوله، والشاهد منه قوله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم.
تقدم برقم (453)، وهو: حديث متفق عليه.
ب- حجاج بن منهال: نا حماد -يعني: ابن سلمة-، عن ثابت وحميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت أربعًا لم يُعطها من قبلي: أُرسلت إلى كل أحمرَ وأسودَ، ونُصرت بالرعب بين يدي شهر، وأُعطيت أمتي الغنائم، ولم يُعطها أحد قبلي، وجُعلت لي كل أرض طيبةٍ مسجدًا وطهورًا".
أخرجه ابن الجارود (124)، والضياء في المختارة (5/ 42 - 43/ 1653 - 1655)، وأبو العباس السراج في مسنده (513)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (312 و 313)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 12 و 181/ 507 و 755)، والجوزقاني في الأباطيل (2/ 10/ 382).
قال الجوزقاني: "هذا حديث صحيح"، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (1/ 438).
وقد تقدم الكلام على تقييد الأرض بوصفها طيبة، وأن معناها على الصحيح: طاهرة، انظر: الحديث المتقدم برقم (331).
ج- مروان بن محمد الطاطري: نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فُضِّلْتُ على الناس بأربع: بالسخاء [وفي رواية: بالسماحة]، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش".
أخرجه أبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (1623 و 3038/ 3)، والطبراني في الأوسط (7/ 49/ 6816)، وفي مسند الشاميين (4/ 18/ 2607)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (2/ 621)، والخطيب في تاريخ بغداد (8/ 69)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (4/ 22) و (14/ 263)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 175/ 268).
من طرقٍ عن الطاطري به.
قال ابن الجوزي: "هذا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حبان: مروان بن محمد: يروي المناكير، لا يحل الاحتجاج به، وقال الدارقطني: ذاهب الحديث، والنخعي البلغمي: لا يُعوَّل عليه".
قلت: مروان بن محمد المذكور في هذا الإسناد هو: ابن حسان الأسدي الطاطري الدمشقي، كما جاء منسوبًا في الرواية، وهو: شامي ثقة مشهور، من رجال مسلم، بخلاف الذي عناه ابن الجوزي؛ فإنه السنجاري، شيخ يروي عن مالك [انظر ترجمته في اللسان (8/ 32) وغيره].
وأما النخعي البلغمي فهو: الحسين بن علي بن محمد بن مصعب، ولم ينفرد به؛ فقد توبع عليه.
وقال الذهبي في الميزان (1/ 543): "الحسين بن علي النخعي: كتب عنه الإسماعيلي، عُمِّرَ وتغيَّر، لا يعتمد عليه، وأتى بخبر باطل" فذكر هذا الحديث، وتعقبه ابن حجر في اللسان (3/ 195) فقال:"هذا لا ذنب فيه لهذا الرجل، والظاهر أن الضعف من قبل سعيد، وهو ابن بشير، والله أعلم".
ثم أورده الذهبي في الميزان (4/ 93) في ترجمة مروان بن محمد الطاطري، وقال:"هذا خبر منكر".
قلت: الطاطري برئ من عهدته، والحمل فيه على سعيد بن بشير؛ فإنه يروي عن قتادة المنكرات [انظر: التهذيب (2/ 8) وغيره]، وهذا منها.
5 -
حديث علي بن أبي طالب:
يرويه زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت ما لم يُعط أحد من الأنبياء" فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: "نُصرت بالرعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجُعل التراب لي طَهورًا، وجُعلت أمتي خير الأمم".
أخرجه أحمد (1/ 98)، وابن أبي شيبة (6/ 304/ 31647)، والبزار (2/ 251/ 656)، والآجري في الشريعة (1043)، وتمام في الفوائد (2/ 109/ 1276)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 784 - 785/ 1446 و 1447)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 213)، وفي الدلائل (5/ 472)، وابن عبد البر في التمهيد (19/ 291)، والضياء في المختارة (2/ 349/ 729).
رواه عن زهير بن محمد: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ويحيى بن أبي بكير، وصدقة بن عبد الله السمين [وهم: عراقيون ثقات، عدا الأخير فإنه: شامي ضعيف]، وزهير بن محمد التميمي: رواية أهل الشام عنه ضعيفة فيها مناكير، ورواية أهل العراق عنه مستقيمة؛ قال الإمام أحمد:"أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة: عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر"، وقال الإمام البخاري:"أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد: مقاربة مستقيمة"[انظر: التهذيب (1/ 639)، الميزان (2/ 84)، إكمال مغلطاي (5/ 90)، ترتيب علل الترمذي ص (395)، جامع الترمذي (3291)، وغيرها].
تابع زهيرًا على الإسناد وخالفه في المتن، فأسقط خصلة:
سعيدُ بن سلمة بن أبي الحسام [صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه]: ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي الأكبر، أنه سمع أباه علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجُعل التراب لي طهورًا، وجُعلت أمتي خير الأمم".
أخرجه أحمد (1/ 158)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (2/ 348/ 728).
وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 399/ 2705).
خالف زهيرَ بن محمد، وابنَ أبي الحسام في الإسناد، وتابعهما على المتن بلفظ زهير:
قيسُ بن الربيع، قال: قال عبد الله بن محمد بن عقيل: عن الطفيل بن أبيِّ بن كعب، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:. . . فذكره بمثل لفظ زهير، وجعله من مسند أبي بن كعب.
أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (3/ 117/ 1872)، قال: حدثنا محمد بن إسحق الصيني، قال: ثنا عاصم بن علي، عن قيس به.
قلت: شيخ الفاكهي قال عنه ابن أبي حاتم: "كتبت عنه بمكة،. . .، وسألت أبا عون بن عمرو بن عون عنه؟ فتكلم فيه، وقال: هو كذاب، فتركت حديثه"[الجرح والتعديل (7/ 196)، تاريخ بغداد (1/ 238)، اللسان (6/ 550)]، وعليه فلا يصح هذا عن قيس بن الربيع، وعلى فرض صحته، فهي رواية منكرة، خالف فيها قيسٌ زهيرًا وسعيدًا؛ وقيسٌ روى أحاديث منكرة، وضعَّفه جماعة، وكان له ابن يُدخل في كتابه ما ليس منه فيحدِّث به [انظر: التهذيب (3/ 447) وغيره].
والخلاصة: أن هذا الحديث ثابت عن ابن عقيل عن محمد ابن الحنفية عن علي، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد عند حديث "مفتاح الصلا الطهور"، المتقدم برقم (61) فليراجع.
وهذا حديث حسن، لم يختلف الثقات فيه على ابن عقيل، وقد توبع على أصله، فيقبل منه ما توبع عليه، وما انفرد به فهو موضع نظر.
وقد حسن إسناده: ابن كثير في تفسيره (1/ 392)، وابن حجر في الفتح (8/ 225)، والسيوطي في الدر المنثور (2/ 294)، وجود إسناده الهيثمي في المجمع (8/ 8/ 269)، وحسن الحديث في موضع آخر (1/ 260).
• وله طرق أخرى عن علي:
أ- أخرج الآجري في الشريعة (1042)، ومن طريقه: اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1448)، قال الآجري: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن عطاء بن السائب، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أرسلت إلى الأبيضِ والأسودِ والأحمرِ، وجُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت جوامع الكلم".
وهذا مرسل؛ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: لم يدرك جده عليًّا [المراسيل (503)]، وابنه هو: محمد أبو جعفر الباقر، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، والراوي
عنه: موسى بن أعين: جزري ثقة، لم يُذكر فيمن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وهو من طبقة من سمع منه بعد الاختلاط [انظر: شرح العلل (2/ 735)، الكواكب النيرات (39)، وغيرها]، والراوي عنه: أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني: ثقة، من رجال البخاري، وحفيده: عبد الله بن الحسن أبو شعيب الحراني: صدوق، قال ابن حبان:"يخطئ ويهم"[انظر: اللسان (4/ 454)].
وعليه: ففي إسناده ضعف وانقطاع، ولعل الصحيح فيه: عن أبي جعفر مرسلًا، لم يُذكر فوقه أحدٌ؛ فقد خالف عطاء بن السائب:
ب- ابن إسحاق [صدوق، مدلس، وقد صرح بالتحديث] قال: ثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:. . . فذكر الخمس إلا أنه جعل الشفاعة مكان عموم الرسالة.
أخرجه ابن هشام في السيرة (3/ 231)، وابن جرير الطبري في تفسيره (6/ 291/ 16232).
ورواية ابن إسحاق أولى بالصواب، والله أعلم.
وله إسناد آخر عن أبي جعفر متصلًا، عند ابن عساكر في تاريخه (14/ 296)، وفي إسناده من لا يعرف.
6 -
حديث أبي موسى الأشعري:
يرويه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن نبي كان قبلي: بُعثت إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصرت بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعطيت الشفاعة، فإنه ليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا".
أخرجه أحمد (4/ 416)، وابن أبي شيبة (6/ 304/ 31645)، وعبد بن حميد [الأحكام الكبرى (4/ 325)]. والروياني (485).
هكذا رواه عن إسرائيل: عبيد الله بن موسى [كوفي ثقة، قال أبو حاتم: "عبيد الله أثبتهم في إسرائيل"، التهذيب (3/ 28)، الجرح والتعديل (5/ 335)]، وحسين بن محمد بن بهرام التميمي [مرُّوذي، سكن بغداد، ثقة].
خالفهما: أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير [كوفي، ثقة] قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر معناه، ولم يُسنِده.
أخرجه أحمد (4/ 416).
قلت: الموصول أشبه بالصواب، فهو زيادة من ثقتين وجب قبولها، لا سيما وأحدهما -أعني: عبيد الله بن موسى- أثبت الناس في إسرائيل.
وعليه: فالإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (5/ 144/ 4950).
7 -
حديث أبي أمامة، وله طريقان:
الأول: يرويه سليمان التيمي، عن سيار، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"فَضَّلني ربي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -أو قال: على الأمم- بأربع: قال: أُرسلت إلى الناس كافةً، وجُعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طَهوره، ونُصرت بالرعب مسبرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأُحل لنا الغنائم".
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (331).
الثاني: يرويه بشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت أربعًا لم يُعطهن نبي قبلي: نُصرت بالرعب من مسير شهر، وبعثت إلى كل أبيض وأسود، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا".
أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 239/ 7931)، بإسناد صحيح إلى بشر بن نمير.
وهذا إسناد واهٍ؛ بشر بن نمير: متروك متهم [التقريب (98)].
8 -
حديث عبد الله بن عمرو:
يرويه ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم:"لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أُعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأُرسلت إلى الناس كلهم عامةً، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلئ منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم، آكلها، وكان من قبلي بعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجدَ وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي! قيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى بوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا اللَّه".
أخرجه أحمد (2/ 222)، والطحاوي في المشكل (1/ 379/ 357 - تحفة)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 786/ 1451)، والبيهقي (1/ 222).
من طرقٍ عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد به.
قال ابن كثير في تفسيره (2/ 256): "إسناد جيد قوي"، وقال المنذري في الترغيب (4/ 233):"رواه أحمد بإسناد صحيح"، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 367):"رواه أحمد ورجاله ثقات".
قلت: هو كما قال ابن كثير، والله أعلم.
9 -
حديث عوف بن مالك:
قال ابن حبان في صحيحه (14/ 309/ 6399): أخبرنا أبو يعلى: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال: حدثنا ابن أبي فديك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة فأعطانيها: كان النبي يبعث إلى قريته ولا يعدوها، وبعثت كافةً إلى الناس، وأُرهب منا عدونا مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورًا ومساجدَ، وأحل لنا الخمس، ولم يحل لأحد كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة، فسألته أن لا يلقاه عبد من أمتي يوحده إلا أدخله الجنة، فأعطانيها".
وهذا إسناد ضعيف؛ عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي: روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وهو قليل الرواية جدًّا؛ فهو في عداد المجاهيل، وعامة روايته عن التابعين، ولا يعرف له سماع من عوف بن مالك [انظر: التهذيب (2/ 290)، الثقات (5/ 259)، التاريخ الكبير (7/ 5)، الجرح والتعديل (6/ 211)].
والراوي عنه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي المدني: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (3/ 18)، إكمال مغلطاي (9/ 43)، الميزان (3/ 12)، التاريخ الأوسط (3/ 284/ 450)، الذكر والدعاء بتخريجي (142)]. وبقية رجاله ثقات.
• وفي الباب أيضًا مما لا صح، وفي بعضها زيادات منكرة، وفي بعض أسانيدها متروكون أو متهمون:
عن ابن عباس [عند: البخاري في التاريخ الكبير (4/ 114)، والبزار (11/ 72 - 73/ 4776)، والبيهقي في السنن (2/ 433)، وفي الدلائل (5/ 474)، وأنكره الذهبي في الميزان (2/ 111 و 113)][وعند الطبري في تفسيره (15/ 10)، وفي تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (1/ 441/ 727)، والبيهقي في الدلائل (2/ 403)].
وابن عمر [عند أبي بكر القاسم بن زكريا المطرز في فوائده (31)].
وعبد الله بن الزبير [عند عبد الرزاق (1/ 32/ 98)].
وأبي الدرداء [عند ابن عساكر في تاريخه (58/ 207)].
وأبي سعيد [عند الطبراني في الأوسط (7/ 257/ 7439)][وعند ابن الجوزي في العلل المتناهية (283)].
والسائب بن يزيد [عند الطبراني في الكبير (7/ 154/ 6674)].
وقد تقدم الكلام على مسألة جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض تحت الحديث رقم (331)، والله أعلم.
***
490 -
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح
الغفاري، أن عليًّا رضي الله عنه مَرَّ ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يُؤْذِنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة.
• حديث ضعيف، وقد صح موقوفًا على عليٍّ.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (2/ 451)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (2/ 648).
وشيخ أبي داود هو: ابن حماد المهري، أبو الربيع المصري: ثقة، وقد خالفه في إسناد هذا الحديث: أحمد بن صالح المصري، وهو: ثقة حافظ، فجعل الحجاج بن شداد بدل: عمار بن سعد المرادي، وأراه اضطرابًا، والله أعلم.
***
491 -
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا ابن وهب: أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي. . .؛ بمعنى سليمان بن داود، قال: فلما خرج، مكان: فلما برز.
• حديث ضعيف، وقد صح موقوفًا على عليٍّ.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (2/ 451).
قال الخطابي في معالم السنن (1/ 127): "في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرَّم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا".
وقال ابن حزم في المحلى (4/ 82): "وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة، وهو: لا شيء".
وقال البيهقي في المعرفة (2/ 256): "إسناده غير قوي"، وأشار إلى ذلك في السنن فقال:"إن ثبت مرفوعًا".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (5/ 223): "وهذا إسناد ضعيف، مجتمع على ضعفه، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه، وعمار والحجاج ويحيى: مجهولون، لا يُعرفون بغير هذا، وابن لهيعة ويحيى بن أزهر: ضعيفان، لا يحتج بهما، ولا بمثلهما، وأبو صالح هذا هو: سعيد بن عبد الرحمن الغفاري: مصري، ليس بمشهور أيضًا، ولا يصح له سماع من علي، وفي هذا الباب عن عليٍّ من قوله غير مرفوع حديث حسن الإسناد".
وضعفه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 289) وقال: "لأن فيه ابن لهيعة وغيره".
فتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (3/ 145 - 148/ 855) بكلام طويل لخصه في نهاية بحثه بقوله: "فنراه لا يصح من أجل الجهل بحال حجاج وعمار"، وكان قال قبلُ في كلٍّ منهما:"لا تعرف حاله".
وقال القرطبي في تفسيره (10/ 50): "وإسناده ضعيف، مجتمع على ضعفه، وأبو صالح -الذي رواه عن علي- هو: سعيد بن عبد الرحمن الغفاري: مصري، ليس بمشهور، ولا يصح له سماع من علي، ومن دونه: مجهولون لا يعرفون".
وقال ابن حجر في التغليق (2/ 232): "وأبو صالح: اسمه سعيد بن عبد الرحمن، ذكره ابن يونس، وقال: ما أظنه سمع من علي".
وقال في الفتح (1/ 530): "في إسناده ضعف".
وانظر: عمدة القاري للعيني (4/ 189)، تفسير ابن كثير (1/ 143).
قلت: هو حديث ضعيف، يرويه من أهل مصر جماعةٌ مستورون، وحالهم إلى الجهالة أقرب: أبو صالح سعيد بن عبد الرحمن الغفاري، وعمار بن سعد السلهمي المرادي، والحجاج بن شداد الصنعاني، ويحيى بن أزهر: لم يثبت فيهم توثيق معتبر، وابن حبان والعجلي معروفان بتساهلهما في توثيق المجاهيل. وابن لهيعة: ضعيف. وقال ابن يونس في أبي صالح الغفاري: "روايته عن علي: مرسلة، وما أظنه سمع منه"[انظر: التهذيب (2/ 31) وغيره]، ثم هو مصري مجهول، غير معروف بصحبة علي بن أبي طالب، بل لا يعرف له منه سماع، وخالفه أصحاب علي فأوقفوه؛ وهو الصحيح:
• فقد روى وكيع قال: ثنا المغيرة بن أبي الحُرِّ الكندي، عن حُجْر بن عَنْبَس الحضرمي، قال: خرجنا مع عليٍّ إلى النهروان، حتى إذا كنا ببابل حضرت صلاة العصر، قلنا: الصلاة! فسكت، ثم قلنا: الصلاة! فسكت، فلما خرج منها صلى، ثم قال: ما كنت أصلي بأرض خُسِف بها، ثلاث مرات.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 151/ 7556)، وعبد الله بن أحمد في مسائله عن أبيه (243)، والخطيب في التاريخ (8/ 274).
احتج به أحمد على كراهة الصلاة بأرض الخسف.
وقال ابن عبد البر: "حديث حسن الإسناد".
وقال ابن رجب في الفتح (2/ 432): "وهذا إسناد جيد"، وقال:"الموقوف: أصح".
وقال ابن حجر في التغليق (2/ 231): "وهذا إسناد حسن".
قلت: إسناده كوفي حسن، وقد تابع وكيعًا عليه: أبو نعيم الفضل بن دكين، خرَّجه عنه: يعقوب بن شيبة [ذكره ابن رجب في الفتح (2/ 432)]، والمغيرة بن أبي الحر: ليس به بأس [انظر: التهذيب (4/ 132) وغيره]، وحُجر بن العنبس الحضرمي: ثقة، مخضرم، شهد مع علي الجمل وصفين، قال ابن عبد البر:"من كبار أصحاب علي رضي الله عنه"[انظر: التهذيب (1/ 365)، التمهيد (5/ 223)].
• ورواه الثوري وابن عيينة، عن عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن أبي المُحِلِّ، قال: مررنا مع عليٍّ بالخسف الذي ببابل، فكره أن يصلي فيه حتى جاوزه.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (5/ 210)، وعلَّقه بصيغة التمريض في الصحيح، في الصلاة، 53 - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، قال:"ويُذكر أن عليًّا رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل"، قبل الحديث رقم (433)، وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق (1/ 415/ 1623)، وابن سعد في الطبقات (6/ 242)، وابن أبي شيبة (2/ 7557/152 و 7558)[وفي أحد الإسنادين سقط].
قلت: وهذا إسناد صالح في المتابعات، عبد الله بن شريك العامري: صدوق، وشيخه: عبد الله بن أبي المُحِلِّ: لا يعرف، لم يرو عنه سوى عبد الله بن شريك، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: التهذيب (2/ 419)، وله قصة مع ابن زياد. انظر: تاريخ الطبري (3/ 313)، الكامل (3/ 414)، وغيرهما].
• مسألة:
وأما حكم الصلاة بأرض بابل، أو كل أرض خسف بها، أو نزل بها العذاب: بناءًا على فعل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟
فالصحيح كراهة الصلاة بكل أرض نزل بها العذاب، فإن صلى صحت صلاته؛ لعدم قيام الدليل الصحيح الصريح على البطلان، ويتخرج على القول بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة؛ لانفكاك الجهة، والله أعلم.
قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (2/ 294): "الذي يظهر لنا رجحانه: أنَّ من مرَّ عليها ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج منه، كفعله صلى الله عليه وسلم، وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه رضي الله عنهم جميعًا، وأنه لا يدخل إلا باكيًا للحديث الصحيح، فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته؛ إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة على بطلانها، والحكم ببطلان العبادة يحتاج إلى نص قوي المتن والدلالة، والعلم عند الله تعالى".
وقال البيهقي (2/ 451): "وهذا النهي عن الصلاة فيها -إن ثبت مرفوعًا- ليس لمعنًى يرجع إلى الصلاة، فلو صلى فيها لم يُعِد، وإنما هو -والله أعلم- كما حدثنا. . . ثم أسند حديث ابن عمر في النهي عن الدخول على مساكن المعذبين من ثلاث طرق، ثم قال: فأَحَبَّ الخروج من تلك المساكن، وكره المقام بها إلا باكيًا، فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها، وبالله التوفيق".
ولفظ حديث عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحِجْر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين؛ إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين؛ فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم".
وفي رواية: مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحِجْر، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ إلا أن تكونوا باكين؛ حذرًا أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم" ثم زجر فأسرع حتى خلفها.
وفي رواية: ثم قَنَّعَ رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي.
وهو حديث متفق عليه [أخرجه البخاري (433 و 3380 و 3381 و 4419 و 4420 و 4702)، ومسلم (2980)].
وانظر: مسائل أحمد وإسحاق للكوسج (289)، مسائل أحمد لابنه عبد الله (243)، المحلى (4/ 81)، مجموع الفتاوى (22/ 158)، اقتضاء الصراط المستقيم (81)، المغني (1/ 407)، المبدع (1/ 398)، كشاف القناع (1/ 298)، فتح الباري لابن رجب (2/ 434)، الموسوعة الفقهية (30/ 190).
• موعظة:
قال ابن رجب في الفتح (2/ 433) بعد حديث ابن عمر: "هذا الحديث: نصٌ في المنع من الدخول على مواضع العذاب؛ إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار، وهو البكاء من خشية الله، وخوف عقابه الذي نزل بمن كان في تلك البقعة، وأن الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم.
وفي هذا تحذيرٌ من الغفلة عن تدبر الآيات، فمن رأى ما حلَّ بالعُصاة ولم يتنبه بذلك من غفلته، ولم يتفكر في حالهم، ويعتبر بهم؛ فليحذر من حلول العقوبة به، فإنها إنما حلَّت بالعُصاة لغفلتهم عن التدبر، وإهمالهم اليقظة والتذكر.
وهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض، ولا الإقامة بها، وقد صرَّح بذلك طائفة من العلماء، منهم الخطابي وغيره، ونصَّ عليه أحمد" وانظر: أعلام الحديث (1/ 394)، معالم السنن (1/ 127).
وقال ابن حجر في الفتح (1/ 531): "فمن مرَّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الأهمال، ودلَّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالمًا فيعذب بظلمه".
***
492 -
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد، (ح) وثنا مسدد: ثنا عبد الواحد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: -وقال موسى في حديثه: فيما يحسب عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال-: "الأرض كلها مسجد؛ إلا الحمام والمقبرة".
• حديث ضعيف، والمحفوظ: مرسل.
قال المزي في التحفة (3/ 483/ 4406) بعد قول أبي داود: "وقال موسى في
حديثه. . ."، قال: "شك في رفعه"، فتعقبه ابن حجر في النكت [بحاشية التحفة] فقال: "كذا قال، وليس ذلك شكًّا في رفعه، بل في وصله، وهو متعلق قوله في سياقه:"عن أبي سعيد"، كأنه شكَّ هل قال: عن عمرو بن يحيى، عن إثبات [كذا، ولعل الصواب: عن أبيه، أن] النبي صلى الله عليه وسلم قال، أو زاد فيه: عن أبي سعيد، فوصله"، قلت: ويؤيد صحة ما ذهب إليه ابن حجر: ما أخرجه أحمد في مسنده (3/ 83)، قال: ثنا عبد الصمد [يعني: ابن عبد الوارث، وهو: صدوق]: ثنا حماد، فقال: عن أبي سعيد -فيما يحسب- عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم، وانظر: بيان الوهم (2/ 283/ 278) و (5/ 679).
• وهذا الحديث قد اختلف في وصله وإرساله:
1 -
فرواه موصولًا: عبد الواحد بن زياد [ثقة]، وحماد بن سلمة [ثقة] [واختلف عليه في الشك والجزم]:
روياه عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:. . . فذكره.
أخرجه أبو داود (492)، وابن ماجه (745)، وابن خزيمة (2/ 7/ 291)، وابن حبان (4/ 598/ 1699) و (6/ 89 و 92/ 2316 و 2321)، والحاكم (1/ 251)، وأحمد (3/ 83 و 96)، وأبو العباس السراج في مسنده (501 و 502)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (298 و 299)، وأبو يعلى (2/ 503/ 1350)، وابن حزم في المحلى (4/ 27)، والبيهقي (2/ 434 و 435).
2 -
ورواه مرة موصولًا، ومرة مرسلًا بإسقاط أبي سعيد من الإسناد: سفيان بن عيينة [ثقة حافظ]، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي [ثقة، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه]، ومحمد بن إسحاق [صدوق]:
أخرجه الترمذي في الجامع (317)، وفي العلل (113 - ترتيبه)، والدارمي (1/ 375/ 1390)، وابن خزيمة (2/ 7/ 291)، والحاكم (1/ 251)، والشافعي في الأم (2/ 205 - 206/ 183)، وفي السنن (186)، وفي المسند (20)، وأحمد (3/ 83)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 182/ 758)، والبيهقي في السنن (2/ 435)، وفي المعرفة (2/ 255/ 1285)، والبغوي في شرح السنة (2/ 145/ 507)، وابن الجوزي في التحقيق (399).
• تنبيه: لم يسمع سفيان بن عيينة هذا الحديث من عمرو بن يحيى، والظاهر أنه سمعه من يحيى بن سعيد القطان، ثم دلَّسه؛ قال الإمام أحمد:"قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحمَّام والمقبرة. قال الإمام: قد حدثنا به سفيان دلَّسه"[انظر: العلل ومعرفة الرجال (1/ 192/ 176) و (2/ 149/ 1831)]، وهذا يدل على أن الراجح عن ابن عيينة فيه الإرسال، فيكون بذلك متابعًا للثوري على إرساله، وهو ظاهر كلام ابن عبد البر.
3 -
ورواه مرسلًا: سفيان الثوري [ثقة متقن حافظ، فقيه عابد، إمام حجة]، عن عمرو بن يحيى بن عمارة المازني، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:. . . فذكره.
أخرجه أبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (2/ 204/ 298)، وابن ماجه (745)، وأحمد (3/ 83)، وعبد الرزاق (1/ 405/ 1582)، وابن أبي شيبة (2/ 153/ 7574)، وأبو يعلى (2/ 503/ 1350)، والدارقطني في العلل (11/ 321)، والبيهقي (2/ 434).
• تنبيه: اختلف على سفيان الثوري فيه:
فرواه عنه به مرسلًا: وكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وأبو نعيم الفضل بن دكين [في الثابت عنه]، وعبد الرزاق بن همام [وهم: ثقات حفاظ، من أصحاب الثوري]، وقبيصة بن عقبة [صدوق، ليس بذاك في الثوري].
ورواه عنه به متصلًا: أبو نعيم [في رواية عنه، وهي وهم]، وسعيد بن سالم القداح [صدوق يهم]، ويحيى بن آدم [ثقة حافظ، ولا أظنه يثبت عنه]، وحماد بن قيراط [ضعيف. انظر: اللسان (3/ 276)].
أخرجه الدارقطني في العلل (11/ 321)[وصله من طريق أبي نعيم، وعلقه من طريق القداح ويحيى]. وفي الأفراد (5/ 93 - 94/ 4786 - أطرافه).
وقال: "غريب من حديث حماد بن قيراط عن الثوري مسندًا متصلًا".
وقال البيهقي: "حديث الثوري: مرسل، وقد روي موصولًا وليس بشيء".
• قال الترمذي في الجامع: "وفي الباب عن: علي، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وحذيفة، وأنس، وأبي أمامة، وأبي ذر، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا".
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين، منهم من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره.
وهذا حديث فيه اضطراب:
روى سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مرسل.
ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: وكان عامة روايته، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد.
وكأنَّ رواية الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أثبت وأصح" [وقد صححته من نسخة الكروخي (28/ أ)، والتنقيح (1/ 303)، والبدر المنير (4/ 121)].
وقال في العلل: "كان الدراوردي أحيانًا يذكر فيه: عن أبي سعيد، وربما لم يذكر فيه، والصحيح: رواية الثوري وغيره، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه: مرسل".
وقال الطوسي: "وحديث عمرو بن يحيى من رواية سفيان: أثبت وأصح، وهو مرسل".
وقال الدارمي: "الحديث أكثرهم أرسلوه".
وقال الدارقطني في العلل (11/ 321/ 2310): "ورواه جماعة: عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا، والمرسل: المحفوظ".
وقال البيهقي: "حديث الثوري: مرسل، وقد روي موصولًا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة: موصول، وقد تابعه على وصله: عبد الواحد بن زياد، والدراوردي".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (5/ 220 - 221): "وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به".
وقال أيضًا (5/ 225): "وهذا الحديث رواه ابن عيينة عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا، فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة، وليس مثله مما يحتج به".
وقال البغوي: "ورواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم؛ فهذا حديث فيه اضطراب".
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (1/ 288): "اختلف في إسناد هذا الحديث، فأسنده ناس، وأرسله آخرون منهم الثوري. قال أبو عيسى: وكأن المرسل أصح".
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (3/ 109): "وهو حديث مضطرب".
خالف هؤلاء الأئمة فصححه ذاهلًا عن علته، أو مرجحًا للموصول على المرسل:
ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم حيث قال في مستدركه عن رواية الذين وصلوه:"هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه".
وابن المنذر حيث قال في الأوسط: "روى هذا الحديث حماد بن سلمة، والدراوردي، وعباد بن كثير [قلت: الأقرب: أنه الثقفي البصري المتروك]: كرواية عبد الواحد، متصل عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعًا متصلًا، وأرسله بعضهم: يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوهن الحديث تخلُّف من تخلَّف عن إيصاله، وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد، والزياب ات في الأخبار، وكثير من الشهادات".
وصححه أيضًا: ابن حزم في المحلى (3/ 100) و (4/ 28 و 82) و (5/ 78)، وابن دقيق العيد في الإمام [البدر المنير (4/ 125)، نصب الراية (2/ 324)، التلخيص (1/ 277)]. ومال إلى ما ذهبوا إليه: شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (332)، وفي مجموع الفتاوى (17/ 502)، وقال بثبوته في القواعد النورانية (9)، وفي المجموع (21/ 13)، وابن الملقن في البدر المنير (4/ 124)، وجوَّد طرقه ابن كثير في الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام ص (76)، ونقل تصحيحه عن شيخه أبي الحجاج المزي ص (85).
• ومما يرجح مذهب الأئمة المتقدمين: أن الإمام البخاري لما ترجم في صحيحه، في 8 - كتاب الصلاة، 52 - باب كراهية الصلاة في المقابر: لم يحتج بهذا الحديث مع صراحته في الدلالة على المقصود، وإنما احتج بحديث ابن عمر مرفوعًا: "ولا تتخذوها
قبورًا"، مما يدل على ضعف حديث أبي سعيد هذا عنده، وأنه ليس على شرطه كما زعم الحاكم، قال ابن حجر في الفتح (1/ 529) شارحًا فعل البخاري: "استنبط من قوله في الحديث: "ولا تتخذوها قبورًا": أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهةً، وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا:"الأرض كلها مسجد؛ إلا المقبرة والحمام": رجاله ثقات؛ لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان"، وانظر: عمدة القاري (4/ 186)، وفتح الباري لابن رجب (2/ 430).
وذكره النووي في فصل الضعيف من الخلاصة (938 - 940)، وقال:"ضعفه الترمذي وغيره، قال: "هو مضطرب"، ولا يعارَض هذا بقول الحاكم: "أسانيده صحيحة" فإنهم أتقن في هذا منه، ولأنه قد تصح أسانيده وهو ضعيف لاضطرابه".
قلت: خلاصة ما عُلِّل به هذا الحديث:
1 -
الاضطراب: وهو اختلاف الثقات على عمرو بن يحيى بن عمارة، حيث لا مرجح، وممن قال به الترمذي، والبغوي، وابن العربي، وكان ابن معين ذهب إليه، حين قال في عمرو بن يحيى:"ثقة؛ إلا أنه اختلف عنه في حديثين: "الأرض كلها مسجد" و"كان يسلم عن يمينه""[التهذيب (3/ 313)]، قال ابن حجر في هدي الساري (432) بعد نقله كلام ابن معين:"لم يخرج البخاري له واحدًا منهما"، قلت: والذي يظهر أن القول بالاضطراب: قول مرجوح؛ لإمكان الترجيح.
2 -
الإرسال: وهو الصحيح؛ وذلك أن كلام بعض الأئمة -مثل الدارمي والدارقطني- يدل على أن الذين أرسلوه أكثر، لا سيما وفيهم من الحفاظ: سفيان الثوري وابن عيينة.
وعبد الواحد بن زياد هو الوحيد الذي لم يختلف عليه في وصله وإرساله، أو لم يشك في روايته؛ فكيف نرجح رواية الواحد على الجماعة الذين صح عنهم الإرسال، لا سيما وفيهم الحفاظ المتقنون.
وهذا القول هو قول أكثر الأئمة المتقدمين.
3 -
أن هذا الحديث قد رواه جمع كبير من الصحابة، منهم: أبو ذر الغفاري، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأبي أمامة، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم [وقد تقدم تخريج هذه الأحاديث تحت الحديث الأسبق برقم (489)]، فقالوا فيه:"جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا"، ولم يذكر أحد منهم هذا الاستثناء الوارد في حديث أبي سعيد المعلول هذا، مما يؤكد ضعفه، والله أعلم.
• فإن قيل: له إسناد آخر يرويه: بشر بن المفضل: ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد؛ إلا الحمام والمقبرة".
أخرجه ابن خزيمة (2/ 7/ 792)، والحاكم (1/ 251)، والبيهقي (2/ 435).
قال الحاكم: "هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه".
قلت: هو إسناد على شرط مسلم، أخرج به حديثين (916 و 979) في صحيحه؛ لكن إعراض البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن هذا الحديث بهذا الإسناد، مع حاجتهم إليه في بابه؛ مما يجعل النفس لا تطمئن إليه، لا سيما ولم أجده عند أحد من متقدمي المصنفين، وهو إسناد مدني تفرد به رجل من أهل البصرة: بشر بن المفضل، وهو: ثقة ثبت [وانظر: المعرفة للحاكم (88)].
• ومما رُوي في حصر المواضع التي نهي عن الصلاة فيها:
1 -
حديث ابن عمر:
يرويه زيد بن جَبِيرَة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُصلَّى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الابل، وفوق ظهر بيت الله.
أخرجه الترمذي (346 و 347)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام) (2/ 249/ 323)، وابن ماجه (746)، وعبد بن حميد (765)، والروياني (1431)، والطحاوي (1/ 383)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 71)، وابن حبان في المجروحين (1/ 310)، وابن عدي في الكامل (3/ 203)، وأبو العباس الأصم في جزء من حديثه عن شيوخه (51 - رواية أبي بكر النيسابوري)[مجموع مصنفاته (367)]. والبيهقي في السنن (2/ 329)، وفي المعرفة (2/ 162/ 1127)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (2/ 517)، والبغوي في شرح السنة (2/ 145/ 508)، وابن الجوزي في التحقيق (397)، وفي العلل المتناهية (1/ 399/ 671).
وهذا حديث منكر، تفرد به زيد بن جبيرة [وهو: متروك، منكر الحديث]، عن داود بن الحصين.
قال الترمذي: "وحديث ابن عمر: إسناده ليس بذاك القوى، وقد تُكُلِّمَ في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه.
قال أبو عيسى: وزيد بن جبير الكوفي: أثبت من هذا وأقدم، وقد سمع من ابن عمر".
وقال أبو حاتم في العلل (1/ 148/ 412) بأنه حديث واهٍ.
وكتب عبد الله بن نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد رسالة بشأن هذا الحديث قال فيها: "فلا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع؛ إلا قد قال عليه الباطل"[الضعفاء الكبير (2/ 71)] وعبد الله بن نافع: ضعيف، يكتب حديثه.
وقال ابن عدي بعد أحاديث هذا منها: "وهذه الأحاديث عن زيد عن داود عن نافع عن ابن عمر: غير محفوظات، يرويها عن داود: زيد بن جبيرة" ثم قال في آخر ترجمته:
"ولزيد بن جبيرة غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، وعامة ما يرويه عن من روى عنهم: لا يتابعه عليه أحد".
وقال الساجي: "حدث عن داود بن الحصين بحديث منكرٍ جدًّا" قال مغلطاي: "يعني: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلَّى في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة. . . الحديث" وتبعه عليه ابن حجر [إكمال مغلطاي (5/ 139)، التهذيب (1/ 660)].
وقال ابن المنذر في الأوسط (2/ 190): "وهذا الحديث غير ثابت؛ لأن الذي رواه زيد بن جبيرة".
وقال ابن حزم في المحلى (4/ 82): "وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة وظهر بيت الله الحرام من طريق زيد بن جبيرة، وهو: لا شيء".
وقال البيهقي في السنن: "تفرد به: زيد بن جبيرة"، ثم أسند إلى البخاري قوله:"زيد بن جبيرة أبو جبيرة، عن داود بن الحصين: منكر الحديث" وانظر: تهذيب السنن للذهبي (2/ 766)، البدر المنير (3/ 443).
وقال ابن عبد البر في التمهيد (5/ 225 - 226): "وهذا حديث انفرد به: زيد بن جبيرة، وأنكروه عليه".
وقال ابن دحية في "تنويره" بعد أن ذكر حديث ابن عمر هذا: "حديث باطل عندهم، أنكروه على زيد بن جبيرة، ولا يعرف مسندًا إلا برواية يحيى بن أيوب عنه" قلت: تابعه عليه سويد بن عبد العزيز، والمتفرد به ابن جبيرة [انظر: البدر المنير (3/ 443)].
وقال ابن الجوزي في العلل: "هذا حديث لا يصح".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (3/ 441): "وهذه الطريق: ضعيفة؛ بسبب زيد بن جبيرة؛ وقد تركوه، وحديثه منكر جدًّا"[وانظر أيضًا: المغني (1/ 404)، البدر المنير (4/ 113)، التلخيص (1/ 215)].
2 -
حديث عمر:
يرويه عبد الله بن صالح، قال: نا الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سبع مواطن لا تكون [وفي رواية: لا تجوز] فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق".
علَّقه الترمذي بعد الحديث (347)، ووصله: البزار (1/ 264/ 161)، والعقيلي (2/ 71)، والذهبي في الميزان (2/ 444 - 445).
واختلف فيه على عبد الله بن صالح:
أ- فرواه إبراهيم بن هانيء [أبو إسحاق النيسابوري، نزيل بغداد: ثقة حافظ. الجرح والتعديل (2/ 144)، الثقات (8/ 83)، تاريخ بغداد (6/ 204)، السير (13/ 17)]، ويحيى بن عثمان بن صالح المصري [صدوق]، وموسى بن يزيد بن عبد الرحمن أبو عمران
الإسفنجي ثم النيسابوري [رحل وسمع من جماعة من حفاظ زمانه، وروى عنه جماعة. انظر: تاريخ دمشق (61/ 239)]:
رواه ثلاثتهم عن أبي صالح كاتب الليث به هكذا.
وخالفهم: علي بن داود القنطري [وثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات. التهذيب (3/ 160)]، ومحمد بن أبي الحسين السِّمْناني [روى عنه البخاري، وأبو زرعة، وجماعة من الحفاظ. انظر: التهذيب (3/ 533)]:
قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب به مرفوعًا.
أخرجه أبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي (2/ 251/ 324)، وابن ماجه (747)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (398).
هكذا روياه عن أبي صالح فجوَّدا إسناده بإسقاط عبد الله العمري من الإسناد.
وهذه الرواية: وهم، والمحفوظ: رواية إبراهيم بن هانئ الحافظ، ومن تابعه بإثبات العمري في الإسناد.
قال الطوسي: "وروى هذا الحديث: الليث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ولكن علي بن داود ترك عبد الله بن عمر".
وقال الترمذي: "وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وحديث داود، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي: صلى الله عليه وسلم أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد.
وعبد الله بن عمر العمري: ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، منهم: يحيى بن سعيد القطان".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 148/ 412): "سألت أبي عن حديث رواه الليث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن يُصليَ الرجلُ في سبعِ مواطنَ: مَعَاطنِ الإبل، وقارِعَةِ الطريق، والمجزرة، والمزبلة، والمقبرة. .؟
قلت: ورواه زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: جميعًا واهيين".
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به: إلا الليث عن عبد الله بن عمر".
وقال ابن المنذر في الأوسط (2/ 190): "وهذا الحديث غير ثابت لأن الذي رواه زيد بن جبيرة، وحديث آخر: رواه عبد الله العمري في هذا المعنى بعينه، وكان يحيى القطان يضعفه".
وقال ابن حزم في المحلى (4/ 82): "وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة،
وظهر بيت الله الحرام: من طريق زيد بن جبيرة، وهو: لا شيء، ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو: ضعيف".
أخرج العقيلي (2/ 71)(2/ 426 - ط حمدي السلفي) بإسناد صحيح إلى الليث بن سعد، قال: هذه نسخة رسالةٍ من عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، إلى الليث بن سعد: أما بعد! فإني أوصيك بتقوى الله، وحده لا شريك له، وطاعته، وطاعة رسوله، نسأل الله التوفيق.
ذكرتَ أن نافعًا رحمه الله يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يُصلَّى في سبعة مواطن: في معاطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وفي مُصلَّى قبلته إلى مرحاض، وقارعة الطربق، والمقبرة، وظهر بيت الله العتيق.
فلا أعلم الذي حدَّث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل.
فأما ما ذكرتَ عن مُصلَّى قبلته إلى مرحاض: فإنما جُعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مِربَدًا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصة، فاتخذته دارًا.
وأما ما ذُكر من معاطن الإبل: فقد بلغنا أن ذلك يُكره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على راحلته، وقد كان ابن عمر، ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا، يَعرِض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة، يُصلي إليها، وهي تبعر وتبول.
وأما ما ذكرت من الصلاة في المقبرة: فإن أبي حدثني: أن عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في المقبرة، وهو إمام الناس يومئذ".
قال ابن عبد البر (5/ 226) بعد هذه القصة: "فصح بهذا وشبهه أن الحديث منكر، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله".
قلت: عبد الله بن نافع: ضعيف، قال ابن معين وابن عدي:"ممن يكتب حديثه"[انظر: التهذيب (2/ 444)].
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 95/ 283): "هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي صالح كاتب الليث".
وقال ابن حجر في التلخيص (1/ 215): "وفي سند الترمذي: زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًّا، وفي سند ابن ماجه: عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضًا، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع؛ فصار ظاهره الصحة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: هما جميعًا واهيان، وصححه ابن السكن وإمام الحرمين".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (3/ 444): "وقد وقع لإمام الحرمين أيضًا الحكم بصحة هذا الحديث، وهو عجيب منه أيضًا، ومثل ذلك في إدخال ابن السكن هذا الحديث
في كتابه الذي سماه بالسنن الصحاح المأثورة، فقال: إنه عليه السلام كره الصلاة في سبع مواطن أحدها المقبرة، وهو متساهل في هذا الكتاب".
وقال الشوكاني في السيل الجرار (1/ 168): "وصحح الحديث ابن السكن وإمام الحرمين، فأما إمام الحرمين: فليس من أهل هذا الشأن، وأما ابن السكن: فكيف يصحح ما كان في إسناده متروك! ".
قلت: قد شان ابن السكن صحيحه بإدخال هذا الحديث فيه، فأظهر تساهله في التصحيح، ومخالفته للأئمة في تضعيفه، وهذا مما يرفع قدر سنن أبي داود؛ إذ لم يدخل هذا الحديث فيه، ولو على سبيل الإنكار.
قال ابن قدامة في المغني (1/ 404): "وزاد أصحابنا: المجزرة، والمزبلة، ومحجة الطريق، وظهر الكعبة؛ لأنها في خبر عمر وابنه، وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة، ولم يذكرها الخرقي؛ فيحتمل أنه جوَّز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "جُعلت لي الأرض مسجدًا"، وهو: صحيح متفق عليه، واستثنى منه: المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة، ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث عمر وابنه: يرويهما العمري وزيد بن جبيرة، وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما، فلا يترك الحديث الصحيح بحديثهما، وهذا أصح، وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة".
قلت: لم يصح في استثناء الحمام حديث مرفوع.
وقال ابن المنذر (2/ 191): "فأما معاطن الإبل: فقد ثبت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة فيها، وأما المواضع المذكورة في هذا الحديث مثل: المجزرة، والمزبلة، ومحجة الطريق، فهي داخلة في جملة قوله "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فإن كان في شيء من ذلك نجاسة؛ فسواء هي وغيرها من المواضع النجسة؛ لا تجوز الصلاة عليها" وانظر أيضًا: المحلى (3/ 100)(4/ 82)(5/ 78).
3 -
حديث رهط من الصحابة:
أخرج ابن عدي في الكامل (4/ 334) بإسناد حسن إلى: عباد بن كثير الثقفي، عن عثمان الأعرج، عن الحسن، قال: حدثني سبعة رهطٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو هريرة الدوسي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، ومعقل بن يسار، وأنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في مسجد تجاه حش، أو حمام، أو مقبرة.
قال ابن عدي بعد ما أخرج جملةً وافرةً من حديث عباد هذا: "ولعباد بن كثير غير ما ذكرت من الحديث، ومقدار ما أمليت منه: عامته مما لا يتابع عليه".
وقال عبد الحق الإشبيلي في أحكامه الوسطى (1/ 288): "عباد بن كثير الثقفي: ضعيف عند الجميع".
وتعقبه ابن القطان في بيان الوهم (3/ 251/ 991) فقال: "أعلَّه بعباد بن كثير، وهو علةٌ كافيةٌ، ولكن مع ذلك بقي عليه أن ينبه على عثمان هذا، فإنه: لا يُعرف".
وأكثر الذهبي في الميزان (2/ 371) من ذكر مناكير عباد، وعدَّ هذا منها، وانظر: تهذيب الكمال (14/ 149).
وهذا الحديث طرف من حديث المناهي الطويل الذي يرويه عباد بن كثير الثقفي البصري [متروك، قال فيه أحمد: "روى أحاديث كذب"]، بهذا الإسناد [انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق (2/ 397 - 401)]، قال ابن حجر في التلخيص (1/ 180/ 124) في حديث المناهي:"حديث باطل لا أصل له؛ بل هو من اختلاق عباد".
وقال في التهذيب (2/ 280): "وحديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني، هو الذي ذكر ابن عدي أنه مقدار ثلاثمائة حديث، وصدق ابن عدي قد رأيتها، وكأنه لم يترك متنًا صحيحًا ولا سقيمًا فيه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا؛ إلا وساقه على ذلك الإسناد الذي ركَّبه، وهو: حدثني عثمان الأعرج: حدثني يونس، عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي هريرة، ومعقل بن يسار، وعمران بن حصين، فساق الحديث عنهم، وافترى في زعمه أن الحسن سمع من هؤلاء، نعم سمع من معقل وعمران، واختلف في سماعه من أبي هريرة".
وقال الذهبي في الميزان (3/ 60)، والمغني (2/ 430):"عثمان الأعرج: عن الحسن، حدث عنه عباد بن كثير: لا يعرف" زاد في اللسان (5/ 418): "بخبر منكر".
• ومما روي في النهي عن الصلاة في الحمام:
قال العقيلي في ضعفائه (1/ 69) في ترجمة أبي هدبة إبراهيم بن هدبة: ومن حديثه: ما حدثناه عبيد بن محمد الكشوري، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الخشاش، قال: حدثني يحيى بن دومى، قال: حدثنا إبراهيم بن هدبة، قال: حدثني أنس، قال: نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الحمام، وعن السلام على بادي العورة.
وهذا حديث كذب، إبراهيم بن هدبة هذا: كذاب خبيث، دجال من الدجاجلة، يضع الحديث على أنس، ولم يره، لم يكن يُعرف بالحديث، ولا بكتابته، إنما كان رقَّاصًا بالبصرة، فلما شاخ زعم أنه سمع من أنس، وجعل يضع عليه [انظر: اللسان (1/ 377) وغيره].
• ومما روى في النهي عن الصلاة في المقبرة:
1 -
حديث عبد الله بن عمرو:
أخرج ابن حبان في صحيحه (6/ 90/ 2319) بإسناد حسن إلى أبي قرة، عن ابن جريج، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقبرة.
قلت: إسناده من لدن الأعمش فمن فوقه: إسناد صحيح متصل، سمع بعضهم من بعض [انظر: التاريخ الكبير (3/ 215)، التاريخ الأوسط (3/ 15/ 23 و 24)، صحيح مسلم (996)].
وفي سماع ابن جريج هذا الحديث من الأعمش: نظر؛ فإنهما لمان كانا متعاصرين، بين وفاتيهما سنتان أو ثلاث فقط، فإني لم أقف لابن جريج على رواية له عن الأعمش في الكتب الستة، ولم أقف له في غيرها إلا على رواية واحدة عند عبد الرزاق في مصنفه (9/ 459/ 18011) صرح فيها بالسماع، ورواية أخرى عند البخاري في التاريخ الكبير (4/ 217) بالعنعنة، ورواية ثالثة يحكي فيها ابن جريج قصة دخول الأعمش على عطاء وما دار بينهما [أخرجها: ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (238 - أخبار المكيين)، والفاكهي في أخبار مكة (1/ 453/ 993)، وابن البختري في الحادي عشر من حديثه (104)[مجموع مصنفاته (600)]. والرامهرمزي في المحدث الفاصل (483 و 551)، [والحديث أصله في الصحيحين [البخاري (2505 و 7367)، مسلم (1216)] من طريق ابن جريج به بدون قصة الأعمش، ودخوله على عطاء].
فإذا قسنا ذلك بمرويات ابن جريج -وهو: من بحور العلم الذين يدور عليهم إسناد أهل الحجاز-، ومرويات الأعمش -وهو: من بحور العلم الذين يدور عليهم إسناد أهل العراق-، مع ما كان بين أهل المدرستين من اختلافٍ، أدى في بعض الأحوال إلى التحرز في التحديث أو الأخذ والتلقي عن الطرف الآخر.
إذا علمنا ذلك؛ ظهر لنا بجلاء لماذا جزم الإمام علي بن المديني بقوله في ابن جريج: "وقد رأى الأعمش ولم يرو عنه"[تاريخ بغداد (10/ 400)، تهذيب الكمال (18/ 347)].
فهذه حجة قوية على انقطاع هذا الإسناد بين ابن جريج والأعمش.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن ابن جريج إنما يروي عن الأعمش بواسطة، وأن ابن جريج مكثر من التدليس، وهو قبيح التدليس، يدلس عن المجروحين، ولم يذكر الخبر في هذا الإسناد، تأكد لدينا أن ابن جريج قد دلَّس هذا الخبر عن الأعمش.
وقد روى ابن جريج أربعة أحاديث عن فافاه عن الأعمش، وقال في بعضها: أخبرني فافاه عن الأعمش [انظر: العلل ومعرفة الرجال (3/ 179/ 4783 ب)، مشكل الآثار (1/ 184)، الثقات (7/ 325)، علل الدارقطني (5/ 76)، الموضح (1/ 419)، الإكمال لابن ماكولا (1/ 163)]، قال الطحاوي:"فافاه هذا: رجل من أهل الكوفة وأهل القرآن، واسمه: إسماعيل بن زياد"، وقال عثمان بن عيسى الآجري الكوفي:"إسماعيل، هو: ابن أبي زياد، وهو: إسماعيل بن مسلم مولى السكون، وهو: فافاه الذي يحدث عنه ابن جريج، وهو إسماعيل الكندي الذي يحدث عنه بقية"، وقال نحوه أبو العباس ابن عقدة، وتبعهما على ذلك ابن ماكولا، والخطيب في الموضح، وقال:"وقيل: هو فافاه الذي روى عنه ابن جريج"، لكنه في المتفق والمفترق (1/ 362 - 375) فرق بين الفأفاء وبين
قاضي الموصل والسكوني [وانظر: التهذيب (1/ 152)، اللسان (2/ 124)، الجرح والتعديل (2/ 171)، سؤالات البرذعي (373)، سؤالات البرقاني (4)].
فإن يكن هو السكوني، فهو: كذاب، يضع الحديث، وإن يكن غيره، فهو: مجهول.
وعليه: فلا يصح هذا الحديث؛ لأجل هذه العلة، والله أعلم.
• وقد رُوي عن ابن عمرو موقوفًا:
رواه جرير، عن منصور، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عمرو، قال: لا تُصَلِّ إلى الحُشِّ، ولا إلى الحَمَّام، ولا إلى الْمَقْبَرَة.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 153/ 7577) و (7/ 311/ 36379)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 183/ 762).
ولا يصح هذا عن عبد الله بن عمرو، فإن هذا إسناد رجاله ثقات، لكن لا يعرف لأبي ظبيان حصين بن جندب سماع ولا رواية عن ابن عمرو [انظر: التاريخ الكبير (3/ 3)، الجرح والتعديل (3/ 190)، المراسيل (177)، تاريخ دمشق (14/ 365)، تهذيب الكمال (6/ 514)، كتب الأطراف. وغيرها]، وله علة أخرى:
فقد رواه شعبة، عن منصور، عن رجل، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يكره أن يصلي في الحمام.
قال شعبة: الرجل الذي حدث عنه منصور: حبيب -يعني: ابن أبي الأشرس-، أعرف ذلك كما أعرف أنك لم تقتل عشر أناسي.
أخرجه عبد الله بن أحمد في العلل (3/ 273/ 5212)، عن أبيه، عن حجاج، عن شعبة به.
وعلى هذا فهو إسناد واهٍ، حبيب بن أبي الأشرس، هو: حبيب بن حسان: متروك، منكر الحديث، كان يختلف إلى البيعة مع نصرانية عشقها [انظر: اللسان (2/ 544) وغيره].
ورواه الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: لا تُصلِّيَنَّ إلى حُشٍّ، ولا في الحمام، ولا في المقبرة.
أخرجه عبد الرزاق (1/ 405/ 1585) عن الثوري به. ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (2/ 183/ 761).
ورواه عبد الرزاق أيضًا (1584) عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس به، فلم يذكر فيه أبا ظبيان.
هكذا اضطرب فيه عبد الرزاق، وحبيب بن أبي ثابت: سمع من ابن عباس [العلل لابن المديني (140)، مسائل الإمام أحمد لابنه صالح (1344)، وغيرهما].
2 -
حديث أنس، وله طرق:
أ- يرويه حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُصَلَّى بين القبور.
أخرجه الترمذي في العلل (117)، وابن حبان (4/ 596/ 1698) و (6/ 88 و 89 و 92/ 2315 و 2318 و 2322)، والضياء في المختارة (5/ 246/ 1872)، والبزار (13/ 198/ 6660)، وأبو يعلى (5/ 175/ 2788)، وابن الأعرابي في المعجم (3/ 1082/ 2334).
وقد اختلف فيه على حفص بن غياث:
أ- فرواه عنه به هكذا: هناد بن السري [كوفي، ثقة حافظ]، وأبو موسى الزَّمِن محمد بن المثنى [بصري، ثقة ثبت]، وسهل بن عثمان العسكري [نزيل الري، ثقة حافظ، له غرائب]، والحسين بن يزيد الطحان [لين الحديث].
ب- خالفهم: جعفر بن محمد ابن بنت إسحاق الأزرق [لم أهتد إليه] قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأشعث وعمران بن حدير، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى على الجنائز بين القبور.
أخرجه ابن حبان (6/ 93/ 2323) وليس فيه: على الجنائز، والضياء في المختارة (5/ 245/ 1871).
فهي رواية منكرة؛ سندًا: بذكر عمران بن حدير، ومتنًا: بزيادة الجنائز.
ج- وخالفهم: أبو بكر بن أبي شيبة [كوفي، ثقة حافظ] قال: حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كره الصلاة بين القبور.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 154/ 7584) و (7/ 311/ 36377).
هكذا مرسلًا، وهو: أصح.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الاختلاف في الوصل والإرسال: إنما هو من قبل حفص نفسه، فلعله كان يحدث به من حفظه فيوصله، وكان في كتابه مرسلًا؛ وكان صحيح الكتاب، وكان ابن أبي شيبة عالمًا بكتاب حفص، وكان حفص إذا حدث من حفظه وَهِم، وكان قد ساء حفظه بعد ما استقضي [انظر: التهذيب (1/ 458) وغيره].
وقد رواه يحيى بن سعيد القطان [ثقة متقن، حافظ إمام]، ومعاذ بن معاذ العنبري [ثقة متقن]، كلاهما: عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلا بين القبور. هكذا مرسلًا، وهو: الصحيح.
أخرجه الترمذي في العلل (118)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 156)، ورواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 200) معلقًا. وذكره الدارقطني في العلل. وانظر: تهذيب الكمال (12/ 196).
قال الترمذي في العلل: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: حديث الحسن عن أنس: خطأ، وروى ابنُ عون عن الحسن عن أنس قال: رآني عمر؛ وأنا أصلي إلى قبرٍ".
وقال البزار: "وهذا الحديث قد رواه غير حفص، عن أشعث، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أنسًا إلا حفص، وتفرد أنس بهذا الحديث".
وقال الدارقطنى: "رواه معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن: مرسلًا، والمرسل: أصح".
ب- وروى عبد الله بن الأجلح، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: نهي عن الصلاة بين القبور. وفي رواية: كانوا يكرهون أن يصلوا على الجنائز بين القبور.
أخرجه البزار (13/ 112/ 6487)، والدارقطني في الأفراد (2/ 132/ 948).
وقال: "تفرد به الأجلح عن عاصم".
قلت: عبد الله بن الأجلح: لا بأس به، وقد خالفه فيه جمع من الثقات:
رواه: سفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وعبد الواحد بن زياد، وعلي بن مسهر، وأبو معاوية محمد بن خازم، ومحاضر بن المورع:
رواه ستتهم: عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أنه كره أن يصلي على الجنازة في المقبرة. موقوف عليه؛ وهو: الصحيح.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 154/ 7587) و (7/ 311/ 36382)، وذكره الدارقطني في العلل (4/ 19/ ب).
قال الدارقطني في رواية الجماعة: "وهو: الصحيح".
ووهم بعضهم فرواه بهذا الإسناد مرفوعًا:
رواه حسين بن يزيد الطحان، قال: نا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور.
أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (2330)، والطبراني في الأوسط (6/ 6/ 5631)،
ومن طريقه: الضياء في المختارة (7/ 163 - 164/ 2594).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول؛ إلا حفص، تفرد به: حسين بن يزيد".
قلت: حفص برئ من عهدته، فقد رواه ابن أبي شيبة عن حفص به مثل الجماعة موقوفًا، وهو: الصحيح.
وإنما الحمل فيه على حسين بن يزيد الطحان، قال فيه أبو حاتم:"لين الحديث".
ج- قال البزار (13/ 507/ 7340): وجدت في كتابي: عن أبي هشام: نا أبو معاوية، عن أبي سفيان -يعني: السعدي-، عن ثمامة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ أبو سفيان السعدي، هو: طريف بن شهاب: أجمعوا على ضعفه [انظر: التهذيب (2/ 236)]. وأبو هشام، هو: الرفاعي، محمد بن يزيد بن محمد العجلي: ضعيف، كثير الغرائب، وقيل: يسرق الحديث [انظر: التهذيب (3/ 735) وغيره]، وهو شيخ للبزار [روى عنه حديثًا برقم (2802)]، وهو معروف بالرواية عن أبي معاوية، كما في ترجمته من التهذيب (6/ 565/ 7295).
• ومما يصح عن أنس في هذا أيضًا:
ما رواه سفيان الثوري: ثنا حميد، عن أنس، قال: رآني عمر وأنا أصلي، فقال: القبر أمامك، فنهاني.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 153/ 7576).
ورواه حفص بن غياث، وهشيم بن بشير، ومروان بن معاوية الفزاري:
ثلاثتهم [وألفاظهم متقاربة]: عن حميد، عن أنس، قال: قمت يومًا أصلي، وبين يدَيَّ قبرٌ، لا أشعر به، فناداني عمرُ: القبرَ! القبرَ! فظننت أنه يعني القمر، فقال لي بعض من يليني: إنما يعني القبر، فتنحيت عنه.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 153/ 7575) و (7/ 311/ 36378)، وأحمد بن منيع (3/ 417/ 339 - مطالب)، ومحمد بن هشام بن ملاس النميري في جزئه (7)، ومن طريقه: البيهقي (2/ 435)، وابن حجر في التغليق (2/ 230).
وهو صحيح عن أنس.
ورواه بنحوه: معمر بن راشد، وحماد بن زيد، كلاهما: عن ثابت، عن أنس به.
أخرجه عبد الرزاق (1/ 404/ 1581)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (2/ 186/ 766)، وابن حجر في التغليق (2/ 229).
وقد علَّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم [قبل الحديث رقم (427)]، قال:"ورأى عمرُ أنسَ بن مالك يصلي عند قبرٍ، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمره بالإعادة".
ورواه منصور بن زاذان، وابن عون، كلاهما: عن الحسن، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه بمثله.
وإسناده صحيح.
أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيع (3/ 417/ 339 - مطالب)، وعلَّقه الترمذي في العلل (118) من كلام البخاري، والله أعلم.
• والذي يصح في هذا الباب مرفوعًا: النهي عن الصلاة في مبارك الإبل [ويأتي في الباب بعد هذا]، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الصلاة فيها وإليها، ومما صح في ذلك:
1 -
عن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، طَفِقَ يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغْتَمَّ بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحذِّرُ ما صنعوا.
متفق عليه [البخاري (435 و 436) مع أطرافه. ومسلم (531)].
2 -
وعن جندب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا؛ كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان
قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد؛ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك".
أخرجه مسلم (532).
ويأتي تخريج هذين الحديثين وشواهدهما من الصحيحين وغيرهما، في موضعه من السنن -إن شاء الله تعالى-، في آخر كتاب الجنائز، تحت الحديث رقم (3227).
3 -
وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اجعلوا مِن صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا"، وفي رواية:"صلُّوا في بيوتكم،. . .".
متفق عليه [البخاري (432 و 1187)، ومسلم (777)]، ويأتي تخريجه -إن شاء الله تعالى- برقم (1043).
وترجم له البخاري بقوله: "باب كراهية الصلاة في المقابر"، وتقدم نقل شرح ابن حجر لهذه الترجمة.
وقال ابن المنذر في الأوسط (2/ 183): "ففي قوله: "ولا تتخذوها قبورًا" دليل على أن المقبرة ليست بموضع صلاة، لأن في قوله: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم" حثٌّ على الصلوات في البيوت، وقوله: "ولا تجعلوها قبورًا" يدل على أن الصلاة غير جائزة في المقبرة".
وقال البيهقي في السنن (2/ 435): "واحتج بعض أهل العلم في كراهية الصلاة في المقابر بالحديث الثابت عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا"، وبالحديث الثابت عن عائشة وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحذرُ مثل ما صنعوه".
4 -
وعن أبي مَرْثَد الغَنَوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها".
أخرجه مسلم (972)، ويأتي تخريجه -إن شاء الله تعالى- برقم (3229).
• وقد اختلف العلماء في علة النهي عن الصلاة في المقبرة، وأصح الأقوال في ذلك أنها سد لذريعة الشرك، وعدم التشبه بأهل الكتاب.
قال أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه (116 - 117): "والمقبرة إنما كرهت للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"[وانظر: المغني (1/ 405)، إغاثة اللهفان (1/ 186)].
وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (2/ 439): "والسبب الذي من أجله نهى عن الصلاة في المقبرة في أصح قولي العلماء هو سد ذريعة الشرك"[وانظر: مجموع الفتاوى (17/ 503) و (22/ 159)].
وقال في المجموع (27/ 159): "وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة في المقبرة نهي عنها من أجل النجاسة؛ لاختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومهم، وهؤلاء قد يفرِّقون
بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون، والتعليل بهذا ليس مذكورًا في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإنما هي علة ظنوها، والعلة الصحيحة عند غيرهم: ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف في زمن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إنما هو ما في ذلك من التشبه بالمشركين، وأن تصير ذريعة إلى الشرك، ولهذا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقال:"إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير"، وقال:"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد"، ونهى عن الصلاة إليها، ومعلوم أن النهي لو لم يكن إلا لأجل النجاسة: فمقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر، والنجاسة أمام المصلي لا تبطل صلاته، والذين كانوا يتخذون القبور مساجد كانوا يفرشون عند القبور المفارش الطاهرة، فلا يلاقون النجاسة، ومع أن الذين يعللون بالنجاسة لا ينفون هذه العلة: بل قد ذكر الشافعي وغيره النهي عن اتخاذ المساجد على القبور، وعلل ذلك بخشية التشبه بذلك، وقد نص على النهى عن بناء المساجد على القبور غير واحد من علماء المذاهب من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومن فقهاء الكوفة أيضًا، وصرح غير واحد منهم بتحريم ذلك، وهذا لا ريب فيه بعد لعن النبي صلى الله عليه وسلم، ومبالغته في النهى عن ذلك".
وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 187): "فروى مسلم في صحيحه، عن أبي مرثد الغنوي رحمه الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة؛ فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه:
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها: أنه لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة؛ فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريُّون.
ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذِكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.
ومنها: أن موضع مسجده كان مقبرة للمشركين، فنبَشَ قبورَهم وسوَّاها، واتخذه مسجدًا، ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ومهدها، وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك. . ." وذكر الحديث.
وقال (1/ 189): "وبالجملة: فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن