الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْل الْخَامِس
ذكر جمع الْقُرْآن الْعَظِيم
قد اشْتهر أَن عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه أول من جمع الْمَصَاحِف وَلَيْسَ كَذَلِك بل أول من جمعهَا فِي مصحف وَاحِد وَأَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ الْعلمَاء كَانَ الْقُرْآن فِي زمن الرَّسُول مفرقا فِي صُدُور الرِّجَال وَلم يحفظه إِلَّا ثَلَاثَة زيد بن ثَابت وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن مَسْعُود وَزَاد بَعضهم وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة
وَقد كتب النَّاس مِنْهُ فِي صحف وَفِي جريد وخرق وأقتاب وأكتاف وأحجار وَغير ذَلِك فَلَمَّا وَقع الْقَتْل فِي أهل الْيَمَامَة فِي خلَافَة الصّديق رضي الله عنه قتل كثير من حَملَة الْقُرْآن فجَاء عمر رضي الله عنه فَقَالَ قد علمت من قتل من حَملَة الْقُرْآن وَأَنِّي أخْشَى أَن يَقع الْقَتْل فِي الْعرَاق والمواطن فَيذْهب كثير من الْقُرْآن وَأَنِّي أرى أَن تَأمر بِجمع الْقُرْآن
فَقَالَ لعمر كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ عمر هُوَ وَالله خير فَلم يزل يُرَاجع أَبَا بكر فِي ذَلِك إِلَى أَن شرح الله صدر أبي بكر لذَلِك فَأرْسل إِلَى زيد بن ثَابت
فَقَالَا يَا زيد أَنْت رجل شَاب وَأَنت تكْتب الْوَحْي فتتبع الْقُرْآن فاجمعه
قَالَ زيد وَالله لَو كلفاني نقل جبل لنقلته ولكان أَهْون عَليّ مِمَّا أمراني بِهِ من جمع الْقُرْآن
فَقلت لَهما كَيفَ تفعلان شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَقَالَا هُوَ خير فَلم يَزَالَا يراجعاني حَتَّى شرح الله صَدْرِي لما شرح الله صدرها
وَإِنَّمَا اختارا زيد لما روى عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يعرض الْقُرْآن على جِبْرِيل فِي كل رَمَضَان مرّة فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي قبض فِيهِ عليه الصلاة والسلام عرض عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ فقرأه زيد آخر الْعرض فَلذَلِك اختاراه
قَالَ فتتبعت الْقُرْآن من الرّقاع والأكتاف والأقتاب والجريد وصدور الرِّجَال
وروى أَنه فقد آخر سُورَة التَّوْبَة {لقد جَاءَكُم رَسُول} إِلَى آخرهَا فَوَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ لم يجدهَا مَعَ غَيره فألحقها فِي سورتها
وَفِي رِوَايَة فقدت آيَة من الْأَحْزَاب حِين نسخنا الصُّحُف كنت أسمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقْرؤهَا فَلم أَجدهَا مَعَ أحد إِلَّا مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ {من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ} فألحقناها فِي سورتها
وَذكر البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ أَن أَبَا بكر رضي الله عنه قرن مَعَ زيد ثَلَاثَة من قُرَيْش وهم سعيد بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الْحَارِث وَعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم فَلَمَّا جمعُوا الْقُرْآن فِي الصُّحُف أَخذهَا أَبُو بكر رضي الله عنه فَكَانَت عِنْده إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ عِنْد عمر إِلَى أَن مَاتَ فَجعلت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فَلَمَّا كَانَت خلَافَة عُثْمَان اخْتلف النَّاس فِي الْقِرَاءَة
قَالَ أنس بن مَالك اجْتمع الْقُرَّاء فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه من أذربيجان وأرمينيه وَالشَّام وَالْعراق وَاخْتلفُوا حَتَّى كَاد أَن يكون بَينهم فتْنَة وَسبب الْخلاف حفظ كل مِنْهُم فِي مصاحف انتشرت
فِي خلال ذَلِك فِي الْآفَاق كتبت عَن الصَّحَابَة كمصحف ابْن مَسْعُود ومصحف أبي وَغَيره
وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أنس أَن حُذَيْفَة قدم على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينيه وأذربيجان مَعَ أهل الْعرَاق وأفزع حُذَيْفَة اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة فَقَالَ لعُثْمَان أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة أَن أرسلي إِلَيْنَا الصُّحُف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك فَأرْسلت بهَا إِلَيْهِ فَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرحمان بن الْحَارِث
وَقَالَ عُثْمَان للثَّلَاثَة إِن اختلفتم أَنْتُم وَزيد فِي شَيْء من الْقُرْآن فاكتبوه بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل بلسانهم فَفَعَلُوا حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة رضي الله عنها وَأرْسل فِي كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا وَأمر بِمَا سواهُ من الْقُرْآن فِي صحيفَة أَو مصحف أَن يحرق
وَاخْتلفُوا فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي اكتتبها عُثْمَان فَقيل أَرْبَعَة وَقيل سِتَّة وَقيل سَبْعَة وَأرْسل مِنْهَا إِلَى كل إقليم نُسْخَة وَكَانَ الصَّحَابَة قبل ذَلِك قد كتبُوا لأَنْفُسِهِمْ مصاحف فقدموا فِيهَا الْمَكِّيّ على الْمدنِي
وروى أَن ابْن مَسْعُود حذف من مصحفه أم الْكتاب والمعوذتين لاشتهارهن وَكَانَ فِي مصحف أبي بن كَعْب سُورَة الْقُنُوت