الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشمال على متن الثريا، ويظهر عند غيبوبة الشَّمس، فإذا كان الإنسان في بصره أدنى حدة وغابت الشَّمس يرى العيوق، وهو الشاهد الذي تحل صلاة المغرب عند ظهوره".
أو كما قال البيهقي: "ولا يجوز ترك الأحاديث الصحيحة المشهورة بهذا، وإنَّما المقصود بهذا نفي التطوع بعدها، لا بيان وقت المغرب".
وذكر ابن رجب في الفتح (3/ 163) أقوالًا منها: "ومنهم من قال: إنما أراد أن النَّهي يزول بغروب الشَّمس، وإنَّما علقه بطلوع الشاهد لأنَّه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه"، وانظر فيه بقية الأقوال.
قال ابن المنذر في الأوسط (2/ 369): "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول، وانظر أيضًا: (2/ 356)، ونقله بن رجب في الفتح (3/ 163)، وزاد: "ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر".
وقال ابن المنذر (2/ 334): "وأجمع أهل العلم على أن صلاة المغرب تجب إذا غابت الشَّمس".
وانظر: الإجماع لابن المنذر (48 و 52 و 53).
***
7 - باب في وقت العشاء الآخرة
419 -
. . . أبو بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير، قال: أنا أعلم النَّاس بوقت هذه الصَّلاة: صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثةٍ.
• حديث صحيح.
أخرجه التِّرمذيُّ (165 و 166)، وأبو علي الطُّوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام"(149)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 264/ 529)، وفي الكبرى (2/ 201/ 1523)، والدارمي (1/ 298/ 1211)، والحاكم (1/ 194)، وأحمد (4/ 272 و 274)، والبزار (8/ 195 - 196/ 3232)، وابن أبي حاتم في العلل (1/ 177/ 505)، والطحاوي في المشكل (1/ 560 - 562/ 555 و 558 و 559 - تحفة الأخيار)، وابن عدي في الكامل (2/ 406)، والدارقطني (1/ 269 - 270 و 270)، والبيهقيّ (1/ 373 و 448)، وابن عبد البر (8/ 93 - 94)، الخطيب في تالي تلخيص المتشابه (1/ 325/ 193)، وابن الجوزي في التحقيق (356).
هكذا رواه عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية: أبو عوانة -واللفظ له-، وشعبة.
إلَّا أن شعبة لم يحفظ الليلة، قال: كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة الرابعة.
قال يزيد بن هارون: فقلت له: إن هشيمًا يقول: لليلة الثَّالثة، فشك شعبة، فقال: رابعة أو ثالثة [عند الطُّوسي. والطحاوي في المشكل].
وفي رواية ليزيد عن شعبة: كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة ثالثة أو رابعة. شك شعبة.
وقد سأل مهنا الإمام أحمد، فقال: من أخطأ في الحديث؟ قال: شعبة، حين يقول:"ليلة رابعة"[الإمام (4/ 59)].
ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لا سيما وقد تابع أبا عوانة على ميقات الليلة، وأنها الثَّالثة من أول الشهر -بلا شك-: هشيم، ورقبة بن مصقلة، وسفيان بن حسين.
إلَّا أن هؤلاء الثلاثة قد رووا الحديث عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير به، مثل لفظ أبي عوانة.
وفي لفظ لهشيم: كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة الثَّالثة من أول الشهر.
فلم يذكروا في إسناده: بشير بن ثابت.
أخرجه النَّسائيّ في المجتبى (1/ 528/264)، وفي الكبرى (2/ 200/ 1522)، وأبو علي الطُّوسي في مختصر الأحكام (150)، والحاكم (1/ 194)، وأحمد (4/ 270)، والطيالسي (2/ 145/ 834)، وابن أبي شيبة (1/ 290 - 291/ 3334)، والطحاوي في المشكل (1/ 560 - 562/ 556 و 557 و 560 - تحفة الأخيار)، وابن عدي (2/ 405 - 406)، والدارقطني في الأفراد (4/ 323/ 4368 - أطرافه)، والخطيب في المتفق والمفترق (3/ 1848/ 1426)، والذهبي في السير (16/ 553 - 554).
قال الدارقطني في السنن بعد ما أخرجه من طريق أبي عوانة، وشعبة:"ورواه هشيم، ورقبة، وسفيان بن حسين: عن أبي بشر، عن حبيب، عن النُّعمان، وقالوا: "ليلة ثالثة" ولم يذكروا بشيرًا".
وقال الحاكم بعد ما أخرجه من طريق هشيم: "تابعه رقبة بن مصقلة، عن أبي بشر، هكذا اتفق رقبة وهشيم على رواية هذا الحديث عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم.
وهو إسناد صحيح.
وخالفهما شعبة، وأبو عوانة، فقالا: عن أبي بشر، عن بشر بن ثابت، عن حبيب بن سالم".
كذا وقع عنده: "بشر" وإنَّما هو "بشير"، وهذا إما وهم، وإما تصحيف، وكذا وقع عنده من رواية أبي عوانة وشعبة:"بشر"، ولا أستبعد أن يكون الوهم فيه من الحاكم نفسه. انظر: المستدرك [مخطوط رواق المغاربة (1/ 91/ أ)]. ثقات ابن حبان (6/ 99)، وقال:"ومن زعم أنَّه بشر بن ثابت فقد وهم".
قلت: إسناد من رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان: ليس صحيحًا؛ بل هو منقطع.
قال يَحْيَى بن سعيد القطان: "كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن حبيب بن سالم"[الجرح والتعديل (1/ 157) و (2/ 473)، السير (5/ 466)، تاريخ الإسلام (8/ 62)، التهذيب (1/ 301)].
وذلك لانقطاعها وعدم اتصالها، قال شعبة:"لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم"[العلل ومعرفة الرجال (3/ 67/ 4202)، المراسيل (73)، الجرح والتعديل (1/ 131)، طبقات ابن سعد (7/ 253)، المعرفة والتَّاريخ (3/ 129)، جامع التحصيل (155)، تحفة التحصيل (53)، التهذيب (1/ 301)]، وإنَّما سمعها من بشير عن حبيب.
• فالصواب: رواية أبي عوانة وشعبة، حيث روياه عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب، عن النُّعمان، فاتصل بذلك الإسناد؛ وأبو عوانة وشعبة: أحفظ من هشيم ورقبة وسفيان بن حسين، وإن كان الكل ثقات؛ إلَّا أن الحفَّاظ درجات.
ولا يبعد أن يكون هذا الاختلاف عن أبي بشر نفسه، رواه مرَّة على الصواب فأثبت الواسطة، ومرَّة أسقطها، والمحفوظ إثباتها، والله أعلم.
قال التِّرمذيُّ بعد ما أخرجه من طريق أبي عوانة: "روى هذا الحديث: هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير. ولم يذكر فيه هشيم: "عن بشير بن ثابت".
وحديث أبي عوانة: أصح عندنا؛ لأنَّ يزيد بن هارون روى عن شعبة عن أبي بشر، نحو رواية أبي عوانة".
وقال أبو زرعة: "حديث بشير بن ثابت: أصح".
قال ابن أبي حاتم معقبًا: "وُفِّق أبو زرعة لما قال، وحكم لمسدد بما أتى عن أبي عوانة، بزيادة رجل في الإسناد"، ثم استشهد على ذلك برواية شعبة [العلل (1/ 177/ 505)].
قال ابن حجر في الإتحاف (13/ 516/ 17082): "وهو الأظهر".
وقال ابن العربي في العارضة (1/ 224): "وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، بإسقاط بشير، وما ذكرناه أصح، وكذلك رواه شعبة وغيره، وخطأ من أخطأ في الحديث لا يخرجه عن الصحة".
وقد ضعفه ابن حزم في المحلى (3/ 181)، فقال:"بشير بن ثابت: لم يرو عنه أحد نعلمه إلَّا أبو بشر، ولا روى عنه أبو بشر إلَّا هذا الحديث، وقد وثق وتكلم فيه، وهو إلى الجهالة أقرب، وحبيب بن سالم مولى النُّعمان بن بشير وكاتبه: وليس مشهور الحال في الرواة".
قلت: لعله أخذ كلامه على بشير بن ثابت من البزار، فقد قال في مسنده:"وبشير بن ثابت: لا نعلم روى عنه إلَّا أبو بشر هذا الحديث".
قلت: لم ينفرد بالرواية عنه: أبو بشر، بل روى عنه أيضًا: شعبة بن الحجاج، وهو من هو في انتقاء الرجال، فهو في الغالب لا يروي إلَّا عن ثقة.
قال البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (2/ 96) في ترجمة بشير: "سمع منه: أبو بشر وشعبة"، وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 372)، وابن حبان في
الثقات (6/ 99)، ولم أر من تكلم فيه بشيء، وسأل الدَّارميُّ ابنَ معين قال:"فبشير بن ثابت الذي يروي عنه أبو بشر؛ ما حاله؟ فقال: ثقة"[تاريخ الدَّارميِّ (194)، الجرح والتعديل (2/ 372)، وانظر: إكمال ابن ماكولا (1/ 286)، إكمال مغلطاي (2/ 416)، التهذيب (1/ 234)، [وانظر تاريخ الدوري (4/ 332)، توضيح المشتبه (1/ 539)].
وقال الذهبي في الكاشف، وابن حجر في التقريب:"ثقة".
وأمَّا حبيب بن سالم، فهو: ثقة، قال أبو حاتم، وأبو داود:"ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأمَّا قول البُخاريّ: "فيه نظر"، فإنَّه يفسره قول ابن عدي:"ليس في متون أحاديثه: حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يُروى عنه".
قلت: وتحديدًا فإن البُخاريّ لعله قال ذلك لأجل حديث الذي وقع على جارية امرأته، فقد اضطرب في إسناد هذا الحديث، ولذلك فإن التِّرمذيَّ لما سأله عن هذا الحديث قال: "أنا أتقي هذا الحديث، ثم ذكر الاختلاف فيه.
ولو كان ذلك قادحًا في حبيب بن سالم مطلقًا، لما صحح له البُخاريّ، فقد سأله التِّرمذيُّ عن حديث القراءة في العيدين والجمعة، الذي يرويه محمَّد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير، فقال البُخاريّ:"هو حديثٌ صحيحٌ".
فلو كان قوله: "فيه نظر" جارٍ على الاصطلاح المعهود، وهو القدح الشديد؛ لما صحح له هذا الحديث، فوجب حمله على إسناد حديث الذي وقع على جارية امرأته، والله أعلم.
[انظر: التَّاريخ الكبير (2/ 318)، الجرح والتعديل (3/ 102)، العلل ومعرفة الرجال (1/ 204/ 210)، تاريخ الدوري (3/ 351/ 1697)، سؤالات الآجري (29)، ضعفاء العقيلي (1/ 263)، الكامل (2/ 405)، الثقات (4/ 138 و 142)، علل التِّرمذيِّ الكبير (152 و 424)، تاريخ الإسلام (7/ 46)، إكمال مغلطاي (3/ 367)، التهذيب (1/ 350)، الميزان (1/ 455)].
وقد صحح لحبيب بن سالم: مسلم (878)، والترمذي (533)، وابن خزيمة (1463)، وابن حبان (1526 و 2821 و 2822)، وابن الجارود (265 و 300)، والحاكم (1/ 194) و (4/ 365).
فإن قيل: لم يصرح حبيب بن سالم بسماعٍ من النُّعمان بن بشير فيما رواه عنه؟
فيقال: قد صح ذلك بإسناد صحيح، فيما رواه: أبو داود الطَّيالسيّ في مسنده (1/ 349/ 439)، قال: حدّثنا داود الواسطيّ [هو: داود بن إبراهيم الواسطيّ]-وكان ثقة-، قال: سمعت حبيب بن سالم، قال: سمعت النُّعمان بن بشير بن سعد
…
فذكر الحديث في خلافة النبوة.
ورواه عن الطَّيالسيِّ: أحمد (4/ 273)، والبيهقيّ في الدلائل (6/ 491)، وانظر: مسند البزار (7/ 223/ 2796).
ثم إن حبيب بن سالم هو مولى النُّعمان بن بشير، وكاتبه، فكيف لم يسمع منه، وهو مخالط له، وانظر مصادر ترجمته المتقدمة.
بل قد صرح الأئمة بالسماع والاتصال:
قال ابن أبي حاتم لأبيه: "حبيب عن النُّعمان: متصل؟ قال: نعم"[العلل (1/ 447/ 1346)].
وقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه (4/ 271): "حبيب بن سالم سمعه من النُّعمان، وكان كاتبه"، قال عقيب حديث القراءة في العيدين والجمعة.
• والحاصل: أن هذا الحديث: حديثٌ صحيحٌ.
قال أبو علي الطُّوسي في مستخرجه على التِّرمذيِّ: "هذا حديث حسن".
وقال ابن العربي في العارضة: "حديث النُّعمان: حديثٌ صحيحٌ
…
".
وقال النووي في المجموع (3/ 59): "رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وهذا نص في تقديمها"، يعني: العشاء.
• تنبيه: قال ابن حبان في صحيحه (4/ 392/ 1526): أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير، قال: أنا أعلم النَّاس بوقت هذه الصَّلاة -يعني: العشاء-، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثةٍ.
قلت: هذا الإسناد رجاله ثقات، إلَّا أنَّه دخل له فيه حديث في حديث:
فهذا المتن: يرويه أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان به.
رواه عن أبي عوانة به هكذا: مسدد بن مسرهد، وعفان بن مسلم، وأبو النُّعمان محمَّد بن الفضل السدوسي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، وعبد الأعلى بن حماد الباهلي، وسريج بن النُّعمان، وعلي بن الحسن بن شقيق، ويحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني [وهم تسعة من الثقات].
وقال يَحْيَى بن حماد -وهو ختن أبي عوانة-: "أملاه علينا من كتابه: عن بشير بن ثابت"[الدارمي].
• وأمَّا إسناد ابن المنتشر فيروي به أبو عوانة حديثًا آخر:
فقد روى عفَّان بن مسلم، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، وأبو داود الطَّيالسيّ:[أربعتهم وهم ثقات، وتابعهم بعض الضعفاء]:
رووه عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النُّعمان بن بشير، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} ، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} .
أخرجه مسلم (878/ 62)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 463/ 1973)، وأبو داود
1122 -
، والترمذي في الجامع (533)، وفي العلل (152)، والنَّسائيُّ في المجتبى (3/ 184/ 1568)، وفي الكبرى (2/ 288/ 1750) و (10/ 332/ 11601)، وابن حبان (7/ 61/ 2821)، وأحمد (4/ 273)، والطيالسي (2/ 143/ 832)، والبزار (8/ 193/ 3229)، والبيهقيّ (3/ 294)، والبغوي في شرح السنة (4/ 272/ 1090)، وفي التفسير (4/ 346).
ولا أظن الوهم فيه على أبي عوانة [فيما رواه ابن حبان] من أبي الوليد الطَّيالسيّ هشام بن عبد الملك؛ فإنَّه ثقة ثبت، ولكن عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، فإنَّه وإن كان ثقة؛ إلَّا أنَّه تكلم فيه، وأخطأ في أحاديث، وقال أبو يعلى الخليلي:"احترقت كتبه"، فلعله حدث به بعد احتراق كتبه، أو قبلها ودخل له حديث في حديث، فركب متن الحديث الأوَّل على إسناد الحديث الثَّاني، والله أعلم [انظر: الإرشاد (2/ 526)، سؤالات حمزة السهمي (247)، الثقات (9/ 8)، السير (14/ 7)، التذكرة (2/ 670)، الميزان (3/ 350)، اللسان (6/ 337)].
• وأمَّا معنى الحديث:
فمنهم من رآه دليلًا على تعجيل العشاء وتقديمها في أول وقتها.
ومنهم من رآه دليلًا على تأخير العشاء، واحتج في ذلك بما روي عن النُّعمان بن بشير، نفسه: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى. لكن هذه الرِّواية لا تصح من مسند النُّعمان، وإنَّما هي من مسند جابر بن سمرة:
فقد روى الطحاوي في المشكل (1/ 562/ 561 - تحفة)، قال: حدّثنا روح بن الفرج، قال: حدّثنا يوسف بن عدي، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن النُّعمان بن بشير، قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة.
وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات؛ إلَّا أن جعله من مسند النُّعمان: وهمٌ وخطأ، لا أدري ممن هو، إلَّا أن يكون من يوسف بن عدي راويه عن أبي الأحوص، فإنَّه كوفي انتقل إلى مصر، وسكنها حتَّى مات بها.
والحديث قد رواه جماعة من الثقات الحفاظ من أصحاب أبي الأحوص الكوفيين وغيرهم؛ فجعلوه من مسند جابر بن سمرة، وهو الصَّحيح:
رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ويحيى بن يَحْيَى النيسابوري، وداود بن عمرو الضبي، وهناد بن السري، وعبد الله بن الجراح التميمي:
سبعتهم، عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة.
أخرجه مسلم (643/ 226)، وأبو عوانة (1/ 305/ 1078)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 238/ 1427)، والنَّسائيُّ (1/ 266/ 533)، وابن حبان (4/ 394 و 401/ 1527 و 1534)، وأحمد (5/ 89)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (5/ 89 و 93 و 95)، وابن أبي شيبة (1/ 290/ 3333)، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (604 و 1150)، وفي حديثه
بانتقاء زاهر الشحامي (2022)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 370/ 1034)، والطبراني في الكبير (2/ 236/ 1983)، والبيهقيّ (1/ 450).
ورواه عن سماك أيضًا غير أبي الأحوص:
1 -
أبو عوانة [ثقة ثبت]، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلِّي الصلوات نحوًا من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا، وكان يخف الصَّلاة.
أخرجه مسلم (643/ 227)، وأبو عوانة (1077)، وأبو نعيم في المستخرج (1428)، وأحمد (5/ 105)، وأبو يعلى (13/ 445/ 7447)، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (596 و 1142)، وزاهر الشحامي في حديث السَّرَّاج (2012).
2 -
عنبسة بن سعيد بن الضريس [ثقة]، عن سماك، عن جابر به نحوه.
تقدم تحت الحديث (403).
3 -
عمرو بن أبي قيس [ليس به بأس]، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة عن صلاتكم قليلًا.
أخرجه الحاكم (1/ 286 - 287) مطولًا، وقال:"صحيح على شرط مسلم"، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (597 و 1143)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (2013)، وتمام في فوائده (198) مطولًا. وابن عساكر في تاريخ دمشق (53/ 336).
• وتابعهم من الضعفاء، أو ممن تكلم فيهم من أهل الصدق:
شريك بن عبد الله النَّخعيّ، وقيل بن الرَّبيع، وأيوب بن جابر، وعمرو بن ثابت بن هرمز:
رووه عن سماك، عن جابر به، يزيد بعضهم على بعض.
أخرجه الطَّيالسيُّ (2/ 130/ 810)، وأحمد (5/ 89)، والطبراني في الكبير (2/ 231 و 242 و 250 و 251/ 1959 و 2016 و 2051 و 2055)، وابن الجوزي في التحقيق (353).
• وأخيرًا فإن حديث النُّعمان بن بشير صالح للاحتجاج به على كون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر، وأن ذلك هو أول وقتها.
وهذا محمول على كون النُّعمان إنَّما راقب سقوط القمر في الليلة الثَّالثة من أول الشهر في بعض الشهور دون بعض، وذلك لأنَّه قد ظهر بالتتبع أن سقوط القمر لثالثة يختلف موعده باختلاف شهور السنة، فأحيانًا يوافق سقوط الشفق الأحمر -وهو قليل-، وأحيانًا يكون بعده بأزمان متفاوتة طولًا وقصرًا -وهو الأكثر-، لكنَّه في الغالب لا يزيد عن ساعتين تقريبًا، وذلك وفق جدول غروب القمر الذي نشره العلامة أحمد شاكر في مبحثه النفيس في هذه المسألة تعليقًا على جامع التِّرمذيِّ (1/ 309).
أو يحمل على كون النُّعمان لما راقب سقوط القمر لثالثة، كان ذلك متوافقًا مع
مراعاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لاجتماع النَّاس وإبطائهم في الحضور لصلاة العشاء، كما في حديث جابر المتقدم برقم (397)، وفيه:"والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا بعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رأهم قد أبطؤوا آخر"، واللفظ لمسلم.
قال ابن المنذر في الأوسط (2/ 338): "ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه صَلَّى العشاء حين غاب الشفق
…
، وأجمع أهل العلم -إلَّا من شدَّ عنهم- على أن أول وقت العشاء الآخر إذا غاب الشفق، وانظر: الإجماع له (49).
• قلت: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه صَلَّى العشاء حين غاب الشفق، من حديث ابن عباس، وجابر، وبريدة، وأبي موسى، وغيرهم.
إلَّا أن العلماء اختلفوا في الشفق، هل هو الحمرة أم البياض؟
والحقُّ أنَّه الحمرة لحديث النُّعمان هذا وغيره.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 71): "واللغة تقضي أن الشفق اسم للبياض والحمرة جميعًا، والحجة لمن قال: إنَّه الحمرة: حديث النُّعمان بن بشير: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة، وهذا لا محالة قبل ذهاب البياض".
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (4/ 369): "وقال الخليل: رقبت مغيب البياض فوجدته يتمادى إلى ثلث الليل، وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، فلما لم يتحدد وقته منه سقط اعتباره".
وقال ابن حزم في المحلى (3/ 193): "
…
وبرهان قاطع؛ وهو أنَّه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد وقت العتمة بأن أوله: إذا غاب الشفق، وآخره: ثلث الليل الأوَّل، وروي أيضًا: نصف الليل.
وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب وديوان الشَّمس: أن البياض لا يغيب إلَّا عند ثلث الليل الأوَّل، وهو الذي حد عليه السلام خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأوَّل بيقين، فقد ثبت بالنص أنَّه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك، فإذ ذلك كذلك، فلا قول أصلًا إلَّا أنَّه الحمرة بيقين؛ إذ قد بطل كونه البياض"، ونقله ابن سيد النَّاس في شرح التِّرمذيِّ [انظر: النفح الشذي (3/ 404 - 405)، نيل الأوطار (1/ 489)].
وابن حزم -وهو يضعف حديث النُّعمان- قال: "ولو كان [يعني: حديث النُّعمان صحيحًا، لكان أعظم حجة لنا، لأنَّ الشفق الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف، وانظر بقية كلامه.
وممن قال بأن الشفق الحمرة: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والشَّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد، قاله ابن المنذر في الأوسط (2/ 340).
وممن قال بأنه البياض: عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وأبو حنيفة [انظر:
الأوسط (2/ 341)، صحيح ابن خزيمة (1/ 183)، سنن البيهقي الصغرى (1/ 198)، معالم السنن (1/ 108)، المجموع (3/ 44)، المغني (1/ 231)، التنقيح (1/ 255)، وغيرها].
• وقد رويت أحاديث مرفوعة في كون الشفق الحمرة أو البياض، ولا يصح منها شيء، ومما لم يذكر فيما تقدم [انظر: الحديث رقم (394 و 396)]:
حديث ابن عمر:
يرويه علي بن عبد الصَّمد الطَّيالسيّ: نا هارون بن سفيان: ثنا عتيق بن يعقوب: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصَّلاة".
أخرجه الدارقطني (1/ 269)، والبيهقي (1/ 373)، وابن عساكر في غرائب مالك [ذكره ابن حجر في التلخيص (1/ 176)]. وابن الجوزي في التحقيق (312).
قال الدارقطني بعد ما أخرجه في "غرائب مالك"[وهو في الموضعين غير موصول]: "هذا حديث غريب، وكل رواته ثقات، والله عز وجل أعلم"[الإمام (4/ 62)، وقال: "هكذا ذكره الدارقطني غير موصول الإسناد منه إلى الرملي"، البدر المنير (3/ 188)، نصب الراية (1/ 233)].
قلت: عتيق بن يعقوب؛ نعم وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات؛ إلَّا أن له أوهام وغرائب يتفرد بها عن مالك، ولا يتابع علها [انظر: طبقات ابن سعد (5/ 439)، سؤالات البرقاني (395)، ثقات ابن حبان (8/ 525 و 527)، الجرح والتعديل (7/ 46)، التَّاريخ الكبير (7/ 98)، فتح الباب (964)، تاريخ الإسلام (16/ 276)، اللسان (5/ 372)]، فلا يحتمل تفرده عن مالك بمثل هذا، وإنَّما الذي في الموطأ:"وقال مالك: الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب"، كذا هو من قول مالك، كما في موطأ يَحْيَى بن يَحْيَى (1/ 45)، وموطأ أبي مصعب الزُّهريّ (27)، وموطأ سويد بن سعيد الحدثاني (13).
فهو حديث منكر.
فإن قيل: لم ينفرد به عتيق هذا، وإنَّما تابعه عليه عن مالك به مرفوعًا مختصرًا بلفظ:"الشفق الحمرة": أحمد بن إسماعيل بن محمَّد السهمي أبو حذافة.
أخرجه ابن عساكر في "غرائب مالك"[الإمام (4/ 63)، البدر المنير (3/ 188)، نصب الراية (1/ 233)].
فيقال: متابعة واهية، فإن أبا حذافة السهمي هذا: حدث عن مالك وعن غيره بالبواطيل، وهو: متروك، ولا يُدفع سماعه من مالك، إلَّا أنَّه كانت فيه غفلة، وليس ممن يتعمد الكذب [التهذيب (1/ 16)، وانظر: الكامل (1/ 175)، وغيره].
قال ابن عساكر: "تفرد به علي بن جندل الورَّاق، عن أبي عبد الله المحاملي، عن أبي حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي، وقد رواه عتيق بن يعقوب، عن مالك، وزاد فيه
زيادة، وكلاهما: غريب، وحديث عتيق أمثل إسنادًا" [الإمام (4/ 63)، البدر (3/ 189)، النصب (1/ 233)].
قلت: إنما يعرف هذا موقوفًا من قول ابن عمر:
يرويه عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وأخوه عبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]، وعبد الله بن نافع [ضعيف]:
ثلاثتهم، عن نافع، عن ابن عمر، قال:"الشفق: الحمرة".
أخرجه عبد الرَّزاق (1/ 559/ 2122)، وابن أبي شبية (1/ 293/ 3362)، وعبد الله بن أحمد في مسائل أبيه (187)، وعباس الدوري في تاريخ ابن معين (4/ 73/ 3206)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (1/ 26)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 339/ 964)، وأبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهريّ في حديثه (652)، والدارقطني (1/ 269)، والبيهقيّ في السنن (1/ 373)، وفي المعرفة (1/ 409/ 534).
قال البيهقي: "والصحيح: موقوف".
وقال ابن مفلح في المبدع (1/ 344): "والصحيح: وقفه".
وأخيرًا: قال البيهقي في المعرفة: "ولا يصح فيه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شيء".
• وكنت حررت هذا الكلام قديمًا ثم تبيّن لي بعدُ أن الحمرة تستحيل لونًا آخر وتخف شيئًا فشيئًا حتَّى تستحيل بياضًا مستطيلًا في الأفق، وهو بقية الحمرة وله حكمها، وهذا بخلاف البياض المستطير القائم في السماء، والذي يبقى إلى ثلث الليل؛ لذا أقول:
قال النووي في المجموع (3/ 41): "وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: يدخل وقت العشاء بزوال الحمرة والصفرة، وقد يستدل لهما بما نقله صاحب جمع الجوامع عن نص الشَّافعي أنَّه قال: الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة ولم يُرَ منها شيء فقد دخل وقتها، ومن افتتحها وقد بقي من الحمرة شيء أعادها، فهذا لفظه، وهو محتمل لما قاله إمام الحرمين؛ لأنَّ الحمرة ترِقُّ وتستحيل لونًا آخر، بحيث يُعد بقيةَ للون الحمرة، وفي حكم جزء منها".
قلت: وبهذا القول يمكن التأليف بين الثابت عن جمهور العلماء وأهل اللُّغة بأن الشفق الحمرة، وبين كون الحمرة لا تبقى بعد غروب الشّمس في جزيرة العرب إلَّا قرابة نصف ساعة، وهو وقت قصير، ويكاد يقترب من حديث زيد بن ثابت في القراءة في المغرب بالأعراف [وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه البُخاريّ، وسيأتي تخريجه برقم (812)]، إذا قرئت بالحدر السريع، مع كون هذا خلاف سنته صلى الله عليه وسلم المنقولة في القراءة، كما في حديث أم سلمة: فنعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسرة حرفًا حرفًا، وهو حديث حسن، يأتي تخريجه تحت الحديث رقم (788)، وله شاهد في معناه من حديث قتادة، قال: سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كانت مدًّا، وفي رواية عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يمد [صوته بالقرآن] مدًّا، وهو
حديثٌ صحيحٌ أخرجه البُخاريّ، ويأتي تخريجه تحت الحديث رقم (788)، وبناء على ذلك؛ فنقول: إن سورة الأعراف سورة طويلة تستغرق تلاوتها بهذا الترتيل والمد في القراءة وقتًا طويلًا يزيد عن الوقت المذكور في غياب الحمرة، مما يعني خروج الوقت في أثناء الصَّلاة، وذلك مستبعد وقوعه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولو وقع لذكر الراوي وقوعه فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ومن لازم إنكار زيد بن ثابت على مروان بن الحكم ملازمته لقراءة قصار المفصل في المغرب، وحضه على تطويل القراءة، ولو بالأعراف؛ من لازم ذلك أن يكون وقت المغرب يتسع لقراءتها قبل دخول وقت العشاء، وعلى هذا فيمكن القول بأن الحمرة ترق شيئًا فشيئًا حتَّى تستحيل لونًا آخر، كأن تكون بياضًا مشوبًا بحمرة، أو بصفرة، ويطول هذا قبل أن يغيب الشفق الأبيض المستعرض والذي يأخذ حكم الحمرة، ويحل مكانه البياض المستطير، والذي يمتد إلى ثلث الليل أو أكثر، والله أعلم.
ومما يؤيد هذا المعنى: ما رواه معمر بن راشد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن لبيبة، قال: جئت إلى أبي هريرة وهو جالس في المسجد الحرام،
…
فذكر الأثر بطوله من قول أبي هريرة موقوفًا عليه، إلى أن قال: وصل العشاء إذا ذهب الشفق، وادلأم الليل من ها هنا، وأشار إلى المشرق، فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجلتَ بعد ذهاب بياض الأفق فهو أفضل.
أخرجه عبد الرَّزاق (1/ 539/ 2040)، وابن أبي شيبة (1/ 291/ 3338) و (2/ 263/ 8806)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 341/ 969) و (2/ 343/ 972) و (2/ 372/ 1043).
ابن لبيبة هو: عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي، سمع أبا هريرة، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات التّابعين [التَّاريخ الكبير (5/ 357)، ثقات العجلي (1071)، الجرح والتعديل (5/ 294)، مغاني الأخيار (2/ 622)، عمدة القاري (6/ 43)]، وعبد الله بن عثمان بن خثيم: مكي صدوق.
وهذا موقوف بإسناد لا بأس به.
قال ابن خزيمة (1/ 184): "الواجب في النظر إذا لم يثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن الشفق هو الحمرة، وثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن أول وقت العشاء إذا غاب الشفق أن لا يصلِّي العشاء حتَّى يذهب بياض الأفق؛ لأنَّ ما يكون معدومًا فهو معدوم حتَّى يعلم كونه بيقين، فما لم يعلم بيقين أن وقت الصَّلاة قد دخل لم تجب الصَّلاة، ولم يجز أن يؤدي الفرض إلَّا بعد يقين أن الفرض قد وجب، فإذا غابت الحمرة والبياض قائم لم يغب فدخول وقت صلاة العشاء شك لا يقين، لأنَّ العلماء قد اختلفوا في الشفق، قال بعضهم: الحمرة، وقال بعضهم: البياض، ولم يثبت علمي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن الشفق الحمرة، وما لم يثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يتفق المسلمون عليه فغير واجب فرض الصَّلاة؛ إلَّا أن يوجبه الله أو رسوله أو المسلمون في وقتٍ، فإذا كان البياض قائمًا في الأفق وقد اختلف العلماء بإيجاب فرض صلاة العشاء ولم يثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خبر بإيجاب فرض الصَّلاة في ذلك الوقت، فإذا
ذهب البياض واسود فقد اتفق العلماء على إيجاب فرض صلاة العشاء، فجائز في ذلك الوقت أداء فرض تلك الصَّلاة".
قلت: يحمل كلامه على البياض المستطيل المستعرض، والذي يقال له بياض الأفق وهو بقية الحمرة وامتدادها، فإذا استحال البياض مستطيرًا قائمًا في السماء، فقد ذهب الشفق وغاب، والله أعلم.
وقال ابن المنذر في الأوسط (2/ 342): "وقال قائل: قد أجمع أهل العلم على دخول وقت العشاء إذا غاب البياض، وهم قبل ذلك مختلفون في دخول وقت العشاء، فلا يجب فرض العشاء إلَّا بإجماع منهم، ولو لم يجمعوا قط على ذلك إلَّا بعد ذهاب البياض.
وقد زعم بعض أصحاب الشَّافعي أن القياس يدل على أن الشفق البياض، قال: لأنَّه يتقدم الشَّمس بمجيئها ويذهب بذهابها، فكما كان الصبح يجب بمجيء بياض، فكذلك يجب العشاء بذهاب البياض".
***
420 -
. . . منصور، عن الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري أشيء شغله أم غير ذلك؟ فقال حين خرج:"أتنتظرون هذه الصَّلاة؟ لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة"، ثم أمر المؤذِّن فأقام الصَّلاة.
• حديث صحيح.
تقدم تحت الحديث رقم (199).
وهو حديث صحيح، له طرق، وأخرجه مسلم من هذا الطَّريق.
***
421 -
. . . حريز، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني: أنَّه سمع معاذ بن جبل، يقول: ارتقبنا [وفي نسخة: أبقينا، وفي أخرى: بقينا، وهي بمعنىً] النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة، فأخَّر حتَّى ظنَّ الظانُ أنَّه ليس بخارج، والقائل منا يقول: صَلَّى، فإنا لكذلك حتَّى خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له كما قالوا، فقال [لهم]:"أعتموا بهذه الصَّلاة، فإنكم قد فضِّلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلِّها أمة قبلكم".
• حديث صحيح.
أخرجه أحمد (5/ 237)، وابن أبي شيبة (1/ 291 - 292/ 3346) و (2/ 197/ 8083)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتَّاريخ (2/ 180)، والطحاوي في
المشكل (1/ 564 - 565/ 563 - تحفة الأخيار)، والهيثم بن كليب الشاشي (3/ 268 / 1369 و 1370)، والطبراني في الكبير (20/ 120/ 239)، وفي مسند الشاميين (2/ 134/ 1056)، وأبو الشَّيخ في جزء من حديثه بانتقاء ابن مردويه (4)، وفي أحاديث بكر بن بكار (16)، وأبو نعيم في الحلية (9/ 238)، والبيهقيّ (1/ 451).
وهذا إسناد حمصي صحيح.
وأمَّا قول البزار في عاصم بن حميد السكوني: "روى عن معاذ بن جبل، ولا أعلمه سمع منه، وروى عن عوف بن مالك، ولم يكن له من الحديث ما يعتبر به حديثه على استقامة حديثه"[إكمال مغلطاي (7/ 102)، التهذيب (2/ 251)، ولم أعثر على قول البزار هذا في موضعه من مسنده، في حديث عاصم بن حميد عن معاذ. انظر: البحر الزخار (7/ 91/ 2647)].
• قلت: أما سماعه من معاذ بن جبل: فثابت صحيح من جهتين:
الأولى: من جهة التصريح بالسماع في رواية هذا الحديث: فقد ورد التصريح بسماع عاصم بن حميد من معاذ في رواية: عثمان ابن سعيد بن كثير -وهو حمصي، ثقة-[كما عند أبي داود هنا]، وفي رواية: أبي النضر هاشم بن القاسم -وهو بغدادي، ثقة ثبت حافظ-[كما عند أحمد] رواه كلاهما عن حريز بن عثمان به.
قال الإمام أحمد: حدّثنا هاشم -يعني: ابن القاسم-: حدّثنا حريز، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني -وكان من أصحاب معاذ-، قال: سمعت معاذًا يقول:
…
الثَّانية: كون عاصم بن حميد السكوني من أصحاب معاذ بن جبل، والصحبة دالة على الملازمة والسماع، وقد علمنا ذلك من الرِّواية، ومن أقوال الأئمة:
أ - فقد روى هذا الحديث عن حريز بن عثمان جماعة من الثقات، صرح بذلك أكثرهم، فقال:"عن عاصم بن حميد السكوني -صاحب معاذ بن جبل-"، أو قال:"وكان من أصحاب معاذ".
وممن قال ذلك: يزيد بن هارون [ثقة متقن]، وهاشم بن القاسم [ثقة ثبت]، وعلي بن عياش الحمصي [ثقة ثبت]، وأبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي [ثقة ثبت]، ومبشر بن إسماعيل الحلبي [ثقة].
ب - وممن صرح بذلك من الأئمة: أبو زرعة الدّمشقيُّ -وذكره في الطبقة العليا-، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن سعد -وذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشَّام-، وابن سميع -ذكره في الطبقة الثَّانية-، والدارقطني، وغيرهم [انظر: المعرفة والتَّاريخ (2/ 250)، الطبقات الكبرى (7/ 443)، تاريخ دمشق (25/ 242 - 246)، سؤالات البرقاني (341)].
وأمَّا عن الشطر الثَّاني من كلام البزار:
فيقال: بأن لعاصم بن حميد السكوني أحاديث يرويها عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعوف بن مالك، وعائشة: قد اعتبرها الأئمة، ووثقوه بناء على ذلك:
فقد ذكره ابن حبان في الثقات (5/ 235)، وصحح له في صحيحه (647 و 2602).
وقال البرقاني للدارقطني: "فعاصم بن حميد السكوني، يروي عن معاذ؟ قال: هو من أصحابه، ثقة"[سؤالات البرقاني (341)].
إذا علمت ذلك، لم يعد لكلام ابن القطان الفاسي عندك معنى، حين قال في بيان الوهم (4/ 139/ 1580):"ولا يعرف أنَّه ثقة"، قال ابن حجر في الإصابة (5/ 73):"فكأن ابن القطان لم يطلع على ذلك"، يعني: على توثيق الدارقطني وابن حبان.
وانظر: التَّاريخ الكبير (6/ 481)، الجرح والتعديل (6/ 342)، تاريخ الإسلام (6/ 95)، ذيل الميزان (454)، إكمال مغلطاي (7/ 102)، التهذيب (2/ 251)، تخريج أحاديث الذكر والدعاء (87 و 630).
• وللحديث طرق أخرى يرويها:
الطّبرانيّ في الكبير (20/ 120/ 240)، وفي مسند الشاميين (3/ 165/ 2002)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (56/ 453).
قال الطّبرانيّ: حدّثنا بكر بن سهل: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن مالك بن زياد، عن عاصم بن حميد السكوني -صاحب معاذ-، عن معاذ بن جبل، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء ليلة، فأخر بها؛ حتَّى ظن الظان أن قد صَلَّى وليس بخارج
…
فذكر الحديث بنحوه.
قلت: إن كان بكر بن سهل الدمياطي قد تفرد بهذا عن أبي صالح، فلا يقبل منه، ويُعد هذا من أفراده وغرائبه؛ فإن بكرًا قد ضعفه النَّسائيّ، ولم يوثقه أحد، وله أوابد [انظر: اللسان (2/ 344)، تعليق العلامة المعلمي اليماني على الفوائد المجموعة (135 و 226 و 244 و 467 و 481)].
وإن لم يتفرد به: فإن مالك بن زياد أبا هاشم الشَّامي -وكان من حرس عمر بن عبد العزيز-: في عداد المجهولين؛ لم يرو عنه سوى معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس -وهو: صدوق له أوهام وإفرادات-[انظر: التَّاريخ الكبير (7/ 313)، الجرح والتعديل (8/ 209)، الثقات (7/ 462) و (9/ 164)، تاريخ دمشق (56/ 453)][وقد ترجم بعضهم له مرتين، فقالوا مرَّة: "مالك بن زياد"، وقالوا أخرى: "مالك بن دينار"، وهو واحد، والأخير وهم، جزم به ابن عساكر. انظر: التَّاريخ الكبير (7/ 310)، كنى مسلم (3538)، الثقات (7/ 460)، تاريخ دمشق (56/ 443)].
***
422 -
. . . داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة، فلم يخرج حتَّى مضى نحو من شطر
الليل، فقال:"خذوا مقاعدكم"، فأخذنا مقاعدنا، فقال:"إن النَّاس قد صلَّوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصَّلاة، ولولا ضَعفُ الضعيف وسُقْمُ السقيم لأخَّرت هذه الصَّلاة إلى شطر الليل".
• حديث صحيح.
أخرجه النَّسائيّ (1/ 268/ 538)، وابن ماجة (693)، وابن خزيمة (1/ 177/ 345)، وأحمد (3/ 5)، والسراج في مسنده (598 و 1144)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (2014 و 2015)، والبيهقيّ (1/ 375 و 451)، وابن عساكر (34/ 3 - 4)، وابن الجوزي في التحقيق (354).
زاد ابن أبي عدي [ثقة]، وهشيم [ثقة ثبت]، وعلي بن عاصم [صدوق يخطئ]:"وحاجة ذي الحاجة"، إلَّا أن الأخيرين شكا في هذه الزيادة وقالا:"وأحسبه قال:".
• وقد اختلف فيه على دواد بن أبي هند:
1 -
فرواه بشر بن المفضل [ثقة ثبت]، وعبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]، وهشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى [ثقة]، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي [ثقة]، وعلي بن عاصم [صدوق يخطئ].
زاد الدارقطني في العلل (10/ 327): وخالد بن عبد الله الواسطيّ [ثقة ثبت]، وعلي بن مسهر [ثقة]، وإبراهيم بن طهمان [ثقة]، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة [ثقة متقن]، ومحمد بن سعيد بن أبيان الأموي [ثقة. التَّاريخ الكبير (1/ 92)، الجرح والتعديل (7/ 264)، الثقات (7/ 426)، مشاهير علماء الأمصار (1392)، سؤالات البرقاني (337)، علل الدارقطني (11/ 21 و 327)، تاريخ بغداد (5/ 303)]:
وهم أحد عشر رجلًا من الثقات: رووه عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به.
وخالفهم: أبو معاوية الضَّرير محمَّد بن خازم [ثقة، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره. التقريب (531)]، فرواه عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر، قال: خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، وأصحابه ينتظرونه لصلاة العشاء الآخرة، فقال:"نام النَّاس ورقدوا، وأنتم تنتظرون الصَّلاة، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها، ولولا ضعف الضعيف وكبر الكبير لأخرت هذه الصَّلاة إلى شطر الليل".
أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 353/ 4063)، وعبد بن حميد (1078)، وأبو يعلى (3/ 444 - 445/ 1939)، والسراج في مسنده (599 و 1145)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (2016)، وابن حبان (4/ 396 - 397/ 1529)، والبيهقيّ (1/ 375).
فوهم أبو معاوية حيث جعله من مسند جابر، وإنَّما هو من مسند أبي سعيد الخدري.
قال أبو زرعة الرَّازي: "هذا حديث وهم، وهم فيه أبو معاوية".
قال ابن أبي حاتم معقبًا: "لم يبين الصَّحيح ما هو؟ والذي عندي أن الصَّحيح: ما رواه وهيب وخالد الواسطيّ، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم"[العلل (1/ 186/ 533)].
وقال الدارقطني في العلل (11/ 328): "والصحيح: عن أبي سعيد".
وقال ابن رجب في الفتح (3/ 202): "وإسناده على شرط مسلم، إلَّا أن أبا معاوية رواه عن داود، فقال: عن أبي نضرة، عن جابر.
والصَّواب: قول سائر أصحاب داود في قولهم: "عن أبي سعيد"، قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم".
قلت: وهو كما قال، إسناده صحيح، على شرط مسلم فقد أخرج مسلم أحاديث بهذا الإسناد [صحيح مسلم (1065 و 1247 و 1594 و 1694 و 1951 و 2539 و 2914 و 2927)].
وحديث أبي سعيد: حديثٌ صحيحٌ.
وقد روي آخر المرفوع منه من حديث جابر، وابن عباس: بأسانيد لا تصح. انظر: مصنف عبد الرَّزاق (1/ 559/ 2125)، مسند البزار (11/ 461 - 462/ 5333)، المحامليات (80)، المعجم الكبير للطبراني (11/ 409/ 12161) و (12/ 158/ 12752)، مسند الشاميين (4/ 47/ 2695)، تاريخ بغداد (11/ 442)، حديث مكي بن أبي طالب ومحمود المزاحمي برواية ابن عساكر عنهما (31).
• ومما ورد أيضًا في تأخير العشاء:
1 -
حديث جابر بن سمرة: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة.
تقدم قريبًا تحت الحديث رقم (419)، وهو حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مسلم.
2 -
حديث أبي هريرة: يرفعه قال: "لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة".
تقدم برقم (46)، وهو حديثٌ صحيحٌ.
3 -
حديث زيد بن خالد الجهني: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل".
تقدم برقم (47)، وهو حديث صحيح.
4 -
حديث أبي برزة: والشاهد منه: وكان يستحب أن يؤخر العشاء، وفي رواية: وكان لا يبالي تأخر العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شطر الليل.
تقدم برقم (398)، وهو حديث متفق على صحته.
5 -
حديث جابر بن عبد الله: والشاهد منه: والعشاء إذا أكثر النَّاس عجل، وإذا قلوا أخر، وفي رواية: والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطؤوا أخر.
تقدم برقم (397)، وهو حديث متَّفقٌ على صحته.
6 -
حديث جابر بن عبد الله: في سؤال السائل عن المواقيت مطولًا، والشاهد منه: ثم أذن للعشاء حين غاب الشفق، فنمنا ثم قمنا مرارًا، ثم خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما أحد من النَّاس ينتظر هذه الصَّلاة غيركم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ولولا أن أشق على أمتي لأمرت بتأخير هذه الصَّلاة إلى نصف الليل، وأقرب من نصف الليل".
تقدم تحت الحديث رقم (395)، وهو حديث جيد.
7 -
حديث عائشة:
له طريقان: الأوَّل:
يرويه الزُّهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزُّبير: أن عائشة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء، وهي التي تدعى: العتمة، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم:"ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم"، وذلك قبل أن يفشو الإسلام.
أخرجه البُخاريّ (566 و 569 و 862 و 864)، ومسلم (638/ 218)، وأبو عوانة (1/ 305/ 1075 و 1076)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 234 و 235/ 1418 و 1419)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 239 و 267/ 482 و 535)، وفي الكبرى (1/ 231/ 388) و (2/ 203/ 1528)، والدارمي (1/ 299/ 1213)، وابن حبان (4/ 402/ 1535)، وأحمد (6/ 34 و 199 و 215 و 272)، وإسحاق (2/ 302/ 825) و (2/ 303/ 826) معلقًا. وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (580 و 1126)، والطحاوي (1/ 157)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 372/ 1039)، والطبراني في مسند الشاميين (1/ 66/ 76) و (4/ 197 - 198/ 3095)، والبيهقيّ (1/ 374)، والبغوي في شرح السنة (2/ 32/ 376).
زاد معمر، وشعيب، وصالح بن كيسان، وإبراهيم بن أبي عبلة: ولم يكن أحد يومئذ يصلِّي غير أهل المدينة. المعنى.
وزاد شعيب وصالح: وكانوا يصلون العشاء [وفي رواية: العتمة] فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأوَّل.
ووقعت هذه الزيادة مدرجة في المرفوع بلفظ الأمر، قال: "صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، هكذا عند النَّسائيّ، قال: أخبرني عمرو بن عثمان، قال: حدّثنا ابن حمير، قال: حدّثنا ابن أبي عبلة، عن الزُّهريّ به، فذكر الحديث مع إدراج الزيادة في المرفوع.
وهذا وهم ظاهر، فقد أخرج الطّبرانيّ الحديث في مسند الشاميين (76)، من هذا الوجه عن محمَّد بن حمير، ومن وجه آخر عنه بغير إدراج، مثل رواية شعيب وصالح،
قال: كانوا يصلون صلاة العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهو المحفوظ.
قال ابن رجب في الفتح (3/ 187) في رواية النَّسائيّ المدرجة: "فجعله من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا غير محفوظ، والظاهر أنَّه مدرج من قول الزُّهريّ. والله أعلم، ثم ذكر رواية الطّبرانيّ، ثم قال: "وهذا يبين أنَّه مدرج".
ثم زيادة رابعة: تفرد بها يونس عن الزُّهريّ، قال: قال ابن شهاب: وذكر لي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة"، وذاك حين صاح عمر بن الخطاب.
وهذه الزيادات الظاهر أنَّها مدرجة، وليست من قول عائشة، والله أعلم.
قال ابن رجب في الفتح (3/ 179)، في الزيادة الثَّانية:"ولعل هذا مدرج من قول الزُّهريّ أو عروة، وقد كان يصلِّي بالمدينة في غير مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار، وقد روي ما يدل على أن مراد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّه لا يصليها أحد من أهل الأديان غير المسلمين"، ثم ذكر الأدلة على ذلك من حديث ابن عمر المتقدم برقم (199)، وحديث معاذ المتقدم برقم (421)، وغيرهما.
وقال في الثَّانية والثالثة (3/ 186): "الظاهر أنَّه مدرج من قول الزُّهريّ".
وأمَّا مرسل الزُّهريّ؛ فقال رشيد الدين العطار في "غرر الفوائد المجموعة"(52): "هكذا هو في كتاب مسلم، وقد أخرجه البُخاريّ في صحيحه، والنَّسائيُّ في سننه، فلم يذكرا هذه الزيادة التي في آخره من قول الزُّهريّ، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، والله عز وجل أعلم. وقوله: "تنزروا"
…
معناه: تلحوا، من: نزره، إذا ألح عليه".
وهذا الحديث رواه هكذا عن الزُّهريّ: شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أبي ذئب، وابن أخي الزُّهريّ:
رووه عن الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة به.
ورواه عن معمر: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي [ثقة]، ورباح بن زيد الصنعاني [ثقة، عالم بحديث معمر]، عنه به هكذا.
خالفهم فوهم:
عبد الرَّزاق بن همام الصنعاني [من أثبت النَّاس في معمر، لكنَّه أضر في آخر عمره، وكان يخطئ عن معمر في أحاديث لم تكن في كتابه. شرح العلل (2/ 756)، قال: أخبرنا معمر، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، قال: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء ذات ليلة فناداه عمر، فقال: نام النساء والصبيان، فخرج إليهم فقال:"ما ينتظر هذه الصَّلاة أحد غيركم من أهل الأرض"، قال الزُّهريّ: ولم يكن يصلِّي يومئذٍ إلَّا مَن بالمدينة.
أخرجه عبد الرَّزاق في المصنف (1/ 558/ 2116)، ومن طريقه: النَّسائيّ في الكبرى (1/ 230/ 387)، وابن خزيمة (1/ 177/ 343)، والبزار (12/ 263/ 6029)، والسراج في مسنده (581 و 1127).
قال النَّسائيّ: "خالفه عبد الأعلى بن عبد الأعلى"، وفي هذا إشارة إلى وهم عبد الرَّزاق في هذا الإسناد، فإن متن هذا الحديث إنَّما هو متن حديث عائشة، وسياقه لا يشبه سياق حديث ابن عمر المتقدم برقم (199 و 420).
والصَّواب: ما رواه عبد الأعلى ورباح عن معمر، موافقًا لرواية جماعة الحفَّاظ عن الزُّهريّ، والله أعلم.
الطَّريق الثَّاني:
يرويه ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر: أنَّها أخبرته عن عائشة، قالت: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، حتَّى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلَّى، فقال:"إنَّه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي"، وفي رواية:"لولا أن يُشَق على أمتي".
أخرجه مسلم (638/ 219)، وأبو عوانة (1/ 302 و 303/ 1068 و 1069)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 235/ 1420)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 267/ 536)، وفي الكبرى (2/ 203/ 1529)، والدارمي (1/ 299/ 1214)، وابن خزيمة (1/ 179/ 348)، وأحمد (6/ 150)، وإسحاق (2/ 464/ 1037)، وعبد الرَّزاق (1/ 557/ 2114)، والسراج (579 و 1125)، وابن المنذر (2/ 346/ 979)، والطحاوي (1/ 158)، والبيهقيّ في السنن (1/ 450)، وفي المعرفة (1/ 407/ 531)، والمزي في التهذيب (28/ 358).
8 -
حديث أبو موسى:
يرويه أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كنت أنا وأصحابي -الذين قدموا معي في السفينة- نزولًا في بقيع بطحان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة- نفرٌ منهم. قال أبو موسى: فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في أمره، حتَّى أعتم بالصلاة، حتَّى ابهار الليل، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره:"على رسلكم، أُعْلِمُكم، وأبشروا: أن من نعمة الله عليكم أنَّه ليس من النَّاس أحد يصلِّي هذه الساعة غيركم"، أو قال:"ما صَلَّى هذه الساعة أحد غيركم"، لا ندري أي الكلمتين قال، قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البُخاريّ (567)، ومسلم (641)، وأبو عوانة (1/ 303 - 304/ 1072)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 237/ 1425)، وابن سعد في الطبقات (4/ 106)، والبزار (8/ 155 - 156/ 3178)، وأبو يعلى (13/ 285 - 286/ 7300)، والسراج في مسنده (591 و 1136)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (2006).
أعتم: أي: أخَّر [شرح السنة (2/ 33)، النهاية (3/ 181)].
ابهار الليل: أي: انتصف [غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (1/ 83)، غريب الحديث للخطابي (2/ 232)، تهذيب اللُّغة (6/ 154)].
9 -
حديث أنس: وله طرق:
أ - حماد بن سلمة، عن ثابت: أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو: كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء فقال:"إن النَّاس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصَّلاة".
قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر.
أخرجه مسلم (640/ 222) و (2095)، وأبو عوانة (1/ 303/ 1070) و (5/ 259/ 8644)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 236/ 1423)، والنَّسائيُّ (8/ 194/ 5285)، وابن حبان (4/ 404/ 1537) و (5/ 45/ 1750)، وأحمد (3/ 267)، وابن سعد في الطبقات (1/ 472)، وعبد بن حميد (1292 و 1358)، وأبو يعلى (6/ 60 و 64/ 3306 و 3313)، والسراج في حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (936)، والطحاوي (1/ 157)، وأبو الشَّيخ في أخلاق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (2/ 275/ 351) [ووقع في إسناده:"حماد بن زيد" وهو وهم، صوابه:"حماد بن سلمة"]. والبيهقيّ في السنن (1/ 375)، وفي الشعب (5/ 204/ 6370 و 6371)، وابن عبد البر (17/ 109 - 110)، وابن عساكر (4/ 187).
ب - حميد، قال: سئل أنس: هل اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا؟ فقال: نعم، أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل، ثم أقبل علينا بوجهه بعد ما صَلَّى، فقال:"صَلَّى النَّاس ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها"، قال: فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه.
وفي رواية: "إن النَّاس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها".
أخرجه البُخاريّ (572 و 661 و 847 و 5869)، والنَّسائيُّ (1/ 268/ 539)، وابن ماجه (692)، وأحمد (3/ 182 و 189 و 200)، وعلي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (63)، وعبد الله بن وهب في الجامع (2/ 693/ 597)، وابن سعد في الطبقات (1/ 471 - 472)، وابن أبي شيبة (1/ 354/ 4074)، وأبو يعلى (6/ 428/ 3800)، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (590 و 609 و 1135 و 1155)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (2005 و 2027)، وابن المنذر (2/ 345/ 976)، والطحاوي (1/ 157 و 157 - 158 و 158)، والطبراني في الأوسط (4/ 352/ 4408) و (7/ 97/ 6966)، وفي مسند الشاميين (3/ 360/ 2464)، وابن عدي في الكامل (7/ 216)، وأبو طاهر المخلص في الأوَّل من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (11/ ب) و (12/ أ)، والبيهقيّ في السنن (1/ 374) و (2/ 188)، وفي المعرفة (7/ 581/ 6165)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/ 386/ 897)، وابن حجر في التغليق (2/ 261)، والبغوي في شرح السنة (2/ 33/ 377).
رواه عن حميد الطَّويل جماعة كثيرة من أصحابه.
ج- أبو علي الحنفي، قال: حدّثنا قرة بن خالد، قال: انتظرنا الحسن، وراث علينا حتَّى قربنا من وقت قيامه، فجاء وقال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال أنس: نظرنا
النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتَّى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلَّى لنا، ثم خطبنا فقال:"ألا إن النَّاس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصَّلاة".
قال الحسن: وإن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير.
قال قرة: هو من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البُخاريّ في صحيحه (600)، وابن حبان (5/ 378/ 2033)، والقطيعي في جزء الألف دينار (300)، والبيهقيّ (3/ 65).
د - قرة بن خالد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: نظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، حتَّى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلَّى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة.
أخرجه مسلم (640/ 223)، وأبو عوانة (1/ 303/ 1071)، والنَّسائيُّ (8/ 174/ 5202)، وأبو داود الطَّيالسيُّ (3/ 491/ 2108)، والبيهقيّ في السنن (1/ 375)، وفي الشعب (5/ 205/ 6372).
والحديثان محفوظان عن قرة بن خالد، يرويه عن الحسن عن أنس، وعن قتادة عن أنس، بسياقين مختلفين.
رواه عن قرة بن خالد السدوسي [وهو: ثقة ضابط] بالإسنادين جميعًا: أبو علي الحنفي، عبيد الله بن عبد المجيد [وهو: ثقة].
وتابعه عن قرة عن قتادة به: جماعة من الثقات، مثل: أبي داود الطَّيالسيُّ، وأبي زيد سعيد بن الرَّبيع الهروي، وعمرو بن الهيثم، وعيسى بن شعيب، وعفان بن سيار.
وانظر: فتح الباري لابن حجر (2/ 74 - 75).
10 -
حديث ابن عباس:
يرويه ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيُّ حينٍ أحب إليك أن أصلي العشاء، التي يقولها النَّاس: العتمة، إمامًا وخِلوًا؟
قال سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء، قال: حتَّى رقد النَّاس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب فقال: الصَّلاة.
قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه الآن، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يده على شق رأسه، فقال:"لولا أن أشق [يشق] على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا".
قال: فاستثبتُّ عطاء: كيف وضع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئًا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس ثم صبها، ثم يمرها كذلك على الرأس حتَّى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه، ثم على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش بشيء إلَّا كذلك.
قلت لعطاء: كم ذكر لك أخرها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليلتئذ؟ قال: لا أدري.
قال عطاء: أحب إليَّ أن أصليها -إمامًا وخلوًا- مؤخرة، كما صلاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليلتئذ، فإن شق عليك ذلك خلوًا، أو على النَّاس في الجماعة -وأنت إمامهم- فصلِّها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة.
أخرجه مطولًا ومختصرًا: البُخاريّ (571 و 7239)، ومسلم (642)، وأبو عوانة (1/ 304/ 1073 و 1074)، وأبو نعيم من المستخرج (2/ 237/ 1426)، والنَّسائيُّ (1/ 265 - 266 و 266/ 531 و 532)، والدارمي (1/ 299/ 1215)، وابن خزيمة (1/ 176/ 342)، وابن حبان (3/ 379/ 1098) و (4/ 399/ 1532)، وأحمد (1/ 221 و 366)، وعبد الرَّزاق (1/ 557 و 558/ 2112 و 2117)، والحميدي (1/ 438/ 499)، وأبو يعلى (4/ 287/ 2398)، والسراج في مسنده (575 و 578 و 1121 و 1124)، والطبراني في الكبير (11/ 169 و 180/ 11391 و 11424)، والبيهقيّ في السنن (1/ 449)، وفي المعرفة (7/ 585/ 6175 و 6176)، وابن الجوزي في التحقيق (351).
تابع ابن جريج عليه، عن عطاء، عن ابن عباس به مرفوعًا:
أ - إبراهيم بن ميمون الصَّائغ [صدوق]، رواه عن عطاء، عن ابن عباس، به مختصرًا، وزاد: فقلت: أية ساعة؟ قال: شطر الليل.
أخرجه أبو العباس السَّرَّاج في مسنده (576 و 1122)، والطبراني في الكبير (11/ 159/ 11358).
بإسنادين إلى الصَّائغ، أحدهما: صحيح، والآخر: حسن.
ب - أيوب السختياني [ثقة ثبت إمام]، وقيس بن سعد المكيِّ [ثقة]، عن عطاء، عن ابن عباس، بنحوه مختصرًا، وفي آخره: فخرج فصلَّى بهم، ولم يذكر أنهم توضؤوا.
أخرجه أحمد (1/ 244)، وعبد بن حميد (634)، والسراج (577 و 1123)، والطحاوي في المشكل (9/ 63/ 3442)، وأبو العباس الأصم في جزء من حديثه (49 - رواية أبي بكر النيسابوري)، والطبراني في الكبير (11/ 155/ 11345).
من طرق عن حماد بن سلمة، عن أيوب، وقيس به.
هكذا رواه عن حماد: عفَّان بن مسلم، ويونس بن محمَّد المؤدب، وأبو الوليد الطَّيالسيُّ هشام بن عبد الملك، والحجاج بن منهال [وهم ثقات أثبات].
ورواه ابن عائشة [هو: عبيد الله بن محمَّد، وهو: ثقة] قال: نا حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، وقيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس به.
أخرجه الطّبرانيّ في الأوسط (1/ 181/ 577).
قال: حدّثنا أحمد [هو: ابن القاسم بن مساور الجوهري البغدادي، قال الخطيب: "وكان ثقة"، وقال الذهبي: "الإمام الحافظ الثقة"، تاريخ بغداد (4/ 349)، السير (13/ 552)، طبقات القراء (1/ 97)]، قال: نا عبيد الله بن محمَّد بن عائشة التَّيميّ به.
لكن الطّبرانيّ أخرجه في معجمه الكبير (11/ 155/ 11346)، فقال: حدّثنا أحمد بن
القاسم بن مساور الجوهري: ثنا ابن عائشة: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب ويونس، عن عطاء، عن ابن عباس به.
فلم يختلف إسناده فيه إلى حماد، وجعل أيوب مكان قيس، فلا أدري ممن الاضطراب فيه، أمن الطّبرانيّ نفسه، أم من غيره؟!.
ولا شك أن رواية الجماعة -وهم ثقات أثبات- أولى من رواية الواحد، لا سيما وقد وقع فيها اضطراب.
والإسناد رجاله كلهم ثقات، إلَّا أن في النَّفس منه شيء؛ فقد تكلم في رواية حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وقيس بن سعد، لا سيما إذا تفرد عنهما، كما أنهم أنكروا على حماد بن سلمة جمعه بين الشيوخ [انظر: شرح العلل (2/ 782 و 783 و 815)].
ج- حبيب المعلم [أبو محمَّد البصري: صدوق، معروف بالرواية عن عطاء]، عن عطاء، عن ابن عباس به.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/ 316 - 317).
وقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ، متَّفقٌ عليه من حديث عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، غريب من حديث حبيب، عن عطاء، ورواه إبراهيم الصَّائغ، عن عطاء نحوه".
قلت: وهو كما قال، فقد أخرجه من طريق أحمد بن علي الخراز [وهو: أحمد بن علي بن الفضيل أبو جعفر الخراز المقرئ: قال الدارقطني والخطيب: "ثقة"، سؤالات الحاكم (13)، تاريخ بغداد (4/ 303)، معرفة القراء الكبار (169)]: ثنا الفيض بن موسى [كذا في المطبوع، وفي الحاشية: "كذا في ز، وفي ج: ابن مومن، في مغ: ابن وثيق"، قلت: وهو أقرب للصواب وكذا سماه في الميزان واللسان: "الفيض بن وثيق"، وكذا هو في مصادر ترجمته الآتي ذكرها، ووقع في تاريخ بغداد (4/ 303) في ذكر شيوخ أحمد بن علي الخراز: "والفيض بن رشيق"]: ثنا سفيان بن موسى الحرمي [كذا نسبه، ويظهر لي أنَّه هو سفيان بن موسى البصري: صدوق، وهو من نفس طبقته. الجرح والتعديل (4/ 229)، الثقات (8/ 288)، معرفة علوم الحديث (142)، السير (8/ 350)، إكمال مغلطاي (5/ 419)، الميزان (2/ 172)، التهذيب (2/ 61)]: ثنا حبيب المعلم به.
قلت: علته في تفرد الفيض بن وثيق به، وقد قال فيه ابن معين:"كذاب خبيث"، لكن روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، وأخرج له الحاكم محتجًا به، وذكره ابن حبان في الثقات.
قلت: لم يوثقه معتبر، ومن روى عنه أو سكت عنه: فقد خفي عليه أمره، وكم احتج الحاكم بمن لا يصلح للاعتبار [انظر: سؤالات ابن الجنيد (699)، الجرح والتعديل (7/ 88)، الثقات (9/ 12)، تاريخ بغداد (12/ 398)، الميزان (3/ 366)، وقال:"وهو مقارب الحال إن شاء الله تعالى"، تاريخ الإسلام (16/ 319)، وقال:"والظاهر أنَّه صالح في الحديث"، اللسان (6/ 364)، ضعفاء العقيلي (1/ 249)].
فالحديث: حديث ابن جريج، وإبراهيم بن ميمون الصَّائغ.
• ورواه عمرو بن دينار، عن عطاء، واختلف عليه:
فرواه محمَّد بن مسلم الطائفي [صدوق، يخطئ إذا حدث من حفظه، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار. التهذيب (3/ 696)]، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، يقول: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة العشاء ليلة، ثم خرج ورأسه يقطر ماءً، فقال:"لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن أصلي هذه الصَّلاة لهذا الوقت".
علقه البُخاريّ في الصَّحيح (7239)، ووصله عبد الرَّزاق (1/ 557/ 2113)، ومن طريقه: الطّبرانيّ في الكبير (11/ 169/ 11390)، ووصله أيضًا: ابن أبي شيبة (1/ 292/ 3347).
• ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:
1 -
فرواه عبد الجبار بن العلاء العطار [ثقة]، وسعيد بن منصور [ثقة ثبت]، ومحمد بن يَحْيَى بن أبي عمر العدنى [صدوق مصنف، كانت فيه غفلة، لازم ابن عيينة ثمانية عشر عامًا]، ومحمد بن منصور بن ثابت الجواز المكيّ [ثقة]، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي [ثقة]، وأحمد بن عبدة بن موسى الضبي البصري [ثقة]:
رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس.
وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أخر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة حتَّى ذهب من الليل، فقام عمر رضي الله عنه فنادى: الصَّلاة يا رسول الله، رقد النساء والولدان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والماء يقطر من رأسه، وهو يقول:"إنه الوقت؛ لولا أن أشق على أمتي".
هكذا جمع بعضهم بين الإسنادين، وقال بعضهم:"عن عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس"، قرن بينهما، وأفرد بعضهم عمرًا.
أخرجه النَّسائيّ (1/ 266/ 532)، وابن خزيمة (1/ 176/ 342)، وابن حبان (4/ 400/ 1533)، وأبو عوانة في صحيحه (1074) معلقًا. والدارمي (1/ 299/ 1215)، والسراج (575 و 1121)، والطبراني في الكبير (11/ 169/ 11391).
ب - وخالفهم فأرسله من حديث عمرو بن دينار:
علي بن المديني [ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله]، وأحمد بن حنبل [ثقة حافظ حجة، الإمام الفقيه المبجل]، والحميدي [ثقة حافظ فقيه إمام، أجل أصحاب ابن عيينة وأثبتهم، وهو راويته]، وإبراهيم بن بشار الرمادي [ثقة حافظ، من أصحاب ابن عيينة الذين لازموه وسمعوا حديثه مرارًا، وكان يغرب عليه]، وأبو خيثمة زهير بن حرب [ثقة ثبت متقن]:
رووه عن سفيان، قال: حدّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، وحدثناه ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
قال عمرو: وأعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء، فخرج عمر فقال: الصَّلاة يا رسول الله، قد رقد النساء والولدان، قال عمرو: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأسه يقطر ماءً، وهو يقول:"إنَّه للوقت؛ لولا أن أشق على المؤمنين ما صليت إلَّا هذه الساعة".
قال ابن جريج: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر ماءً، وهو يقول:"إنَّه للوقت، لولا أن أشق على المؤمنين ما صليت إلَّا هذه الساعة".
قال ابن جريج: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الماء عن شقه، وهو يقول:"إنَّه للوقت؛ لولا أن أشق على أمتي". لفظ الحميدي.
أخرجه البُخاريّ (7239)، وأبو عوانة (1/ 304/ 1074)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 237/ 1426)، وأحمد (1/ 221)، والحميدي (499)، وأبو يعلى (4/ 287/ 2398)، وابن الجوزي في التحقيق (351).
ولا شك أن هذه الرِّواية الثَّانية هي الصواب: مرسل من حديث عمرو بن دينار، والمتصل: وهم.
لكن هل وهم الثقات الستة الذين رووه عن ابن عيينة متصلًا، أم أن ابن عيينة هو الذي وهم فيه، فحدث به مرَّة هكذا ومرَّة هكذا، أم ماذا؟!
قال أبو عوانة في صحيحه: "وروى هذا الحديث ابن أبي عمر [يعني: العدني]،عن سفيان مجود، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، وهو عندي خطأ إن شاء الله؛ لأنَّ إبراهيم بن بشار الرمادي كان ثقة من كبار أصحاب سفيان، وممن سمع قديمًا منه، وقد بين أن ابن عيينة لم يجاوز به عطاء، وكذلك الشَّافعي [يعني: الإمام محمَّد بن إدريس] لم يذكر حديث عمرو.
فلو كان متصلًا لأدخله أبو الحسين [يعني: الإمام مسلم بن الحجاج] في كتابه [يعني: الصَّحيح] ولم أره أدخله".
قلت: لو كان أدخله لفعل ذلك لبيان علته فحسب، مثلما فعل البُخاريّ في صحيحه، وكذلك لكون رواية عمرو مقرونة برواية ابن جريج في حديث سفيان، والله أعلم.
وهذا الذي قاله أبو عوانة محتمل في بعض الرواة عن ابن عيينة، أن يكون وهم فيه عليه، لا في كلهم، وذلك أن سفيان بن عيينة نفسه كان يقرن بين عمرو وابن جريج دون أن يفصل حديث أحدهما من الآخر، كما وقع في رواية سعيد بن منصور.
والذي يؤكد ذلك ويوضحه قول الحميدي في مسنده بعد هذا الحديث: "وكان سفيان ربَّما حدث بهذا الحديث فأدرجه عن ابن عباس، عن عمرو وابن جريج، ما يذكر فيه الخبر، فإذا قال فيه: حدّثنا وسمعت، أو: سمعت، أو: أخبرنا، أخبر بهذا على هذا، وهذا على هذا".
وحديث سفيان بن عيينة المرسل -في الصَّحيح عنه-: أصح من حديث محمَّد بن مسلم الطائفي المتصل، والذي يعد من أوهامه على عمرو بن دينار، قال ابن حجر في
الفتح (13/ 242) في حديث محمَّد بن مسلم الطائفي: "وهو مخالف لتصريح سفيان بن عيينة، عن عمرو بأن حديثه عن عطاء ليس فيه: ابن عباس، فهذا يعد من أوهام الطائر، وهو موصوف بسوء الحفظ
…
".
• وممن وهم فيه على عطاء:
فرات بن أبي الفرات [صدوق يخطئ كثيرًا. تاريخ ابن معين (2/ 472)، التَّاريخ الكبير (7/ 129)، الجرح والتعديل (7/ 80)، الثقات (7/ 321)، الكامل (6/ 22)، ضعفاء ابن شاهين (157)، سؤالات الآجري (3/ 286)، الميزان (3/ 343)، اللسان (6/ 325)]، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح، يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنمت شم استيقظت
…
فذكره بنحوه، ولم يصرح باسم عمر ولا الصَّلاة، وجعله من مسند جابر؛ فوهم.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (7/ 129)، وأبو يعلى (3/ 304/ 1770) و (4/ 69/ 2089)، والطحاوي في المشكل (9/ 3447/66)، وابن عدي في الكامل (6/ 22).
• وأخيرًا فكان مرسل عمرو بن دينار لا يُعل موصول ابن جريج، فكان ابن جريج: أثبت النَّاس في عطاء بن أبي رباح، لزمه سبع عشرة سنة [التهذيب (2/ 616)]، وقد صحح له الشيخان هذا الحديث.
• هذه جملة الأحاديث التي وردت في هذا الباب مما تقدم ذكره في هذا الكتاب، أو مما أخرجه الشيخان أو أحدهما.
وبقيت أحاديث مما ليس في الصَّحيح، نكتفي بذكر مصادرها:
11 -
حديث جابر: وله طريقان:
أ - أخرجه أحمد (3/ 367)، وابن أبي شيبة (1/ 353 - 354/ 4069)، وأبو يعلى (3/ 442/ 1936)، والسراج في مسنده (600 - 603) و (1146 - 1149)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (2017 - 2021) والطحاوي (1/ 157).
ب - أخرجه أحمد (3/ 348)، والسراج في مسنده (607 و 1153)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (2025).
12 -
حديث ابن مسعود:
أخرجه أحمد (1/ 396)، وابن حبان (4/ 397 - 398/ 1530)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 187).
13 -
حديث أبو هريرة:
أخرجه الدَّارميُّ (1/ 298/ 1212)، وعمر بن شيبة في أخبار المدينة (1/ 276/ 885).
14 -
حديث علي بن أبي طالب:
أخرجه أحمد (1/ 80 و 120)، والدارمي (1/ 414/ 1483 - 1485)، والبزار
(2/ 121/ 477 و 478)، وأبو يعلى (11/ 447 - 448/ 6576)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (3/ 438/ 748 و 749)، والخطيب في التَّاريخ (4/ 255)، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (29).
وانظر: علل الدارقطني (10/ 353/ 2047).
15 -
المنكدر بن عبد الله التَّيميّ:
أخرجه الحاكم (3/ 457)، والطبراني في الأوسط (7/ 268/ 7467).
وانظر: اللسان (8/ 172)، الجرح والتعديل (8/ 406).
• وفي الباب أيضًا أحاديث أخر في تأخير العشاء لكن بدون تقيد بوقت معين، مثل نصف الليل أو ثلثه، وفي قصص ووقائع أخرى:
مثل: حديث معاذ بن جبل، وأنس بن مالك.
• ونختم هذا الباب بذكر مسألتين:
الأولى: هل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل؟
أم تعجيلها أفضل؟
أم الأفضل مرعاة حال المأمومين؟
اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال [انظرها في: الأوسط (2/ 369)، مختصر اختلاف العلماء (1/ 195)، فتح الباري لابن رجب (3/ 203)، وغيرها]، واحتج بعضهم في ذلك بأحاديث -غير ما تقدم- لا يصح منها شيء [انظر: الفتح لابن رجب (3/ 178 و 204)].
والراجح الذي دل عليه مجموع هذه الأحاديث الصحيحة هو تأخيرها ما لم يشق على المأمومين، فيراعى حالهم، فإذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، لحديث جابر وغيره.
فإن قيل: قد ورد الأمر بتأخيرها كما في حديث معاذ الصَّحيح: "أعتموا بهذه الصَّلاة"، وجاءت في ذلك الأخبار الدّالة على أنَّه كان يؤخرها على الدوام، كما في حديث جابر بن سمرة، وحديث أبي برزة.
فيقال: الأمر في حديث معاذ للإيجاب، وإنَّما للاستحباب، والصارف له عن الوجوب ما صح في غير حديث "لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء
…
"، أو: "لصليت بهم في هذه الساعة"، أو: "إنَّه لوقتها لولا أن أشق على أمتي"، وغير ذلك؛ مما يدل على أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما ترك التأخير على الدوام رفعًا للحرج عن أمته، ودفعًا للمشقة أن تقع بهم، هذا لا ينافي كونه كان يؤخرها في بعض الأحيان إذا أتاه ما يشغله، وأنَّه كان يستحب ذلك، ويحمل حديث جابر بن سمرة: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يؤخر صلاة العشاء، على التأخير اليسير دون الكثير، كما في رواية أبي عوانة عند مسلم (643/ 227): "وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا" [تقدم تحت الحديث رقم (419)].