الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْل السَّادِس
بَيَان مَا يخل فِيهِ النّسخ
أعلم أَن النّسخ لَا يدْخل الْخَبَر فِي قَوْله أَكثر الْفُقَهَاء والأصوليين وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير
وَإِنَّمَا يكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي لطفا من الله تَعَالَى بعباده
وَقَالَ قوم إِنَّه يكون فِي الْأَخْبَار الَّتِي مَعْنَاهَا الْأَمر وَالنَّهْي وَبِه قَالَ الضَّحَّاك مُزَاحم
قلت وَعَلِيهِ يتَخَرَّج نسخ آيَة {الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة} وَآيَة الْعدة وَقَالَ قوم أَنه يكون فِي جَمِيع أَقسَام الْكَلَام وَبِه قَالَ زيد بن أسلم وَقَالَ ابْن الباقلاني لَا يجوز فِي خبر الله وَخبر رَسُوله
وَقَالَ القَاضِي فِي نسخ الْخَبَر أَنه أَن كَانَ مِمَّا لَا يجوز أَن يَقع إِلَّا على وَجه وَاحِد كصفات الله وَخبر مَا كَانَ وَخبر مَا سَيكون لم يجز نسخه
وَيجوز إِن كَانَ مِمَّا يَصح تَغْيِيره وتحوله كالأخبار عَن زيد بِأَنَّهُ مُؤمن أَو كَافِر وَعَن الصَّلَاة بِأَنَّهَا وَاجِبَة
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين هَذَا قَول جيد
قلت وَعَلِيهِ يتَخَرَّج نسخ نَحْو آيَة المحاسبة وَآيَة المصابرة
فَائِدَة فِي جَوَاز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف يجوز أَن ينْسَخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف فالأثقل بمضاعفة الْأجر وَرفع الدَّرَجَات بِالصبرِ وامتثال الْأَمر
والأخف للرأفة وَالرَّحْمَة مَعَ جزيل الْأجر تَعَالَى الله الْكَرِيم الْجواد فالنسخ حِينَئِذٍ تحول الْعباد من حَلَال إِلَى حرَام أَو حرَام إِلَى حَلَال وَمن مُبَاح إِلَى مَحْظُور وَمن مَحْظُور إِلَى مُبَاح وَمن خَفِيف إِلَى ثقيل وَمن ثقيل إِلَى خَفِيف كل ذَلِك لما يعلم الله تَعَالَى من الْمصلحَة لِعِبَادِهِ
فَائِدَة فِي الْفرق بَين النّسخ البداء
أَن الله تَعَالَى عَالم بِمَا فرض وبرفع ذَلِك الْفَرْض وَإِزَالَة حكمه وانقضاء زمن تِلْكَ الْعِبَادَة وَوقت الْفَرْض النَّاسِخ للْفَرض الأول
فَهُوَ تَعَالَى علام الغيوب لَيْسَ علم شَيْء عَنهُ بمحجوب يعلم سُبْحَانَهُ عواقب الْأُمُور وكل شَيْء عِنْده فِي كتاب مسطور
بِخِلَاف البداء فَإِنَّهُ من أَوْصَاف أَفعَال المخلوقين الَّذين لَا يعلمُونَ عواقب الْأُمُور
كَقَوْل الْقَائِل أَمر الْمَأْمُور افْعَل كَذَا ثمَّ يظْهر لَهُ بعد الْأَمر بِهِ والعزم عَلَيْهِ خِلَافه وَيظْهر لَهُ أَن تَركه اولى من فعله وَلم يكن مَا
ظهر لَهُ ثَانِيًا فِي نِيَّته حِين أَمر بِالْأولِ وَلم يعلم أَن مَا أَمر بِهِ سيبدوا لَهُ وَجه الْمصلحَة فِي الرُّجُوع عَنهُ
وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا يعلم أَي الْأَمريْنِ خير لَهُ مَا عزم أَولا أم مَا بدا لَهُ ثَانِيًا بل كل ذَلِك تبعا للظن تَغْلِيبًا لَهُ بِقِيَاس يَسْتَعْمِلهُ الْعقل ويريه إِيَّاه فِي مرْآة التجارب وَكثير من يخطىء فِي الْقيَاس ويغلط فِيهِ للعجز عَن إِدْرَاك حقائق الْأَشْيَاء لِأَن ذَلِك مِمَّا اسْتَأْثر الله بِهِ دون خلقه تَعَالَى الله علام الغيوب
فَهَذَا هُوَ الْفرق بَين النّسخ والبداء وَهُوَ من دَقِيق هَذَا الْعلم فاعرفه
قَالَ بَعضهم
ولخفائه على كثير من النَّاس منعت طَائِفَة من الصوفيين وَجَمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ كَأبي مُسلم الْأَصْفَهَانِي جَوَاز النّسخ فِي الْقُرْآن وأثبتوا نسخ الشَّرَائِع فمثلهم مثل قَوْلك أَنْت صَادِق يَا فلَان فِيمَا أخْبرت بِهِ وكاذب فِيهِ جهلا مِنْهُم بِمَعْرِِفَة الْفرق بَين النّسخ وَبَين البداء الْجَائِز على المخلوقين وَلَو تَأمل من أنكر النّسخ فِي الْقُرْآن مَا ذكر من الْفرق بَينهمَا لرجع عَن معتقده الْفَاسِد نَعُوذ بِاللَّه من الضَّلَالَة بعد الْهدى
إِذْ تقرر ذَلِك فلنشرع فِي الْمَقْصُود بعون الْملك المعبود