الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التِّرمذيُّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر"، وقد صحَّحه التِّرمذيُّ، وهذا الحديث لو كان معارضًا لم يقاومها، لأنَّ تلك في الصحيحين، وهي مشهورة مستفيضة، والخبر الواحد إذا خالف المشهور المستفيض كان شاذًا، وقد يكون منسوخًا؛ لأنَّ التغليس هو فعله حتَّى مات، وفعل الخلفاء الراشدين من بعده
…
".
ثم ذكر من تأول الإسفار بالخروج منها، ومن تأوله بتبين الفجر، ثم ختم بذكر بعض الأسباب المقتضية للتأخير، وله في ذلك جواب آخر مختصر فلينظر.
وقال ابن القيِّم في إعلام الموقعين (2/ 438): "المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر، وأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغلس، وإن صلاته كانت التغليس حتَّى توفاه الله، وإنه إنما أسفر بها مرَّة واحدة، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية، فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر"، وهذا بعد ثبوته إنَّما المراد به: الأسفار بها دوامًا لا ابتداءً، فيدخل فيها مغلسًا ويخرج منها مسفرًا، كما كان يفعله، فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر أعظم في خلافه؟! "، وانظر أيضًا: طريق الهجرتين (330)، بدائع الفوائد (4/ 8
93).
***
9 -
باب في المحافطة على وقت الصلوات
425 -
. . . محمَّد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، قال: زعم أبو محمَّد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصَّامت: كذب أبو محمَّد، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، مَن أحسن وُضوءَهنَّ، وصلاهنَّ لوقتهنَّ، وأتمَّ ركوعهُنَّ، وخُشوعهُنَّ، كان له على الله عهد أن يغفرَ له، ومَن لم بفعل؛ فليس له على الله عهد، أن شاء غفرَ له، وإن شاء عذَّبه".
• حديث شاذ بهذا الإسناد وللفظ، وهو حسن بمجموع طرقه.
أخرجه أحمد (5/ 317)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1034)، وأبو بكر الشَّافعي في فوائده (الغيلانيات)(854)، والطبراني في الأوسط (5/ 56/ 4658) و (9/ 126/ 9315)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 130 - 131)، والبيهقيّ (2/ 215) و (3/ 366)، وابن عبد البر (23/ 291)، والبغوي في شرح السنة (2/ 501/ 973)، والضياء المقدسي في المختارة (8/ 320/ 385 و 386)، والمزي في تهذيب الكمال (25/ 43).
زاد بعضهم من طريق أبي داود وغيره: "وسجودهن" بعد "ركوعهن".
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا أبو غسان وهشام بن سعد".
قلت: لم أقف على طريق هشام عن زيد بهذا الإسناد.
وقال في الموضع الثَّاني: "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا أبو غسان، تفرد به: آدم".
قلت: لم ينفرد به آدم بن أبي إياس، بل تابعه عليه: يزيد بن هارون، وحسين بن محمَّد بن بهرام التميمي؛ وهم ثقات.
وقال أبو نعيم: "غريب من حديث الصنابحي عن عبادة، ومشهوره: رواية ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة".
قلت: هذا الإسناد وإن كان غريبًا؛ إلَّا أنَّه إسناد مدني صحيح؛ لا يضره تفرد محمَّد بن مطرف به؛ فإنَّه مدني ثقة، معروف بالرواية عن زيد بن أسلم، ومن أهل بلده، بل ومكثر عنه، وروايته عنه في الصحيحين، فلا يستغرب من مثله أن يتفرد عن زيد.
• تنبيه: قال يزيد بن هارون، وحسين بن محمَّد، في هذا الإسناد:"عن عبد الله الصنابحي"، وقال آدم بن أبي إياس:"عن أبي عبد الله الصنابحي".
وهو الصواب، وكذا قال ابن حجر في النكت الظراف (4/ 255).
وهو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي التَّابعي الكبير، سمع عبادة بن الصَّامت [التَّاريخ الكبير (5/ 321)]، ودخل عليه في مرض موته فأثنى عليه عبادة ثناءً عاطرًا، وروايته عنه في الصحيحين [البخاري (3893 و 6873)، مسلم (29 و 1709)].
وانظر تحقيق القول في اسمه وكنيته: فيما تقدم تحت الحديث رقم (418).
قال النووي في المجموع (3/ 18 - 19): "حديثٌ صحيحٌ، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة"، وقال أيضًا (4/ 27):"هذا حديثٌ صحيحٌ"، وكذا في الخلاصة (661).
وقال العراقي في طرح التثريب (2/ 135): "رواه أبو داود
…
إسناد صحيح".
• قلت: لكني وجدت لهذا الإسناد علة؛ فإذا هو كما قال أبو نعيم في الحلية؛ فقد رواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة به مرفوعًا.
أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (1/ 89/ 239).
فرجع بذلك الحديث إلى حديث ابن حبان الآتي.
قال ابن أبي حاتم في العلل: "سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمَّد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، [كذا، بدون ذكر الصنابحي] عن عبادة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه".
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته، حتَّى رأيته الآن، أخبرنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال [يعني: قال أبي]: حدّثنا أبو صالح عن اللَّيث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
…
، فعلمت أن الصَّحيح هذا، وأن محمَّد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمَّد بن مطرف: ثقة".
وقد رجح أبو حاتم حديث هشام بن سعد على حديث محمَّد بن مطرف، مع تقدم ابن مطرف في الحفظ والضبط على هشام؛ وذلك لأنَّ إسناد حديث هشام هو الإسناد المشهور لهذا الحديث، والذي يرويه الحفَّاظ؛ أعني حديث ابن حبان، بغض النظر عن إسقاط المخدجي أو إثباته. ولا يعرف حديث الصنابحي إلَّا من طريق محمَّد بن مطرف، خالفه فيه هشام.
وعلى هذا؛ فالمحفوظ عن زيد بن أسلم: هو ما رواه هشام، عنه، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة به مرفوعًا.
• ولحديث عبادة طرق أخرى، منها:
1 -
محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز؛ أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمَّد، يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فَرُحت إلى عبادة بن الصَّامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمَّد، فقال عبادة: كذب أبو محمَّد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد، فمن جاء بهنَّ، لم يضيع منهنَّ شيئًا، استخفافًا بحقهنَّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهنَّ، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنَّة".
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 181/ 320)، وأبو داود (1420)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 230/ 461)، وفي الكبرى (1/ 203/ 318)، وابن ماجة (1401)، والدارمي (1/ 446/ 1577)، وابن حبان في صحيحه (5/ 21/ 1731) و (6/ 174/ 2417)، وفي الثقات (5/ 570 - 571)، والحاكم (3/ 354) مختصرًا. والضياء في المختارة (8/ 364 - 366/ 447 - 450)، وأحمد (5/ 315 و 319 و 322)، وعبد الرَّزاق (3/ 5/ 4575)، والحميدي (1/ 375 - 376/ 392)، وابن أبي شيبة (2/ 91 - 92/ 6852) و (7/ 309/ 36359)، وابن أبي عاصم في السنة (967)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (2109 و 1030 و 1032 و 1033 و 1051 و 1052)، وفي كتاب الوتر (11 - مختصره)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (1570 و 1571)، والطحاوي في المشكل (1/ 478 - 481/ 467 - 470 - تحفة الأخيار)، وفي أحكام القرآن (277)، والهيثم بن كليب (3/ 196 - 200/ 1281 و 1282 و 1284 و 2186 و 1287)، والطبراني في مسند الشاميين
(3/ 246 - 248/ 2181 - 2186)، وأبو الشَّيخ في طبقات المحدثين (4/ 115)، ومحمد بن المظفر البزاز في غرائب مالك (5)، والجوهري في مسند الموطأ (817)، وابن المقرئ في المعجم (1272)، والخطابي في غريب الحديث (2/ 302)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (499 و 501 و 502)، وابن النحاس في أماليه (5)، والبيهقيّ في السنن (1/ 361) و (2/ 8 و 467) و (10/ 217)، وفي المعرفة (1/ 393/ 504)، وفي الشعب (3/ 45/ 2822)، وفي الاعتقاد (187)، وابن عبد البر (23/ 291)، والبغوي في شرح السنة (2/ 501/ 972)، وابن الجوزي في التحقيق (643).
• تنبيهات:
الأوَّل: روى هذا الحديث عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان: يَحْيَى بن سعيد بن قيس الأنصاري [ثقة ثبت]، وأخواه: عبد ربه [ثقة]، وسعد [صدوق، سيئ الحفظ]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، ومحمد بن إسحاق [صدوق، مدلس وقد صرح بالسماع]، ومحمد بن عمرو بن علقمة [صدوق]، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ [صدوق]، ومحمد بن إبراهيم [يحتمل أن يكون هو: ابن الحارث التَّيميّ، فإن كان هو؛ فهو ثقة]:
ثمانيتهم عن ابن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة به.
وهذا الوجه هو المحفوظ عن يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه به هكذا: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد، ومعمر بن راشد [وانظر فيمن وهم فيه على مالك والليث معًا: فوائد ابن أخي ميمي الدقاق (500)].
ووهم فيه واهم؛ فرواه ابن حبان في صحيحه (5/ 23/ 1732) قال: أخبرنا عبد الله بن قحطبة بن مرزوق -بفم الصلح-: حدّثنا أحمد بن منيع: حدّثنا هشيم: أخبرنا يَحْيَى بن سعيد: أخبرنا محمَّد بن يَحْيَى بن حبان الأنصاري، عن ابن محيريز قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصَّامت، فقال: يا أبا الوليد! إنِّي سمعت أبا محمَّد الأنصاري يقول: الوتر واجب
…
الحديث.
هكذا أسقط المخدجي من الإسناد، وأبهم السائل، وهو المخدجي، ورجاله إلى يَحْيَى: ثقات مشهورون؛ غير شيخ ابن حبان، عبد الله بن محمَّد بن قحطبة بن مرزوق الصلحي، نسبة إلى فم الصِّلح - بكسر الصاد -: بلدة على دجلة بأعلى واسط [الأنساب (3/ 550)، معجم البلدان (4/ 276)، وهو شيخ لابن حبان أكثر عنه في كتبه (الصَّحيح، الثقات، المجروحين) ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل؛ فلعل الوهم فيه منه، والله أعلم.
الثَّاني: اختلف في إسناد هذا الحديث على محمَّد بن يَحْيَى بن حبان؛
أ - فرواه الثمانية الذين تقدم ذكرهم عن ابن حبان عن ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة به.
ب - ورواه عمرو بن يَحْيَى بن عمارة المازني [ثقة]، يزيد بن أسلم [في المحفوظ عنه، فيما رواه عنه هشام بن سعد، يزيد: ثقة]، وعقيل بن خالد الأيلي [ثقة ثبت]، ومحمد بن عجلان [صدوق]، وسعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة [ثقة]:
خمستهم: عن ابن حبان عن ابن محيريز عن عبادة بإسقاط المخدجي من الإسناد، وفي رواية عمرو بن يَحْيَى: قال ابن محيريز: قيل لعبادة؛ أبهم السائل، بينما في رواية عقيل وابن عجلان: السائل هو ابن محيريز.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (1/ 387)، معلقًا. وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1031)، والطحاوي في المشكل (1/ 482/ 471 و 472 - تحفة)، وابن أبي حاتم في العلل (1/ 89/ 239)، والهيثم بن كليب في مسنده (1283)، والطبراني في مسند الشاميين (3/ 249/ 2187).
ورواية الجماعة [يحيى بن سعيد الأنصاري ومن معه] هي المحفوظة؛ وإسقاط المخدجي وهم من عمرو بن يَحْيَى المازني، ومن زيد بن أسلم، وأمَّا عقيل بن خالد فالإسناد إليه لا يصح؛ يرويه محمَّد بن عزيز الأيلي قال: حدّثنا سلامة بن روح بن خالد عن عقيل به. وسلامة: ليس بالقوي، ولم يسمع من عمه عقيل، وحديثه عن كتب عقيل، وكانت فيه كفلة [انظر: التهذيب (2/ 141)، الميزان (2/ 183)]. ومحمد بن عزيز: صدوق، تُكلم في سماعه من ابن عمه سلامة [انظر: التهذيب (3/ 648)، الميزان (3/ 647)، إكمال مغلطاي (10/ 277)]. وقد أُنكرت أحاديث بهذا الإسناد [انظر: الكامل لابن عدي (3/ 313)، وغيره].
وأمَّا ابن عجلان: فروي عنه بالحذف والإثبات، والإثبات أولى لموافقته الجماعة.
وأمَّا سعد بن إسحاق: فروي عنه هكذا، وصح الإسناد إليه عنه عن محمَّد بن إبراهيم عن ابن حبان به كالجماعة، هكذا بالواسطة بينهما [نصر (1032)، شاميين (2185)]، وهو أولى، والله أعلم.
الثالث: هكذا رواه أكثرهم عن ابن حبان، قالوا:"ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد".
ورواه عبد ربه بن سعيد، ومحمد بن عمرو، وابن إسحاق، قال عبد ربه:"ومن جاء بهن وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، لم يكن له عند الله شيء"، وقال ابن عمرو:"ومن جاء بهن وقد انتقص من حقهن شيئًا، فليس له عند الله عهد"، وقال ابن إسحاق:"ومن لقيه وقد انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا بحقهن لقيه، ولا عهد له".
وهي زيادة محفوظة في هذا الحديث؛ عبد ربه: ثقة، وتابعه صدوقان، وسيأتي الكلام عليها في آخر الحديث إن شاء الله تعالى.
• تابع محمَّد بن يَحْيَى بن حبان على هذا الإسناد، والمتن بهذه الزيادة: إبراهيم بن أبي عبلة [وهو: ثقة]:
قال الطّبرانيّ في مسند الشاميين (1/ 43/ 35) و (3/ 249/ 2188): حدّثنا الحسن بن العباس الرَّازي: ثنا أبو هارون محمَّد بن خالد الخراز: ثنا يَحْيَى بن أبي الخصيب: ثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، عن عمه إبراهيم بن أبي عبلة: حدثني عبد الله بن محيريز، عن المخدجي قال: تنازعت أنا وأبو محمَّد -رجل من الأنصار- في الوتر، فقال أبو محمَّد: فريضة كفريضة الصَّلاة. فقلت أنا: سنة لا ينبغي تركها. فركبت إلى عبادة بن الصَّامت وهو بطبرية، فحدثته بما قلت وما قال أبو محمَّد، فقال عبادة: كذب أبو محمَّد أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال من فيه إلى أذني ولا أقول لك حدثني فلان وفلان، قال:"يا عبادة! خمس صلوات فرضهن الله عز وجل على خلقه، فمن لقيه بهن، لم ينقص منهن شيئًا استخفافًا بهن، لقي الله وله عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن لقيه قد انتقص شيئًا منهن استخفافًا بحقهن، لقي الله ولا عهد له عنده، إن شاء يعدبه [عذبه]، وإن شاء أن يغفر له [غفر له] ".
كذا في الموضع الثَّاني، وفي الموضع الأوَّل سقط محمَّد بن خالد من الإسناد، وقال:"عبد الله بن هانئ" بدل: "هانئ" فجعل الابن مكان أبيه، وكلاهما خطأ، والصَّواب ما أثبته من الموضع الثَّاني، والله أعلم.
وهذا إسناد غريب، صالح في المتابعات إلى ابن محيريز: إبراهيم بن أبي عبلة: ثقة، وهانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات (7/ 583) و (9/ 247) وقال:"ربَّما أغرب"[وانظر اللسان (8/ 319)]، ويحيى بن أبي الخصيب الرَّازي: ثقة، مشهور، من أوعية العلم، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهما، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال:"يغرب إذا حدث عن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة عن عمه"[انظر: الجرح والتعديل (9/ 147)، الثقات (9/ 264)، تاريخ بغداد (14/ 160)، تاريخ دمشق (64/ 150)، السير (10/ 621)، اللسان (8/ 434)]، وأبو هارون محمَّد بن خالد بن يزيد الرَّازي الخراز: قال ابن أبي حاتم الرَّازي: "صدوق"، وروى عنه جماعة منهم أبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات [انظر: الجرح والتعديل (7/ 245)، الثقات (9/ 144)]، والحسن بن العباس بن أبي مهران الرَّازي الجمال: قال الخطيب: "وكان ثقة"، وروى عنه جماعة من الأئمة، مثل العقيلي وابن نافع والطبراني وغيرهم، وهو ثبت في القرآن، إليه المنتهى في الضبط والتحرير [تاريخ بغداد (7/ 397)، التوضيح (2/ 410)، تاريخ الإسلام (21/ 152)، معرفة القراء (1/ 235)، غاية النهاية (1/ 216)].
• قال ابن عبد البر في التمهيد (23/ 288): "لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث فهو حديثٌ صحيحٌ ثابت
…
، وإنَّما قلنا: إنَّه حديث ثابت؛ لأنه روي عن عبادة من طرق ثابتة صحاح من غير طريق المخدجي بمثل رواية المخدجي، فأمَّا ابن محيريز: فهو عبد الله بن محيريز، وهو من جلة التّابعين،
…
، وأمَّا المخدجي: فإنَّه [مجهول]
[زيادة زادها ابن دقيق العيد في الإمام (3/ 564) نقلًا عن ابن عبد البر] لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال مالك: المخدجي لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب، وقيل: إن المخدجي اسمه رفيع، ذكر ذلك عن يَحْيَى بن معين، وأمَّا أبو محمَّد: فيقال: إنَّه مسعود بن أوس الأنصاري، ويقال: سعد بن أوس، ويقال: إنَّه يدري، وقد ذكرناه في الصّحابة"، وانظر الاستذكار (2/ 112)، والاستيعاب (3134).
قلت: طريق محمَّد بن مطرف عن زيد بن أسلم، والتي اعتمد عليها ابن عبد البر في تصحيح هذا الحديث: غير محفوظة، وسيأتي الكلام عن بقية الطرق إن شاء الله تعالى.
وقد وقع في رواية اللَّيث عن يَحْيَى بن سعيد: "أن رجلًا من بني كنانة ثم من بني مخدج"، وهذا يدل على أنَّه نسب، لذا قال القاضي عياض في المشارق (1/ 404):"قال مالك: هو لقب له، وقال غيره: هو نسب، وبنو مخدج بطن من كنانة".
قال الطحاوي في المشكل: "والمخدجي المذكور في هذا الحديث اسمه: رفيع، فيما ذكر يَحْيَى بن معين، وأبو محمَّد المذكور فيه اسمه: سعد بن أوس".
قلت: الذي وقفت عليه في المخدجي هو ما وقع في رواية نافع بن أبي نعيم القارئ، فقد كناه مرَّة بأبي رافع، ومرَّة بأبي رفيع [انظر: السنة لابن أبي عاصم. تعظيم قدر الصَّلاة (1033)، الثقات (5/ 571)]، وأمَّا ما وقع في رواية محمَّد بن عمرو [عند ابن حبان (1731)]"عن المخدجي، وهو أبو رفيع" فهو من أحد الرواة أو من ابن حبان نفسه؛ فإن الحديث من رواية محمَّد بن عمرو [عند غير ابن حبان] ليس فيه إلَّا المخدجي، لم يسم ولم يُكنَ.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث نافع هذا، حيث قال:"عن أبي رفيع"، وعن حديث ابن عجلان ويحيى بن سعيد، حيث قالا:"عن المخدجي"، ثم قال:"قيل له: هذه الزيادة التي رواها نافع محفوظة؟ قال: هؤلاء أعلم وأحفظ"[العلل (1/ 132/ 364)].
فتبين بهذا أن المخدجي: لا يعرف اسمه ولا كنيته، وهو كما قال الذهبي:"لا يعرف، روى عنه عبد الله بن محيريز، يقال: اسمه رفيع"، وقال أحمد بن طاهر الداني في كتاب الإيماء إلى أطراف الموطأ (3/ 55):"والمخدجي: لقب، واسمه: رفيع، وهو: مجهول"، وذكره ابن حبان في ثقات التّابعين (5/ 570) بكنيته "أبو رفيع"، على عادته في توثيق المجاهيل.
فإن قيل: أليس إدخال مالك لهذا الحديث في موطئه يعتبر توثيقًا منه للمخدجي؟
فيقال: بلى؛ لو كان المخدجي مدنيًّا؛ فيعرفه مالك، إذ هو الحكم في أهل المدينة.
لكن المخدجي: شامي، ولم يعرفه مالك حيث قال:"المخدجي: لقب، وليس بنسب"، وقد عرفه إمام غيره، وهو اللَّيث بن سعد، فقال في روايته:"من بني كنانة، ثم من بني مخدج"، فهو نسب، وليس بلقب، وهي زيادة علم أتى بها ثقة حافظ؛ فوجب قبولها، ويبدو أن مالكًا قال بأنه لقب؛ لأنَّه وقع في روايته:"أن رجلًا من بني كنانة، يدعى المخدجي".
وعلى هذا فالحديث إسناده ضعيف؛ لأجل المخدجي، والله أعلم.
وأمَّا أبو محمَّد المذكور في الحديث، فقد اختلف في اسمه على ستة أوجه، راجع الإصابة (10510) وغيره.
وأمَّا قول عبادة: "كذب أبو محمَّد"، فهو من باب الإغلاظ في الإنكار، قال ابن حبان في صحيحه (1732):"قول عبادة: "كذب أبو محمَّد"، يريد به أخطأ، وكذلك قول عائشة، حيث قالت لأبي هريرة، وهذه لفظة مستعملة لأهل الحجاز إذا أخطأ أحدهم يقال له: كذب، والله جل وعلا نزه أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إلزاق القدح بهم حيث قال: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ} [التحريم: 8] فمن أخبر الله جل وعز أنَّه لا يخزيه في القيامة فبالحري أن لا يُجرح، والرجل الذي سأل عبادة هذا هو أبو رفيع المخدجي".
وقال الخطابي في غريب الحديث (2/ 302): "وقوله: "كذب أبو محمَّد" لم يذهب به إلى الكذب الذي هو الانحراف عن الصدق والتعمد للزور، وإنما أراد به أنَّه زلَّ في الرأي وأخطأ في الفتوى، وذلك لأنَّ حقيقة الكذب إنَّما يقع في الإخبار، ولم يكن أبو محمَّد في هذا مخبرًا عن غيره، وإنَّما كان مفتيًا عن رأيه، وقد نزه الله أقدار الصّحابة عن الكذب، وشهد لهم في محكم كتابه بالصدق والعدالة فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19]، ولأبي محمَّد هذا صحبة، وهو رجل من الأنصار من بني النجار، واسمه مسعود بن زيد بن سبيع: مشهور عند العلماء، وقد يجري الكذب في كلامهم مجرى الخطأ، ويوضع موضع الخلف، يقول القائل: كذب سمعي وكذب بصري، وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي وصف له العسل: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، وقال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
…
ملس الظلام من الرباب خيالا
…
" وانظر أيضًا المعالم (1/ 116).
2 -
زمعة بن صالح، عن الزُّهريّ، عن أبي إدريس الخولاني، قال: كانت في مجلس من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيهم عبادة بن الصَّامت، فذكروا الوتر، فقال بعضهم: واجب. وقال بعضهم: سنة. فقال عبادة بن الصَّامت: أمَّا أنا فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أتاني جبرائيل صلى الله عليه وسلم من عند الله تبارك وتعالى، فقال: يا محمَّد! إن الله عز وجل يقول: إنِّي قد فرضت على أمتك خمس صلوات، من وافى بهنَّ على وضوئهنَّ ومواقيتهنَّ وركوعهنَّ وسجودهنَّ، فكان له عندي بهنَّ عهدًا أن أدخله بهنَّ الجنَّة، ومن لقيني قد انتقص من ذلك شيئًا -أو: كلمة شبهها- فليس له عندي عهدٌ؛ إن شئت عذبته، وإن شئت رحمته".
أخرجه الطيالسي (1/ 467/ 574)، والزار (7/ 160/ 2724)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1054)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 126)، والضياء المقدسي في المختارة (8/ 305/ 368).
قال أبو نعيم: "غريب من حديث الزُّهريّ، لم يروه عنه بهذا اللفظ إلَّا زمعة، وإنَّما يعرف من حديث ابن محيريز عن المخدجي عن عبادة".
قلت: وفي تفرد زمعة به عن الزُّهريّ نكارة ظاهرة، فإن زمعة: ضعيف، كثير الغلط على الزُّهريّ، يروي عنه مناكير [انظر: التهذيب (1/ 635)، وغيره].
3 -
أبو نعيم: ثنا النُّعمان بن داود بن محمَّد بن عبادة بن الصَّامت، عن عبادة بن الوليد، عن أبيه الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال: امترى رجلان من الأنصار، فقال أحدهما: الوتر بعد العشاء بمنزلة الفريضة، [وقال الآخر: هو سنة]، فخرجا حتَّى أتيا ابن محيريز، فذكرا له الذي امتريا فيه، فقال لهما ابن محيريز: هي بمنزلة الفريضة. فخرجا من عنده فلقيا عبادة بن الصَّامت، فذكرا له الذي امتريا فيه والذي رد عليهما ابن محيريز، فقال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "افترض الله خمس صلوات على خلقه، من أذاهنَّ كما افتُرض عليه، لم بنقص من حقهنَّ شيئًا استخفافًا؛ فإن له عند الله عهدًا أن لا يعذبه، ومن انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا به؛ فإنَّه يلقى الله ولا عهد له، أن شاء عذبه وإن شاء غفر له"، ولكنها سنة لا ينبغي تركها.
أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1053)، والهيثم بن كليب (1285)، والضياء المقدسي في المختارة (8/ 354/ 432).
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، عدا النُّعمان بن داود بن محمَّد بن عبادة بن الصَّامت، فإنَّه: مجهول؛ لم يرو عنه سوى أبي نعيم الفضل بن دكين، ولا يعرف بغير هذا الحديث فيما يظهر لي، والله أعلم [انظر: الجرح والتعديل (8/ 447)]، فالإسناد ضعيف.
ولأبي نعيم فيه إسناد آخر؛ يأتي في الشواهد.
4 -
قال البزار في مسنده (7/ 139 - 140/ 2690) و (7/ 160/ 2723): حدّثنا خالد بن يوسف بن خالد قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يَحْيَى، -ابن أخي عبادة بن الصَّامت-، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صَلَّى المكتوبة، فأدَّاها وصلاها لوقتها، لقي الله تعالى وله [عنده] عهد ألا يعذبه، ومن لم يقم المكتوبة، ولم يصلِّها لوقتها، لقي الله ولا عهد له، أن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
وهذا باطل عن موسى بن عقبة؛ يوسف بن خالد السمتي: متروك، كذَّبه ابن معين والفلاس وأبو داود، ورماه ابن حبان بالوضع [انظر: التهذيب (4/ 454)، وغيره]، وأمَّا ابنه: خالد بن يوسف: فضُعِّف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه"[انظر: الثقات (8/ 226)، الكامل (3/ 45)، الميزان (1/ 648)، اللسان (3/ 350)]، وإسحاق بن يَحْيَى: هو ابن الوليد بن عبادة بن الصَّامت؛ فهو ابن أخي عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، وهو: ضعيف، وحديثه عن عبادة: مرسل [انظر: التهذيب (1/ 130)، التَّاريخ الكبير (1/ 405)، سنن الدارقطني (3/ 175) و (4/ 202)،
سنن البيهقي (6/ 154 و 253) و (8/ 74)، جامع التحصيل (171)، تحفة التحصيل (25)].
5 -
يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن أتى بهن قد حفظ حقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن وقد أضاع شيئًا من حقهن استخفافًا بهن، لم يكن له عند الله عهد، أن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده (3/ 179 - 180/ 1265)، والطبراني في الكبير [في القسم المفقود، وعزاه إليه بإسناده: ابن دقيق العيد في الإمام (3/ 568)].
وهذا إسناد حسن؛ لولا الإرسال؛ فإن المطلب بن عبد الله بن حنطب: لم يدرك عبادة. قال أبو حاتم: "روى عن عبادة: مرسلًا، لم يدركه"[المراسيل (780)، جامع التحصيل (281)، تحفة التحصيل (307)].
• وحاصل ما تقدم: من طرق حديث عبادة: فإنَّه باستثناء طريق أبي إدريس الخولاني لنكارته، وطريق ابن أخي عبادة لوهائه، فإن الطرق الثلاث المتبقية -وهي: طريق المخدجي، والوليد بن عبادة، والمطلب بن عبد الله- تشهد باجتماعها على أن لهذا الحديث أصلًا، فإن الضعف فيها يسير، ينجبر بتعدد الطرق؛ لا سيما مع إخراج مالك لهذا الحديث في موطئه، واحتجاج النَّسائيّ به، وتصحيح ابن حبان، وابن عبد البر له.
فهو حديث حسن بمجموع طرقه، والله أعلم.
• ولهذا الحديث شواهد كثيرة، سنقتصر منها على الأحاديث المتضمنة لشقي حديث عبادة، والواردة بنفس معناه، فمنها:
1 -
حديث أبي قتادة بن ربعي:
يرويه بقية بن الوليد: ثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليل: أخبرني دويد بن نافع، عن الزُّهريّ قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا؛ أنَّه من حافظ عليهن لوقتهن؛ أدخلته الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهن؛ فلا عهد له عندي".
أخرجه أبو داود (430)، وابن ماجة (1403)، وابن نصر المروزي في كتاب الوتر (13 - مختصره)، والطبراني في الأوسط (7/ 46/ 6807)، وابن عدي في الكامل (4/ 102)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/ 325)، وابن عبد البر في التمهيد (23/ 294)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (17/ 312).
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن الزُّهريّ؛ إلَّا دويد بن نافع، ولا عن دويد إلَّا ضبارة، تفرد به: بقية".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 13): "هذا إسناد فيه نظر؛ من أجل ضبارة ودويد".
قلت: هو حديث منكر؛ لتفرد دويد بن نافع به عن الزُّهريّ، ودويد هذا ليس هو من أصحاب الزُّهريّ، ولا هو بالمشهور، ولا بالحافظ، وغاية ما يقال فيه: صدوق، ولا يبلغ ذلك، بل قال فيه الدارقطني:"ليس بقوي"، وأنكرت عليه أحاديث تفرد بها عن الزُّهريّ [انظر: التهذيب (1/ 576)، إكمال مغلطاي (4/ 282)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن (117)، تخريج الأحاديث الضعاف للغساني (366)، التَّاريخ الكبير (3/ 251)، الجرح والتعديل (3/ 438)، الثقات (6/ 292)، تاريخ دمشق (17/ 311)، ذيل الميزان (358)، علل الحديث (1359)، وغيرها].
وضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليل، وقيل: السليك: مجهول؛ روى أحاديث مناكير عن دويد بن نافع [انظر: التَّاريخ الكبير (4/ 342)، الجرح والتعديل (4/ 471)، أحوال الرجال (314)، الثقات (8/ 325)، الكامل (4/ 102)، بيان الوهم (4/ 659/ 2219)، إكمال ابن ماكولا (4/ 339 - الحاشية)، تكملة الإكمال (3/ 194)، الميزان (2/ 322)، اللسان (4/ 336)، التهذيب (2/ 221)، التقريب (285) وقال: "مجهول"].
وبقية بن الوليد: إليه المنتهى في جهالة شيوخه [الميزان (2/ 322)].
2 -
حديث كعب بن عجرة: وله عنه طرق:
أ - أبو نعيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري: حدثني إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة الأنصاري، عن أبيه، عن كعب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في المسجد سبعة، منا ثلاثة من عربنا، وأربعة من موالينا، قال: فخرج علينا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من بعض حُجَره، حتَّى جلس إلينا فقال:"ما يجلسكم ههنا" قلنا: انتظار الصَّلاة، قال: فنكت بإصبعه في الأرض، ونكس ساعة ثم رفع إلينا رأسه فقال:"هل تدرون ما يقول ربكم" قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّه يقول: من صَلَّى الصَّلاة لوقتها، فأقام حدَّها، كان له بها عليَّ عهدٌ أدخله الجنَّة، ومن لم يصل الصلاة لوقتها، ولم يقم حدَّها، لم يكن له عندي عهدٌ، أن شئت أدخلته النَّار، وإن شئت أدخلته الجنَّة".
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (1/ 387)، والدارمي (1/ 303/ 1226)، وابن أبي شيبة في المسند (512) [ووقع عنده: سعد بن إسحاق]. وعبد بن حميد (371)، والطحاوي في المشكل (1/ 483/ 473 - تحفة)، والطبراني في الكبير (19/ 143/ 314)[ووقع عنده سعد بن إسحاق].
قال البُخاريّ: "وقد روى هذا الحديث: سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، فالله أعلم به -يعني: بإسحاق- أنَّه محفوظ أم لا؟ لأنَّ إسحاق ليس يعرف إلَّا بهذا، لا أدري حفظه أم لا، قال أبو عبد الله: أهاب أنَّه أراد سعد بن إسحاق".
قلت: الحديث يرويه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (1032)، والطبراني في مسند الشاميين (2185):
من طريق إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن محمَّد بن إبراهيم، عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، [وكان قد لزم عبادة رضي الله عنه حتَّى أنزله منزلة العبد، كان يسافر معه إذا سافر، ويخرج معه إذا خرج]، عن عبادة بن الصَّامت به.
فحديث سليمان بن بلال: هو الصواب، ووهم فيه عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري الكوفيِّ مرتين:
الأولى: حين قال: "إسحاق بن سعد"، وهو: سعد بن إسحاق.
الثَّانية: حين قال: "عن أبيه عن جده"، وإنَّما هو: عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة.
وعبد الرحمن بن النُّعمان: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (2/ 560)، سؤالات البرقاني (284)]، قال الذهبي في الميزان (2/ 594):"وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري؛ فقلب اسمه أولًا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده؛ فضعفه راجح".
ب - عيسى بن المسيب البجلي، عن الشعبي قال: أخبرني كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرحمن بن النُّعمان الأنصاري المتقدمة.
أخرجه أحمد (4/ 244)، والسهمي في تاريخ جرجان (296)، والطبراني في الكبير (19/ 142/ 311)، وفي الأوسط (5/ 92/ 4764)، وابن عبد البر في التمهيد (23/ 292 - 293).
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عيسى بن المسيب إلَّا هاشم بن القاسم".
قلت: تابعه عليه: صفوان بن هبيرة [لين الحديث].
وإسناده ضعيف؛ عيسى بن المسيب: ضعيف [التعجيل (838)، اللسان (6/ 280)].
ج- السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكره بنحوه.
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (19/ 142/ 312)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 247 - 248)، وابن عبد البر في التمهيد (23/ 292).
والسري بن إسماعيل: متروك الحديث؛ خاصة عن الشعبي.
د - قال الطحاوي في المشكل (1/ 483/ 474 - تحفة): "وكما حدّثنا أبو أميَّة، قال: حدّثنا محمَّد بن سابق، قال: حدّثنا مالك -يعني: ابن مغول-، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن كعب، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في المسجد، ثم ذكر مثله"، قلت: يعني: مثل حديث النُّعمان بن عبد الرحمن.
وهذا إسناد غريب؛ إن كان محمَّد بن سابق تفرد به عن مالك بن مغول، فإن محمَّد بن سابق: ليس بحافظ، ولا ممن يوصف بالضبط [انظر: التهذيب (3/ 567)، الميزان
(3/ 555)]، وأبو أميَّة: هو الطرسوسي، محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي: صدوق يهم [التهذيب (3/ 493)، الميزان (3/ 447)]؛كما قال ابن حبان في الثقات (9/ 137): "وكان من الثقات، دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها؛ فلا يعجبني الاحتجاج بخبره إلَّا ما حدث من كتابه".
وأبو جعفر الطحاوي: مصري؛ فأخاف أن يكون أخذ عنه هذا الحديث من حفظه، مما وهم فيه، فالله أعلم.
ومالك بن مغول، وأبو حصين عثمان بن عاصم، والشعبي عامر بن شراحيل: ثقات أثبات، من رجال الشيخين. وأمَّا سماع الشعبي من كعب، فقد قيل لابن معين:"سمع الشعبي من كعب بن عجرة؟ قال: سمع من عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة"[تاريخ الدوري (2/ 286)] فكأنه لم يثبت عنده له فيه سماع.
هـ - قال الطّبرانيّ في الكبير (19/ 143/ 313): حدّثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري: ثنا يعقوب بن إسحاق العطار العسكري: ثنا إسحاق بن سليمان، عن مسكين بن صالح، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكره بنحوه.
وهذا إسناد غريب؛ مسكين بن صالح: روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات [التَّاريخ الكبير (8/ 3)، كنى مسلم (662)، الثقات (7/ 505)، فتح الباب (1736)، تاريخ الإسلام (11/ 356)]، وإسحاق بن سليمان؛ هو الرَّازي: ثقة فاضل. ويعقوب بن إسحاق العطار العسكري: فلم أعرفه، وعبد الوارث بن إبراهيم العسكري: روى عنه الطّبرانيّ، وابن نافع، والعقيلي، وغيرهم، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
والحاصل: أن الحديث لا يصح عن كعب بن عجرة، ولا يصح قدسيًّا.
3 -
حديث أبي هريرة:
يرويه أحمد بن يوسف السلمي: ثنا خالد بن مخلد القطواني: حدثني سليمان بن بلال: حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتب الله على العباد خمس صلوات، فمن أتى بهن وقد أدى حقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن وقد ضيع حقهن استخفافًا لم يكن له عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه".
أخرجه ابن نصر في كتاب الوتر (12 - مختصره)، وابن عدي في الكامل (3/ 35).
قال ابن عدي: "قال لنا الشرقي: سألت صالح جزرة عن هذا الحديث؟ فقال: هذا ليس له أصل عن سهيل، وأخاف أنَّه دخل لحمدان السلمي إسناد في إسناده".
قلت: حمدان السلمي، هو: أحمد بن يوسف، يعرف بحمدان، وهو: ثقة حافظ، ولعل الحمل فيه على خالد بن مخلد القطواني، الكوفيّ، فإنَّه: صدوق، له مناكير [انظر: التهذيب (1/ 531)، الميزان (1/ 640)]، وقد عدَّ ابن عدي هذا الحديث فيما أنكر عليه، ثم قال في آخر ترجمته:"ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته، فلعله توهمًا منه، أو حملًا على الحفظ".
فإن قيل: قال ابن رجب في شرح العلل (2/ 775): "ذكر الغلابي في تاريخه، قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة، وابن بلال فقط. يريد: سليمان بن بلال، ومعنى هذا: أنَّه لا يؤخذ عنه إلَّا حديثه عن أهل المدينة، وسليمان بن بلال منهم، لكنَّه أفرده بالذكر".
فيقال: خالفه من هو أوثق منه، وأولى منه بسليمان بن بلال: عبد الحميد أبو بكر بن أبي أويس [مدني، ثقة]، فرواه عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن ابن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
…
فذكره.
أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (1032)، والطبراني في مسند الشاميين (2185).
وهذا أولى بالصواب.
4 -
حديث ابن مسعود:
يرويه مسلم بن إبراهيم: ثنا يزيد بن قتيبة الحرشي: ثنا الفضل الأغر الكلابي -من أهل الكوفة-، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مر على أصحابه يومًا، فقال لهم:"هل تدرون ما يقول ربكم عز وجل" قالوا: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاثًا، قال:"يقول: وعزتي وجلالي! لا يصليها عبد لوقتها إلَّا أدخلته الجنَّة، ومن صلاها لغير وقتها؛ إن شئت رحمته وإن شئت عذبته".
أخرجه الهيثم بن كليب الشافعي (2/ 285/ 861)، وابن البختري في ثلاثة مجالس من أماليه (المجلس الثالث)(42)(241 - مجموع مصنفاته)، والطبراني في الكبير (10/ 228/ 10555).
وهذا إسناد مجهول؛ يزيد بن قتيبة: لم أر من ترجم له غير ابن أبي حاتم، حيث ترجم له في الجرح والتعديل (9/ 284) بهذا الإسناد فقط، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، مما يعني أنَّه مجهول؛ ولا يعرف بغير هذا الإسناد، وشيخه، وشيخ شيخه: مجهولان أيضًا، ولم أقف لهما على ترجمة.
5 -
حديث عائشة:
قال الطّبرانيّ في الأوسط (4/ 215/ 4011 و 4012): حدّثنا علي بن سعيد، قال: نا عبد الله بن أبي رومان الإسكندراني، قال: نا عيسى بن واقد، عن محمَّد بن عمرو الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكر حديثًا، ثم قال: وبه: حدّثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يوتر فلا صلاة له". فبلغ ذلك عائشة، فقالت: من سمع هذا عن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم؟! والله ما بعُد العهد، وما نسيت، إنَّما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:"من جاء بصلوات الخمس يوم القيامة، قد حافظ على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، لم ينقص منها شيئًا، جاء وله عند الله عهدٌ أن لا يعذبه، ومن جاء وقد انتقص منهن شيئًا، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه".
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذين الحديثين عن محمَّد إلَّا عيسى، تفرد بهما: عبد الله".
قلت: هو حديث باطل، عيسى بن واقد: لم أجد من ترجم له؛ سوى أن قال ابن عدي في الكامل (2/ 328) في ضمن ترجمة الحسن بن عمرو العبدي: "شيخ بصري"، ونسبه الخطيب في غنية الملتمس (18) بصريًا أيضًا؛ إلَّا أني وجدته بعد ذلك منسوبًا إسكندرانيًا في إسنادٍ عند ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 779)، وهو أشبه؛ لكون راوي هذا الحديث عنه: إسكندرانيًا، وأيًّا كان فإنَّه من المجاهيل الغرباء [قال الهيثمي في المجمع (1/ 172 و 293):"ولم أجد من ذكره"]، فكيف لمثله أن يتفرد بحديث من أهل المدينة؟! ثم إن الراوي عنه: عبد الله بن أبي رومان المعافري الإسكندراني: ضعيف الحديث، روى مناكير وبواطيل [اللسان (4/ 479 و 521)]، وهذا منها، وشيخ الطّبرانيّ: علي بن سعيد بن بشير الرَّازي: حافظ، رحال، جوال؛ إلَّا أنهم تكلموا في حفظه، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها [اللسان (5/ 542)].
• وأخيرًا؛ فإنَّه لا يصح في هذا الباب غير حديث عبادة بن الصَّامت؛ فهو حسن بمجموع طرقه، أدخله مالك في موطئه، واحتج به النَّسائيّ، وصححه ابن حبان، وابن عبد البر، وابن الملقن في البدر المنير (5/ 389).
• ويحسن في ختام الكلام عن هذا الحديث، أن نذكر مسألة واحدة من مسائله:
وهي: حكم تارك الصَّلاة؛ تهاونًا وكسلًا، مع الإقرار بوجوبها، فالصحيح الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة: أنَّه كافر؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة في ذلك، مثل حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة"[أخرجه مسلم (82)]، ويتحقق قيام الكفر به؛ إذا استتيب فلم يتب ولم يصل حتَّى يقتل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن كان مقرًا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتَّى يقتل وهو لا يصلِّي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتَّى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصّحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس بين العبد وببن الكفر إلَّا ترك الصَّلاة"، رواه مسلم. وقوله:"العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركها فقد كفر". وقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلَّا الصَّلاة"، فمن كان مصرًا على تركها حتَّى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، علم أن الداعي
في حقه لم يوجد. والاعتقاد التَّام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحيانًا.
فأمَّا من كان مصرًا على تركها، لا يصلى قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن: حديث عبادة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له"، فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث" انتهى كلامه رحمه الله تعالى، نقلًا من مجموع الفتاوى (22/ 48 - 49).
وسبب إيرادي لهذه المسألة هنا، هو أن حديث عبادة هذا هو أجود ما اعتمدوا عليه في عدم تكفير تارك الصَّلاة، واحتجوا في ذلك برواية محمَّد بن مطرف من حديث الصنابحي عن عبادة، والشاهد منه:"ومن لم يفعل؛ فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" وهي رواية شاذة، كما تقدم تقريره، وبرواية المخدجي عن عبادة، والشاهد منها:"ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد. . ." فاحتجوا بهذا اللفظ وغيره على أن من تركها بالكلية لا يكفر؛ إذ لو كفر لم يدخل تحت المشيئة.
وعلى فرض أن هذا اللفظ وحده هو الثابت؛ لكان محتملًا للتأويل، قال الإمام محمَّد بن نصر المروزي في كتابه القيِّم تعظيم قدر الصَّلاة ص (639):"وأمَّا احتجاجهم بحديث عبادة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "خمس صلوات افترضهن الله على عباده، من أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئًا، كان له عند الله عهد، ومن لم يأت بهن جاء وليس عنده عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنَّة". قالوا: فقد أطمعه في دخول الجنَّة إذا هو لم يأت بهن، ولو كان كافرًا لم يطمعه في دخول الجنَّة، فإن قوله:"لم يأت بهن" إنَّما يقع معناه على أنَّه لم يأت بهن على الكمال، إنما أتى بهن ناقصات من حقوقهن نقصانًا لا يبطلهن".
فإن قيل: لم يقل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، والأصل أن يتوجه النفي إلى الوجود، فإن تعذر فإلى الصحة، فإن تعذر فإلى الكمال، والظاهر هنا من نفي الإتيان بها هو تركها بالكلية.
فيقال: أولًا: طريق الصنابحي شاذة، لا تصح. ثانيًا: طريق المخدجي بلفظ: "ومن لم يأت بهن" جاء ما يفسرها من الرّواية المحفوظة بلفظ: "ومن جاء بهن وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن"، فوجب الأخذ بها. ثالثًا: قلنا بأن رواية المخدجي تعتضد برواية الوليد بن عبادة، ولفظ الشاهد منها:"ومن انتقص من حقهن شيئًا استخفافًا به". وبرواية المطلب بن عبد الله، ولفظ الشاهد منها: "ومن أتى بهن وقد أضاع شيئًا من حقهن
استخفافًا بهن" مما يدل على ثبوت هذا اللفظ في حديث عبادة، وهو نص في نقض هذا الإعتراض، قال شيخ الإسلام: "وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك على أن تارك الصَّلاة لا يكفر: حجة ضعيفة، لكنَّه يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر" [مجموع الفتاوى (7/ 579)].
وقال ابن نصر المروزي (641): "ومن حقوق الصَّلاة: الطهارة من الأحداث، وطهارة الثياب التي تصلى فيها، وطهارة البقاع التي تصلى عليها، والمحافظة على مواقيتها التي كان يحافظ عليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والخشوع فيها من ترك الالتفات، والعبث، وحديث النَّفس، وترك الفكرة فيما ليس من أمر الصَّلاة، وإحضار القلب، واشتغاله بما يقرأ ويقول بلسانه، وإتمام الركوع والسجود، فمن أتى بذلك كله كاملًا، على ما أمر به، فهو الذي له العهد عند الله تعالى بأن يدخله الجنَّة، ومن أتى بهن، لم يتركهن، وقد انتقص من حقوقهن شيئًا، فهو الذي لا عهد له عند الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فهذا بعيد الشبه من الذي يتركها أصلًا لا يصليها". وقال شيخ الإسلام: "فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنَّه لو تناول ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًّا بأن الله أوجب عليه الصَّلاة، ملتزمًا لشريعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتَّى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن فقط؛ بل لا يكون إلَّا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها، غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنَّه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التى تنافى إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي، مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنَّه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنَّه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التَّامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التَّام، بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان كما تقدم بيانه" انتهى كلامه رحمه الله تعالى، نقلًا من مجموع الفتاوى (7/ 615).
ومما ينبغي التَّنبيه عليه: أن القول بتكفير تارك الصَّلاة، هو قول جمهور السلف، قال
ابن نصر ص (605): "ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصّحابة رضي الله عنهم مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك، في تأويل ما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم عن الصّحابة رضي الله عنهم في إكفار تاركها وإيجاب القتل على من امتنع من إقامتها"، وقال شيخ الإسلام:"وتكفير تارك الصَّلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصّحابة والتابعين"[المجموع (20/ 97)]. والله أعلم.
***
426 -
قال أبو داود: حدّثنا محمَّد بن عبد الله الخزاعي، وعبد الله بن مسلمة، قالا: حدّثنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنَّام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها".
قال الخزاعي في حديثه: عن عمة له يقال لها: أم فروة، قد بايعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل.
• حديث ضعيف.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (1/ 232)، وفي المعرفة (1/ 454/ 605).
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافًا شديدًا:
1 -
فرواه عبد الله بن مسلمة القعنبي [ثقة]، وأبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، ووكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، وعبد الرَّزاق بن همام الصنعاني [ثقة حافظ]، وعثمان بن عمر بن فارس [ثقة أبي وقع في روايته:"عبيد الله"، وهو تصحيف]، وعبد الله بن سعيد بن عبد الملك أبو صفوان الأموي [ثقة]، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي [صدوق فقيه، كان يهم]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق]:
ثمانيتهم: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته [شك عبد الرَّزاق فقال:"أو جداته"]، عن أم فروة [قال أبو نعيم:"عن جدته أم فروة"، وقال المغيرة:"عن جدة له يقال لها أم غزوة"]، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم به.
أخرجه أبو داود (426)، وعبد الرَّزاق (1/ 582/ 2217)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 303)، وابن أبي شيبة (1/ 280/ 3219)، وإسحاق بن راهويه (5/ 145 - 146/ 2268)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 145/ 3374)، والعقيلي في الضعفاء (3/ 475)[(3/ 1160) ط السلفي]. والطبراني في الكبير (25/ 81/ 207)، والدارقطني (1/ 247)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (6/ 3545/ 8011)، والبيهقيّ في
السنن (1/ 232)، وفي المعرفة (1/ 454/ 605) و (1/ 469/ 634) موصولًا ومعلقًا. وابن عبد البر في التمهيد (24/ 78)، والمزي في التهذيب (23/ 409).
2 -
ورواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن أهل بيته، عن جدته أم فروة، أنَّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله رجل
…
الحديث.
أخرجه أحمد (6/ 440)، وابن سعد (8/ 303).
3 -
ورواه أبوعاصم النبيل، الضَّحَّاك بن مخلد [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن عماته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد (6/ 374).
4 -
ورواه إسحاق بن سليمان الرَّازي [ثقة]، عن عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة، قالت سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ....
أخرجه الدارقطني (1/ 247)، وانظر: الإتحاف (18/ 289/ 23656)، الإمام (4/ 69 - 70).
5 -
ورواه عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، عن العمري، عن القاسم بن غنام، عن بعض عماته، عن بعض أمهاته، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ذكره الدارقطني في العلل (5/ 230/ ب).
6 -
ورواه اللَّيث بن سعد [ثقة ثبت، فقيه إمام]، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي [ثقة ثبت حافظ]:
كلاهما: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدُّنيا، عن جدته أم فروة، وكانت ممن بايع، أنَّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
أخرجه الحاكم (1/ 189 و 190)[رواق المغاربة (1/ 88/ أ)، ووقع عنده "عبيد الله"، وفي الإتحاف (18/ 290/ 23656): "عبد الله"، وهو الصواب]. وأحمد (6/ 375)، والبخاري في التَّاريخ الكبير (7/ 171)، وعباس الدوري في تاريخ ابن معين (3/ 184/ 828)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 356/ 1000) [وفيه:"عبيد الله" وهو تصحيف]. والعقيلي في الضعفاء (3/ 475)[(3/ 1160) ط السلفي][وفيه سقط وتصحيف]. والطبراني في الكبير (25/ 82/ 208)، والدارقطني (1/ 248)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 73)[وفي سنده سقط]. وفي معرفة الصّحابة (6/ 3545/ 8011)، والبيهقيّ (1/ 434).
وانظر: علل الدارقطني (5/ 230/ ب)، معرفة الصّحابة لأبي نعيم (6/ 3545)، إتحاف المهرة (18/ 290).
فهذه ستة أوجه من الاختلاف على عبد الله بن عمر العمري، مع إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة.
وهناك من رواه عنه بإسقاط الواسطة:
7 -
رواه محمَّد بن عبد الله بن عثمان الخزاعي [ثقة]، والفضل بن موسى السيناني [ثقة ثبت، وربما أغرب]:
كلاهما: عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة، وكانت ممن بايعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالت: سئل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ..
أخرجه أبو داود (426)، والترمذي (170)، والبيهقيّ في السنن (1/ 232)، وفي المعرفة (1/ 454/ 605).
8 -
ورواه الوليد بن مسلم [ثقة]، عن عبد الله العمري: أخبرني القاسم بن غنام، عن جدته أم فروة، أنَّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أفضل الأعمال عند الله الصَّلاة في أول وقتها".
أخرجه الدارقطني (1/ 247).
وهذا الاختلاف إنَّما هو من العمري نفسه، فإنَّه: ليس بالقوي، ولم يحفظ هذا الحديث، وإن كان الأقرب إلى الصواب: رواية من رواه عنه بإثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة، على اختلاف بينهم في وصفها، والله أعلم.
قال ابن دقيق العيد في الإمام (4/ 70 - 71): "فهذه الرِّوايات كلها على اختلافها في إثبات الواسطة بين القاسم وإسقاطها يعود إلى عبد الله بن عمر العمري، وعبد الله مكبَّر فيها، وقد ضُعِّف".
قال التِّرمذيُّ: "حديث أم فروة: لا يروي إلَّا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو صدوق، وقد تكلم فيه يَحْيَى بن سعيد من قبل حفظه".
وقال العباس بن محمَّد الدوري: "سمعت يَحْيَى [يعني: ابن معين] يقول: قد روى عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، ولم يرو عنه عبيد الله أخوه"، [تاريخ ابن معين (3/ 184/ 827)، ورواه من طريق الدوري: الحاكم في المستدرك (1/ 190)].
قلت: لم ينفرد به العمري عن القاسم بن غنام، بل تابعه: أخوه عبيد الله بن عمر العمري [الثقة الثبت]، قال الدارقطني في العلل (5/ 230/ ب):"يرويه عبد الله بن عمر، وأخوه عبيد الله"، وانظر المؤتلف والمختلف (4/ 1764).
وقال أبو نعيم في المعرفة: "رواه اللَّيث بن سعد، وأبو نعيم، وعبد الرَّزاق في جماعة، عن عبد الله بن عمر. ورواه قزعة بن سويد، والمعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر،
…
".
وقال الحاكم: "هذا حديث رواه اللَّيث بن سعد، والمعتمر بن سليمان، وقزعة بن سويد، ومحمد بن بشر العبدي: عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن غنام".
قلت: جزم الحفَّاظ -مثل الدارقطني وأبي نعيم- بأن اللَّيث بن سعد إنما يرويه عن عبد الله، فلعله تصحف على الحاكم، والله أعلم.
• وروي عن عبد الله بن عمر العمري، من حديث ابن عمر، ولا يصح.
رواه أبو يَحْيَى إسماعيل بن إبراهيم الأحول التميمي، عن أبي عقيل يَحْيَى بن المتوكل، عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها الأوَّل".
أخرجه الدارقطني (1/ 247).
وقال: "خالفه جماعة عن العمري".
وقال في العلل (5/ 230/ ب): "وقال أبو عقيل يَحْيَى بن المتوكل: عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ ووهم فيه".
قلت: أبو عقيل وأبو يَحْيَى التَّيميُّ: ضعيفان.
• وأمَّا حديث عبيد الله بن عمر العمري، فيرويه:
1 -
محمَّد بن بشر العبدي [ثقة ثبت حافظ]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أهله، عن أم فروة -وكانت ممن بايع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ....
أخرجه عبد بن حميد (1569)[وتصحف عنده عبيد الله إلى عبد الله]. والدارقطني (1/ 248)، وانظر: العلل (5/ 230/ ب).
2 -
معتمر بن سليمان [ثقة]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أسمع ....
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 145/ 3373)، والطبراني في الكبير (25/ 82/ 210) [وفيه:"عن جدته أم فروة" بإسقاط عن بينهما]. والدارقطني في السنن (1/ 248)[في نسخة "عبد الله" مكبر]. وفي الأفراد (5/ 406/ 5872 - أطرافه)، وانظر: علل الدارقطني (5/ 230/ ب).
3 -
قزعة بن سويد [ليس بالقوي]، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة، أنَّها سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول:"أفضل الأعمال الصَّلاة في أول وقتها".
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير (25/ 82/ 209)[وفيه "عبد الله" مكبر]. وفي الأوسط (1/ 263/ 860) و (3/ 327/ 3304) و (8/ 254/ 8557)، والدارقطني (1/ 248)، وابن عبد البر (4/ 341)[وفيه "عبد الله" مكبر].
قال الطّبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلَّا قزعة بن سويد".
قلت: تابعه ثقتان من أصحاب عبيد الله، كما تقدم، وصرح بذلك جماعة من الحفَّاظ: الدارقطني وأبو نعيم والحاكم.
• وروي أيضًا عن عبيد الله بن عمر، من حديث ابن عمر؛ ولا يصح:
رواه يعقوب بن الوليد المدني [كذبه: أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. التهذيب
(4/ 447)]، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأعمال الصَّلاة في أول وقتها".
أخرجه الحاكم (1/ 189)، والدارقطني (1/ 247)، والرافعي في التدوين (2/ 152).
قال الحاكم: "يعقوب بن الوليد هذا: شيخ من أهل المدينة، سكن بغداد، وليس من شرط هذا الكتاب؛ إلَّا أن له شاهدًا عن عبيد الله"[رواق المغاربة (1/ 87/ ب)].
قلت: لا يعتبر برواية الكذابين؛ ولا كرامة، قال الذهبي في التلخيص:"يعقوب: كذاب".
وأمَّا شاهده عن عبيد الله الذي عناه الحاكم، فهو ما رواه الحاكم (1/ 189) [رواق المغاربة (1/ 87/ ب)]. والخطيب في تاريخ بغداد (12/ 65) من طريق: إبراهيم بن محمَّد بن صدقة العامري: ثنا محمَّد بن حمير الحمصي، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
ولا يصح هذا عن محمَّد بن حمير؛ فإن العامري هذا: ضعيف، ضعفه الدارقطني [ضعفاء الدارقطني (48)، اللسان (1/ 343)].
• ولحديث القاسم هذا طريق أخرى:
يرويها الضَّحَّاك بن عثمان بن عبد الله الحزامي المدني [صدوق يهم]، عن القاسم بن غنام البياضي، عن امرأة من المبايعات، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله عز وجل" قيل: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: "الصَّلاة لوقتها".
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (7/ 171)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 146/ 3375)، والعقيلي في الضعفاء (3/ 475 - 476)، والطبراني في الكبير (25/ 83/ 211)، والدارقطني (1/ 248).
قال العقيلي: "القاسم بن غنام: في حديثه اضطراب".
قلت: حاصل هذا الاختلاف في هذا الحديث: هو ثبوت الواسطة بين القاسم بن غنام وبين أم فروة؛ ثم الحديث مضطرب في تعيين هذه الواسطة.
وقد ذهب الدارقطني إلى أنَّها جدة القاسم، فقال في العلل (15/ 430/ 4123):"والقول: قول من قال: عن القاسم بن غنام، عن جدته، عن أم فروة".
• والحاصل: أن حديث أم فروة هذا: حديث ضعيف؛ رواته مجاهيل، ومداره على القاسم بن غنام، وهو غير مشهور، ولا أظنه يعرف بغير هذا الحديث [انظر: التَّاريخ الكبير (7/ 171)، الجرح والتعديل (7/ 116)، الثقات (7/ 336)، تاريخ الدوري (3/ 184/ 827)، الضعفاء الكبير (3/ 475)، المؤتلف والمختلف (4/ 1764)].
والواسطة بين القاسم وأم فروة: مبهمة؛ لا يعرف عينها ولا حالها، بل واختلف فيها اختلافًا شديدًا: فقيل: "عن بعض أمهاته"، وقيل:"عن أهل بيته"، وقيل:"عن عماته"، وقيل:"عن جدته"، وقيل:"عن جدته أم أبيه الدُّنيا"، وقيل:"عن بعض أهله"؛ وهذا اضطراب ظاهر.
وأم فروة؛ راوية هذا الحديث: هي الأنصارية؛ وليست بأخت أبي بكر الصِّديق، بنت أبي قحافة، ولا تعرف أيضًا إلَّا بهذا الحديث [انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 249 و 303)، الاستيعاب (4/ 1949 و 1950)، الإصابة (8/ 274 و 257)، الثقات (3/ 460 و 463)، التهذيب (4/ 700)، وغيرها].
قال ابن قدامة في المغني (1/ 236): "وحديث أم فروة رواته مجاهيل].
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (4/ 72): "ويتحصل من ذلك: أن من أثبت الواسطة بين القاسم وأم فروة يُقضى به على من أسقطها، على الطريقة المعروفة، وتلك الواسطة: مجهولة".
وقال ابن حجر في الدراية (1/ 105): "وفي إسناده اضطراب".
• وقد روي هذا الحديث "الصَّلاة في أول وقتها"، من حديث ابن مسعود؛ ولا يصح؛ بل هي زيادة شاذه لا تثبت من حديث ابن مسعود:
• فقد رواه بهذه الزيادة: بندار، محمَّد بن بشار العبدي البصري [ثقة]، والحسن بن مكرم بن حسَّان أبو علي البغدادي البزاز [ثقة. الثقات (8/ 180)، تاريخ بغداد (7/ 432)، السير (13/ 192)]:
كلاهما: عن عثمان بن عمر بن فارس [ثقة]، قال: حدّثنا مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين".
أخرجه ابن خزيمة (1/ 169/ 327)، وابن حبان (4/ 339 و 343/ 1475 و 1479)، والحاكم في المستدرك (1/ 188)، وفي معرفة علوم الحديث (130 - 131)، والطبراني في الكبير (10/ 20/ 9808)، وابن منده في الإيمان (2/ 541 - 542/ 461)، وابن حزم في المحلى (3/ 182 - 183)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (1/ 434)، وفي الخلافيات (1/ 522 - 523 - مختصره)، وابن عبد البر (24/ 77)، والخطيب في الكفاية (428).
صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال:"الصَّلاة في أول وقتها" تفرد به: عثمان بن عمر"، وصححه الحاكم، فقال في المستدرك بعد ما أخرجه من طريق الحسن بن مكرم: "هذا حديث يعرف بهذا اللفظ بمحمد بن بشار -بندار-، عن عثمان بن عمر، وبندار: من الحفَّاظ المتقنين الإثبات"، ثم أخرجه من طريق بندار، ثم قال: "فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين: بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمر، وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله شواهد في هذا الباب"، وقال في المعرفة: "هذا حديثٌ صحيحٌ محفوظ؛ رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير: بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان"، ونقل ابن الملقن في البدر المنير (2/ 607) تصحيح الحاكم
لهذه الزيادة أيضًا في كتابه: الأربعين التي خرجها في شعار أهل الحديث، فقال:"هذه الزيادة ذكرها عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، وهي مقبولة منه، وإن لم يخرجاه، فإن مذهبهما أن الزيادة من الثقة مقبولة".
وقال البيهقي في الخلافيات: "وهو صحيحٌ على شرط البُخاريّ ومسلم؛ لأنَّ رواته متَّفقٌ على عدالتهم، والزيادة مقبولة عن الثقة عندهما، وعند الفقهاء، إذا انضم إلى روايته ما يؤكدها، وإن كان الذي لم يأت بها أكثر عددًا، وهذه الرِّواية في الزيادة لها شواهد"، وقال أيضًا:"ورواية عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار: مقبولة؛ فقد اتفق البُخاريّ ومسلم على الاحتجاج به، وهو ممن لا يشك حديثي في ثقته"[وانظر: البدر المنير (2/ 606 و 607)].
وقَبِل هذه الزيادة أيضًا -على قاعدته في قبول زيادة الثقة- الخطيب البغدادي في الكفاية، فقال:"قوله: "في أول وقتها" زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلَّا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، وكل الرواة قالوا عن مالك: "الصلاة لوقتها".
وقال الدارقطني في العلل (5/ 336): "فإن عثمان بن عمر رواه عن مالك بن مغول عنه [يعني: عن الوليد بن العيزار]، قال فيه: "أفضل الأعمال الصَّلاة لأول وقتها"".
قلت: ملخص كلامهم: أن هذا الحديث لم يروه بهذه الزيادة عن مالك بن مغول: إلَّا عثمان بن عمر، ولا رواه عن عثمان: إلا بندار، والحسن بن مكرم [وكلهم: ثقات].
ولم أقف على من رواه عن عثمان غيرهما، ولم أقف على من رواه عن مالك غير عثمان: إلَّا من رواية محمَّد بن سابق.
فقد رواه محمَّد بن سابق [صدوق، تكلم في حفظه غير واحد. انظر: التهذيب (3/ 567)، وعثمان بن عمر: أوثق منه]: حدّثنا مالك بن مغول قال: سمعت الوليد بن العيزار، ذكر عن أبي عمرو الشيباني قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة على ميقاتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بن الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" فسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني.
أخرجه البُخاريّ في الصَّحيح (2782)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (2/ 194/ 763)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (1/ 376 - 377)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1/ 253/162)، والبيهقيّ في الشعب (4/ 10/ 4219)، وفي الأربعين الصغرى (67).
• قلت: ظاهر كلام الأئمة أن محمَّد بن سابق لم ينفرد بذلك عن مالك بن مغول، بل توبع عليه، ولا نقول بقبول زيادة عثمان بن عمر -مع ثقته- لأمور؛ منها:
أ - أن البُخاريّ قدم رواية محمَّد بن سابق، فأدخلها في صحيحه، دون رواية عثمان المشتملة على الزيادة -مع احتياجه إليها- مما يدل على عدم ثبوتها عنده.
ب - أن الحديث قد رواه عن الوليد بن العيزار بدون هذه الزيادة جماعة من الثقات، منهم: شعبة [في المحفوظ عنه]، وأبو إسحاق الشيباني، سليمان بن أبي سليمان [في المحفوظ عنه]، وأبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي.
ج- ورواه أيضًا عن أبي عمرو الشيباني بدون هذه الزيادة: اثنان من الثقات: الحسن بن عبيد الله، وأبو معاوية النَّخعيُّ.
د - وللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود، بدون هذه الزيادة.
فدل مجموع ذلك على عدم ثبوتها، والله أعلم.
• وروى الحديث بهذه الزيادة أيضًا:
حجاج بن الشَّاعر [ثقة حافظ]: ثنا علي بن حفص المدائني [ثقة]: ثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني قال: حدّثنا صاحب هذه الدار -وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود، ولم يسمه- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟
قال: "الصَّلاة في أول وقتها"
…
فذكر الحديث.
أخرجه الدارقطني (1/ 246)، والحاكم (1/ 189)، والبيهقيّ في الخلافيات (1/ 523 - مختصره).
وهذه الرِّواية اعتبرها الحاكم من شواهد حديث عثمان بن عمر المتقدم حيث أتبعه إياها، ثم قال:"قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة، ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج بن الشَّاعر، عن علي بن حفص، وحجاج: حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدايني".
وقال البيهقي: "رواة هذا الحديث كلهم ثقات؛ فإن حجاج بن الشَّاعر: حافظ ثقة، واحتج مسلم بعلي بن حفص المدائني، والباقون: متَّفقٌ على ثقتهم".
قال ابن حجر في الفتح (2/ 13): "قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه، لأنَّه كبر وتغير حفظه".
قلت: هذه رواية شاذة -بلا ريب - من حديث شعبة؛ خالف علي بن حفص فيها جمعًا غفيرًا من أصحاب شعبة؛ فقد رواه يَحْيَى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وغندر محمَّد بن جعفر [وهم أثبت أصحاب شعبة]، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، ويزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، والنضر بن شميل، وعلي بن الجعد، وسليمان بن حرب، وآدم بن أبي إياس، وشاذان الأسود بن عامر، وحفص بن عمر الحوضي، وحجاج بن محمَّد الأعور، وأبو داود الطَّيالسيُّ [وهم: ثقات أثبات حفاظ]، ومحمد بن كثير العبدي [ثقة]، وعمرو بن مرزوق الباهلي [ثقة، له أوهام]، وعاصم بن علي الواسطيِّ [صدوق يهم].
وهم تسعة عشر رجلًا من الثقات، رووه كلهم: عن شعبة، عن الوليد بن العيزار، أنَّه
سمع أبا عمرو الشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصَّلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني.
أخرجه البُخاريّ في الصَّحيح (527 و 5970 و 7534)، وفي الأدب المفرد (1)، ومسلم (85/ 139)، وأبو عوانة (1/ 65/ 182 و 183)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1/ 163/ 254 و 255)، والنَّسائيُّ (1/ 292/ 610)، والدارمي (1/ 303/ 1225)، وأبو علي الطُّوسي في مختصر الأحكام (1/ 436/ 157)، وابن حبان في الصَّحيح (4/ 341/ 1477)، وفي الثقات (8/ 314) معلقًا. وأحمد (1/ 409 - 410 و 439)، والطيالسي (1/ 289/ 370)، والبزار (5/ 194/ 1793)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (162)، وأبو يعلى (9/ 188/ 5286)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (470)، والطحاوي في المشكل (5/ 376/ 3461 - تحفة)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (2/ 191 و 192/ 759 و 761)، والطبراني في الكبير (10/ 19 - 20/ 9805)، وابن منده في الإيمان (2/ 542/ 462)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (4/ 834 و 853/ 1546 و 1547)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (2/ 215)، وفي الشعب (3/ 37/ 2801) و (6/ 175/ 7824)، وفي الاعتقاد (249)، وفي الآداب (1)، وابن الجوزي في التحقيق (327).
• وروي عن شعبة بإسناد آخر، بهذه الزيادة:
رواه الحسن بن علي بن شبيب المعمري [ثقة حافظ؛ إلَّا أنَّه رفع أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليست فيها. انظر: الكامل (2/ 338)، تاريخ بغداد (7/ 369)، اللسان (3/ 71)، وغيرها]: ثنا محمَّد بن المثني [ثقة ثبت]: ثنا محمَّد بن جعفر: ثنا شعبة: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يحدث عن رجل من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة في أول وقتها".
أخرجه الدارقطني (1/ 246 - 247)، والحاكم (1/ 189).
وجعله من شواهد حديث عثمان بن عمر المتقدم، وقال:"الرجل هو عبد الله بن مسعود؛ لإجماع الرواة فيه على أبي عمرو الشيباني".
قلت: وهذا من أوهام المعمري، وزيادته في المتون ما ليس منها.
قال ابن حجر في الفتح (2/ 13): "قال الدارقطني: تفرد به المعمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: "على وقتها".
قلت: رواه الحسين بن إسماعيل المحاملي القاضي [ثقة حافظ]، قال: ثنا أبو موسى [محمد بن المثني]-قراءة عليه- . . . فذكر الحديث بإسناده ومتنه؛ إلَّا أنَّه قال: "الصلاة على وقتها".
أخرجه الدارقطني (1/ 246 - 247).
ورواه الإمام أحمد [إمام فقيه حافظ، ثقة ثبت متقن]، في مسنده (5/ 368) قال: ثنا محمَّد بن جعفر: ثنا شعبة: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يحدث عن رجل من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ - قال شعبة: أو قال: -"أفضل العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد".
ورواه الإمام عبد الله بن المبارك [إمام فقيه حافظ، ثقة ثبت متقن]، قال: حدّثنا شعبة، عن عبيد المكتب، عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل [الله] ".
أخرجه الحسين المروزي في البر والصلة (36)، والطبراني في الكبير (10/ 21/ 9814).
فتبين بذلك وهم المعمري في روايته، والله أعلم.
وهذا إسناد صحيح، لشعبة فيه شيخان، إلَّا أنَّه كان غالبًا ما يحدث به عن الوليد بن عيزار، ونادرًا ما يحدث به عن عبيد المكتب، فهو محفوظ عنه بالوجهين، رواه عنه غندر بالوجهين، وهو محفوظ عن غندر بالوجهين أيضًا، والله أعلم.
• وروى حديث ابن مسعود أيضًا بهذه الزيادة: المعمري: حدّثنا أحمد بن عبدة: ثنا حماد بن زيد: ثنا الحجاج، عن سليمان، ذكر أبا عمرو الشيباني، قال: حدثني رب هذه الدار -يعني: عبد الله بن مسعود-، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها الأوَّل".
أخرجه الدارقطني (1/ 247).
قلت: وهذا أيضًا من أوهام المعمري، وزيادته في المتون ما ليس منها:
فقد روى الطّبرانيّ في معجمه الكبير (10/ 21/ 9810)، قال: حدّثنا سليمان بن الحسين [كذا في المطبوع، والمخطوط (3/ 50/ ب)] العطار البصري: ثنا أحمد بن عبدة الضبي: ثنا حماد بن زيد، عن الحجاج، عن سليمان، قال: ذكر أبو عمرو الشيباني: أخبرني رب هذه الدار -يعني: ابن مسعود- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لميقاتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" ثم سكت عني، ولو استزدته لزادني.
وشيخ الطّبرانيّ، هو: أبو أيوب سليمان بن الحسن [مكبرًا] بن المنهال، العطار الضَّرير البصري، ابن أخي الحجاج بن المنهال، وهو شيخ لابن حبان، أكثر عنه في صحيحه، وروى عنه أيضًا: ابن نافع، وابن عدي، والإسماعيلي، وثقه أبو محمَّد بن غلام الزُّهريّ، وقال الدارقطني:"لا بأس به"[سؤالات السهمي (294 و 296)].
وروايته عندي أولى بالقبول من رواية المعمري؛ لما رواه الطّبرانيّ في معجمه الكبير
(10/ 21/ 9811)، قال: حدّثنا العباس بن الفضل الأسفاطي: ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثل حديث عبد الملك بن عمير-، أن ابن مسعود قال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "إقامة الصَّلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله". قلت: أي العمل أشر؟ قال: "أن تجعل لخالقك ندًا، وأن تقتل ولدك أن لا يأكل معك، أو تزني حليلة جارك". ونزل القرآن.
وهذه متابعة جيدة؛ بإسناد جيد إلى حماد بن سلمة؛ موسى بن إسماعيل، هو: أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت]، وشيخ الطّبرانيّ: العباس بن الفضل بن بشر أبو الفضل الأسفاطي البصري: قال الدارقطني: "صدوق"، وقال الصفدي:"وكان صدوقًا حسن الحديث"[سؤالات الحاكم (143)، تاريخ دمشق (26/ 390)، الوافي بالوفيات (16/ 376)، تكملة الإكمال (1/ 188)].
وبهذه المتابعة يتبين وهم المعمري في هذه الزيادة، لكن يبقى أن نقول بأن هذه الرِّواية مدارها على الحجاج، وهو ابن أرطأة؛ وهو: ليس بالقوي؛ يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بسماعه هذا الحديث من أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني، وقد خالفه في إسناده جماعة من الثقات، من أصحاب أبي إسحاق الشيباني:
فقد رواه علي بن مسهر [ثقة]، وعباد بن العوام [ثقة]، وسهل بن عثمان [ثقة، صاحب غرائب]، وأبو معاوية محمَّد بن خازم الضَّرير [ثقة في الأعمش، قد يهم في حديث غيره]:
أربعتهم: عن أبي إسحاق الشيباني، عن الوليد بن العيزار، عن سعد بن إياس أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة لوقتها" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" فما تركت أستزيده إلَّا إرعاء عليه.
أخرجه البُخاريّ (7534)، ومسلم (85/ 137)، وأبو عوانة (1/ 65 و 66/ 184 و 186)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1/ 162/ 252)، وابن حبان (4/ 342/ 1478)، وابن أبي شيبة في المصنف (1/ 279/ 3210) و (4/ 201/ 19308) و (5/ 218/ 25399)، وفي المسند (202)، وهناد في الزهد (2/ 480/ 983)، وعبد الله بن أحمد في الزهد (214)، وابن أبي عاصم في الجهاد (22)، والبزار (5/ 192/ 1791)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 385/ 1078)، والطبراني في الكبير (10/ 20/ 9806)، وابن منده في الإيمان (2/ 541/ 460)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (54/ 396).
وهذا هو المحفوظ عن الشيباني في هذا الحديث.
• وممن رواه أيضًا عن الوليد بن العيزار غير من تقدم، بدون هذه الزيادة:
أ - أبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس [ثقة]، عن الوليد بن العيزار، عن
أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا نبي الله! أي الأعمال أقرب إلى الجنَّة؟ قال: "الصَّلاة على مواقيتها" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: "بر الوالدين" قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
أخرجه مسلم (85/ 138)، وأبو عوانة (1/ 66 و 287/ 185 و 1003)، وأبو نعيم في المستخرج (1/ 162/ 253)، وفي الحلية (10/ 401)، وفي أخبار أصبهان (2/ 288)، والترمذي (173)، وابن أبي عاصم في الجهاد (23)، والبزار (5/ 193/ 1792)، والطبراني في الكبير (10/ 20/ 9807)، وابن منده في الإيمان (2/ 542 - 543/ 463).
قال التِّرمذيُّ: "وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى المسعودي، وشعبة، وسليمان -هو: أبو إسحاق الشيباني-، وغير واحد، عن الوليد بن العيزار: هذا الحديث".
ب - عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لميقاتها" قلت: ثم ماذا؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله". قال: ثم سكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني.
أخرجه التِّرمذيُّ (1898)، وأحمد (1/ 451)، والحسين المروزي في البر والصلة (2)، والطبراني في الكبير (10/ 19/ 9804).
قال التِّرمذيُّ: "وأبو عمرو الشيباني اسمه: سعد بن إياس، وهو حديث حسن صحيح؛ رواه الشيباني، وشعبة، وغير واحد: عن الوليد بن العيزار، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود".
وهو كما قال؛ فإن المسعودي كان قد اختلط، إلَّا أن سماع من سمع منه بالكوفة فإن سماعه جيد، يعني: قبل الاختلاط، وهذا الحديث رواه عنه: عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم، ويزيد بن هارون، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وقد نص الإمام أحمد على أن سماع أبي نعيم من المسعودي كان قديمًا بالكوفة، ويلحق به ابن المبارك فإنَّه أكبر من أبي نعيم [انظر: العلل ومعرفة الرجال (1/ 325/ 575) و (3/ 50/ 4114)، التَّاريخ الكبير (5/ 314)، الضعفاء الكبير (2/ 336)، تاريخ بغداد (10/ 218)، شرح علل التِّرمذيِّ (2/ 747)، الكواكب النيرات (35)].
وعليه: فهذا من صحيح حديث المسعودي، مما رواه قبل اختلاطه، ووافق فيه الثقات.
• ورواه أيضًا عن أبي عمرو الشيباني غير الوليد بن العيزار:
أ - الحسن بن عبيد الله، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"أفضل الأعمال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين".
أخرجه مسلم (85/ 140)، وأبو عوانة (1/ 66 و 287/ 185 م و 1004)، وأبو نعيم في المستخرج (1/ 163/ 256 و 257)، وفي أخبار أصبهان (2/ 272)، وابن حبان (4/ 338/ 1474)، والبزار (5/ 196/ 1794)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة
161 -
، والطبراني في الكبير (10/ 21/ 9813)، وابن المقرئ في المعجم (565)، وابن منده في الإيمان (2/ 543/ 464)، والبيهقيّ في الشعب (4/ 8/ 4213).
ب - أبو معاوية عمرو بن عبد الله بن وهب النَّخعيّ [ثقة]، سمعه عن أبي عمرو، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "إقام الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله عز وجل".
أخرجه النَّسائيّ (1/ 292/ 611)، وأحمد (1/ 442)، والحميدي (103)، والحسين المروزي في البر والصلة (3)[نسي المروزي اسم شيخ ابن عيينة فأبهمه، وهو أبو معاوية النَّخعيُّ]. والطبراني في الكبير (10/ 19/ 9803).
هكذا رواه عن أبي معاوية النَّخعيُّ: وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة [وقرن به حديث: أي الذنب أعظم؟]، وزائدة بن قدامة [وهم ثقات حفاظ].
وخالفهم: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وأبو معاوية عبد الرحمن بن قيس [متروك، كذَّبه ابن مهدي وأبو زرعة وغيرهما]، قالا: حدّثنا عمرو بن عبد الله النَّخعيّ أبو معاوية، قال: حدثني أبو عمرو الشيباني، قال: حدثني صاحب هذه الدار -يعني عبد الله بن مسعود- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: "الصَّلاة على ميقاتها" قلت: ثم ماذا؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن يسلم النَّاس من لسانك" قال: ثم سكت، ولو استزدته لزادني.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/ 355/ 999)، والطحاوي في المشكل (5/ 377/ 3463 - تحفة)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (2/ 191/ 760)، والطبراني في الكبير (10/ 19/ 9802)، والبيهقيّ في الشعب (4/ 238/ 4926)، وأبو طاهر السلفي فيما انتخبه من الطيوريات (386).
وهذه الجملة: "أن يسلم النَّاس من لسانك" غير محفوظة في هذا الحديث؛ بل المحفوظ مكانها: "الجهاد في سبيل الله عز وجل كما تبينه الطرق السابقة.
قال الدارقطني في العلل (5/ 337): "وتفرد بهذه اللفظة أبو نعيم في هذا الحديث".
• ولحديث ابن مسعود هذا طرق أخرى؛ منها ما رواه:
أ - أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: "صلِّ الصَّلاة لمواقيتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" ولو استزدته لزادني.
أخرجه ابن حبان (4/ 1476/340)، وأحمد (1/ 421)، والحسن بن سفيان في الأربعين (35)، وأبو يعلى (9/ 226/ 5329)، والهيثم بن كليب (2/ 151/ 698)، وأبو محمَّد الفاكهي في فوائده (126)، والطبراني في الكبير (10/ 23/ 9818)، وابن بشران في الأمالي (521)، وابن عساكر في الأربعين في الحث على الجهاد (3).
هكذا رواه عن أبي إسحاق: أبو عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، وإبراهيم بن
طهمان، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، وأخوه المغيرة بن مسلم: وهم ثقات، وغيرهم.
ب - ورواه زهير بن معاوية، ومعمر بن راشد، وموسى بن عقبة، وعلي بن صالح بن حي، [وهم ثقات]، والجراح بن الضَّحَّاك الكندي [صدوق]، وعبد الحميد بن أبي جعفر الفراء [شيخ كوفي. التَّاريخ الكبير (6/ 52)، الجرح والتعديل (6/ 17)، علل الحديث (879 و 1962)، العلل ومعرفة الرجال (3/ 140/ 4617)، التعجيل (607)، وإسماعيل بن مسلم المكيِّ [ضعيف]، وروح بن مسافر [متروك. اللسان (3/ 485)]، وبهلول بن عبيد الكندي [منكر الحديث. اللسان (2/ 369)]:
تسعتهم: عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكره.
أخرجه أحمد (1/ 448)، ومعمر في الجامع (11/ 190/ 20295 - المصنف)، وعنه عبد الرَّزاق (3/ 126/ 5014)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (164)، والهيثم بن كليب (2/ 338/ 934)، والطبراني في الكبير (10/ 22/ 9816)، وابن عدي في الكامل (2/ 65) و (3/ 139 - 140)، والبيهقيّ في الشعب (4/ 10/ 4220)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (18/ 276).
والوجهان محفوظان عن أبي إسحاق؛ فقد رواه إسرائيل بن أبي إسحاق [ثقة، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، قدمه شعبة على نفسه في أحاديث أبي إسحاق، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من غيرهم]، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكره.
أخرجه أحمد (1/ 418 و 444)، وأبو الحسن الطُّوسي في الأربعين (20)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (165)، والهيثم بن كليب (2/ 151/ 697)، والطبراني في الكبير (10/ 22 - 23/ 9817)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (3/ 1696).
وعند بعضهم: عن أبي الأحوص وحده، أو عن أبي عبيدة وحده.
ووهم بعضهم فيه على أبي إسحاق، فقال: عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عبد الله، قال الدارقطني:"ولا يثبت هذا القول، والصحيح: حديث أبي الأحوص وأبي عبيدة"[العلل (5/ 290/ 890)].
وهو حديث صحيح، ولم يشتمل على زيادة:"في أول وقتها".
• ولحديث ابن مسعود طرق أخرى لا تخلو من مقال أو اختلاف، نكتفي بذكر مصادرها فقط:
الزهد لهناد بن السري (2/ 481/ 984 و 985)، البر والصلة لحسين المروزي (1)، مسند البزار (5/ 196/ 1795)، تعظيم قدر الصَّلاة للمروزي (163 و 166 و 935)، الكنى للدولابي (2/ 634/ 1130)، مسند الشاشي (2/ 70 و 316 - 317/ 580 و 897)، المعجم الكبير للطبراني (9/ 299/ 9498) و (10/ 20 - 25/ 9809 و 9812 و 9815 و 9819 - 9824)،
المعجم الأوسط (3/ 103/ 2626) و (4/ 51/ 3583) و (5/ 307/ 5394) و (7/ 187/ 7233)، المعجم الصَّغير (1/ 277/ 455)، علل الدارقطني (5/ 17)، الحلية لأبي نعيم (7/ 266)، تاريخ أصبهان (1/ 187)، تاريخ بغداد (3/ 204).
• وقد رويت أحاديث أخرى بمعنى حديث أم فروة؛ فمنها:
1 -
حديث علي بن أبي طالب:
يرويه عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجهني، عن محمَّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له:"يا علي! ثلاث لا تؤخرها: الصَّلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤًا".
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (1/ 177)، والترمذي (171 و 1075)، وأبو علي الطُّوسي في مستخرجه على التِّرمذيِّ "مختصر الأحكام"(5/ 162/ 978)، وابن ماجة (1486)، والحاكم في المستدرك (2/ 162)، وابن حبان في المجروحين (1/ 323)، والضياء في المختارة (2/ 313 و 314/ 691 - 693)، وأحمد (1/ 105)، وابنه في زيادات المسند (1/ 105)، وابن أبي الدُّنيا في العيال (132)، والبيهقيّ (7/ 132)، والخطيب في تاريخ بغداد (8/ 170)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (54/ 413 - 414 و 414)، والمزي في التهذيب (10/ 519).
هكذا رواه عن ابن وهب: قتيبة بن سعيد البغلاني، وحرملة بن يَحْيَى التجيبي، وعيسى بن أحمد العسقلاني [وهم ثقات، من أصحاب ابن وهب]، وخالد بن خداش [صدوق يخطئ]؛ قالوا:"عن سعيد بن عبد الله الجهني".
• ورواه هارون بن معروف [ثقة]، واختلف عليه:
أ - فرواه عنه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله، وسعيد بن مروان بن علي أبو عثمان البغدادي [صدوق]: مثل الجماعة، قالوا:"سعيد بن عبد الله الجهني".
وأخطأ فيه الحاكم، فرواه من طريق عبد الله بن أحمد، فقال فيه:"سعيد بن عبد الرحمن الجمحي"، كذا في المطبوع (2/ 162) والمخطوط (2/ 76/ ب - رواق المغاربة)، قال الحافظ ابن حجر في الإتحاف (11/ 586/ 14674):"غلط الحاكم فيه غلطًا فاحشًا، وإنَّما رواه ابن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجهني، لا عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي"، وقال في التلخيص (1/ 186):"وهو من أغلاطه الفاحشة".
ب - ورواه محمَّد بن يَحْيَى الذهلي [ثقة حافظ إمام]، قال: حدّثنا هارون بن معروف، قال: حدّثنا ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي به.
وهذه الرِّواية وهم، والصحيح: رواية الجماعة.
كذا رواه ابن حبان في المجروحين (1/ 323 - ت محمود زايد)(1/ 406 - ت حمدي السلفي)، في ترجمة سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حميد الجمحي القرشي، وقال: "كنيته أبو عبد الله، أصله من المدينة، ولي القضاء ببغداد، يروي عن عبيد الله بن
عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعة، يتخايل إلى من يسمعها أنَّه كان المعتمد لها، روى عنه محمَّد بن الصباح الدولابي والبغداديون".
وهذا خطأ من ابن حبان، دخل عليه من هذه الرِّواية، حيث أدخل هذا الحديث في ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وإنَّما هو من حديث سعيد بن عبد الله الجهني؛ الذي ترجم له ابن حبان في ثقاته (8/ 261)، فقال:"سعيد بن عبد الله الجهني: يروى عن محمَّد بن عمر بن علي، روى عنه ابن وهب".
وبهذه الترجمة ترجم له البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (3/ 489)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 37)، مما يدل -بعد البحث عنه وعن مروياته-: أنَّه لا يُعرف بغير هذا الإسناد، لم يرو عنه سوى ابن وهب، وهو قليل الرِّواية جدًّا.
فحقيق بأبي حاتم أن يجيب ابنه لما سأله عن الجهني هذا، بأن يقول:"هو مجهول"، وأمَّا العجلي وابن حبان فقد وثقاه على قاعدتهما في توثيق المجاهيل [الثقات (8/ 261)، معرفة الثقات (604)]، فلا يلتفت إلى صنيعهما؛ إذ هو مجهول، والله أعلم [انظر: التهذيب (2/ 28)، الميزان (2/ 146)، المغني (1/ 262)].
قال الحاكم: "هذا حديث غريب صحيح، ولم يخرجاه".
قلت: أما الغرابة فنعم، وأمَّا الصحة فلا.
قال التِّرمذيُّ في الموضع الأوَّل: "هذا حديث غريب حسن"[قوله هذا ليس في نسخة الكروخي (16/ ب)] وقال في الموضع الثَّاني: "هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل"[وكذا نقله الطُّوسي في المستخرج].
قلت: نعم؛ هو حديث غريب، وأمَّا الإسناد فهو متصل، سمع بعضهم من بعض، سمعه ابن وهب من سعيد بن عبد الله الجهني، وسمعه سعيد من محمَّد بن عمر بن علي، كما ورد التصريح بذلك في بعض طرق الحديث [عند: ابن ماجة، والضياء في المختارة]، وسمع محمَّد بن عمر: أباه، قاله ابن سعد وأبو أحمد الحاكم [تاريخ دمشق (54/ 416 و 417)]، وسمع عمر بن علي بن أبي طالب: أباه، قاله أبو حاتم [الجرح والتعديل (6/ 124)]، وأسند البُخاريّ في تاريخه الكبير (6/ 179) عن عمر أنَّه رأى عليًّا رضي الله عنه شرب قائمًا.
وعمر بن علي بن أبي طالب: وثقه العجلي، وقال البرقاني للدارقطني:"الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي؟ فقال: كلهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه أولاده الثلاثة، وأبو زرعة عمرو بن جابر الحضرمي [التَّاريخ الكبير (6/ 179)، الجرح والتعديل (6/ 124)، الثقات (5/ 146)، معرفة الثقات (1359)، سؤالات البرقاني (85)، تاريخ دمشق (45/ 302)، تاريخ الإسلام (5/ 197) و (6/ 163)، التهذيب (3/ 245)، إكمال مغلطاي (10/ 105)، التقريب (457) وقال: "ثقة"].
وابنه محمَّد: وثقه الدارقطني ضمن جماعة، كما تقدم، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن سعد:"وكان قليل الحديث"، لكن قال ابن القطان الفاسي:"لا تعرف حاله"، ومع ذلك فقد حسن له، وقال ابن القيِّم في الزاد:"وقد استُنكر بعض حديثه"، وقال ابن حجر:"صدوق"، وقال الذهبي:"ثقة"[الثقات (5/ 353)، سؤالات البرقاني (85)، تاريخ دمشق (54/ 413)، بيان الوهم (4/ 267/ 1806) و (3/ 354/ 1100)، تاريخ الإسلام (8/ 531)، زاد المعاد (2/ 79)، إكمال مغلطاي (10/ 289)، التهذيب (3/ 655)، التقريب (555)، الكاشف (2/ 205)].
قلت: علة هذا الحديث عندي: إنَّما هي في سعيد بن عبد الله الجهني؛ فإنَّه: مجهول، وقد تفرد بهذا الحديث، فهو حديث غريب؛ كما قال التِّرمذيُّ، وقد ضعف ابن حجر إسناده في الدراية (2/ 63)، والله أعلم [وانظر: تخريج أحاديث الإحياء (1/ 364)، المقاصد الحسنة (312)، كشف الخفاء (943)].
2 -
حديث الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية:
يرويه عثمان بن عمر، قال: حدّثنا المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن [ابن] أبي حثمة، عن الشفاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أفضل العمل: الصَّلاة على أول وقتها".
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (24/ 78).
وهذه الرِّواية شاذة بهذا اللفظ؛ نعم عثمان بن عمر بن فارس: ثقة؛ إلَّا أنَّه قد خالفه في متن هذا الحديث جماعة من الثقات الحفَّاظ: يزيد بن هارون، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وشبابة بن سوار، ومحمد بن عبيد بن أبي أميَّة الطنافسي، وغيرهم:
رووه عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من آل أبي حثمة [قال الطنافسي: عن ابن أبي حثمة]، عن الشفاء بنت عبد الله -وكانت امرأة من المهاجرات- قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله عز وجل، وحج مبرور".
أخرجه أحمد (6/ 372)، وإسحاق (5/ 99/ 2205)، وعبد بن حميد (1591)، والحارث بن أبي أسامة (1/ 162/ 18 - زوائده)، والطبراني في الكبير (24/ 315/ 794).
وهذه الرِّواية عندي هي المحفوظة.
فإن قيل: إن عثمان بن عمر: ممن سمع من المسعودي قبل اختلاطه؛ وأمَّا يزيد بن هارون، وهاشم بن القاسم: فقد نص الأئمة على أنَّهما سمعا منه بعد الاختلاط [انظر: العلل ومعرفة الرجال (1/ 325/ 575) و (3/ 50/ 4114)، التَّاريخ الكبير (5/ 314)، الضعفاء الكبير (2/ 336)، تاريخ بغداد (10/ 218)، شرح علل التِّرمذيِّ (2/ 747)، الكواكب النيرات (35)].
فيقال: إن الطنافسي كوفي، وهو أقدم وفاة من عثمان بن عمر، فالأظهر أنَّه قديم السماع من المسعودي، ومما يرجح هذه الرِّواية: أن المسعودي قد توبع عليها:
أ - فقد رواه عبيدة بن حميد [كوفي، صدوق]، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن أبي حثمة، عن جدته الشفاء رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور".
أخرجه البُخاريّ في خلق أفعال العباد (160)، وأبو عوانة في صحيحه (4/ 515/ 7547)، والفاكهي في أخبار مكّة (1/ 408/ 878)، والطبراني في الكبير (24/ 314/ 791)، والمزي في التهذيب (19/ 383).
وفي هذه الرِّواية تعيين المبهم من آل أبي حثمة، وهو عثمان بن سليمان بن أبي حثمة.
ب - وتابعه على تعيينه، لكن خالفه في متنه فوهم: الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني الكوفيّ [ضعيف. التهذيب (4/ 318)، الميزان (4/ 340)]، عن عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن سليمان، عن جدته أم أبيه، قالت: جاء رجل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي أريد الجهاد في سبيل الله؟ فقال: "ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه" قلت: بلى. قال: "حج البيت".
أخرجه الطّبرانيّ (24/ 314/ 792)، ومن طريقه: المزي في التهذيب (19/ 383).
ج- لكن رواه زكريا بن أبي زائدة [ثقة]، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني فلان القرشي، عن جدته، أنَّها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أفضل الأعمال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور".
أخرجه الطّبرانيّ (24/ 315/ 793)، بإسناد صحيح إلى زكريا.
قلت: هذا الاختلاف في إسناد هذا الحديث بالإبهام والتعيين: إنَّما هو من عبد الملك بن عمير نفسه؛ فإنَّه لما كبر ساء حفظه وتغير، ورواية القدماء عنه أصح [انظر: هدي الساري (443)، التهذيب (2/ 620)، الميزان (2/ 660)] وأقدم من روى عنه هذا الحديث: ابن أبي زائدة، وهو أحفظهم أيضًا، ويليه: المسعودي، وقد اتفقا على إبهام الواسطة بين عبد الملك والشفاء، ولعل روايتهما أقرب إلى الصواب من رواية عبيدة بن حميد؛ فإنَّه آخرهم وفاة، بين وفاته ووفاة ابن أبي زائدة: قريب من أربعين عامًا.
والذين يروون عن الشفاء من ولد أبي حثمة؛ ثلاثة: ابنها سليمان بن أبي حثمة، وابناه: أبو بكر وعثمان، وليس فيهم من مجروح؛ سليمان: ولد على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان رجلًا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمره عمر أن يؤم النساء في رمضان، وجعله على سوق المدينة، وكان من صالحي أهل المدينة [التَّاريخ الكبير (4/ 6)، الجرح والتعديل (4/ 130)، الثقات (3/ 161) و (6/ 385)، الطبقات الكبرى (5/ 26)، تاريخ دمشق (22/ 213)، الاستيعاب (2/ 649)، الإصابة (3/ 242)]، وأبو بكر: ثقة [التقريب (692)]،
وعثمان: روى عنه جماعة من كبار الثقات، كالزهري والأوزاعي، وذكره ابن حبان في الثقات. [التهذيب (3/ 62)].
وعليه: فحديث الشفاء هذا -على الوجه المحفوظ-: حديث حسن بشواهده، منها ما رواه الشيخان [البخاري (26 و 1519)، مسلم (83)] من حديث أبي هريرة، وغيره، إلَّا أنَّه ليس فيه ما يشهد لحديث أم فروة، إلَّا من هذه الرّواية الشاذة، والشواذ لا يعتبر بها.
3 -
حديث أبي هريرة:
قال الدارقطني في السنن (1/ 248): حدّثنا أحمد بن علي بن العلاء: نا يوسف بن موسى: نا عبيد الله بن موسى: نا إبراهيم بن الفضل، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليصلي الصَّلاة لوقتها، وقد ترك من الوقت الأوَّل ما هو خير له من أهله وماله".
قال الدارقطني: "إبراهيم بن الفضل: ضعيف، لا يحتج به" [ساقط من المطبوع، وهو في كتاب "من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن
…
" لمحمد بن عبد الرحمن المقدسي (8)، وفي تخريج الغساني (167)].
قلت: هذا حديث منكر؛ تفرد به عن سعيد المقبري: إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني؛ وهو: متروك، منكر الحديث [التهذيب (1/ 79)، الميزان (1/ 52)].
ولم يتابعه إلَّا من هو أوهى منه؛ فقد رواه: يعقوب بن الوليد المدني [كذبه: أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. التهذيب (4/ 447)]،عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليصلي الصَّلاة، وما فاته من وقتها أشد عليه من أهله وماله".
رواه عنه أحمد بن منيع في مسنده (1/ 145/ 282 - مطالب)، وعنه: حفيده أبو القاسم البغوي في الجعديات (2835)، ومن طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (4/ 342) و (24/ 75)، وفي الاستذكار (1/ 68).
وتساهل ابن عبد البر فحكم على هذا الإسناد في التمهيد بأنه "ليس بالقوي"، وقوله في الاستذكار أمثل، حيث قال بأنه "حديث يدور على يعقوب بن الوليد، وهو متروك الحديث". قلت: بل كذاب، يضع الحديث؛ فهو حديث باطل عن ابن أبي ذئب.
4 -
حديث ابن عمر:
يرويه شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن الزُّهريّ، عن ابن عمر -رضى الله عنهما-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الرجل ليصلي الصَّلاة، وما فاته من وقتها خير من أهله وماله".
أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1043)، وابن عبد البر في التمهيد (14/ 117).
من طريقين عن شعبة به.
وهذا وهم؛ إنَّما يرويه الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من فاتته العصر؛ فكأنما وتر أهله وماله".
رواه عن الزُّهريّ به هكذا: سفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وإبراهيم بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعقيل بن خالد، ويزيد بن الهاد، والزبيدي، وشعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني، وابن أخي الزُّهريّ، وعبد الرحمن بن نمر اليحصبي، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق، وعبد الله بن يزيد بن تميم.
انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (414).
وذاك الحديث إنَّما يعرف من قول ابن عمر، ومرسل طلق بن حبيب العنزي، ومن قول يَحْيَى بن سعيد الأنصاري:
• أما قول ابن عمر: فيرويه يعقوب بن إبراهيم [هو الدوري، ثقة حافظ]، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن ابن عمر، قال:"إن الرجل ليصلي الصَّلاة، ولما فاته من وقتها خير من أهله وماله".
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/ 357/ 1001).
وهذا موقوف بإسناد صحيح، رجاله رجال مسلم.
لكن رواه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصَّلاة (1044) قال: حدّثنا يَحْيَى بن يَحْيَى [هو النيسابوري، ثقة ثبت]، قال: أخبرنا هشيم، عن يعلى به مثله إلَّا أنه رفعه. فلا أدري ممن الوهم في رفعه!.
• وأمَّا مرسل طلق بن حبيب:
فيرويه يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن المنكدر، سمع يعلى بن مسلم، سمع طلق بن حبيب عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مثله، مرسلًا، وإسناده صحيح.
رواه هكذا عن يَحْيَى: اللَّيث بن سعد، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن نمير [ولم ينسبوا يعلى، وقال اللَّيث في روايته: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"]، وعبد الرحيم بن سليمان، وجعفر بن عون [ولم ينسبا لا يعلى، ولا طلقًا][وهم ثقات].
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (8/ 417)، وابن نصر المروزي في الصَّلاة (1040 و 1041)، وأبو يعلى (1/ 145/ 283 - مطالب)، وابن نافع في المعجم (3/ 218)، وابن عبد البر في الاستذكار (1/ 68).
ورواه حماد بن زيد [ثقة ثبت]، عن يَحْيَى بن سعيد، عن محمَّد بن المنكدر، عن طلق بن حبيب، قال: كان يقال:
…
فذكره.
أخرجه المروزي في الصَّلاة (1042).
ورواه مالك بن أنس [رأس المتقنين، وكبير المتثبتين]،عن يَحْيَى بن سعيد، أنَّه كان يقول: إن المصلي ليصلي الصَّلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم -أو: أفضل- من أهله وماله.
أخرجه مالك في الموطأ (23).
ورواه يَحْيَى بن سعيد القطان [ثقة ثبت متقن]، عن ابن عجلان، عن ابن المنكدر، عن يعلى، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . . . مثله.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ (8/ 417).
والأشبه بالصواب: رواية الجماعة -اللَّيث ومن معه-، وكذا رواية مالك، وتحمل على أن يَحْيَى بن سعيد كان ينشط أحيانًا فيسنده إلى طلق، وأحيانًا يفتي به، والله أعلم.
ومن العجيب قول ابن عبد البر في التمهيد (24/ 75) بعد قول يَحْيَى بن سعيد هذا: "وهذا موقوف في الموطأ، ويستحيل أن يكون مثله رأيًا [!!!]، فكيف وقد روي مرفوعًا بإسناد ليس بالقوي"، ثم أسنده من طريق يعقوب بن الوليد المدني [وهو كذاب، يضع الحديث]، ثم قال:"وهذا يدل على أن أول الوقت أفضل، وكان مالك -فيما حكى ابن القاسم عنه- لا يعجبه قول يَحْيَى بن سعيد هذا".
قلت: الذي في المدونة (1/ 57): "قال ابن القاسم: ولم أر مالكًا يعجبه هذا الحديث الذي جاء: إن الرجل ليصلي الصَّلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم -أو أفضل- من أهله وماله"، وهذا وإن كان لفظه هو لفظ قول يَحْيَى بن سعيد، إلَّا أنَّه يحتمل أيضًا أن يكون مراده مرسل طلق بن حبيب، وفي الذخيرة (2/ 31) ما يشير إلى هذا، وقد أجاد ابن عبد البر في توجيه قول مالك هذا، حيث قال في الاستذكار (1/ 68):"وأمَّا الأصول التي ترد هذا الحديث: فمنها: حديث نافع عن ابن عمر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "من فاتته صلاة العصر؛ فكأنما وتر أهله وماله"، فلم يقع التمثيل والتشبيه ها هنا؛ إلَّا لمن فاته وقت الصَّلاة كله، بدليل قوله "من أدرك ركعة من العصر، وبدليل قوله حين صَلَّى في طرفي الوقت:"ما بين هذين وقت".
وحديث يَحْيَى بن سعيد يدل: أن من فاته بعض وقت الصَّلاة، في حكم من فاته الوقت كله في ذهاب أهله وماله، وقد حكى ابن القاسم عن مالك أنَّه لم يعجبه قول يَحْيَى بن سعيد المذكور، وذلك لما وصفنا، والله أعلم"، وانظر كلامه أيضًا في التمهيد.
• وفي الباب أحاديث أخرى لا يصح منها شيء أيضًا، فمنها حديث:"أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله عز وجل" وما كان بمعناه، فقد روي من حديث ابن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبي محذورة، وابن عباس، وأنس، وعلي، وأبي هريرة، وطرقها كلها واهية لا تصلح للاعتبار، نترك ذكرها اختصارًا.
وقد ضعفه جماعة من الأئمة الحفاظ منهم:
1 -
الإمام أحمد، روى الخلال عن الميموني قال: "سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- يقول: لا أعرف شيئًا يثبت في أوقات الصَّلاة: أولها كذا، وأوسطها كذا، وآخرها كذا -يعني: مغفرة ورضوانًا-.
وقال له رجل: ما يروى: أول الوقت كذا، وأوسطه كذا، رضوان ومغفرة؟ فقال له
أبو عبد الله: من يروي هذا؟! "ليىس هذا يثبت"[البدر المنير (3/ 212)، الإمام (4/ 75)، المغني (1/ 236)، التحقيق (1/ 287)، التنقيح (1/ 258). نصب الراية (1/ 243)، التلخيص (1/ 180)].
ب - التِّرمذيُّ، حيث قال في حديث ابن عمر (172):"هذا حديث غريب، وقد روى ابن عباس عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوه".
ج- الحاكم، قال في حديث ابن عمر:"الحمل في هذا الحديث على يعقوب بن الوليد؛ فإنَّه شيخ من أهل المدينة قدم عليهم بغداد، فنزل الرصافة، وحدث عن هشام بن عروة وموسى بن عقبة ومالك بن أنس وغيرهم من أئمة المسلمين بأحاديث كثيرة مناكير" وقال: "فأمَّا الذي روي في أول الوقت وآخره: فإنّي لا أحفظه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجه يصح، ولا من أحد من الصّحابة، إنَّما الرِّواية فيه عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر"[البدر المنير (3/ 207 و 211)، مختصر الخلافيات (1/ 526)، التلخيص (1/ 180)].
د - البيهقي، قال في السنن (1/ 435) عن حديث ابن عمر:"هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب: منكر الحديث، ضعفه يَحْيَى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفَّاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان، وقد روي بأسانيد آخر: كلها ضعيفة، وقال في حديث أبي محذورة: "إبراهيم بن زكريا هذا: هو العجلي الضَّرير، يكنى أبا إسحاق، حدث عن الثقات بالبواطيل"، ثم قال: "وروي هذا الحديث على اللفظ الأوَّل عن: ابن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس بن مالك، مرفوعًا وليس بشيء، وله أصل في قول أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر"، وانظر أيضًا: المعرفة (1/ 473)، مختصر الخلافيات (1/ 525).
وقال النووي في الخلاصة (714 - 717): "حديث: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصَّلاة لأول وقتها"، وحديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله"، وهو مروي من رواية ابن عمر، وجرير، وأبي محذورة: وكلها ضعيفة".
وقال في المجموع (3/ 67): "حديث: "أول الوقت رضوان الله": حديث ضعيف، رواه التِّرمذيُّ من رواية ابن عمر، ورواه الدارقطني من رواية: ابن عمر، وجرير بن عبد الله، وأبي محذورة، وأسانيد الجميع ضعيفة، وجمعها البيهقي، وقال: أسانيده كلها ضعيفة".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (3/ 206): "وهو مروي من طرق كلها ضعيفة".
كما أن في معنى الحديث نكارة، قال شيخ الإسلام في الجواب الصَّحيح (3/ 170):"ولهذا ضعف أحمد بن حنبل وغيره الحديث المروي: "أول الوقت رضوان الله، وأخره عفو الله"؛ فإن من صَلَّى في آخر الوقت كما أمر؛ فقد فعل الواجب، وبذلك يرضى الله عنه".
وممن تكلم على بعض طرق هذا الحديث، أو جمع طرقه وأعلَّها: ابن حبان في
المجروحين (3/ 138)، وابن عدي في الكامل (1/ 256) و (2/ 77) و (7/ 148)، والبيهقيّ في السنن (1/ 435)، وفي الخلافيات (1/ 525 - مختصره)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 287)، وفي العلل المتناهية (1/ 388/ 651 و 652)، وابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (3/ 789/94)، وابن دقيق العيد في الإمام (4/ 73)، وابن عبد الهادي في التنقيح (1/ 258)، والزيلعي في نصب الراية (1/ 242)، والمناوي في فيض القدير (3/ 82) و (6/ 376)، والغساني في تخريج أحاديث الدارقطني (1/ 84 و 85)، وابن الملقن في البدر المنير (3/ 206)، وابن حجر في التلخيص (1/ 180)، وفي بلوغ المرام (56).
• ومنها حديث عائشة: "ما صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر مرتين حتَّى قبضه الله عز وجل".
وهو حديث ضعيف، له طرق لا يصح منها شيء.
ضعفه التِّرمذيُّ فقال: "هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل"، وضعفه البيهقي فقال:"وهذا مرسل؛ إسحاق بن عمر: لم يدرك عائشة"، وضعفه كذلك: عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى، وابن القطان الفاسي في بيان الوهم [انظر: جامع التِّرمذيِّ (174)، مستدرك الحاكم (1/ 190) وقال في أحد طرقه عنده:"صحيح على شرط الشيخين"[قلت: بل هو شاذ، والمحفوظ: إسناد إسحاق بن عمر، وانظر: اللسان (3/ 201)]. مسند أحمد (6/ 92)، سنن الدارقطني (1/ 249)، سنن البيهقي (1/ 435)، معرفة السنن والآثار (1/ 456/ 612)، التحقيق (1/ 286/ 330)، الأحكام الوسطى (2/ 25)، بيان الوهم (3/ 45/ 698)، الإمام (4/ 76)، تخريج الأحاديث الضعاف (1/ 83 و 84)، نصب الراية (1/ 244)، الدراية (1/ 105)، الميزان (1/ 195)].
• وفي النهاية: فإنَّه لا يصح في هذا الباب شيء صريح، والصحيح: غير صريح، مثل حديث ابن مسعود:"الصلاة على وقتها"، والذي يظهر لي من معناه -والله أعلم-: إيقاع الصَّلاة المفروضة في وقتها المختار، بحيث لا يخرج بها إلى وقت الكراهة، أو الاضطرار، أو إلى وقت الصَّلاة الأخرى، بل طالما أداها في وقت الاختيار فقد أداها على الوجه المأمور به، قال الشاطبي في الموافقات (1/ 152):"ما حدَّ له الشارع وقتًا محدودًا من الواجبات أو المندوبات، فإيقاعه في وقته: لا تقصير فيه شرعًا، ولا عتب، ولا ذم، وإنَّما العتب والذم في إخراجه عن وقته"، وتقدم نقل قول شيخ الإسلام: "فإن من صَلَّى في آخر الوقت كما أمر؛ فقد فعل الواجب، وبذلك يرضى الله عنه، لكن هذا لا يمنع من القول بأن تعجيل الصلوات في أول الوقت: أفضل؛ إلَّا العشاء إذا لم يشق على المأمومين، وإلا الظهر في شدة الحر؛ وذلك لعموم قوله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)} [البقرة: 238]، وقوله تعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} [آل عمران: 133]، ويكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يعجل بالصلوات في أوائل أوقاتها على الدوام؛ إلَّا ما استثني، ولأن
المعجل يأمن الفوت بالنسيان والشغل [انظر: الرسالة (1/ 127 - الأم)، اختلاف الحديث (10/ 163 - الأم)، مسائل أحمد لابنه صالح (1039)، مجموع الفتاوى (22/ 93)، شرح السنة (2/ 15 - ط العلمية)، الموافقات (1/ 152)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 163)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 217)، فتح الباري لابن رجب (3/ 40)، الفتح لابن حجر (2/ 13)].
***
427 -
. . . إسماعيل بن أبي خالد: حدّثنا أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سأله رجل من أهل البصرة فقال: أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يَلِجُ النَّارَ رجل صلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل أن تغرب" قال: آنت سمعته منه؟ -ثلاث مرات-، قال: نعم، كل ذلك يقول: سَمِعَتْه أذناي، ووعاه قلبي. فقال الرجل: وأنا سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (634/ 213)، وأبو عوانة (1/ 134/ 1131)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 232/ 1413)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 235 و 241/ 471 و 487)، وفي الكبرى (1/ 218 و 258 - 259/ 352 و 462)، وابن خزيمة (1/ 164/ 318)، وأحمد (4/ 261)، والحميدي (2/ 110/ 885)، وابن أبي شيبة (2/ 158/ 7636)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 220 و 221/ 1580 و 1583)، وابن نافع في المعجم (2/ 244)، وابن حزم في المحلى (3/ 28)، والبيهقيّ في السنن (1/ 466)، وفي الشعب (3/ 51/ 2839)، والخطيب في التَّاريخ (2/ 36)، والبغوي في شرح السنة (2/ 39 - 40/ 383)، والمزي في التهذيب (33/ 125).
وانظر فيمن وهم فيه على إسماعيل بن أبي خالد: كتاب الرؤية للدارقطني (152).
• تابع إسماعيل بن أبي خالد عليه [وهو: ثقة ثبت]: عبد الملك بن عمير [واختلف عليه]، ومسعر بن كدام، والبختري بن المختار، ورقبة بن مصقلة [وهم: ثقات]؛ كما رووه: عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها" يعني: الفجر والعصر، فقال له رجل من أهل البصرة: آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته أذناي ووعاه قلبي.
أخرجه مسلم (634/ 213 و 214)، وأبو عوانة (1/ 314/ 1113 و 1114)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 232/ 1413 و 1414)، والنَّسائيُّ في المجتبى (1/ 235/ 471)، وفي الكبرى (1/ 218/ 352)، وابن حبان (5/ 31 و 34/ 1738 و 1740)، وأحمد (4/ 136
و 261)، وابن أبي شيبة (2/ 158/ 7636)، وابن أبي عاصم (3/ 220/ 1580)، وابن قانع (2/ 244)، والدارقطني في الأفراد (4/ 253/ 4203 - أطرافه)، وابن حزم (3/ 28)، والبيهقيّ (1/ 466)، والخطيب (2/ 36)، والبغوي (2/ 40/ 384)، والمزي (33/ 125).
وانظر فيمن وهم في هذا الإسناد: المعجم الأوسط للطبراني (2/ 230/ 1830)، أسد الغابة (2/ 297)، الإصابة (2/ 544).
• وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على عبد الملك بن عمير:
أ - فرواه سفيان الثوري، وأبو عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكري، وشيبان بن عبد الرحمن النّحوي [وهم: ثقات أثبات]: عن عبد الملك بن عمير عن ابن عمارة بن رويبة عن أبيه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . . . مثل الجماعة، وتقدم [عند: مسلم. أبي نعيم في المستخرج. أحمد. البيهقي].
ب - ورواه سفيان بن عيينة [ثقة ثبت]، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عمارة بن رويبة الثَّقفيّ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس ولا قبل غروبها".
هكذا بدون واسطة بين عبد الملك وعمارة، مع التصريح بالسماع، وفي رواية أحمد:"قيل لسفيان: ممن سمعه؟ قال: من عمارة بن رويبة".
أخرجه أحمد (4/ 136)، والحميدي (2/ 110/ 884)، وابن خزيمة (1/ 164/ 319 و 320)[تصحف "سفيان" عنده في الرِّواية الثَّانية إلى "شيبان"، وهو تصحيف ظاهر، وتصحيحه من الإتحاف (11/ 783/ 14949)، والمسند الجامع (13/ 354)].
وهنا يمكن أن يقال: إن عبد الملك سمعه أولًا من أبي بكر بن عمارة، فحدث به كما سمعه، ثم سمعه بعدُ من عمارة نفسه، فرواه حينئذ بحذف الواسطة.
فإن قيل: قد قال أبو حاتم: "عبد الملك بن عمير: يدخل بينه وبين عمارة بن رويبة: رجل"[المراسيل (478)، جامع التحصيل (473)، تحفة التحصيل (213)].
فيقال: ليس هذا نصًّا صريحًا منه على عدم السماع، نعم عبد الملك يُدخل أبا بكر بن عمارة بينه وبين عمارة، ولا يلزم من ذلك عدم السماع، فقد يكون لقيه بعد ذلك فسمع منه، وقد سمع عبد الملك ممن هو أقدم من عمارة، مثل جندب بن عبد الله البجلي [مات بعد الستين، وانظر: التَّاريخ الكبير (5/ 427)]، وعبد الملك قرين لأبي إسحاق السبيعي، وقد سمع السبيعي من عمارة؛ كما سيأتي، ثم إن هذا السماع الذي وقع التصريح به في رواية ابن عيينة ممكن غير ممتنع، وليس هناك ما يدعونا لرده، فابن عيينة ثقة ثبت حافظ إمام، لا ينبغي توهيمه إلَّا بحجة قوية، وعمارة بن رويبة وعبد الملك بن عمير: كوفيان، تعاصرا في ولاية بشر بن مروان على العراق، والتي لم تتجاوز الأشهر، وقيل: السنتين، فعمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين
…
الحديث [مسلم (874)، أبو داود (1104)، التِّرمذيُّ (515)، النَّسائيّ
(3/ 108/ 1412)، أحمد (4/ 135 و 136 و 261)، وكان سن عبد الملك حينئذ قد تجاوز الأربعين بقليل، وقد استعمله بشر بن مروان في بعض أموره، وأرسله إلى القراء بجوائزهم [انظر: المصنف لابن أبي شيبة (4/ 296/ 20334)، تاريخ خليفة بن خياط (273 و 293)، تاريخ دمشق (10/ 253 - 266)، السير (4/ 145)، تاريخ الإسلام (5/ 370)، البداية والنهاية (9/ 7)].
فهذه القرائن تجعلنا نقبل رواية ابن عيينة، والله أعلم.
• وهذا الحديث رواه أبو الأحوص وغيره: عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت عمارة بن رويبة الثَّقفيّ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها لن يلج النَّار" وفي رواية: فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرجه النَّسائيّ في الكبرى (10/ 271/ 11459)، وأبو عوانة (1/ 314/ 1115 و 1116)، والطبراني في الأوسط (4/ 230/ 4056)[ولفظه شاذ]. وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/ 146)، وابن نقطة في التّقييد (45)، وفي تكملة الإكمال (4/ 260).
وإسناده صحيح.
وانظر: الإصابة (1/ 65/ 140)، المعجم لابن نافع (2/ 244).
• ومما جاء في معنى هذا الحديث:
1 -
حديث أبى موسى الأشعري:
يرويه همام بن يَحْيَى: حدثني أبو جمرة الضبعي، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من صلى البردين دخل الجنَّة".
أخرجه البُخاريّ (574)، ومسلم (635)، وأبو عوانة (1/ 315/ 1117)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 233/ 1415)، والدارمي (1/ 391/ 1425)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (4/ 80)، والبزار (8/ 95/ 3095)، وأبو يعلى (13/ 248/ 7265)، والروياني (515)، والدولابي في الكنى (1/ 373/ 668)، والطحاوي في المشكل (1/ 570/ 568 - تحفة)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (127)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (1/ 157)، والخطابي في غريب الحديث (1/ 185)، والبيهقيّ في السنن (1/ 466)، وفي الشعب (3/ 51/ 2840)، والبغوي في شرح السنة (2/ 39/ 382)، وفي التفسير (3/ 348)، والذهبي في السير (7/ 297)، وابن حجر في التغليق (2/ 262).
وهذا حديث متَّفقٌ على صحته، وأعله بعضهم بأن أبا بكر هذا هو: ابن عمارة بن رويبة، راوي الحديث السابق، وأن همامًا وهم في إسناده ومتنه:
قال أبو عوانة بعد رواية عفَّان عن همام: "قال عفَّان: كان همام قال لنا: عن أبي بكر بن أبي موسى، فقال لي بلبل، وعلي بن المديني: إنَّما هو عن أبي بكر بن عمارة بن
رويبة عن أبيه. فأنا أقول: أبو بكر عن أبيه. وقال حبان: عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبيه"، ونقل الخطابي نحوه في الغريب عن عفَّان.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أبي موسى إلَّا من هذا الوجه، وإنَّما يُعرف عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، ولكن هكذا قال همام".
وقال أبو بشر الدولابي: "أبو بكر هذا هو: أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة".
وقال الدارقطني في العلل (7/ 222): "وقال بعض أهل العلم: أبو بكر هذا هو: أبو بكر بن عمارة بن رويبة الثَّقفيّ، وهذا الحديث محفوظ عنه، رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد وغيره، والله أعلم".
وقال ابن رجب في الفتح (3/ 215): "قال ابن أبي خيثمة في كتابه: سألت يَحْيَى بن معين عن أبي بكر الذي روى حديث البردين: من أبوه؟ قال: يرون أنَّه أبو بكر بن أبي موسى؛ فلذلك استغربوه. قال: فقال له أبي: يشبه أن يكون: أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة؛ لأنَّه يروي عن أبيه عمارة: "من صلى قبل الغداة وقبل غروب الشَّمس".
وقال صالح بن محمَّد، عن علي بن المديني: هو عندي أبو بكر بن عمارة؛ لأنَّ معنى الحديثين واحد. قيل له: إن أبا داود الطَّيالسيّ وهدبة نسباه، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يضبط هذا؛ حدثاه بهز وحبان ولم ينسباه.
…
إلى أن قال: ونقل البرقاني عن الدارقطني، أنَّه كان يقول: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة. وعن الإسماعيلي عن مطين مثله"، ونقل كلامًا آخر فلينظر.
قلت: ما ذهب إليه الشيخان: البُخاريّ ومسلم، هو: الصواب، فأبو بكر هذا هو: ابن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، فإن هذا الحديث رواه عن همام: عفَّان بن مسلم [ثقة ثبت]، ومحمد بن سنان العوقي [ثقة ثبت]، وعبد الله بن رجاء الغداني [صدوق]، قالوا:"أبو بكر بن عبد الله بن قيس".
ورواه: عفَّان بن مسلم [ثقة ثبت]، وبشر بن السري [ثقة متقن]، وأبو داود الطَّيالسيّ [ثقة حافظ]، وهدبة بن خالد [ثقة]، وعمرو بن عاصم الكلابي [صدوق]، قالوا:"أبو بكر بن أبي موسى".
ورواه: حَبان بن هلال [ثقة ثبت]، قال:"عن أبي بكر بن عبد الله".
فهؤلاء ثمانية من الثقات نسبوا أبا بكر، فلم يدعوا مجالًا للشك في كون راوي هذا الحديث إنَّما هو أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، يرويه عن أبيه أبي موسى الأشعري، نعم! رواه عن همام غير منسوب: سهل بن حماد [صدوق]، ومعاذ بن هانئ [ثقة]، فمثل هذا لا يطعن في رواية من نسبه من الثقات، والله أعلم.
قال أبو بكر الخطيب: "قد نسبه جماعة عن همام، منهم: بشر بن السري، وعبد الله بن رجاء، وعمرو بن عاصم وللناسب فضلُ تعرفٍ وبيانٍ على من لم ينسبه"[الفتح لابن رجب (3/ 216)].
وأمَّا توهيم همام في ذلك، وأنَّه هو الذي نسب أبا بكر هذا من تلقاء نفسه، لا من جهة الرِّواية، فلم يقم على ذلك دليل، فإن همامًا بصري ثقة، روى عنه هذا الحديث ثقات البصريين وحفاظهم، ورواه هو عن أبي جمرة، نصر بن عمران، الضبعي، وهو تابعي بصري، ثقة ثبت؛ فهو إسناد بصري صحيح.
فإن قيل: أخرج ابن حبان في صحيحه (5/ 1739/32) قال: أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع: حدّثنا هدبة بن خالد: حدّثنا همام بن يَحْيَى: حدّثنا أبو جمرة الضبعي، عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من صَلَّى البردين دخل الجنَّة".
ففي هذه الرّواية التصريح بكون أبي بكر هذا هو: ابن عمارة، وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه، وعمران بن موسى بن مجاشع، أبو إسحاق، الجرجاني السختياني، إمام محدث، مصنف، ثقة ثبت، مكثر عن هدبة [تاريخ جرجان (578)، الأنساب (3/ 233)، اللباب (2/ 108)، فتح الباب (167)، تذكرة الحفَّاظ (2/ 762)، السير (14/ 136)]. فيقال: إنَّما هي رواية شاذة؛ خالف فيها ابن مجاشع: إمام الدُّنيا في الحديث، وجبل الحفظ، الإمام البُخاريّ، حيث رواه عن هدبة به، فقال:"عن أبي بكر بن أبي موسى"، ورواه عن هدبة فلم ينسبه: مسلم، وعبد الله بن أحمد، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، ومحمد بن أيوب بن الضريس، فدل ذلك على وهم ابن مجاشع، والله أعلم.
قال ابن حجر في الفتح (2/ 53): "فاجتمعت الرِّوايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو: أبو بكر بن عبد الله، فهذا بخلاف من زعم أنَّه: ابن عمارة بن رويبة، وحديث عمارة: أخرجه مسلم وغيره، من طرق: عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، لكن لفظه: "لن يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها" وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحدًا، فالصواب أنَّهما حديثان".
2 -
حديث جرير بن عبد الله البجلي:
يرويه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وغيرهما: عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد الله وهو يقول: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال:"أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها، فافعلوا" ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].
أخرجه البُخاريّ (554 و 573 و 4851 و 7434 و 7435 و 7436)، ومسلم (633)، وأبو عوانة (1/ 314/ 1112)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 231 و 232/ 1411 و 1412)، وأبو داود (4729)، والترمذي (2551) وقال:"حسن صحيح"، والنَّسائيُّ في الكبرى (1/ 258/ 460) و (7/ 164/ 7713 و 7714) و (10/ 185 ولم 271/ 11267 و 11460)، وابن ماجة (177)، وابن خزيمة في الصَّحيح (1/ 164/ 317)، وفي التَّوحيد 2/ 407 - 413 و 587 - 588/ 238 - 240 و 346)، وابن حبان في الصَّحيح (16/ 473
- 476/ 7442 - 7444)، وفي الثقات (5/ 308)، وأحمد (4/ 360 و 362 و 365)، وابنه عبد الله في السنة (412 - 416 و 419 - 421 و 1213)، والحميدي (2/ 48/ 817)، والحسن بن عرفة في جزئه (68)، وعثمان بن سعيد الدَّارميّ في الرد على الجهمية (171 - 174)، وفي نقضه على المريسي (28 و 29)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 194 - 196 و 201/ 446 - 451 و 461)، وابن جرير الطبري في تفسيره (16/ 233)، وفي صريح السنة (18)، وأبو العباس السَّرَّاج في مسنده (551 و 552 و 1098 و 1099)، وفي حديثه بانتقاء زاهر الشحامي (1396 و 1398 - 1404 و 2066)، والشحامي في زوائده على حديث السَّرَّاج (2067)، والمحاملي في الأمالي (413)، وأبو جعفر بن البختري في جزء من أماليه، الأوَّل والثَّاني من الأحد عشر (14)[(146) مجموع مصنفاته]. وابن الأعرابي في المعجم (2/ 628/ 1239)، والآجري في الشريعة (592 - 595)، وفي التصديق بالنظر (23 - 26)، والطبراني في الكبير (2/ 294 - 297 و 310/ 2224 - 2237 و 2288 و 2292)، وفي الأوسط (8/ 8057/90) و (9/ 120/ 9301)، وأبو الشَّيخ في طبقات المحدثين (3/ 152)، والدارقطني في الرؤية (69 - 148)، وأبو الحسن علي بن عمر الحربي في فوائده المنتقاة عن الشيوخ العوالي (47)، وابن بطة في الإبانة (3/ 8)، وابن منده في الإيمان (2/ 758 - 762/ 791 - 801)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (3/ 475 - 477/ 825 - 829)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 128) وقال: "صحيح متَّفقٌ عليه، رواه عن إسماعيل الجم الغفير
…
"، وفي تاريخ أصبهان (2/ 331)، وفي مسند أبي حنيفة (55)، وابن حزم في المحلى (1/ 35) و (3/ 28)، والبيهقيّ في السنن (1/ 359 و 464)، وفي الاعتقاد (128)، وفي الشعب (3/ 50/ 2837 و 2838)، وابن عبد البر في التمهيد (7/ 156)، والخطيب في التَّاريخ (4/ 3) و (8/ 335) و (10/ 468) و (11/ 466)، وفي المتفق والمفترق (1/ 497/ 259)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (1/ 120)، وأبو القاسم المهرواني في فوائده "المهروانيات" (28)، وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التَّوحيد (33)، وابن البطر في فوائده بانتقاء أبي الحسن بن فنون (21)، والبغوي في شرح السنة (2/ 37/ 379 و 380) وقال: "متفق على صحته"، وفي التفسير (2/ 119) و (3/ 236)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (3/ 377)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (21/ 320) و (24/ 32)، والمزي في التهذيب (15/ 288) و (21/ 22)، وابن طولون في الأحاديث المائة (70).
ولحديث جرير طرق أخرى لا تصح، انظر: المعجم الكبير للطبراني (2/ 308/ 2283)، المعجم الأوسط (7/ 114/ 7014)، الرؤية للدارقطني (149 - 151)، تاريخ دمشق (13/ 11) و (52/ 143).
وقد صحح حديث جرير هذا في الرؤية: جمهور أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن خشرم، وحسين الجعفي، والبخاري، ومسلم،
وأحمد، وابن المديني وقال:"لا يكون من الإسناد شيء أجود من هذا"[ولذلك فلا يلتفت إلى ما زوَّره ابن أبي دؤاد الجهمي الخبيث على علي بن المديني، في تضعيف هذا الحديث بقيس بن أبي حازم. انظر: الرد على الجهمية. نقض الدَّارميّ على المريسي. تاريخ بغداد (11/ 458)، السير (11/ 41)، وغيرها]، والترمذي، وعثمان بن سعيد الدَّارميّ، وابن جرير الطبري، والآجري، والطبراني، وأبو نعيم الأصبهاني، والبغوي، وأبو يعلى الفراء، وابن تيمية وقال:"وهذا الحديث: من أصح الأحاديث على وجه الأرض، المتلقاة بالقبول، المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة"[المجموع (6/ 421)]، وغيرهم.
• تنبيه: هذا الحديث رواه عن إسماعيل بن أبي خالد: ما يربو على مائة نفس: من الثقات، والضعفاء، والمتروكين، والكذابين، استوعبها الدارقطني في كتابه "الرؤية".
• تفرد أبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع [صدوق]، في هذا الحديث بلفظة "عيانًا"، قال أبو القاسم الطّبرانيّ:"في هذا الحديث زيادة لفظة قوله: "عيانًا"، تفرد به أبو شهاب، وهو حافظ متقن من ثقات المسلمين"، وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (2/ 587):"لم يقل: "عيانًا" عن إسماعيل غير أبي شهاب"، وقد أخرجها البُخاريّ في صحيحه (7435).
وتابعه على معناها عن إسماعيل بن أبي خالد: زيد بن أبي أنيسة [ثقة]، فقال: "أما إنكم ستعاينون ربكم عز وجل -كما تعاينون هذا القمر
…
" الحديث. [المعجم الأوسط للطبراني (9301)، طبقات المحدثين. الإيمان لابن منده (799)، شرح أصول الاعتقاد (826)]. والله أعلم.
3 -
حديث فضالة الليثي الآتي:
***
428 -
. . . خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما علمني:"وحافظ على الصلوات الخمس" قال: قلت: إن هذه ساعاتٌ لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلتُه أجزأ عني، فقال:"حافظ على العصرين" -وما كانت من لغتنا-، فقلت: وما العصران؟ فقال: "صلاة قبل طلوع الشَّمس، وصلاة قبل غروبها".
• حديث منكر
أخرجه الحاكم (1/ 20 و 199) و (3/ 628)، وابن قتيبة في غريب الحديث (1/ 179)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتَّاريخ (1/ 162)، وابن أبي عاصم في
الآحاد والمثاني (2/ 193 - 194/ 939)، وابن نصر المروزي في كتاب الوتر (10 - مختصره)، والطحاوي في المشكل (1/ 568 - 569/ 566 - تحفة)، وابن نافع في المعجم (2/ 325 - 326)، والطبراني في الكبير (18/ 320/ 826)، والخطابي في غريب الحديث (1/ 186)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (4/ 2284/ 5653)، والبيهقيّ (1/ 466)، وابن الأثير في أسد الغابة (4/ 348)، والمزي في التهذيب (15/ 431)، وابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (31).
هكذا رواه عن خالد بن عبد الله الواسطيِّ الطحان: أهل واسط: عمرو بن عون [ثقة ثبت]، ووهب بن بقية [ثقة]، والحسن بن علي بن راشد [صدوق]، وإسحاق بن شاهين [صدوق]، ومحمد بن خالد بن عبد الله الطحان [ضعيف].
• واختلف فيه على إسحاق بن شاهين:
فرواه الحسين بن محمَّد بن زياد العبدي النيسابوري [ثقة حافظ]، عنه به هكذا، مثل الجماعة.
أخرجه الحاكم (1/ 20) مقرونًا بإسناد وهب بن بقية.
وخالفه: عبد الله بن قحطبة [هو عبد الله بن محمَّد بن قحطبة بن مرزوق الصِّلحي، نسبة إلى فم الصِّلح -بكسر الصاد-: بلدة على دجلة بأعلى واسط [الأنساب (3/ 550)، معجم البلدان (4/ 276)] وهو شيخ لابن حبان أكثر عنه في كتبه (الصَّحيح، الثقات، المجروحين) ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل] قال: حدّثنا إسحاق بن شاهين، قال: حدّثنا ابن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . فذكر الحديث، هكذا بإسقاط أبي حرب من الإسناد، وهو وهم منه، والله أعلم.
أخرجه ابن حبان (5/ 35/ 1742)، ثم قال:"سمع داود بن أبي هند هذا الخبر من أبي حرب بن أبي الأسود، ومن عبد الله بن فضالة عن فضالة، وأدى كلَّ خبرٍ بلفظه؛ فالطريقان جميعًا محفوظان"، يعني طريق ابن قحطبة هذه بإسقاط أبي حرب، وطريق هشيم -الآتي ذكرها- بإسقاط عبد الله بن فضالة من الإسناد، قال العلائي في جامع التحصيل (133 - 134):"وليس الأمر كما زعم بل كل طريق منهما منقطعة"، وقال ابن حجر في الإتحاف (12/ 667/ 16277):"وليس كما زعم، وإنما رواه خالد، عن داود، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه. فالإسنادان اللذان عنده جميعًا منقطعان".
قلت: هما وهم، والمحفوظ: ما رواه الواسطيون عن خالد الطحان الواسطيِّ.
• ولم ينفرد بذلك خالد بن عبد الله الواسطيِّ [وهو: ثقة ثبت]، بل تابعه: علي بن عاصم الواسطيِّ [صدوق]، وزهير بن إسحاق السلولي البصري [صدوق يخطئ، قال ابن عدي:"أحاديثه المسندة عامتها مستقيمة"، وإنما أنكروا عليه حديثًا مقطوعًا. انظر: اللسان (3/ 526)، التعجيل (337)، الكامل (3/ 223)، مختصر الكامل (716)، الثقات
(8/ 256)، التَّاريخ الكبير (3/ 428) و (7/ 124)]، وفضيل بن سليمان النميري البصري [ليس بالقوي، والراوي عنه: عمرو بن الحصين: متروك]، ومسلمة بن علقمة المازني البصري [صالح الحديث، روى عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير. انظر: التهذيب (4/ 76)، الميزان (4/ 109)]:
رواه أربعتهم: عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، قال: قدمت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يعلمني
…
فذكر الحديث بنحوه.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (5/ 170) و (7/ 124)، وابن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (18)(687 - مجموع مصنفاته)، وابن نافع في المعجم (2/ 326)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (128)، والبيهقيّ (1/ 466).
• وقد اختلف فيه على مسلمة بن علقمة:
فرواه الحسن بن قزعة [صدوق]، عنه به هكذا [أمثال. نافع].
ورواه قيس بن حفص التميمي الدَّارميّ البصري [ثقة]، عن مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، أنَّه أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (5/ 170) موصولًا. وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/ 135) معلقًا.
وهذا وهم من مسلمة بن علقمة نفسه، فإنَّه لين الحديث في ابن أبي هند، يروي عنه مناكير، قال أبو حاتم:"ورواه خالد الواسطيِّ، وزهير بن إسحاق، عن داود، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه، أنَّه أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو: أصح"[الجرح والتعديل (5/ 136)]. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 962) بعد ذكر هذا الاختلاف، مرجحًا رواية خالد وزهير:"وهو أصح إن شاء الله تعالى".
وقد خالف هؤلاء: هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأصول، عن فضالة الليثي، قال: أتيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأسلمت، وعلمني، حتَّى علمني الصلوات الخمس لمواقيتهن، قال: فقلت له: إن هذه لساعات أشغل فيها، فمرني بجوامع. فقال لي:"إن شغلت فلا تُشغل عن العصرين" قلت: وما العصران؟ قال: "صلاة الغداة وصلاة العصر".
أخرجه البُخاريّ في التَّاريخ الكبير (5/ 170)، وابن حبان (5/ 34/ 1741)، والحاكم (1/ 20 و 199)، وأحمد (4/ 344)، وابن سعد في الطبقات (7/ 79)، والطحاوي في المشكل (1/ 569/ 567 - تحفة)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (4/ 2285/ 5653 م).
قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه،
…
، وقد خولف هشيم بن بشير في هذا الإسناد، عن داود بن أبي هند خلافًا لا يضر الحديث، بل في يده تأكيدًا"، ثم أخرجه من طريق خالد الطحان، ثم قال: "وأبو حرب بن أبي الأسود الديلي: تابعي كبير، عنده من أكابر الصّحابة، لا يقصر سماعه عن فضالة بن عبيد الليثي، فإن
هشيم بن بشير: حافظ معروف بالحفظ، وخالد بن عبد الله الواسطيِّ: صاحب كتاب، وهذا في الجملة كما خرج مسلم في كتاب الإيمان: حديث شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وبعده: عن محمَّد بن عثمان، عن أبيه".
وتعقبه الحافظ في الإتحاف (12/ 668) بقوله: "كذا قال، وإنما أخرجه مسلم: عن شعبة، عن عثمان. وعن شعبة، عن محمَّد من عثمان وأبيه، فينظر"، انظر صحيح مسلم (13).
قلت: حديث هشيم: خطأ؛ والصَّواب: حديث خالد الطحان، وعلي بن عاصم، وزهير بن إسحاق، بإثبات الواسطة بين أبي حرب، وفضالة.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث هشيم وخالد؟ فقال: "حديث خالد: أصح عندي"[العلل (1/ 109/ 296)][وانظر: تحفة الأشراف (8/ 263/ 11042)].
وأخيرًا: فقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم، وقال الحافظ ابن حجر بعد حديث خالد في الإمتاع:"هذا حديثٌ صحيحٌ".
قلت: رجاله ثقات، رجال مسلم، غير عبد الله بن فضالة الليثي، وقد ذكره بعض المتأخرين في الصّحابة، اعتمادًا منهم على:
أ - رواية مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن عبد الله بن فضالة، أنَّه أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
وهي رواية منكرة، كما تقدم بيان ذلك، وإنَّما الصحبة لأبيه فضالة.
ب - ما رواه البُخاريّ في تاريخه الكبير (5/ 170) قال: "قال أبو عاصم الضَّرير البصري: حدّثنا أبو عاصم محمَّد بن عمران الليثي [كذا في مطبوعة التَّاريخ، بينما في الاستيعاب (3/ 962)، وتهذيب الكمال (15/ 431)، واللسان (8/ 213): "موسى بن عمران" بدل محمَّد]، عن عاصم بن الحدثان، عن عبد الله بن فضالة، قال: ولدت في الجاهلية، فعقَّ أبي عني بفرس" ورواه وكيع القاضي، محمَّد بن خلف بن حيان في كتابه أخبار القضاة (1/ 296) قال:"حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج قال: حدّثنا عثمان بن عامر أبو عاصم الليثي، قال: سمعت أبا عامر موسى بن عامر الليثي، قال: سمعت عاصم بن الحدثان، قال: سمعت عبد الله بن فضالة، قال: ولدت في الجاهلية، فعق عني أبي فرسًا، يقال لها بدوة".
قلت: من دون عبد الله بن فضالة: مجاهيل [انظر: اللسان (4/ 368) و (8/ 213)]، قال أبو حاتم:"وهو إسناد مضطرب، مشايخ مجاهيل"[الجرح والتعديل (5/ 135)]. وقال ابن عبد البر: "وهو إسناد ليس بالقائم"[الاستيعاب (3/ 962)]. وانظر: كنى الدولابي (2/ 704/ 1237)، وهناك من فُرِّق بين عبد الله بن فضالة الليثي القاضي، وبين عبد الله بن فضالة الذي روى عنه عاصم بن الحدثان، مثل العسكري وغيره.
قلت: فعلى هذا فلا حجة لأحد في عدِّ عبد الله بن فضالة في الصّحابة، ولا حتَّى
في إثبات الرؤية له، فالصحيح: أنَّه معدود في التّابعين، لا تصح له صحبة ولا رؤية، وممن ذهب إلى هذا: البُخاريّ [حيث عدَّ روايته عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلة]، وأبو حاتم [حيث ضعف رواية العقيقة، ولم يصحح إتيانه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم]، وابن حبان [حيث عده في ثقات التّابعين]، قال ابن منده، وأبو نعيم:"لا تصح له صحبة".
وأمَّا ما ذهب إليه ابن عبد البر، وتبعه عليه ابن حجر: من إثبات الرؤية له، فلا حجة لهما عليه، والله أعلم [انظر: التَّاريخ الكبير (5/ 170)، الجرح والتعديل (5/ 135)، الثقات (5/ 40)، المخزون (145)، معرفة الصّحابة لأبي نعيم (3/ 1748)، أسد الغابة (3/ 358)، الاستيعاب (3/ 962)، الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصّحابة (1/ 374)، الإصابة (5/ 22)، تحفة التحصيل (184). إكمال مغلطاي (8/ 120)، التهذيب (2/ 403)، التقريب (335)].
والحاصل: أن عبد الله بن فضالة الليثي هذا: لم يرو عنه سوى: أبي حرب بن أبي الأسود، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي، ولم يوثقه غير ابن حبان، حيث عدَّه في ثقات التّابعين، وهو قليل الرِّواية جدًّا [انظر: المعجم الكبير للطبراني (18/ 320) فلم يذكر له سوى حديثين من روايته عن أبيه، وهما غير رواية عوف عنه المرسلة]، فمثل هذا هو في عداد المجاهيل، فكيف يقبل منه ما تفرد به؛ مما يحتاج إلى تكلف ظاهر في التأويل؟! [انظر من تأوله: سنن البيهقي (1/ 466)، الإمتاع لابن حجر عن (48)، وغيرهما].
إذ كيف يُعقَل أن يُسقِط النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من أحد المكلفين ثلاثة فروض، هي من فروض الأعيان، وأعظم واجبات الدين؟! فإن تنزلنا، قلنا: كيف يعقل أن يجوز له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم تركَ المحافظة على مواقيت الظهر والمغرب والعشاء؟!!
فلو صح هذا الحديث لكان مفهومه ناسخًا لمنطوق الكتاب العزيز: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]. ومن هنا يأتي القول بأن هذا الحديث منكر، مخالف لعموم الكتاب والسنة.
فإن قيل: أليس هذا الحديث هو في معنى حديث: "من صَلَّى البردين دخل الجنَّة، وحديث: "لا يلج النَّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها"، وكذلك الأحاديث الواردة في فضل بعض الصلوات بعينها دون غيرها؟
فيقال: ما في هذه الأحاديث إنَّما هو مزيد اهتمام وعناية بهذه الصلوات؛ لما يعرض للإنسان في المحافظة عليها في أوقاتها من عوائق وشواغل، قد تؤدي إلى تأخيرها أو نسيانها، مما دعا الشارع الحكيم إلى التنويه بفضلها، والحث على المحافظة عليها، بذكر ثواب زائد، أو عقوبة على من فرط في إخراجها عن وقتها، وهذا لا يمنع ثبوت الثواب والعقاب في غيرها [انظر هذا المعنى في كلام شيخ الإسلام. المجموع (6/ 423)]، الله أعلم.
وأمَّا هذا الحديث فظاهره الترخيص في ترك المحافظة على غير الفجر والعصر، وقد
يحمل على الترخيص في تأخيرها من أوائل أوقاتها، وقد يحمل على الترخيص في ودع الجماعة فيها، وهذا كله مخالف للأصل؛ فاحتاج إثباته إلى إسناد قوي يعتمد عليه، وليس الأمر هنا كذلك.
ولذلك، فلا غرو أن يقول الذهبي في المغني (1/ 559/ 3302):"عبد الله بن فضالة، عن أبيه، ولفضالة صحبة: لا يعرفان، والخبر منكر في وقت الصَّلاة".
• فإن قيل: ألا يشهد له ما رواه:
شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن رجل منهم؛ أنَّه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على أنَّه لا يصلِّي إلَّا صلاتين؛ فقبل ذلك منه.
أخرجه أحمد (5/ 24 و 363)، وابن أبي شيبة في المسند (995)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 195/ 941)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (6/ 3175/ 7303).
فيقال: أولًا: نصر بن عاصم الليثي لم يذكر سماعًا من الصحابي المبهم؛ فشبهة الانقطاع قائمة، وإن كان رجاله ثقات.
وثانيًا: فإن الحديث الأوَّل في الأمر بالمحافظة على العصرين، وهذا في تأليف من ضعُف عن الدخول في الإسلام حتَّى يُخفَّف عنه من فرائضه، فلا يشهد أحدهما للآخر.
وثالثًا: وعلى فرض اتحاد المعنى مع تصرف الراوي في لفظه؛ فإن فضالة راوي حديث المحافظة على العصرين: ليثي أيضًا، فلا يبعُد أن يكون هو صحابي هذا الحديث الذي رواه نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم، أو يكون نصر رواه عن عبد الله بن فضالة عن أبيه، ثم أسقط عبد الله، وأيًّا كان فقد رجع حديث نصر بن عاصم هذا إلى حديث فضالة الليثي، وصارا حديثًا واحدًا تصرف الراوي في معناه، ورواه على التوهم، فلا يخرج عن حدّ النكارة، والله أعلم [وانظر فيمن تأوَّل حديث نصر بن عاصم: فتاوى الرملي (6/ 281)].
***
429 -
. . . أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد: حدّثنا عمران القطان: حدّثنا قتادة وأبان، كلاهما عن خُليد العَصَري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمسٌ من جاء بهنَّ مع إيمانٍ دخل الجنَّة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبةً بها نفسُه، وأدَّى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة.
• حديث ضعيف.
هذا الحديث هو من رواية أبي سعيد ابن الأعرابي: حدّثنا أبو أسامة محمَّد بن عبد الملك بن يزيد الرواس: حدّثنا أبو داود: حدّثنا محمَّد بن عبد الرحمن العنبري:
حدّثنا أبو علي الحنفي به [انظر: تحفة الأشراف (8/ 221/ 10930)، تهذيب الكمال (2/ 23 - 24)، التهذيب (1/ 56)].
أخرجه ابن نصر المروزي في الوتر (14 - مختصره)، وابن جرير الطبري في تفسيره (10/ 340/ 28690)، والعقيلي في الضعفاء (3/ 123)، وابن الأعرابي في المعجم (1/ 87/ 0 13)، والطبراني في الكبير (1/ 47 - مجمع الزوائد)، وفي الصَّغير (2/ 56/ 772)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 234)، والبيهقيّ في الشعب (3/ 20/ 2751)، والخطيب في الموضح (2/ 334)، والرافعي في التدوين (3/ 497)، والمزي في التهذيب (8/ 311 - 312).
زاد بعضهم في بعض طرق الحديث عن أبي علي الحنفي، بعد الزكاة: وكان يقول "وايم الله! لا يفعل ذلك إلَّا مؤمن"، وزاد معظمهم في آخره، في تفسير أبي الدرداء:"قال: الغسل من الجنابة؛ فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها"، وهما زيادتان محفوظتان.
• تنبيهان:
الأوَّل: وقع التفسير لأداء الأمانة مرفوعًا، معزوًا للطبراني في الكبير، عند المنذر في في الترغيب (1/ 148)، وتبعه على ذلك الهيثمي في المجمع (1/ 47)، وما أراه إلَّا وهمًا تتابعا عليه؛ فقد رواه من طريق الطّبرانيّ، موقوفًا على أبي الدرداء: أبو نعيم في الحلية، والرافعي في التدوين، والمزي في التهذيب، وهو الموافق لرواية جميع من روى الحديث عن أبي علي الحنفي، موقوفًا على أبي الدرداء.
الثَّانى: قال الطّبرانيّ في الصَّغير: "لم يروه عن قتادة إلَّا عمران، تفرد به الحنفي، ولا يُروى عن أبي الدرداء إلَّا بهذا الإسناد".
ورواه العقيلي في ضعفائه منكرًا به على أبي علي الحنفي، ثم قال:"ولا يتابع عليه، وإنما روى النَّاس عن قتادة، عن خليد، عن أبي الدرادء، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما طلعت شمس إلَّا بجنبتيها ملكان".
قلت: أبو علي الحنفي، عبيد الله بن عبد المجيد: ثقة [انظر: التهذيب (3/ 20)، الميزان (3/ 13)]، ولم يتفرد بهذا الحديث، ولا ينبغي أن يحمل به عليه، فقد تابعه عليه:
النُّعمان بن عبد السَّلام [أصبهاني، ثقة عابد فقيه]، رواه عن أبي العوام عمران القطان، عن قتادة، عن خليد بن عبد الله، عن أبي الدرداء، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"خمس من جاء بهن مع إيمانٍ دخل الجنَّة: من حافظ على الصلوات الخمس، وصام رمضان، وحج البيت، وأدى الأمانة".
أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/ 234)، وفي أخبار أصبهان (2/ 159).
من طريقين، من رواية الأصبهانيين، عن النُّعمان به، وهو ثابت عنه، إلَّا أنَّه لم يذكر أبان بن أبي عياش [وهو: متروك] في الإسناد.
وعليه: فالمتفرد بهذا الحديث هو عمران القطان.
قال المنذري في الترغيب (1/ 148 و 300)، وتبعه الهيثمي في المجمع (1/ 47):"إسناده جيد".
وقال المزي في التهذيب (8/ 312): "وهو حديث عزيز فرد، لا نعرفه إلَّا من رواية عمران القطان".
قلت: عمران بن داود العمي، أبو العوام القطان البصري: صدوق يهم، كثير الرِّواية عن قتادة، إلَّا أنَّه كثير المخالفة والوهم [التهذيب (3/ 318)، الميزان (3/ 236)].
وهذا الحديث مما وهم نبه على قتادة:
فقد روى البيهقي في الشعب (3/ 19/ 2750) بإسناد صحيح إلى: محمَّد بن بشر العبدي: ثنا سعيد بن أبي عروبة: ثنا قتادة، عن الحسن، أن أبا الدرداء كان يقول:"خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمانه دخل الجنَّة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، وأعطى الزكاة الطيبة نفسه بها"، ثم قال أبو الدرداء:"وايم الله! لا يفعل ذلك إلَّا مؤمن، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا، وأداء الأمانة" قالوا: وما أداء الأمانة يا أبا الدرداء؟ قال: "اغتسال من الجنابة؛ فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها".
ومحمد بن بشر العبدي: ثقة ثبت، سماعه من ابن أبي عروبة: صحيح جيد [انظر: شرح علل التِّرمذيّ (2/ 743) وفيه: "قال أحمد: سماع محمَّد بن بشر، وعبدة منه جيد، التّقييد والإيضاح (429) وفيه: "قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن سماع محمَّد بن بشر من سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: هو أحفظ من كان بالكوفة"].
وسعيد بن أبي عروبة: هو أثبت أصحاب قتادة، وأحفظهم لحديثه، وروايته هذه هي المحفوظة، ورواية عمران القطان: وهم محض.
وعليه: فإن هذا الحديث موقوف على أبي الدرداء، بإسناد منقطع؛ فإن الحسن البصري: لم يسمع عن أبي الدرداء، قال أبو زرعة:"الحسن عن أبي الدرداء: مرسل"[المراسيل (148)، جامع التحصيل (164)، تحفة التحصيل (73)]؛ فهو: حديث ضعيف.
• ولقتادة في هذا الحديث إسناد آخر بلفظ مختصر، يرويه سعيد بن أبي عروبة، وهمام، كلاهما عن قتادة، عن حنظلة الأسدي -وكان يقال له: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حافظ على الصلوات الخمس -أو: الصَّلاة المكتوبة-: على وضوئها، وعلى مواقيتها، وركوعها، وسجودها، يراها حقًّا عليه حرُم على النَّار". وفي رواية: "وعلم أنهن حق من عند الله: دخل الجنَّة -أو قال: وجبت له الجنَّة-".
أخرجه أحمد (4/ 267)، وأبو علي الطُّوسي في مختصر الأحكام (2/ 39/ 197)، وابن أبي شيبة في المسند (832)، والطبراني في الكبير (4/ 12/ 3494 و 3495)، والبيهقيّ في الشعب (3/ 46/ 2824)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (4/ 329).
قال في الترغيب (1/ 151): "رواه أحمد بإسناد جيد، ورواته رواة الصَّحيح".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 342): "وهو منقطع بين قتادة وحنظلة، والله أعلم".
وقال المزي في التهذيب (7/ 439) بأن قتادة لم يدرك حنظلة الكاتب.
وهو كما قالا؛ فإن قتادة لم يلق من الصّحابة: إلَّا أنسًا، وعبد الله بن سرجس، قاله أبو حاتم [المراسيل (640)، جامع التحصيل (255)، تحفة التحصيل (262)]، والتَّاريخ يدل على ذلك.
• ولحديث أبي الدرداء إسناد آخر: يرويه البيهقي في الشعب (3/ 20/ 2752) قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران: أنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الطيبي: ثنا الحسن بن علي بن زياد السُّرِّي: ثنا محمَّد بن يوسف: أنا أبو قره، ذكر عن يونس بن جبير أبي غلاب الباهلي، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، أنَّه حديثه، أن أبا الدرداء حديثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"من لقي الله بخمسٍ مع الإيمان دخل الجنَّة" قال: قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الصلوات الخمس: طهورهن، وركوعهن، وسجودهن، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا، والزكاة -وهي قنطرة الإسلام-، وأداء الأمانة" قال رجل: ما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ أول شيء ذكر من الأمانة: الاغتسال من الجنابة؛ قال: "يغسل البشرة، ويبل الشعر".
قلت: هو حديث غريب غريب.
الإسناد من لدن يونس بن جبير فمن فوقه: إسناد بصري صحيح، تفرد به من أهل البصرة: أبو قرة موسى بن طارق اليماني الزبيدي، وهو: ثقة يغرب، وأمَّا قوله: ذكر فلان، فليس بعلة، قال الدارقطني لما سئل عن ذلك:"هو سماع له كله، وقد كان أصاب كتبَه آفةٌ فتورع فيه، فكان يقول: ذكر فلان"[سؤالات السهمي (402)]. رواه عنه: محمَّد بن يوسف الزبيدي، أبو حمة اليماني: صاحب أبي قرة، ومحدث اليمن في وقته، قال عنه في التقريب (574):"صدوق".
تفرد به من أهل اليمن: الحسن بن علي بن زياد الرَّازي السُّرِّي: وهو محدث مشهور، روى عنه جماعة من الثقات، وهو شيخ للعقيلي، ولم أقف على من تكلم فيه بجرح أو تعديل [انظر: الأنساب (3/ 252)، الإكمال (4/ 569)، توضيح المشتبه (5/ 80)].
تفرد به من أهل الري: أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن نِيخاب الطيبي، منسوب إلى: طِيب، وهي بلدة بين واسط وكور الأهواز، مشهورة، كان ممن حدث ببغداد، قال فيه الخطيب:"ولم أسمع فيه إلَّا خيرًا، ونعته الذهبي بـ "الشيخ الصدوق" [تاريخ بغداد (4/ 35)، السير (15/ 530)، الأنساب (4/ 95)، الإكمال (5/ 258) و (7/ 338)].
رواه عنه: أبو الحسين علي بن محمَّد بن عبد الله بن بشران، البغدادي، قال الخطيب:"كتبنا عنه، وكان صدوقًا ثقة ثبتًا"، وقال الذهبي:"روى شيئًا كثيرًا على سداد وصدق وصحة رواية، كان عدلًا وقورًا"[تاريخ بغداد (12/ 98)، السير (17/ 311)، الإكمال (5/ 102)، تكملة الإكمال (3/ 468)].
فهو إسناد بصري، ثم يماني، ثم رازي، ثم طيبي، ثم بغدادي؛ فهو غريب، ولعل الحمل فيه على الرَّازي السري، أو على الطيبي، فالله أعلم.
• تفرد أحد الضعفاء بجملة منه:
فقد روى بقية بن الوليد، عن الضَّحَّاك بن حمرة، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزكاة قنطرة الإسلام".
أخرجه الطّبرانيّ في الكبير [مجمع الزوائد (3/ 62)، المقاصد الحسنة (538)]. وفي الأوسط (8/ 380/ 8937)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 183 - 184/ 270)، والبيهقيّ في الشعب (3/ 195/ 3310)، [وعزاه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (1/ 43) وإسحاق بن راهويه في مسنده، وأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب].
قال الطّبرانيّ: "لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلَّا بهذا الإسناد تفرد به بقية بن الوليد".
قلت: الضَّحَّاك بن حمرة الأملوكي الواسطيِّ: ضعيف، قال عنه البُخاريّ:"منكر الحديث، مجهول"[الميزان (2/ 322)، إكمال مغلطاي (7/ 13)، التهذيب (2/ 222)، التقريب (285)].
تفرد عنه بهذا الحديث: بقية بن الوليد؛ وهو مشهور بتدليس التسوية، وقد عنعنه، ويبدو لي أنَّه دلسه:
فقد رواه ابن عدي في الكامل (4/ 98)[وكذا هو في المخطوط (2/ 104/ ب)، وكذا أورده الذهبي في الميزان (2/ 323) بإثبات أبان]، ومن طريقه: ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 493/ 814)، قال ابن عدي: ثنا الحسين بن أبي معشر: ثنا ابن مصفى: ثنا بقية، عن الضَّحَّاك بن حمرة، عن أبان، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي الدرداء، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الزكاة قنطرة الإسلام".
وأبان هذا: الظاهر أنَّه ابن أبي عياش، وهو: متروك، دلسه بقية، فأسقطه، وسوى الإسناد، والله أعلم.
• والحاصل: أن حديث أبي الدرداء هذا: لا يصح من وجه، إنَّما هو: موقوف على أبي الدرداء، بإسناد منقطع.
• وقد ورد في معنى هذا الحديث: أحاديث كثيرة صحيحة في بيان شرائع الإسلام وأركانه، ولم أقف على شاهد له بلفظه، في ذكر أداء الأمانة ضمن شرائع الإسلام الخمس.
وأمَّا تفسير أداء الأمانة بغسل الجنابة؛ فلا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، ومما روي فيه: حديث أبي أيوب، وحديث ميمونة بنت سعد، وهما: حديثان ضعيفان، تقدما تحت الحديث رقم (248).
***