المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ا لجزء الأول أ   ‌ ‌فصل الهمزة أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي رحمه - لسان العرب - جـ ١

[ابن منظور]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة الناشر]

- ‌تَرْجَمَة الْمُؤلف رحمه الله

- ‌مُقَدّمَة الطبعة الأولى

- ‌مُقدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ

- ‌بَاب تَفْسِير الْحُرُوف الْمُقطعَة

- ‌بَاب ألقاب الْحُرُوف وطبائعها وخواصها

- ‌حرف الْهمزَة

- ‌ا

- ‌فصل الهمزة

- ‌فصل الثاء المثلثة

- ‌فصل الجيم

- ‌فصل الحاء المهملة

- ‌فصل الخاء المعجمة

- ‌فصل الدال المهملة

- ‌فصل الدال المعجمة

- ‌فصل الراء

- ‌فصل الزاي

- ‌فصل السين المهملة

- ‌فصل الشين المعجمة

- ‌فصل الصاد المهملة

- ‌فصل الضاد المعجمة

- ‌فصل الطاء المهملة

- ‌فصل العين المهملة

- ‌فصل الغين المعجمة

- ‌فصل الفاء

- ‌فصل القاف

- ‌فصل الكاف

- ‌فصل اللام

- ‌فصل الميم

- ‌فصل النون

- ‌فصل الهاء

- ‌فصل الواو

- ‌فصل الياء

- ‌ب

- ‌حرف الباء

- ‌فصل الهمزة

- ‌فصل الباء الموحدة

- ‌فصل التاء المثناة

- ‌فصل الثاء المثلثة

- ‌فصل الجيم

- ‌فصل الحاء المهملة

- ‌فصل الخاء المعجمة

- ‌فصل الدال المهملة

- ‌فصل الذال المعجمة

- ‌فصل الراء

- ‌فصل الزاي المعجمة

- ‌فصل السين المهملة

- ‌فصل الشين المعجمة

- ‌فصل الصاد المهملة

- ‌فصل الضأب

- ‌فصل الطاء المهملة

- ‌فصل الظاء المعجمة

- ‌فصل العين المهملة

- ‌فصل الغين المعجمة

- ‌فصل الفاء

- ‌فصل القاف

- ‌فصل الكاف

- ‌فصل اللام

- ‌فصل الميم

- ‌فصل النون

- ‌فصل الهاء

- ‌فصل الواو

- ‌فصل الياء المثناة تحتها

الفصل: ‌ ‌ا لجزء الأول أ   ‌ ‌فصل الهمزة أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي رحمه

‌ا

لجزء الأول

أ

‌فصل الهمزة

أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي رحمه الله: الأَبَاءَةُ لأَجَمَةِ القَصَبِ، والجمعُ أَباءٌ. قَالَ وَرُبَّمَا ذُكر هَذَا الْحَرْفُ فِي المعتلِّ مِنَ الصِّحاح وإِن الهمزةَ أَصلها ياءٌ. قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ سِيبَوَيهِ بَلْ يحمِلها عَلَى ظَاهِرِهَا حَتَّى يقومَ دليلٌ أَنها مِنَ الْوَاوِ أَو مِنَ الياءِ نَحْوَ: الرِّداء لأَنه مِنَ الرَّدْية، والكِساء لأَنه مِنَ الكُسْوة، وَاللَّهُ أَعلم.

أتأ: حَكَى أَبو عَلِيٍّ، فِي التَّذكرة، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: أَتْأةُ أُمُّ قَيْس بْنِ ضِرار قَاتِلِ الْمِقْدَامِ، وَهِيَ مِنْ بَكر وَائِلٍ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ أَجأ «1» . قَالَ جَرِيرٌ:

أَتَبِيتُ لَيْلَكَ، يَا ابْنَ أَتْأَةَ، نَائِمًا،

وبَنُو أُمامَةَ، عَنْكَ، غَيرُ نيامِ

وتَرى القِتالَ، مَعَ الكرامِ، مُحَرَّماً،

وتَرى الزِّناءَ، عَلَيْكَ، غَيرَ حَرَامِ

أثأ: جاءَ فُلَانٌ فِي أُثْئِيَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ أَي جَمَاعَةٍ. قَالَ: وأَثَأْتُه إِذا رميتُه بِسَهْمٍ، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ الأَصمعي. أَثيْتُه بِسَهْمٍ أَي رَمْيَتُهُ، وَهُوَ حَرْفٌ غَرِيبٌ. قَالَ وجاءَ أَيضاً أَصبحَ فلانٌ مُؤْتَثِئاً أَي لَا يَشتهي الطَّعَامَ، عَنِ الشيباني.

أجأ: أَجَأ عَلَى فَعَلٍ بِالتَّحْرِيكِ: جبلٌ لطيِءٍ يذكَّر ويؤَنَّث. وَهُنَالِكَ ثلاثةُ أَجبُل: أَجَأ وسَلْمَى والعَوْجَاءُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَجَأً اسمُ رجُل تعشَّق سَلْمَى وجمعَتْهما العَوْجاءُ، فَهَرَبَ أَجأ بسَلمى وذهبَت مَعَهُمَا العوجاءُ، فتبِعهم بعلُ سَلْمَى، فأَدركهم وَقَتَلَهُمْ، وصلبَ أَجأً عَلَى أَحدِ الأَجْبُلِ، فسمِّيَ أَجأً، وَصَلَبَ سَلْمَى عَلَى الْجَبَلِ الآخرِ، فسمِّيَ بِهَا، وَصلَبَ العوجاءَ عَلَى الثَّالِثِ، فسمِّيَ بِاسْمِهَا. قَالَ:

إِذَا أَجَأ تَلفَّعتْ بشِعافِها

عليَّ، وأَمْستْ، بالعماءِ، مُكلَّله

وأَصْبَحَتِ العَوْجاءُ يَهتَزُّ جِيدُها،

كَجِيدِ عَرُوسٍ أَصْبَحَتْ مُتَبَذِّلَه

(1). قوله قَالَ [وَهُوَ مِنْ بَابِ إلخ] كذا بالنسخ والذي في شرح القاموس وأنشد ياقوت في أجأ لجرير.

ص: 23

وَقَوْلُ أَبي النَّجم:

قدْ حيَّرَتْهُ جِنُّ سَلْمى وأَجا

أَراد وأَجأ فخفَّف تَخْفِيفًا قِيَاسِيًّا، وعامَلَ اللَّفْظَ كَمَا أَجاز الْخَلِيلُ رأْساً مَعَ ناس، على غَيْرِ التَّخْفِيفِ البدَلي، وَلَكِنْ عَلَى مُعَامَلَةِ اللَّفْظِ، واللفظُ كَثِيرًا مَا يراعَى فِي صِنَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ. أَلا تَرى أَن موضوعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ الأَخفَش عَلَى الْبَدَلِ. فأَما قَوْلُهُ:

مِثْل خَناذِيذِ أَجا وصخْرهِ

فإِنه أَبدل الهمزةَ فَقَلَبَهَا حَرْفَ علَّة لِلضَّرُورَةِ، والخَناذِيذُ رءُوس الْجِبِالِ: أَي إِبل مِثْلُ قِطع هَذَا الْجَبَلِ. الْجَوْهَرِيُّ: أَجأ وَسَلْمَى جَبَلَانِ لطيءٍ يُنْسب إِلَيْهِمَا الأَجئِيّون مِثَلَ الأَجعِيُّون. ابْنُ الأَعرابي: أَجَأَ إِذا فَرَّ.

أشأ: الأَشاءُ: صِغَارُ النَّخْلِ، واحدتها أَشاءَةٌ.

ألأ: الأَلاءُ بِوَزْنِ العَلاء: شَجَرٌ، ورقهُ وحَمْله دباغٌ، يُمدُّ ويُقْصر، وَهُوَ حسَن الْمَنْظَرِ مرُّ الطَّعْمِ، وَلَا يَزَالُ أَخضرَ شِتَاءً وَصَيْفًا. وَاحِدَتُهُ أَلاءَة بِوَزْنِ أَلاعة، وتأْليفه مِنْ لَامٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ. أَبو زَيْدٍ: هِيَ شَجَرَةٌ تُشْبِهُ الْآسَ لَا تَغيَّرُ فِي الْقَيْظِ، وَلَهَا ثَمَرَةٌ تُشبه سُنْبل الذُّرة، ومنبتُها الرَّمْلُ والأَودية. قَالَ: والسُّلامانُ نَحْوُ الأَلاءِ غَيْرَ أَنها أَصغرُ مِنْهَا، يُتَّخذ مِنْهَا الْمَسَاوِيكُ، وَثَمَرَتُهَا مِثْلُ ثَمَرَتِهَا، وَمَنْبَتُهَا الأَودية وَالصَّحَارِي؛ قَالَ ابْنُ عَنَمَة:

فخرَّ عَلَى الأَلاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ،

كأَنَّ جبِينَهُ سَيْفٌ صقِيلُ

وأَرض مأْلأَةٌ: كثيرةُ الأَلاءِ. وأَديمٌ مأْلوءٌ: مدبوغٌ بالأَلاءِ. وَرَوَى ثعلبٌ: إِهابٌ مأْلَى: مدبوغ بالأَلاءِ.

أوأ: آءَ عَلَى وَزْنِ عَاعَ: شَجَرٌ، وَاحِدَتُهُ آءَة. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: بَيْنَ نَخْلة وضَالَة وسِدْرة وآءَة. الآءَة بِوَزْنِ العاعَة، وتُجمع عَلَى آءٍ بوزنِ عاعٍ: هُوَ شجرٌ معروفٌ، لَيْسَ فِي الكلامِ اسمٌ وقعَت فيهِ ألفٌ بَيْنِ هَمزتين إلَّا هَذَا. هَذَا قولُ كُرَاعٍ، وَهُوَ مِنْ مَراتِعِ النَّعامِ، والتنُّومُ نبتٌ آخَرُ. وَتَصْغِيرُهَا: أُوَيْأَةٌ، وتأسيسُ بِنَائها مِنْ تأْليفِ واوٍ بينَ هَمْزَتَيْنِ. وَلَوْ قلتَ مِنَ الآءِ، كَمَا تَقُولُ مِنَ النَّومِ مَنامةٌ، عَلَى تقديرِ مَفعلةٌ، قُلْتَ: أَرض مآءَة. وَلَوِ اشتُقَّ منهُ فعلٌ، كَمَا يُشْتَقُّ مِنَ القرظِ، فقيلَ مقروظٌ، فَإِنْ كَانَ يدبغُ أَو يؤدمُ بِهِ طعامٌ أَو يخلطُ بِهِ دواءٌ قلتَ: هو مَؤُوءٌ مِثْلُ مَعُوع. وَيُقَالُ مِنْ ذلك أُؤْتُهُ بالآءِ آءُ «1» . قَالَ ابنُ بَرِّي: والدليلُ عَلَى أَنَّ أَصلَ هَذِهِ الأَلفِ الَّتِي بينَ الْهَمْزَتَيْنِ واوٌ قولُهم فِي تَصْغِيرِ آءَة أُوَيْأَةٌ. وأَرضٌ مآءَةٌ: تُنبتُ الآءَ، وَلَيْسَ بثَبتٍ. قال زهيرُ ابن أَبي سُلمى:

كأَنَّ الرَّحْلَ مِنْها فَوقَ صَعْلٍ

منَ الظِّلْمانِ، جُؤْجُؤُهُ هواءُ

أَصَكَّ، مُصَلَّمِ الأُذُنَيْنِ، أَجْنَى

لَهُ، بالسِّيِّ، تَنُّومٌ وآءُ

أَبو عَمْرٍو: مِنَ الشَّجرِ الدِّفْلى والآءُ، بِوَزْنِ العاعُ، والأَلاءُ والحَبْنُ كُلُّهُ الدِّفْلى. قَالَ الليثُ: الآءُ شجرٌ لهُ ثمرٌ يأْكلهُ النَّعامُ؛ قَالَ: وتُسمى الشجرةُ سَرْحَةً وثَمَرُها الْآءُ. وآءٌ، ممدودٌ: مِنْ زجر الإِبل. وآء

(1). صواب هذه اللفظة: [أوأ] وهي مصدر [آء] على جعله من الأجوف الواوي مثل: قلت قولًا، وهو ما أراده المصنف بلا ريب كما يدل عليه الأثر الباقي في الرسم لأنه مكتوب بألِفين كما رأيت في الصورة التي نقلناها. ولو أراد أن يكون ممدوداً لرسمه بألفٍ واحدة كما هو الاصطلاح في رسم الممدود. إبراهيم اليازجي

ص: 24

حِكَايَةُ أَصْوَاتٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

إنْ تَلْقَ عَمْراً، فَقَدْ لاقَيْتَ مُدَّرِعاً،

ولَيْسَ، مِنْ هَمِّه، إِبْلٌ وَلَا شاءُ

فِي جَحْفلٍ لَجِبٍ، جَمٍّ صواهِلُهُ،

باللَّيْلِ تُسمَعُ، فِي حَافاتِهِ، آءُ

قَالَ ابنُ بَرِّي: الصحيحُ عندَ أَهلِ اللغةِ أَنَّ الآءَ ثمرُ السَّرحِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ عنبٌ أَبيض يأْكلهُ النَّاسُ، ويتَّخذونَ منهُ رُبّاً؛ وعُذْر مَنْ سمَّاه بِالشَّجَرِ أَنهم قَدْ يُسمونَ الشجرَ باسمِ ثَمَرِهِ، فيقولُ أَحدُهم: فِي بُسْتَانِي السَّفَرْجَلُ وَالتُّفَّاحُ، وَهُوَ يُرِيدُ الأَشجارَ، فَيُعَبِّرُ بِالثَّمَرَةِ عَنِ الشجرِ؛ ومنهُ قولهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً. وَلَوْ بنيتَ مِنْهَا فِعْلًا لقلتَ: أُوتُ الأَديمَ إِذَا دبغتهُ به، والأَصلُ أُؤْتُ الأَديمَ بِهَمْزَتَيْنِ، فأُبدلت الهمزةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا. أَبو عَمْرٍو: الآءُ بِوَزْنِ الْعَاعِ: الدِّفلى. قَالَ: والآءُ أَيضاً صياحُ الأَمير بالغلام مثلُ العاع.

بأبأ: اللَّيْثُ البَأْبَأَةُ قولُ الإِنسان لصاحبهِ بِأَبي أَنْتَ، ومعناهُ أَفْدِيكَ بِأَبي، فيُشتقُّ مِنْ ذَلِكَ فِعْلٌ فَيُقَالُ: بَأْبَأَ بِهِ. قَالَ وَمِنَ العربِ مَنْ يَقُولُ: وا بِأَبَا أَنتَ، جَعَلُوهَا كَلِمَةً مبنِيَّةً عَلَى هَذَا التأْسيس. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ يا وَيْلَتى *، معْناهُ يَا وَيْلَتي، فقلبَ الياءَ أَلفاً، وكذلكَ يَا أَبَتا معناهُ يَا أَبَتِي، وَعَلَى هَذَا تُوَجَّهُ قراءَة مَنْ قرأَ: يَا أَبَتَ إِني، أَراد يَا أَبتا، وَهُوَ يُرِيدُ يَا أَبَتي، ثُمَّ حذفَ الأَلفَ، وَمَنْ قالَ يَا بِيَبَا حوَّلَ الْهَمْزَةَ يَاءً والأَصل: يَا بِأَبَا مَعْنَاهُ يَا بِأَبِي. وَالْفِعْلُ مِنْ هَذَا بَأْبأَ يُبَأْبِئُ بَأْبَأَةً. وبَأْبَأْتُ الصبيَّ وبَأْبأْتُ بِهِ: قلتُ لَهُ بأَبي أَنتَ وأُمي؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

وصاحِبٍ ذِي غَمْرةٍ داجَيْتُه،

بَأْبَأْتُهُ، وإِنْ أَبَى فَدَّيْتُه،

حَتَّى أَتى الحيَّ، وَمَا آذَيْتُه

وبأْبَأْته أَيضاً، وبأْبأْتُ بِهِ قلتُ لَهُ: بَابَا. وَقَالُوا: بَأْبَأَ الصبيَّ أَبوهُ إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وبَأْبَأَهُ الصبيُّ، إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وَقَالَ الفَرَّاءُ: بَأْبأْتُ بالصبيِّ بِئْباءً إِذَا قلتُ لَهُ: بِأَبي. قَالَ ابنُ جِنِّي: سأَلت أَبا عَلِيٍّ فقلتُ لَهُ: بَأْبَأْتُ الصَّبيَّ بَأْبأَةً إِذَا قلتُ لَهُ بَابَا، فَمَا مثالُ البَأْبَأَةِ عندكَ الْآنَ؟ أَتزنها عَلَى لَفْظِهَا فِي الأَصل، فَتَقُولُ مِثَالُهَا البَقْبَقَةُ بِمَنْزِلَةِ الصَلْصَلةِ والقَلْقَلةِ؟ فَقَالَ: بَلْ أَزِنُها عَلَى مَا صارَت إِلَيْهِ، وأَترك مَا كَانَتْ قبلُ عَلَيْهِ، فأَقولُ: الفَعْلَلة. قَالَ: وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ، وَبِهِ انعقادُ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ أَيضاً: إِذا قُلْتَ بأَبي أَنتَ، فَالْبَاءُ فِي أَوَّلِ الاسمِ حرفُ جَرٍّ بِمَنْزِلَةِ اللامِ فِي قولكَ: لِلَّهِ أنتَ، فَإِذَا اشتَقَقْتَ منهُ فِعْلًا اشْتِقَاقًا صَوْتِيّاً اسْتَحَالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ فَقُلْتَ: بَأْبَأْتُ بِهِ بِئباءً، وَقَدْ أَكثرت مِنَ البَأْبأَة، فَالْبَاءُ الْآنَ فِي لفظِ الأَصل، وإِن كَانَ قَدْ عُلم أَنها فِيمَا اشْتُقَّت منهُ زائدةٌ للجَرِّ؛ وَعَلَى هَذَا مِنْهَا البِأَبُ، فصارَ فِعْلًا مِنْ بَابِ سَلِسَ وقَلِقَ؛ قَالَ:

يَا بِأَبِي أَنْتَ، وَيَا فَوْقَ البِأَبْ

فالبِأَبُ الآنَ بمنزلةِ الضِّلَعِ والعِنَبِ. وَبَأْبَؤُوه: أَظْهَروا لَطافَةً؛ قَالَ:

إِذَا مَا القبائِلُ بَأْبَأْنَنا،

فَماذا نُرَجِّي بِبئْبائِها؟

وَكَذَلِكَ تَبأْبئُوا عليهِ. والبَأْباءُ، ممدودٌ: تَرْقِيصُ الْمَرْأَةِ ولدَها. والبَأْباءُ: زَجْرُ السِّنَّوْر، وَهُوَ الغِسُّ؛ وأَنشَدَ ابنُ الأَعرابي لرجلٍ

ص: 25

فِي الخَيْل:

وهُنَّ أَهلُ مَا يَتمازَيْن؛

وهُنَّ أَهلُ مَا يُبَأْبَيْن

أَي يُقَالُ لَهَا: بِأَبي فَرَسِي نَجَّانِي مِنْ كَذَا؛ وَمَا فِيهِمَا صِلة مَعْنَاهُ أَنهنَّ، يَعْنِي الخيْلَ، أَهْلٌ للمُناغاةِ بِهَذَا الكلامِ كَمَا يُرَقَّصُ الصبيُّ؛ وَقَوْلُهُ يَتمازَيْنَ أَي يَتَفاضَلْنَ. وبَأْبَأَ الفَحْلُ، وَهُوَ تَرْجِيعُ الباءِ فِي هَدِيرهِ. وبَأْبأَ الرَّجُلُ: أَسْرَعَ. وبأْبأْنا أَي أَسْرَعْنا. وتَبَأْبأْتُ تَبَأْبُؤاً إِذا عَدَوْتُ. والبُؤْبُؤُ: السيِّد الظَّريفُ الخفيفُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والبؤْبُؤُ: الأَصلُ، وَقِيلَ الأَصلُ الكريمُ أَو الخَسيسُ. وَقَالَ شَمِرٌ: بُؤْبُؤُ الرجلِ: أَصلُهُ. وَقَالَ أَبو عَمرو: البُؤْبُؤُ: العالِمُ المُعَلِّمُ. وَفِي الْمُحْكَمِ: العالمُ مثلُ السُّرْسُورِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي بُؤْبُؤ الكَرَمِ. وَيُقَالُ: البُؤْبُؤُ إِنسانُ العَيْن. وَفِي التَّهْذِيبِ: البُؤْبُؤُ: عَيْرُ العَيْن. وَقَالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: البؤْبؤُ بِلَا مَدّ عَلَى مِثَالِ الفُلْفُل. قالَ: البؤْبؤُ: بُؤْبؤُ العَيْنِ، وأَنشدَ شَاهِدًا عَلَى البُؤْبؤِ بِمَعْنَى السَّيِّد قولَ الرَّاجز فِي صفةِ امرأةٍ:

قَدْ فاقَتِ البؤْبُؤَ الْبُؤَيْبِيَهْ،

والجِلدُ مِنْها غِرْقِئُ القُوَيْقِيَهْ

الغِرْقِئُ: قِشْرُ البَيْضة. والقُويقِيةُ: كِنَايَةٌ عَنِ البَيْضة. قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: البؤْبُؤُ، بِغَيْرِ مدٍّ: السَّيِّد، والبُؤَيْبِيَةُ: السيِّدة، وأَنْشدَ لِجَرِيرٍ:

فِي بؤْبُؤ المَجْدِ وبُحْبوحِ الكَرَمْ

وأَمَّا القَالي فإِنهُ أَنْشده:

فِي ضِئْضئِ المَجْدِ وبُؤْبُوءِ الكَرَمْ

وَقَالَ: وَكَذَا رأَيتُهُ فِي شعرِ جَرِيرٍ؛ قَالَ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «1» مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ مِنْ كونهِ مِثَالَ سُرسُور. قَالَ وكأَنهما لُغَتَانِ، التَّهْذِيبُ، وأَنشدَ ابنُ السِّكِّيتِ:

ولكِنْ يُبَأْبِئُهُ بُؤْبؤٌ،

وبِئباؤُهُ حَجَأ أَحْجَؤُه

قَالَ ابْنُ السِكِّيت: يُبَأْبِئه: يُفَدِّيه، بُؤْبُؤٌ: سيدٌ كريمٌ، بِئبْاؤُهُ: تَفْدِيَتُه، وحَجَأ: أَي فَرَحٌ، أَحْجَؤُهُ: أَفْرَحُ بهِ. ويقالُ فلانٌ فِي بُؤْبؤِ صِدقٍ أَي أَصْلِ صِدْقٍ، وَقَالَ:

أَنا فِي بُؤْبؤِ صِدْقٍ،

نَعَمْ، وفي أَكْرَمِ أَصْلِ «2»

بتأ: بَتَأَ بِالْمَكَانِ يَبْتَأُ بُتُوءاً: أَقامَ. وَقِيلَ هَذِهِ لُغَةٌ، وَالْفَصِيحُ بَتَا بُتُوّاً. وسنذكرُ ذَلِكَ فِي المعتلِّ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى.

بثأ: بَثَاءُ: مَوضِعٌ مَعْرُوفٌ. أَنشدَ المُفَضَّلُ:

بِنَفْسِيَ ماءُ عَبْشَمْسِ بنِ سَعْدٍ،

غَداةَ بَثَاءَ، إِذْ عَرَفُوا اليَقِينا

وَقَدْ ذكرهُ الجوهريُّ فِي بَثَا مِنَ المعتلِّ. قَالَ ابنُ بَرِّي فَهَذَا مَوْضِعُهُ.

بدأ: فِي أَسماء اللهِ عز وجل المُبْدئ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً مِنْ غيرِ سابقِ مِثَالٍ. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَهُ. ويقالُ: لكَ البَدْءُ والبَدْأَةُ والبُدْأَةُ والبَدِيئةُ

(1). قوله [وعلى هذه الرواية إلخ] كذا بالنسخ والمراد ظاهر.

(2)

. قوله [أنا في بؤبؤ إلخ] كذا بالنسخ وانظر هل البيت من المجتث وتحرّفت في بؤبؤ عن ببؤبؤ أو اختلس الشاعر كلمة في.

ص: 26

والبَداءَةُ والبُداءَةُ بالمدِّ والبَدَاهةُ عَلَى البدلِ أَي لكَ أَنْ تَبْدَأَ قَبْلَ غَيْرِكَ فِي الرَّمْي وغيرهِ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: كَانَ ذلكَ فِي بَدْأَتِنا وبِدْأَتِنا، بالقصرِ والمدِّ «1»؛ قَالَ: وَلَا أَدري كَيْفَ ذلكَ. وَفِي مَبْدَأَتِنا عنهُ أَيضاً. وَقَدْ أَبْدَأْنا وبَدأْنا كُلُّ ذَلِكَ عَنْهُ. والبَدِيئةُ والبَداءَةُ والبَداهةُ: أَوّلُ مَا يَفْجَؤُكَ، الْهَاءُ فيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزِ. وبَدِيتُ بالشيءِ قَدَّمتُهُ، أَنْصاريّةٌ. وبَدِيتُ بالشيءِ وبَدأْتُ: ابْتَدَأْتُ. وأَبْدَأْتُ بالأَمْرِ بَدْءاً ابْتَدأْتُ بِهِ. وبَدأْتُ الشيءَ: فَعَلْتُهُ ابْتِداءً. وَفِي الْحَدِيثِ: الخَيْلُ مُبَدَّأَةٌ يومَ الوِرْدِ أَي يُبْدَأُ بِهَا فِي السَّقْيِ قبلَ الإِبِلِ والغَنَمِ، وَقَدْ تحذفُ الْهَمْزَةُ فتصيرُ أَلفاً سَاكِنَةً. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الأَوَّلُ؛ ومنهُ قَوْلُهُمْ: افْعَلْهُ بادِيَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْلٍ، وبادِي بَدِيءٍ عَلَى فَعِيلٍ، أَي أَوَّلَ شيءٍ، والياءُ من بادِي ساكِنةٌ فِي موضعِ النصبِ؛ هَكَذَا يتكلمونَ بهِ. قَالَ وَرُبَّمَا تَرَكُوا هَمَزَهُ لكثرةِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا نذكرهُ فِي بَابِ الْمُعْتَلِّ. وبادِئُ الرأْيِ: أَوَّلُهُ وابْتِداؤُهُ. وَعِنْدَ أَهلِ التحقيقِ مَنَّ الأَوائِلِ مَا أُدْرِكَ قبلَ إِنْعامِ النَّظرِ؛ يُقال فَعَلَه فِي بادئِ الرأيِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَنتَ بادئَ الرَأْي ومُبْتَدَأَهُ تُرِيدُ ظُلْمنا، أَي أَنتَ فِي أَوَّلِ الرَّأْيِ تُريدُ ظُلْمنا. وَرُوِيَ أَيضاً: أَنتَ باديَ الرأْي تُرِيدُ ظُلمنا بِغَيْرِ هَمْزٍ، ومعناهُ أَنتَ فِيمَا بَدا مِنَ الرأْي وظَهَرَ أَي أَنتَ فِي ظَاهِرِ الرأْي، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ:[وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ] وبادئَ الرَّأْيِ؛ قرأَ أَبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: بادئَ الرأْيِ بِالْهَمْزِ، وَسَائِرُ القرّاءِ قرءُوا بادِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَالَ الفَرّاءُ: لَا تَهْمِزُوا باديَ الرأْيِ لأَنَّ الْمَعْنَى فِيمَا يظهرُ لَنَا وَيَبْدُو؛ قَالَ: وَلَوْ أَرادَ ابْتِداءَ الرأْيِ فهَمزَ كَانَ صَوَابًا. وَسَنَذْكُرُهُ أَيضاً فِي بَدَا. وَمَعْنَى قراءَةِ أَبي عَمْرٍو بادئَ الرأيِ أَي أَوَّلَ الرأْيِ أَي اتَّبَعُوكَ ابْتِداءَ الرَأْي حِينَ ابْتَدءوا ينظرونَ، وَإِذَا فَكَّرُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ. وقالَ ابنُ الأَنباري: بادئَ، بالهمزِ، مَنْ بَدَأَ إِذَا ابْتَدَأَ؛ قَالَ: وانْتِصابُ مَنْ هَمزَ وَلَمْ يَهْمِزْ بالاتِّباع عَلَى مَذهَب المَصدرِ أَي اتَّبَعوكَ اتِّباعاً ظَاهِرًا، أَو اتِّباعاً مُبْتَدأً؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَعْنَى مَا نَراك اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا فِي ظاهرِ مَا نَرى مِنْهُمْ، وطَوِيَّاتُهم عَلَى خِلافِك وعَلى مُوافَقَتنَا؛ وَهُوَ منْ بَدا يَبْدُو إِذَا ظَهَر. وَفِي حديثِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: فانْطَلقَ إِلَى أَحَدِهم بادئَ الرَّأْي فَقَتَله. قَالَ ابنُ الأَثير: أَي فِي أَوَّلِ رأْيٍ رآهُ وابتدائِه، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ مِنَ البُدُوِّ: الظُّهور أَي فِي ظاهرِ الرَّأْيِ والنَّظَرِ. قَالُوا افْعَلْهُ بَدءاً وأَوَّلَ بَدْءٍ، عَنْ ثعلبٍ، وبادِيَ بَدْءٍ وباديَ بَدِيٍّ لَا يهمزُ. قَالَ وَهَذَا نادرٌ لأَنهُ لَيْسَ عَلَى التخفيفِ القياسيِّ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَما بادِئَ بَدْءٍ فإنِّي أَحْمَدُ اللهَ، وبادِي بَدأَةَ وبادئَ بداءٍ وَبَدَا بَدْءٍ وبَدْأَةَ بَدْأَةَ وباديَ بَدوٍ وبادِي بَداءٍ أَي أَمَّا بَدْءَ الرأْيِ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللهَ. ورأَيتُ فِي بعضِ أُصول الصحاحِ يقالُ: افْعَلْه بَدْأَةَ ذِي بَدْءٍ وبَدأَةَ ذِي بَدْأَةَ وبَدْأَةَ ذِي بَدِيءٍ وبَدْأَةَ بَديءٍ وبَديءَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْل، وبادِئَ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، وبادِئَ بَدِئٍ، عَلَى فَعِلٍ، وبَديءَ ذِي بَديءٍ أَي

(1). قوله [وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ كَانَ ذَلِكَ في بدأتنا إلخ] عبارة القاموس وشرحه وحكى اللحياني قولهم في الحكاية كان ذلك الأَمر في بدأتنا مثلثة الباء فتحاً وضماً وكسراً مع القصر والمدّ وفي بدأتنا محركة قَالَ الأَزهري وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَلِكَ وفي مبدئنا بالضم ومبدئنا بالفتح ومبدأتنا بالفتح.

ص: 27

أَوَّلَ أَوَّلَ. وبدأَ فِي الأَمرِ وعادَ وأَبْدَأَ وأَعادَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ

. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ أَيَّ شيءٍ يُبْدِئُ الباطلُ وأَيَّ شيءٍ يُعِيدُ، وتكونُ مَا نَفْياً والباطلُ هُنَا إِبْليِسُ، أَي مَا يَخْلُقُ إِبلِيسُ وَلَا يَبْعَثُ، واللهُ جلَّ وعزَّ هُوَ الخالقُ والباعثُ. وفَعَلَه عَوْدَه عَلَى بَدْئِه وَفِي عَوْدِه وبَدْئِه وَفِي عَوْدَتِه وبَدأَته. وَتَقُولُ: افْعَلْ ذلكَ عَوْداً وبَدْءاً وَيُقَالُ: رجَعَ عَوْدَه عَلَى بَدْئِه: إِذا رَجَعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ:

أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ فِي البَدْأَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُلثَ

، أَرادَ بالبَدْأَةِ ابتِداءَ سَفَرِ الغَزْوِ وبالرَّجْعةِ القُفُولَ منهُ؛ والمعْنى كانَ إِذا نَهَضَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جُملةِ الْعَسْكَرِ المُقْبِل عَلَى العَدُوّ فأَوْقَعَتْ بطائِفةٍ مِنَ العَدُوّ، فَمَا غَنِمُوا كانَ لهمْ الرُّبُع ويَشْرَكُهُمْ سائِرُ العَسكر فِي ثلاثةِ أَرباعِ مَا غَنِموا، وإِذا فَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْدَ عَوْدِ العسكرِ كانَ لهمْ مِنْ جَمِيعِ مَا غَنِمُوا الثُّلث، لأَنَّ الكَرَّةَ الثانِيَةَ أَشَقُّ عَلَيْهِمْ، والخَطَر فِيهَا أَعْظَمُ، وَذَلِكَ لقُوّة الظَّهْرِ عِنْدَ دُخولهم وضَعْفِه عِنْدَ خُروجهم، وهمْ فِي الأَوّلِ أَنْشَطُ وأَشْهى للسَّيْرِ والإِمْعانِ فِي بِلادِ العَدُوّ، وهمْ عِنْدَ القُفُولِ أَضْعَفُ وأَفْترُ وأَشْهَى للرُّجوعِ إِلى أَوْطانهمْ، فزادَهمْ لِذلك. وَفِي حَدِيثِ

عَلِيٍّ: واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُه يَقُولُ: لَيَضْرِبُنَّكُم عَلَى الدِّين عَوْداً كَمَا ضَرَبْتُموهم عَلَيْهِ بَدْءاً

أَي أَوّلًا، يَعْنِي العَجَمَ والمَوالي. وَفِي حَديثِ الحُدَيْبِيةِ: يكونُ لَهُمْ بَدءُ الفُجُورِ وثناهُ أَي أَوّلُه وآخِرُه. ويُقالُ فُلَانٌ مَا يُبدِئُ وَمَا يُعِيدُ أَي مَا يَتَكَلَّمُ ببادِئَةٍ وَلَا عائِدَةٍ. وَفِي الحديثِ:

مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمها وقَفِيزَها، ومَنَعَتِ الشامُ مُدْيَها ودِينارَها، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّها، وعُدْتم مِن حيثُ بَدَأْتُمْ.

قالَ ابنُ الأَثيرِ: هَذَا الحديثُ مِنْ مُعْجِزات سيدِنا رسول اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وَسَلَّمَ، لأَنهُ أَخبر بِمَا لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ فِي عِلم اللهِ كَائِنٌ، فَخرَج لفظُه عَلَى لَفْظِ الماضِي ودَلَّ بهِ عَلَى رِضَاهُ مِنْ عُمَر بنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِمَا وَظَّفَه عَلَى الكَفَرةِ مِنَ الجِزْيةِ فِي الْأَمْصَارِ. وَفِي تَفْسِيرِ المنعِ قَوْلَانِ: أَحدُهما أَنه علِم أَنهم سَيُسْلِمُون ويَسْقُطُ عَنْهُمْ مَا وُظِّفَ عَلَيْهِمْ، فصارُوا لَهُ بِإسلامهم مَانِعِينَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وعُدْتُم مِن حيثُ بَدَأْتم، لأَنَّ بَدْأَهم، فِي عِلْم اللهِ، أَنهم سَيُسلِمُون، فَعَادُوا مِن حَيْثُ بَدَءُوا. وَالثَّانِي أَنهم يَخرُجونَ عَنِ الطّاعةِ ويَعْصون الإِمام، فيَمْنَعون مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الوَظائفِ. والمُدْيُ مِكيالُ أَهلِ الشامِ، والقَفِيزُ لأَهْلِ العِراقِ، والإِرْدَبُّ لأَهْل مِصْرَ. والابتداءُ فِي العَرُوض: اسْمٌ لِكُلِّ جُزْءٍ يَعْتَلُّ فِي أَوّلِ البيتِ بِعلةٍ لَا يَكُونُ فِي شيءٍ مِنْ حَشْوِ البيتِ كالخَرْم فِي الطَّوِيلِ والوافِرِ والهَزَجِ والمُتقارَب، فإِنَّ هَذِهِ كُلُّهَا يُسَمَّى كلُ واحِدٍ مِنْ أَجْزائِها، إِذا اعْتَلَّ، ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ لأَنَّ فَعُولُنْ تُحذف منهُ الفاءُ فِي الابتداءِ، وَلَا تُحْذَفُ الْفَاءُ مِنْ فَعُولُنْ فِي حَشْوِ الْبَيْتِ البتةَ وَكَذَلِكَ أَوّل مُفاعلتن وأَوّل مَفاعيلن يُحذفان فِي أَولِ الْبَيْتِ، وَلَا يُسمى مُسْتَفْعِلُن فِي البسيطِ وَمَا أَشبههُ مِمَّا علَّتُه، كَعِلَّةِ أَجزاءِ حَشوهِ، ابْتِدَاءً، وَزَعْمَ الأَخْفَشُ أَن الْخَلِيلَ جَعَلَ فَاعِلَاتُنْ فِي أَوّلِ المديدِ ابْتِدَاءً؛ قَالَ: ولَم يدرِ الأَخْفَشُ لِمَ جَعَلَ فاعِلاتُن ابْتداءً، وَهِيَ تَكُونُ فَعِلاتن وفاعِلاتن كَمَا تَكُونُ أَجزاءُ الحَشْوِ. وذهبَ عَلَى الأَخْفَشِ أَنَّ الخَليل جعلَ فاعِلاتُن هُنَا لَيْسَتْ كالحَشو لأَن أَلِفَها تسقُطُ أَبداً بِلا مُعاقبة، وكُلُّ مَا جَازَ فِي جُزْئهِ الأَوّلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي حَشْوِهِ، فَاسْمُهُ الابتداءُ؛ وإِنما سُمِّي مَا وَقَعَ فِي الجزءِ ابْتِدَاءً لابتدائِكَ بِالإِعْلالِ. وبَدَأَ اللهُ الخَلْقَ بَدْءاً وأَبْدَأَهمْ بِمَعْنَى خَلَقَهم. وَفِي

ص: 28

التنزيل العزيز: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ*

. وَفِيهِ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ

. وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ

. وقالَ: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ

؛ فالأَوّل مِنَ البادِئِ وَالثَّانِي منَ المُبْدِئِ وَكلاهُما صِفةٌ للهِ جَلِيلَةٌ. والبَدِيءُ: المَخْلوقُ. وبِئرٌ بَدِيءٌ كَبديع، والجمْعُ بُدُؤٌ. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الْبِئْرُ الَّتِي حُفِرت فِي الإِسلام حَدِيثةً وَلَيْسَتْ بعادِيَّةٍ، وتُرِكَ فِيهَا الهمزةُ فِي أَكثرِ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَن يَحْفِر بِئْرًا فِي الأَرْضِ المَواتِ الَّتِي لَا رَبَّ لَهَا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ المسيَّب:

فِي حَرِيمِ البئرِ البَدِيءِ خَمسٌ وعِشْرونَ ذِراعاً

، يَقُولُ: لَهُ خَمس وَعِشْرُونَ ذِراعاً حَوالَيْها حَرِيمُها، ليسَ لأَحَدٍ أَن يَحْفِرَ فِي تلكَ الخمسِ والعشرينَ بِئْرًا. وإِنما شُبِّهت هَذِهِ البئرُ بالأَرضِ الَّتِي يُحْيِيها الرجُلُ فَيَكُونُ مالِكاً لَهَا، قَالَ: والقَلِيبُ: البئرُ العادِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعلمُ لَهَا رَبٌّ وَلَا حافِرٌ، فَلَيْسَ لأَحدٍ أَن يَنْزِلَ عَلَى خمسينَ ذِرَاعًا مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنها لعامَّة النَّاسِ، فإِذا نزَلها نازِلٌ مَنَعَ غَيْرَهُ؛ وَمَعْنَى النُّزولِ أَن لَا يَتَّخِذها دَارًا ويُقِيم عَلَيْهَا، وأَمّا أَن يَكُونَ عابِرَ سَبيلٍ فَلَا. أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ للرَّكِيَّةِ: بَدِيءٌ وبَدِيعٌ، إِذَا حَفَرْتها أَنت، فإِن أَصَبْتها قَدْ حُفِرَتْ قبلَك، فَهِيَ خَفِيَّةٌ، وزَمْزَمُ خَفِيَّةٌ لأَنها لإِسمعِيل فاندَفنت، وأَنشَدَ:

فَصَبَّحَتْ، قَبْلَ أَذانِ الفُرْقانْ،

تَعْصِبُ أَعْقارَ حِياض البُودانْ

قَالَ: البُودانُ القُلْبانُ، وَهِيَ الرَّكايا، وَاحِدُهَا بَدِيءٌ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مقلوبٌ، والأَصلُ بُدْيانٌ، فقَدَّمَ الياءَ وجعَلَها وَاوًا؛ والفُرقانُ: الصُّبْحُ، والبَدِيءُ: العَجَبُ، وجاءَ بأَمرٍ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، أَيْ عَجيبٍ. وبَدِيءٌ مِن بَدَأْتُ، والبَدِيءُ: الأَمْرُ البَدِيعُ، وأَبْدَأَ الرَّجُلُ: إِذا جاءَ بهِ، يُقال أَمرٌ بَدِيءٌ. قالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبرَص:

فَلَا بَدِيءٌ وَلَا عَجِيبُ

والبَدْءُ: السيِّدُ، وقِيلَ الشَّابُّ المُسْتَجادُ الرأْيِ، المُسْتشَارُ، والجَمْعُ بُدُوءٌ. والبَدْءُ: السَيِّدُ الأَوَّلُ فِي السِّيادةِ، والثُنْيانُ: الذِي يِليهِ فِي السُّؤْدد. قالَ أَوْسُ بْنُ مَغْراءَ السَّعْدِيّ:

ثُنْيانُنا، إِنْ أَتاهُمْ، كانَ بَدْأَهُمُ،

وبدْؤُهُمْ، إنْ أَتانا، كانَ ثُنْيانا

والبَدْءُ: المَفصِلُ. والبَدْءُ: العَظْمُ بِمَا عَليهِ مِنَ اللَّحمِ. والبَدْءُ: خَيرُ عَظْمٍ فِي الجَزُورِ، وقيلَ خَيْرُ نَصِيبٍ فِي الجَزُور. والجمْعُ أَبْدَاءٌ وبُدُوءٌ مِثلُ جَفْنٍ وأَجْفانٍ وجُفُونٍ. قالَ طَرَفةُ بْنُ الْعَبْدِ:

وهُمُ أَيْسارُ لُقْمانَ، إِذا

أَغْلَتِ الشَّتْوةُ أَبْداءَ الجُزُرْ

ويُقالُ: أَهْدَى لهُ بَدْأَةَ الجَزُورِ أَيْ خَيْرَ الأَنصِباءِ، وأَنشَدَ ابنُ السِّكِّيتِ:

عَلَى أَيِّ بَدْءٍ مَقْسَمُ اللّحْمِ يُجْعَلُ

والأَبْداءُ: المفَاصِلُ، واحِدُها بَدًى، مقصورٌ، وهو أَيْضاً بَدءٌ، مَهْمُوزٌ، تقدِيرُهُ بَدْعٌ. وأَبْدَاءُ الجَزُورِ عَشرَةٌ: وَرِكاهَا وفَخِذَاهَا وساقاهَا وكَتِفَاهَا وعَضُداها، وهُمَا أَلأَمُ الجَزُورِ لِكَثرَةِ العُرُوقِ. والبُدْأَةُ: النَّصِيبُ مِنْ أَنْصِباءِ الجَزُور؛ قالَ النَّمِرُ ابن تَوْلَب:

فَمَنَحْتُ بُدْأَتَهَا رَقِيباً جانِحاً،

والنارُ تَلْفَحُ وَجْهَهُ بأُوَارِها

ص: 29

وَرَوَى ابنُ الأَعرابيِّ: فمَنَحْتُ بُدَّتَها، وَهِيَ النَّصيبُ، وهوَ مَذْكورٌ فِي مَوْضِعِه؛ وروَى ثَعْلَبٌ رفِيقاً جانِحاً «2». وَفِي الصِّحاحِ: البَدْءُ والبَدْأَةُ: النصِيبُ مِنَ الجَزورِ بفَتحِ الباءِ فِيهِمَا؛ وَهَذَا شِعْرُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ بضمِّها كَمَا ترَى. وبُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً فَهُوَ مبْدُوءٌ: جُدِرَ أَوْ حُصِبَ. قَالَ الكميتُ:

فكأَنَّما بُدِئَتْ ظواهِرُ جِلْدِهِ،

ممَّا يُصَافِحُ مِنْ لهِيبِ سُهَامِها «3»

وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: بُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً: خَرَجَ بهِ بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيِّ؛ ثمَّ قَالَ: قالَ بَعْضُهُمْ هُو الجُدريُّ بِعَيْنِهِ. ورَجُلٌ مَبْدُوءٌ: خرَج بهِ ذلِك. وَفِي حديثِ

عائِشة رضي الله عنها أَنها قالتْ: فِي اليومِ الَّذِي بُدِئَ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَا رَأْساه.

قالَ ابنُ الأَثير: يُقالُ مَتَى بُدِئَ فلانٌ أَي مَتَى مَرِضَ؛ قَالَ: ويُسأَلُ بهِ عَنِ الحيِّ والمَيِّتِ. وبَدَأَ مِنْ أَرضٍ إِلَى أَرضٍ أُخرى وأَبْدأَ: خرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا إِبْداءً. وأَبْدأَ الرَّجلُ: كِناية عَنِ النَّجْو، والاسمُ البَداءُ، ممدودٌ. وأَبْدَأَ الصبيُّ: خَرَجت أَسْنانُهُ بَعْدَ سُقُوطِها. والبُدْأَةُ: هَنَةٌ سوداءُ كأَنها كَمْءٌ وَلَا يُنتَفَعُ بِهَا، حَكَاهُ أَبو حنيفة.

بذأ: بَذَأْتُ الرَّجلَ بَذْءاً: إِذا رأَيْتُ مِنْهُ حَالًا كرِهْتُها. وبَذَأَتْهُ عَيْني تَبْذَؤُهُ بَذاءً وبذاءَةً: ازْدَرَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، وَلَمْ تَقْبَله، وَلَمْ تُعْجِبْكَ مَرْآتُه. وبَذَأْتُهُ أَبْذَؤُهُ بَذْءاً: إِذا ذَممْتُهُ. أَبو زيدٍ، يُقال: بَذَأَتْهُ عَيْني بَذْءاً إِذا أُطرِيَ لكَ وعندَكَ الشيءُ ثُمَّ لَمْ ترَهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا رأَيتهُ كَمَا وُصِفَ لكَ قُلْتَ: مَا تَبْذَؤُهُ العَيْنُ. وبَذَأَ الشيءَ: ذَمَّه. وبُذئَ الرَّجُلُ: إِذَا ازْدُرِيَ. وبَذَأَ الأَرضَ: ذَمَّ مَرْعاها. قال:

أُزِّيَ مُسْتَهنئٌ فِي البَدِيءِ،

فَيَرْمَأُ فيهِ وَلَا يَبْذَؤُهْ

وَيُرْوَى: فِي البَدِيِّ؛ وكذلِك المَوْضِع إِذَا لَمْ تَحْمَدْه. وأَرضٌ بَذِيئَةٌ عَلَى مِثالِ فَعِيلة: لَا مَرْعى بِهَا. وباذَأْتُ الرَّجلَ: إِذَا خاصَمْته. وَقَالَ الشَّعْبي: إِذا عَظُمَتِ الحَلْقَةُ فَإِنَّمَا هِيَ بِذاءٌ ونِجاءٌ. وقِيلَ البِذاءُ: المُباذأَةُ وَهِيَ المُفاحَشة. يُقال باذَأْتُهُ بِذاءً ومُباذأَةً؛ والنِّجاءُ: المُناجاة. وَقَالَ شمِرٌ فِي تفسيرِ قولِهِ: إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَبَذيءٌ مُغْرِقٌ. قَالَ: البَذِيءُ: الفاحِشُ القَوْلِ، ورَجُلٌ بَذِيءٌ مِن قَوْمٍ أَبْذِياءَ، والبَذِيءُ: الفاحِشُ مِن الرِّجالِ، والأُنثى بَذِيئةٌ. وَقَدْ بَذُؤَ يَبْذُؤُ بِذَاءً وبَذاءَةً، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بَذِئَ يَبْذَأُ بَذْءاً. قَالَ أَبو النَّجْمِ:

فاليَومُ يَوْمُ تَفاضُلٍ وبَذاء

وامرأَةٌ بَذِيئةٌ ورَجُلٌ بَذيءٌ مِنْ قَوْمٍ أَبْذِياءَ: بَيِّنُ البَذاءَةِ. وأَنشَدَ:

هَذْرَ البَذِيئةِ، لَيْلَها، لَمْ تَهْجَعِ

وامرأَةٌ بَذِيَّةٌ. وَسَنَذْكُرُ فِي المعتلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.

(2). قوله [جانحاً] كذا هو في النسخ بالنون وسيأتي في ب د د بالميم.

(3)

. قوله [سهامها] ضبط في التكملة بالفتح والضم ورمز له بلفظ معاً إشارة إلى أن البيت مروي بهما.

ص: 30

برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عز وجل، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ

. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ

. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ مِثالٍ. قالَ ولهذِهِ اللفْظَةِ مِن الاخْتِصاصِ بخَلْقِ الحيَوانِ مَا لَيْسَ لَهَا بغَيرهِ مِن المخْلوقات، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ فِي غيرِ الحيوانِ، فيُقال: برَأَ اللهُ النسَمَة وخَلَقَ السَّماوات والأَرضَ. قَالَ ابنُ سِيدَة: برَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم بَرءاً وبُرُوءاً: خَلَقَهُم، يكونُ ذلكَ فِي الجَواهِرِ والأَعْراضِ. وَفِي التنزِيلِ: [مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها

] وَفِي التَّهْذِيبِ: والبَرِيَّةُ أَيضاً: الخَلْق، بِلَا هَمْزٍ. قالَ الفَرَّاءُ: هيَ مِنْ بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ أَي خَلَقَهُم. والبَرِيَّةُ: الخَلْقُ، وأَصْلُها الهمْزُ، وَقَدْ ترَكَت العَرَبُ هَمْزَها. ونظِيرهُ: النبيُّ والذُّرِّيَّةُ. وأَهلُ مَكَّةَ يُخالِفُونَ غيرَهُم مِنَ العَرَب، يَهْمِزُونَ البَريئةَ والنَّبيءَ والذّرِّيئةَ، مِنْ ذَرَأَ اللهُ الخلْقَ، وذلِكَ قلِيلٌ. قالَ الفرَّاءُ: وإِذا أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن البرَى، وَهُوَ التُّراب، فأَصلها غَيْرُ الهمْزِ. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَجمَعَتِ العَرَبُ عَلَى ترْكِ هَمْزِ هَذِهِ الثلاثةِ، وَلَمْ يَستثنِ أَهل مكةَ. وبَرِئْتُ مِن المَرَضِ، وبَرَأَ المرِيضُ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ بَرْءاً وبُرُوءاً، وأَهلُ العَالِيَةِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ أَبْرأُ بَرْءاً وبُروءاً، وأَهلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ مِنَ المرَضِ بَرءاً، بالفتحِ، وسائرُ العَرَبِ يَقُولُونَ: بَرِئتُ مِنَ المرَضِ. وأَصْبَحَ بارِئاً مِنْ مَرَضِهِ وبَرِيئاً مِنْ قومٍ بِراءٍ، كقولكَ صحِيحاً، وصِحاحاً، فذلِكَ ذَلِكَ. غيرَ أَنه إِنما ذَهَبَ فِي بِراءٍ إِلَى أَنه جَمْعُ بَرِيءٍ. قَالَ وقدْ يجوزُ أَنْ يَكون بِرَاءٌ أَيضاً جمْع بارِئٍ، كجائعٍ وجِياعٍ وصاحِبٍ وصِحابٍ. وقدْ أَبرَأَهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ إِبراءً. قَالَ ابنُ بَرِّيّ: لَمْ يَذكُر الجوهَري بَرَأْتُ أَبرُؤُ، بالضمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ: وَقَدْ ذكَرهُ سِيبويهِ وأَبو عثمانَ المازِني وغيرُهُما مِنَ البصرِيين. قالَ وإِنما ذكَرْتُ هَذَا لأَنَّ بعْضَهُم لَحَّنَ بَشار بنَ بُرْد فِي قولهِ:

نَفَرَ الحَيُّ مِنْ مَكاني، فَقَالُوا:

فُزْ بصَبْرٍ، لعَلَّ عَيْنَكَ تبْرُو

مَسَّهُ، مِنْ صُدودِ عَبْدةَ، ضُرٌّ،

فبَنَاتُ الفُؤَادِ مَا تسْتَقِرُّ

وَفِي حدِيثِ

مَرَضِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ العباسُ لِعَلِيٍّ رضي الله عنهما: كيفَ أَصْبَحَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بارِئاً

، أَي مُعافًى. يقالُ: بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبرَأُ بَرْءاً، بِالْفَتْحِ، فأَنا بارِئٌ؛ وأَبرَأَني اللهُ مِنَ المرَض. وغيرُ أَهلِ الحِجازِ يَقُولُونَ: برِئت، بالكسرِ، بُرْءاً، بِالضَّمِّ. ومِنْهُ قولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْف لأَبي بَكْرٍ رضي الله عنهما: أَراكَ بَارِئًا. وَفِي حديثِ

الشُّرْب: فإِنهُ أَرْوَى وأَبرَى

، أَي يُبرِئهُ مِنْ أَلَمِ العَطَشِ. أَو أَرادَ أَنهُ لَا يكونُ مِنْهُ مَرَضٌ، لأَنهُ قدْ جاءَ فِي حديثٍ آخَرَ:

فإِنهُ يُورِثُ الكُبادَ.

قالَ: وَهَكَذَا يُرْوَى فِي الحديثِ أَبْرى، غيرَ مَهْمُوزةٍ، لأَجلِ أَرْوَى. والبَرَاءُ فِي المَدِيدِ: الجُزْءُ السَّالِمُ مِنْ زِحَافِ المُعاقبَةِ. وكلُّ جزءٍ يمكِنُ أَنْ يَدْخُله الزِّحافُ كالمُعاقبَةِ، فيَسْلَمُ منهُ، فَهُوَ بَرِيءٌ. الأَزهَرِي: وأَما قَوْلُهُمْ بَرِئْتُ مِنَ الدَّينِ، والرَّجُلُ

ص: 31

أَبْرَأَ بَراءَةً، وبَرِئتُ إليْكَ مِنْ فلانٍ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فليسَ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ اللغَةِ. قَالَ الأَزهَري: وَقَدْ رَوَوْا بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبْرُؤُ بُرْءاً. قَالَ: وَلَمْ نجِدْ فِيمَا لَامُهُ هَمْزةٌ فَعَلْتُ أَفْعُلُ. قَالَ: وَقَدِ اسْتَقْصَى العلماءُ باللغَةِ هَذَا، فَلَمْ يجدُوهُ إِلا فِي هَذَا الحرْف، ثُمَّ ذكرَ قرَأْتُ أَقْرُؤُ وهَنَأْتُ البعِيرَ أَهْنُؤُه. وقولهُ عز وجل: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

، قَالَ: فِي رَفعِ بَرَاءةٌ قولانِ: أَحدهُما عَلَى خَبرِ الابتداءِ، الْمَعْنَى: هذهِ الآياتُ بَرَاءَةٌ مِن اللهِ ورسولهِ؛ وَالثَّانِي بَراءَةٌ

ابتداءٌ والخبرُ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. قَالَ: وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ. وأَبْرأْتُه مِمَّا لِي عليْهِ وبَرَّأْتُهُ تَبْرِئةً، وبَرِئَ مِنَ الأَمْرِ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ، والأَخِير نادِرٌ، بَراءَةً وبَراءً، الأَخِيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ قالَ: وكذلِكَ فِي الدَّينِ والعُيوبِ بَرِئَ إِليكَ مِنْ حَقِّكَ بَراءَةً وبَراءً وبُروءاً وتبرُّؤاً، وأَبرَأَكَ مِنهُ وبَرَّأَكَ. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ:[فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا]. وأَنا بَرِيءٌ مِنْ ذلِكَ وبَراءٌ، والجمْعُ بِراءٌ، مِثْلَ كَرِيمٍ وكِرامٍ، وبُرَآءُ، مِثل فقِيه وفُقَهاء، وأَبراء، مِثْلَ شريفٍ وأَشرافٍ، وأَبرِياءُ، مِثْلَ نَصِيبٍ وأَنْصِباء، وبَرِيئون وبَراء. وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: البُراءُ جمعُ بَريء، وَهُوَ مِنْ بابِ رَخْلٍ ورُخالٍ. وَحَكَى الفرَّاءُ فِي جَمْعِهِ: بُراء غَيْرَ مصروفٍ عَلَى حذفِ إِحدى الهمزَتين. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَهلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: أَنا مِنك بَراء. قَالَ: وَفِي التَّنْزِيلِ العزيزِ: [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ

]. وتَبَرَّأْتُ مِن كَذَا وأَنا بَراءٌ مِنهُ وخَلاءٌ، لَا يُثَنَّى وَلَا يجمَع، لأَنهُ مصدَرٌ فِي الأَصْل، مِثل سَمِعَ سَمَاعاً، فَإِذَا قُلْتَ: أَنا بَرِيءٌ مِنهُ وخَلِيٌّ مِنْهُ ثنَّيت وجَمَعْت وأَنَّثْت. ولغةُ تميمٍ وَغَيْرِهِمْ مِن العَرَب: أَنا بَرِيءٌ. وَفِي غيرِ موضعٍ مِن القرآنِ: إِنِّي بَرِيءٌ*

؛ والأُنثى بَريئَةٌ، وَلَا يُقال: بَرَاءَةٌ، وهُما بَريئتانِ، والجمعُ بَرِيئات، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: بَرِيَّاتٌ وبَرايا كخَطايا؛ وأَنا البرَاءُ مِنهُ، وكذلِكَ الِاثْنَانِ والجمعُ والمؤَنث. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ

]. الأَزهري: والعَرَبُ تَقُولُ: نحنُ مِنكَ البَراءُ والخَلاءُ والواحِد وَالِاثْنَانِ والجمْعُ مِنَ المذكَّر والمؤَنث يُقال: بَراءٌ لأَنهُ مصدَر. وَلَوْ قَالَ: بَرِيء، لقِيلَ فِي الاثنينِ: بَريئانِ، وَفِي الْجَمْعِ: بَرِيئونَ وبَراءٌ. وَقَالَ أَبو إِسحاق: الْمَعْنَى فِي البَراءِ أَي ذُو البَراءِ مِنْكُمْ، ونحنُ ذَوُو البَراءِ مِنْكُمْ. وزادَ الأَصمَعِي: نحنُ بُرَآء عَلَى فُعَلاء، وبِراء عَلَى فِعالٍ، وأَبْرِياء؛ وَفِي المؤَنث: إِنني بَرِيئةٌ وبَرِيئتانِ، وَفِي الجمْعِ بَرِيئاتٌ وبَرايا. الْجَوْهَرِيُّ: رجلٌ بَرِيءٌ وبُراءٌ مثلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: المعروفُ فِي بُراءٍ أَنه جمعٌ لَا واحِدٌ، وعليهِ قولُ الشاعِر:

رأَيتُ الحَرْبَ يَجنُبُها رِجالٌ،

ويَصْلى، حَرَّها، قَوْمٌ بُراءٌ

قَالَ ومثلهُ لزُهير:

إليْكُم إِنَّنا قَوْمٌ بُراءٌ

وَنَصَّ ابْنُ جِنِّي عَلَى كونِهِ جَمْعاً، فَقَالَ: يجمَعُ بَرِيءٌ عَلَى أَربَعَةٍ مِن الجُموع: بَرِيءٌ وبِراءٌ، مِثل ظَريفٍ وظِرافٍ، وبَرِيءٌ وبُرَآءُ، مِثْلَ شَرِيفٍ وشُرفاء، وبَرِيءٌ وأَبْرِياءُ، مِثل صَدِيقٍ وأَصدِقاء، وبَريءٌ وبُراءٌ، مِثْلَ مَا جاءَ مِنَ الجُموعِ عَلَى فُعالٍ نَحْوَ تُؤَامٍ ورُباءٍ «4» فِي جمعِ تَوْأَم ورُبَّى.

(4). الصواب أن يقال في جمعها: رُبَاب بالباء في آخره وهو الذي ذكره المصنّف وصاحب القاموس وغيرهما في مادة ر ب ب أحمد تيمور.

ص: 32

ابنُ الأَعرابي: بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ، وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ، وبَرِئَ، إِذا أَعْذَرَ وأَنذَرَ؛ وَمِنْهُ قولهُ تَعَالَى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

، أَي إِعْذارٌ وإِنذارٌ. وَفِي حَدِيثِ

أَبي هُرَيرة رضي الله عنه لَمَّا دعاهُ عُمَرُ إِلَى العَملِ فأَبَى، فَقَالَ عُمر: إِنّ يُوسُفَ قَدْ سأَلَ العَمَلَ. فقالَ: إِنَّ يُوسُفَ مِنِّي بَرِيءٌ وأَنا مِنْه بَرَاء

أَيْ بَرِيءٌ عَنْ مُساواتِهِ فِي الحُكْمِ وأَنْ أُقاسَ بهِ؛ وَلَمْ يُرِدْ بَراءَةَ الوِلايةِ والمَحَبَّةِ لأَنهُ مأْمورٌ بالإِيمانِ بِهِ، والبَرَاءُ والبَرِيءُ سَواءٌ. وليلةُ البَراءِ لَيْلَةَ يَتَبَرَّأُ القمرُ منَ الشمسِ، وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الشهرِ. التَّهْذِيبُ: البرَاءُ أَوَّلُ يومٍ منَ الشهرِ، وَقَدْ أَبْرأَ: إِذَا دخلَ فِي البَراءِ، وَهُوَ أوّلُ الشهرِ. وَفِي الصحاحِ البَراءُ، بالفتحِ: أَوَّلُ ليلةٍ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ ليلةُ البَراءِ، قَالَ:

يَا عَيْنُ بَكِّي مالِكاً وعَبْسَا،

يَوْماً، إِذا كانَ البَراءُ نَحْسا

أَي إِذا لَمْ يَكُنْ فيهِ مَطَرٌ، وَهُمْ يَسْتَحِبُّونَ المطرَ فِي آخِرِ الشهرِ؛ وجمعهُ أَبْرِئةٌ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ثعلبٍ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ تُسَمَّى بَراء لتَبَرُّؤِ الْقَمَرِ فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ لِآخِرِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ البَراء لأَنه قد بَرِئَ مِن هَذَا الشَّهْرِ. وابنُ البَراء: أَوَّل يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ. ابْنُ الأَعرابي: البَراءُ مِنَ الأَيامِ يَوْمُ سَعْدٍ يُتَبرَّكُ بِكُلِّ مَا يَحدُث فِيهِ، وأَنشد:

كَانَ البَراءُ لَهُمْ نَحْساً فَغَرَّقَهُم،

وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ نحْساً مُذ سَرَى القَمَرُ

وَقَالَ آخَرُ:

إِنَّ عبِيداً «1» لَا يَكُونُ غُسّاً،

كَمَا البَراءُ لَا يَكُونُ نحْسا

أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: أَبْرَأَ الرَّجُل: إِذَا صادَفَ بَرِيئاً، وَهُوَ قَصَبُ السُّكَّرِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَحْسَبُ هَذَا غَيْرَ صَحِيحٍ؛ قَالَ: وَالَّذِي أَعرفه أَبَرْت: إِذَا صادَفْتَ بَرِيّاً، وهو سُكَّر الطَّبَرْزَدِ. وبارَأْتُ الرَّجل: بَرِئْتُ إِلَيْهِ وبَرِئَ إِليَّ. وبارَأْتُ شَرِيكي: إِذَا فارَقْتَه. وبارأَ المرأَةَ والكَرِيَّ مُبارأَةً وبِراءً: صالَحَهما عَلَى الفِراق. والاستِبراءُ: أَن يَشْتَرِيَ الرَّجلُ جارِيةً، فَلَا يَطَؤُها حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضةً ثُمَّ تَطْهُرَ؛ وَكَذَلِكَ إِذَا سبَاها لَمْ يَطَأْها حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ، ومعناهُ: طَلَبُ بَراءَتها مِنَ الحَمْل. واستَبْرأتُ مَا عِنْدَكَ: غيرُه. اسْتَبْرَأَ المرأَةَ: إِذَا لَمْ يَطَأْها حَتَّى تحِيضَ؛ وَكَذَلِكَ اسْتَبْرَأَ الرّحِمَ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي اسْتِبْراء الْجَارِيَةِ: لَا يَمَسُّها حَتَّى تَبْرَأَ رَحِمُها ويَتَبَيَّنَ حَالُهَا هَلْ هِيَ حامِلٌ أَم لَا. وَكَذَلِكَ الاسْتِبْراءُ الَّذِي يُذْكَر مَعَ الاسْتِنْجاء فِي الطَّهارة، وَهُوَ أَن يَسْتَفْرِغَ بَقِيَّةَ الْبَوْلِ، ويُنَقِّي مَوْضِعَه ومَجْراه، حَتَّى يُبْرِئَهما مِنْهُ أَي يُبِينَه عَنْهُمَا، كَمَا يَبْرَأُ مِنَ الدَّين والمَرَض. والاسْتِبْراءُ: اسْتِنقاء الذَّكَر عَنِ الْبَوْلِ. واسْتَبْرأَ الذَّكَرَ: طَلَبَ بَراءَتَه مِن بَقِيَّةِ بَوْلٍ فِيهِ بِتَحْرِيكِهِ ونَتْرِه وَمَا أَشبه ذَلِكَ، حَتَّى يَعْلَم أَنه لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ. ابْنُ الأَعرابي: البَرِيءُ: المُتَفصِّي مِنَ القَبائح، المُتنَجِّي عَنِ الْبَاطِلِ والكَذِبِ، البعِيدُ مِن التُّهم، النَّقِيُّ القَلْبِ مِنَ الشِّرك. والبَرِيءُ الصحِيحُ الجِسمِ والعقلِ. والبُرْأَةُ، بالضمِّ: قُتْرةُ الصَّائِدِ الَّتِي يَكْمُن فيها،

(1). قوله [عبيداً] كذا في النسخ والذي في الأَساس سعيداً.

ص: 33

وَالْجَمْعُ بُرَأٌ. قَالَ الأَعشى يَصِفُ الْحَمِيرَ:

فأَوْرَدَها عَيْناً، مِنَ السِّيف، رَيَّةً،

بِها بُرَأ مِثْلُ الفَسِيلِ المُكَمَّمِ

بسأ: بَسَأَ بِهِ يَبْسَأُ بَسْأً وبُسوءاً وبَسِئَ بَسَأً: أَنِسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ بَهَأْتُ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:

بَسَأْتَ بِنِيِّها، وجَوِيتَ عنها،

وعِنْدَكَ، لَوْ أَرَدْتَ، لَها دَواءُ

وَفِي الْحَدِيثِ

أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْدَ وَقْعة بدرٍ: لَوْ كَانَ أَبو طالبٍ حَيّاً لَرأَى سُيُوفَنَا وَقَدْ بَسِئَتْ بالمَياثِلِ.

بَسِئَتْ وبَسَأَتْ بفتحِ السِّينِ وكسرِها: اعْتادَت واسْتَأْنَسَتْ، والمَياثِلُ: الأَماثِلُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا فُسِّر، وكأَنه مِنَ المَقلوب. وبَسَأَ بذلكَ الأَمْرِ بَسْأً وبُسُوءاً: مَرَنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكْتَرِث لِقُبْحه وَمَا يُقَالُ فِيهِ. وبَسَأَ بِهِ: تَهاوَنَ. وَنَاقَةٌ بَسُوءٌ: لَا تمنَعُ الحالِبَ. وأَبْسأَنِي فلانٌ فبَسِئْتُ بِهِ.

بطأ: البُطْءُ والإِبْطاءُ: نَقِيضُ الإِسْراع. تَقُولُ مِنْهُ: بَطُؤَ مَجِيئُكَ وبَطُؤَ فِي مَشْيِه يَبْطُؤُ بُطْأً وبِطاءً، وأبْطَأَ، وتَباطأَ، وَهُوَ بَطِيءٌ، وَلَا تَقُلْ: أَبْطَيْتُ، وَالْجَمْعُ بِطاءٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ «1»:

فَضْلَ الجِيادِ عَلَى الخَيل البِطاءِ، فَلَا

يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُوناً وَلَا نَزِقا

ومنه الإِبْطاءُ والتَّباطُؤُ. وَقَدِ اسْتَبْطَأَ وأَبْطَأَ الرجُلُ: إِذا كَانَتْ دَوابُّه بِطَاءً، وَكَذَلِكَ أَبْطأَ القومُ: إِذا كَانَتْ دَوَابُهُمْ بِطاءً. وَفِي الْحَدِيثِ:

مَنْ بَطَّأَ بِهِ عملُه لَمْ يَنْفَعْه نَسَبُه

أَي مَنْ أَخَّرَه عملُه السَّيِءُ أَو تَفْريطُه فِي الْعَمَلِ الصالحِ لَمْ يَنْفَعْه فِي الآخرةِ شَرَفُ النَّسبِ. وأَبْطأَ عَلَيْهِ الأَمْرُ: تَأَخَّرَ. وبَطَّأَ عَلَيْهِ بالأَمْرِ وأَبْطَأَ بِهِ، كِلاهما: أَخَّرَهُ. وبَطَّأَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذا ثَبَّطَه عَنْ أَمرٍ عَزَمَ عَلَيْهِ. وَمَا أَبْطَأَ بِكَ وبَطَّأَ بِكَ عَنَّا، بِمَعْنًى، أَي مَا أَبْطَأَ «2»

وتَباطأَ الرَّجُل فِي مَسِيرهِ. وَقَوْلُ لَبِيدٍ:

وهُمُ العشِيرةُ أَنْ يُبَطّئَ حاسِدٌ،

أَوْ أَنْ يَلُومَ، مَعَ العِدا، لُوّامها

فسرهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: يَعْنِي أَن يَحُثّ الْعَدُوَّ عَلَى مَساوِيهم، كأَنّ هَذَا الحاسِد لَمْ يَقْنع بِعَيْبِهِ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى حَثَّ. وبُطْآنَ مَا يَكُونُ ذَلِكَ وبَطْآنَ أَي بَطُؤَ، جَعَلُوهُ اسْمًا لِلْفِعْلِ كَسُرْعانَ. وبُطْآنَ ذَا خُروجاً: أَي بَطُؤَ ذَا خُرُوجًا، جُعِلت الفتحةُ الَّتِي فِي بَطُؤَ عَلَى نُونِ بُطْآنَ حِينَ أَدَّتْ عَنْهُ لِيَكُونَ عَلَماً لَهَا، ونُقلت ضَمَّةُ الطَّاءِ إِلَى الْبَاءِ. وَإِنَّمَا صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ لأَن مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ: أَي مَا أَبْطَأَه. اللَّيْثُ: وباطِئةٌ اسْمٌ مجهولٌ أَصلُه. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الباطِئةُ: النَّاجُودُ. قَالَ: وَلَا أَدري أَمُعَرَّبٌ أَم عَرَبِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُجعل فِيهِ الشرابُ، وَجَمْعُهُ البَواطِئ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشعارِهم.

بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ

عليٍّ: دخل عليَ

(1). أي يَمْدَحُ هَرِمَ بْنَ سِنَانٍ المرّي وقبله: يَطْعَنُهُمْ مَا ارْتَمَوْا حَتَّى إذا طعنوا ضَارَبَ حَتَّى إِذَا مَا ضاربوا اعتنقا

(2)

. كذا بياض بالنسخ وأصل العبارة للصحاح بدون تفسير.

ص: 34

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى شَاةٍ بَكِيءٍ، فَحلَبها.

وَفِي حَدِيثِ

عُمَر أَنه سأَل جَيْشاً: هَلْ ثَبتَ لَكُمُ العَدوّ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ بَكيئةٍ؟

قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

وَشَدُّ كَوْرٍ عَلَى وَجْناء ناجِيةٍ،

وَشدّ سَرْجٍ عَلَى جَرْداءَ سُرْحُوبِ

يقالُ مَحْبِسُها أَدْنى لِمَرْتَعِها،

وَلَوْ نُفادِي بِبَكْءٍ كلَّ مَحْلُوب

أَراد بِقَوْلِهِ مَحْبِسُها أَيْ مَحْبِسُ هَذِهِ الإِبل وَالْخَيْلِ عَلَى الجَدْب، وَمُقَابَلَةُ الْعَدُوِّ عَلَى الثَّغْر أَدنى وأَقربُ مِنْ أَن تَرتعَ وتُخْصِب وتُضَيِّعَ الثَّغْرَ فِي إِرسالِها لتَرْعى وتُخْصِب. وناقةٌ بَكيئةٌ وأَيْنُقٌ بِكاء، قَالَ:

فَلَيَأْزِلَنَّ «1» وتَبْكُؤُنَّ لِقاحُه،

ويُعَلِّلَنَّ صَبِيَّه بِسَمارِ

السَّمارُ: اللَّبَنُ الَّذِي رُقِّق بِالْمَاءِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: سَماعُنا، فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، بَكُؤَتْ تَبْكُؤُ، قَالَ: وَسَمِعْنَا فِي الْمُصَنَّفِ لِشَمِرٍ عَنْ أَبي عُبيد عَنْ أَبي عَمْرو: بَكَأَتِ الناقةُ تَبْكَأُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: كُلُّ ذَلِكَ مَهْمُوزٌ. وَفِي حَدِيثِ

طاؤوس: مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبن فَلَهُ بكُلّ حَلْبةٍ عشرُ حَسَناتٍ غَزُرَتْ أَو بَكَأَتْ.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:

مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبَنٍ بكِيئةً كَانَتْ أَو غَزِيرةً.

وأَما قَوْلُهُ:

أَلا بَكَرَتْ أُمُّ الكِلابِ تلُومُنِي،

تَقُولُ: أَلا قَدْ أَبْكَأَ الدَّرَّ حَالِبُهْ

فَزَعَمَ أَبو رِياش أَنّ مَعْنَاهُ وجدَ الحالِبُ الدَّرَّ بَكِيئاً، كَمَا تَقُولُ أَحْمَدَه: وجَده حَمِيداً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدِي أَن تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ أَي جَعَلَهُ بَكِيئاً، غَيْرَ أَني لَمْ أَسمع ذَلِكَ مِنْ أَحد، وإِنما عَامَلْتُ الأَسبق والأَكثر. وبَكأَ الرجُل بَكاءَةً، فَهُوَ بَكِيءٌ مِنْ قَوْمٍ بِكاء: قلَّ كلامُه خِلْقةً. وَفِي الْحَدِيثِ:

إِنّا مَعْشر النُّبَآءِ بِكاءٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ:

نحنُ مَعاشِرَ الأَنبياء فِينَا بُكْءٌ وبُكاءٌ

: أَي قِلَّة كلامٍ إِلَّا فِيمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ. بَكُؤَتِ النَّاقةُ: إِذَا قلَّ لبنُها؛ ومَعاشِرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. والاسمُ البُكْءُ. وبَكِئَ الرَّجل: لَمْ يُصِبْ حَاجَتَهُ. والبُكْءُ: نَبْتٌ كالجَرْجِير، وَاحِدَتُهُ بُكْأَةٌ.

بهأ: بَهَأَ بِهِ يَبْهَأُ وبَهِئَ وبَهُؤَ بَهْأً وبهَاءً وبَهُوءاً: أَنِسَ بِهِ. وأَنشد:

وقَدْ بَهأَتْ، بالحاجِلاتِ، إفالُها،

وسَيْفٍ كَرِيمٍ لَا يَزالُ يصُوعها

وبَهَأْتُ بِهِ وبَهِئْتُ: أَنِسْتُ. والبَهاءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: النَّاقَةُ الَّتِي تَسْتأْنِسُ إِلَى الحالِب، وَهُوَ مِن بَهَأْتُ بِهِ، أَي أَنِسْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ بَهاء، وَهَذَا مَهْمُوزٌ مَنْ بَهَأْت بِالشَّيْءِ. وَفِي حَدِيثِ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنه رأَى رَجُلًا يَحْلِف عِنْدَ المَقامِ، فَقَالَ أَرى النَّاسَ قَدْ بَهَئُوا بِهَذَا المَقامِ

، مَعْنَاهُ: أَنهم أَنِسُوا بِهِ. حَتَّى قَلَّتْ هَيْبَتُه فِي قُلوبهم. وَمِنْهُ حَدِيثُ

مَيْمُون بْنِ مِهرانَ أَنه كَتَبَ إِلَى يُونُس بْنِ عُبَيْدٍ: عليكَ بكِتابِ اللَّهِ فإِنَّ الناسَ قَدْ بَهَئُوا بِهِ، واسْتَخَفُّوا عَلَيْهِ أَحادِيثَ الرِّجال.

قَالَ أَبو عُبيد: رُوِي بَهَوا بِهِ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ في الكلام مهموز.

(1). قوله [فليأزلن] في التكملة والرواية وليأزلن بالواو منسوقاً عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ:

فليضربن المرء مفرق خاله

ضرب الفقار بمعول الجزار

والبيتان لأَبي مكعت الأسدي.

ص: 35

أَبو سَعِيدٍ: ابْتَهأْتُ بِالشَّيْءِ: إذا أَنِسْتَ به وأَحْبَبْتَ قُرْبه. قَالَ الأَعشى:

وَفِي الحَيِّ مَنْ يَهْوَى هَوانَا، ويَبْتَهِي،

وآخَرُ قَدْ أَبْدَى الكآبَةَ، مُغْضَبا «1»

تَرَكَ الْهَمْزَ مَنْ يَبْتَهِي. وبَهَأَ البيتَ: أَخْلاه مِنَ المَتاعِ أَو خَرَّقَه كأَبْهاه. وأَما البَهاءُ مِنَ الحُسْن فإِنه مَنْ بَهِيَ الرَّجُلُ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَا بَهَأْتُ لَهُ وَمَا بَأَهْتُ لَهُ: أَي مَا فَطِنْتُ له.

بوأ: باءَ إِلَى الشَّيْءِ يَبُوءُ بَوْءاً: رَجَعَ. وبُؤْت إِلَيْهِ وأَبَأْتُه، عَنْ ثَعْلَبٍ، وبُؤْته، عَنِ الْكِسَائِيِّ، كأَبَأْتُه، وَهِيَ قَلِيلَةٌ. والباءَةُ، مِثْلَ الباعةِ، وَالْبَاءُ: النِّكاح. وسُمي النكاحُ باءَةً وَبَاءً مِنَ المَباءَةِ لأَن الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مَنْ أَهله أَي يَسْتَمْكِنُ مِنْ أَهله، كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دارِه. قَالَ الرَّاجِزُ يَصِفُ الحِمار والأُتُنَ:

يُعْرِسُ أَبْكاراً بِهَا وعُنَّسا،

أَكرَمُ عِرْسٍ، بَاءَةً، إِذ أعْرَسا

وَفِي حَدِيثِ

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتزوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ، فعليهِ بالصَّومِ، فإِنَّه له

؛ وجاء: أَراد بِالْبَاءَةِ النكاحَ والتَّزْويج. وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَريصٌ عَلَى الْبَاءَةِ أَي عَلَى النِّكَاحِ. وَيُقَالُ: الجِماعُ نَفْسُه باءةٌ، والأَصلُ فِي الباءةِ المَنْزِل ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ التَّزْوِيجِ باءةٌ لأَنَّ مَن تزوَّج امرأَةً بَوَّأَها مَنْزِلًا. وَالْهَاءُ فِي الْبَاءَةِ زَائِدَةٌ، والناسُ يَقُولُونَ: الْبَاهُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الباءُ والباءةُ والباهُ كُلها مَقُولَاتٌ. ابْنُ الأَنباري: الباءُ النِّكاح، يُقَالُ: فُلانٌ حريصٌ عَلَى الْبَاءِ والباءَة والباهِ، بِالْهَاءِ وَالْقَصْرِ، أَي عَلَى النِّكَاحِ؛ والباءةُ الواحِدةُ وَالْبَاءُ الْجَمْعُ، وتُجمع الباءَةُ عَلَى الباءَاتِ. قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا أَيُّها الرّاكِبُ، ذُو الثّباتِ،

إنْ كُنتَ تَبْغِي صاحِبَ الباءَاتِ،

فاعْمِدْ إِلَى هاتِيكُمُ الأَبْياتِ

وَفِي الْحَدِيثِ:

عَلَيْكُمْ بالباءَةِ

، يَعْنِي النّكاحَ والتَّزْويج؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ:

إِن امرأَة مات عنها زوجُها فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ وَقَدْ تَزَيَّنَت للباءَةِ.

وبَوَّأَ الرجلُ: نَكَحَ. قَالَ جَرِيرٌ:

تُبَوّئُها بِمَحْنِيةٍ، وحِيناً

تُبادِرُ حَدَّ دِرَّتِها السِّقابا

وللبئرِ مَباءَتان: إِحْدَاهُمَا مَرْجِع الْمَاءِ إِلَى جَمِّها، والأُخْرى مَوْضِعُ وقُوفِ سائِق السّانِية. وَقَوْلُ صَخْرِ الْغَيِّ يمدَح سَيْفًا لَهُ:

وصارِمٍ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ،

أَبْيضَ مَهْوٍ، فِي مَتْنِه رُبَدُ

فَلَوْتُ عَنْهُ سُيوفَ أَرْيحَ،

حَتَّى باءَ كَفّي، وَلَمْ أَكَدْ أَجِدُ

الخَشِيبةُ: الطَّبْعُ الأَوَّلُ قَبْلَ أَن يُصْقَلَ ويُهَيَّأَ، وفَلَوْتُ: انْتَقَيْتُ. أَرْيَحُ: مِن اليَمَنِ. باءَ كَفِّي: أَي صارَ كَفِّي لَهُ مَباءَةً أَي مَرْجِعاً. وباءَ بذَنْبِه وبإِثْمِه يَبُوءُ بَوْءاً وبَواءً: احتمَله وَصَارَ المُذْنِبُ مأْوَى الذَّنب، وَقِيلَ اعْتَرفَ بِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ

، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ إِن عَزَمْتَ عَلَى

(1). قوله [مغضبا] كذا في النسخ وشرح القاموس والذي في التكملة وهي أصح الكتب التي بأيدينا مغضب.

ص: 36

قَتْلِي كَانَ الإِثْمُ بِكَ لَا بِي. قَالَ الأَخفش: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ*

: رَجَعُوا بِهِ أَي صارَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَبو إِسحاق فِي قَوْلِهِ تعالى فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ

، قَالَ: بَاؤُوا فِي اللُّغَةِ: احْتَمَلُوا، يُقَالُ: قَدْ بُؤْتُ بِهَذَا الذَّنْب أَي احْتَمَلْتُه. وقيل: باؤُ بِغَضَبٍ*

أَي بإثْم اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ عَلَى إثْمٍ اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ أَيضاً. قَالَ الأَصمعي: باءَ بإثْمِه، فَهُوَ يَبُوءُ بِهِ بَوْءاً: إِذَا أَقَرّ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ:

أَبُوءُ بِنعْمَتِك عليَّ، وأَبُوءُ بِذَنْبِي

أَي أَلتزِمُ وأَرْجِع وأُقِرُّ. وأَصل البَواءِ اللزومُ. وَفِي الْحَدِيثِ:

فَقَدْ باءَ بِهِ أَحدُهما

أَي التزَمَه ورجَع بِهِ. وَفِي حَدِيثِ

وائلِ بْنِ حُجْر: إنْ عَفَوتَ عَنْهُ يَبُوءُ بإثْمِه وإثْم صاحِبِه

أَي كانَ عَلَيْهِ عُقُوبةُ ذَنْبِه وعُقوبةُ قَتْلِ صاحِبِه، فأَضافَ الإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ لأَن قَتلَه سَبَب لإِثْمه؛ وَفِي رِوَايَةٍ:

إنْ قَتَلَه كَانَ مِثْلَه

أَي فِي حُكم البَواءِ وَصَارَا مُتَساوِيَيْن لَا فَضْلَ للمُقْتَصِّ إِذَا اسْتوْفَى حَقَّه عَلَى المُقْتَصِّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:

بُؤْ للأَمِيرِ بذَنْبِك،

أَي اعْتَرِفْ بِهِ. وباءَ بدَمِ فُلَانٍ وبحَقِّه: أَقَرَّ، وَذَا يَكُونُ أَبداً بِمَا عليهِ لَا لَه. قَالَ لَبِيدٌ:

أَنْكَرْت باطِلَها، وبُؤْت بحَقِّها

عِنْدِي، وَلَمْ تَفْخَرْ عَلَيَّ كِرامُها

وأَبَأْتُه: قَرَّرْتُه وباءَ دَمُه بِدَمِه بَوْءاً وبَواءً: عَدَلَه. وباءَ فُلانٌ بِفُلانٍ بَواءً، مَمْدُودٌ، وأَباءَه وباوَأَه: إِذَا قُتِل بِهِ وَصَارَ دَمُه بِدَمِه. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبير:

قَضَى اللهُ أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ بَيْنَنا،

ولمَ نكُ نَرْضَى أَنْ نُباوِئَكُمْ قَبْلُ

والبَواء: السَّواء. وفُلانٌ بَواءُ فُلانٍ: أَي كُفْؤُهُ إِنْ قُتِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الاثنانِ والجَمِيعُ. وباءَه: قَتَلَه بِهِ «2» أَبو بَكْرٍ، البَواء: التَّكافُؤ، يُقَالُ: مَا فُلانٌ ببَواءٍ لفُلانٍ: أَي مَا هُوَ بكُفْءٍ لَهُ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ: الْقَوْمُ بُواءٌ: أَي سَواءٌ. وَيُقَالُ: القومُ عَلَى بَواءٍ. وقُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى بَواءٍ: أَي عَلَى سواءٍ. وأَبَأْتُ فُلاناً بفُلانٍ: قَتَلْتُه بِهِ. وَيُقَالُ: هُمْ بَواءٌ فِي هَذَا الأَمر: أَي أَكْفاءٌ نُظَراء، وَيُقَالُ: دمُ فُلَانٍ بَواءٌ لدَم فُلان: إذا كان كُفْ ءاً لَهُ. قَالَتْ لَيْلى الأَخْيلية فِي مَقْتَلِ تَوْبةَ بْنِ الحُمَيِّر:

فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً، فإنَّكُمْ

فَتىً مَا قَتَلْتُم، آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ

وأَبَأْتُ القاتِلَ بالقَتِيل واسْتَبَأْتُه أَيضاً: إِذَا قَتَلْته بِهِ. واسْتَبَأْتُ الحَكَمَ واسْتَبَأْتُ بِهِ كِلَاهُمَا: اسْتَقَدْته. وتَباوَأَ القَتِيلانِ: تَعادَلا. وَفِي الْحَدِيثِ:

أَنه كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ العَربِ قتالٌ، وَكَانَ لأَحَدِ الحَيَّينِ طَوْلٌ عَلَى الآخَر، فَقَالُوا لَا نَرْضَى حَتَّى يُقْتَل بالعَبْدِ مِنَّا الحُرُّ مِنْهُمْ وبالمرأَةِ الرجلُ، فأَمَرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَن يَتَباءَوْا.

قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هَكَذَا رُوِيَ لَنَا بِوَزْنِ يَتَباعَوْا، قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَن يَتَباوَءُوا بِوَزْنِ يَتباوَعُوا عَلَى مِثَالِ يَتَقاوَلوا، مِنَ البَواءِ وَهِيَ المُساواةُ، يُقَالُ: باوَأْتُ بَيْنَ القَتْلى: أَي ساوَيْتُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّي: يَجُوزُ أَن يَكُونَ يتَباءَوْا عَلَى الْقَلْبِ، كَمَا قَالُوا جاءَاني، وَالْقِيَاسُ جايَأَني فِي المُفاعَلة مِنْ جاءَني وجِئْتُه؛ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَقِيلَ: يَتَباءَوْا صحيحٌ. يُقَالُ: باءَ بِهِ إذا كان كُفْ ءاً لَهُ، وَهُمْ بَواءٌ أَي أَكْفاءٌ

(2). قوله [وباءَه قتله به] كذا في النسخ التي بأيدينا ولعله وأَباءَه بفلان قتله به.

ص: 37

، مَعْنَاهُ ذَوُو بَواء. وَفِي الْحَدِيثِ أَنه قَالَ:

الجِراحاتُ بَواءٌ

يَعْنِي أَنها مُتَساويةٌ فِي القِصاص، وأَنه لَا يُقْتَصُّ للمَجْرُوحِ إلَّا مِنْ جارِحِه الْجَانِي، وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِثْلُ جِراحَتِه سَواء وَمَا يُساوِيها فِي الجُرْحِ، وَذَلِكَ البَواءُ. وَفِي حَدِيثِ

الصَّادِقِ: قِيلَ لَهُ: مَا بالُ العَقْرَبِ مُغْتاظةً عَلَى بَنِي آدمَ؟ فَقَالَ: تُريدُ البَواءَ

أَي تُؤْذِي كَمَا تُؤْذَى. وَفِي حَدِيثِ

عَلِيٍّ رضي الله عنه: فَيَكُونُ الثّوابُ جَزَاءً والعِقابُ بَواءً.

وباءَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا كان كُفْ ءاً لَهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ وَمِنْهُ قول المُهَلْهِلِ لابن الحرث بْنِ عَبَّادٍ حِينَ قَتَله: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلَيْ كُلَيْبٍ، معناه: كُنْ كُفْ ءاً لِشِسْعِ نَعْلَيْه. وَبَاءَ الرجلُ بِصَاحِبِهِ: إِذَا قُتِلَ بِهِ. يقالُ: باءتْ عَرارِ بكَحْلٍ، وَهُمَا بَقَرَتانِ قُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا بالأُخرى؛ وَيُقَالُ: بُؤْ بِهِ أَي كُنْ مِمَّنْ يُقْتَل بِهِ. وأَنشد الأَحمر لِرَجُلٍ قَتَلَ قاتِلَ أَخِيه، فَقَالَ:

فقلتُ لَهُ بُؤْ بامرِئٍ لَسْتَ مثْلَه،

وَإِنْ كُنتَ قُنْعاناً لِمَنْ يَطْلُبُ الدَّما

يَقُولُ: أنتَ، وَإِنْ كنتَ فِي حَسَبِكَ مَقْنَعاً لِكُلِّ مَنْ طَلَبَكَ بثَأْر، فلَسْتَ مِثلَ أَخي. وَإِذَا أَقَصَّ السلطانُ رَجُلًا بِرَجُلٍ قِيل: أَباءَ فُلَانًا بِفُلَانٍ. قَالَ طُفَيْل الغَنَوِيُّ:

أَباءَ بقَتْلانا مِن القومِ ضِعْفَهم،

وَمَا لَا يُعَدُّ مِن أَسِيرٍ مُكَلَّبِ

قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَتَلَهُ السلطانُ بقَود قِيلَ: قَدْ أَقادَ السلطانُ فُلَانًا وأَقَصَّه وأَباءَه وأَصْبَرَه. وَقَدْ أَبأْتُه أُبيئُه إباءَةً. قَالَ ابْنُ السكِّيت فِي قَوْلِ زُهَيْر بْنُ أَبي سُلْمَى:

فَلَم أَرَ مَعْشَراً أَسَرُوا هَديّاً

وَلَمْ أَرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ

قَالَ: الهَديُّ ذُو الحُرْمَة؛ وَقَوْلُهُ يُسْتَباءُ أَي يُتَبَوّأُ، تُتَّخَذ امرأتُهُ أَهلًا؛ وَقَالَ أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: يُسْتبَاء، مِنَ البَواء، وَهُوَ القَوَد. وَذَلِكَ أَنه أَتاهم يُرِيدُ أَنَ يَسْتَجِيرَ بِهِمْ فأَخَذُوه، فَقَتَلُوهُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَوْلُ التَّغْلَبي:

أَلا تَنْتَهِي عَنَّا مُلوكٌ، وتتَّقي

مَحارِمَنا لَا يُبْأَءُ الدَّمُ بالدَّمِ

أَرادَ: حِذارَ أَن يُباء الدَّم بالدَّم؛ وَيُرْوَى: لَا يَبْؤُءُ الدَّمُ بالدَّمِ أَي حِذارَ أَنْ تَبُوءَ دِماؤُهم بدِماء مَنْ قتَلوه. وبَوَّأَ الرُّمحَ نَحْوَهُ: قابَله بِهِ، وسَدَّدَه نحْوَه. وَفِي الْحَدِيثِ:

أَنَّ رَجُلًا بَوَّأَ رَجلًا برُمحِه

، أَي سَدَّده قِبَلَه وهَيَّأَه. وبَوَّأَهُم مَنْزِلًا: نَزَلَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَل. وأَبَأْتُ بالمَكان: أَقَمْتُ بِهِ. وبَوَّأْتُكَ بَيتاً: اتَّخَذْتُ لَكَ بَيْتًا. وَقَوْلُهُ عز وجل: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً

، أَي اتَّخِذا. أَبو زَيْدٍ: أَبَأْتُ القومَ مَنْزلًا وبَوَّأْتُهم مَنْزِلًا تَبْوِيئاً، وَذَلِكَ إِذَا نزلْتَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَلٍ، أَو قِبَلِ نَهر. والتبوُّؤُ: أَن يُعْلِمَ الرجلُ الرجلَ عَلَى المَكان إِذَا أَعجبه لِيَنْزِلَهُ. وَقِيلَ: تَبَوَّأَه: أَصْلَحه وهَيَّأَه. وَقِيلَ: تَبوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا: إِذَا نظَر إِلَى أَسْهَلِ مَا يُرى وأَشَدِّه اسْتِواءً وأَمْكَنِه لِمَبيتِهِ، فاتَّخذَه؛ وتَبوَّأَ: نَزَلَ وأَقام، والمَعْنَيانِ قَريبان. والمباءَةُ: مَعْطِنُ القَوْمِ للإبِل، حَيْثُ تُناخُ فِي المَوارِد.

وَفِي الْحَدِيثِ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أُصَلِّي فِي مَباءة الغَنَم؟ قَالَ: نَعَمْ

، أَي مَنْزِلها الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ المُتَبَوّأُ أَيضاً. وَفِي الْحَدِيثِ

أَنه قَالَ: في المدينة هاهُنا المُتَبَوَّأُ.

وأَباءَه مَنْزِلًا وبَوَّأَه إيَّاهُ وبَوَّأَه له وبَوَّأَهُ فِيهِ، بِمَعْنَى هَيَّأَه لَهُ وأَنْزَلَه ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ. قَالَ:

ص: 38

وبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِها،

وتَمَّ، فِي قَوْمِها، مُبَوَّؤُها

أَي نَزَلَت مِنَ الكَرم فِي صَمِيمِ النَّسب. وَالِاسْمُ البِيئةُ. واسْتَباءه أَي اتَّخَذَهُ مَباءَةً. وتَبَوَّأْتُ مَنْزِلًا أَي نَزَلْتُه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ

، جَعلَ الإِيمانَ مَحَلًّا لَهُمْ عَلَى المَثَل؛ وقد يكون أَرادَ: وتَبَوَّءُوا مكانَ الإِيمانِ وبَلَدَ الإِيمانِ، فحَذَف. وتَبَوَّأَ المكانَ: حَلَّه. وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هَيْئَةُ التَّبَوُّءِ. والبيئةُ والباءَةُ والمباءَةُ: الْمَنْزِلُ، وَقِيلَ مَنْزِل القوم حيث يَتَبَوَّءُونَ مِنْ قِبَلِ وادٍ أَو سَنَدِ جَبَلٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: المَباءَةُ: مَنْزِلُ الْقَوْمِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَيُقَالُ: كلُّ مَنْزِل يَنْزِله القومُ. قَالَ طَرَفة:

طَيِّبو الْبَاءَةَ، «1» سَهْلٌ، ولَهُمْ

سُبُلٌ، إِنْ شئتَ فِي وَحْش وَعِر

وتَبَوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا، أَي اتَّخَذَهُ، وبَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا وأَبَأْتُ القَومَ مَنْزِلًا. وَقَالَ الفرَّاء فِي قَوْلِهِ عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً

، يُقَالُ: بَوَّأْتُه مَنْزِلًا، وأَثْوَيْتُه مَنْزِلًا ثُواءً: أَنْزَلْتُه، وبَوَّأْتُه مَنْزِلًا أَي جَعَلْتُهُ ذَا مَنْزِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ:

مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ.

وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهَا: لِيَنْزِلْ مَنْزِله مِن النَّارِ. يُقَالُ: بَوَّأَه اللهُ مَنْزِلًا أَي أَسكَنه إِيَّاهُ. وَيُسَمَّى كِناسُ الثَّوْرِ الوَحْشِيِّ مَبَاءَةً؛ ومَباءَةُ الإِبل: مَعْطِنها. وأَبَأْتُ الإِبل مَباءَة: أَنَخْتُ بعضَها إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:

حَلِيفان، بَيْنَهما مِيرةٌ

يُبِيئانِ فِي عَطَنٍ ضَيِّقِ

وأَبَأْتُ الإِبلَ، رَدَدْتُها إِلَى المَباءَةِ، والمَباءَةُ: بَيْتُهَا فِي الْجَبَلِ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: وَهُوَ المُراحُ الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. والمَباءَةُ مِن الرَّحِمِ: حَيْثُ تَبَوَّأَ الولَدُ. قَالَ الأَعلم:

ولَعَمْرُ مَحْبَلِكِ الهَجِينِ عَلَى

رَحبِ المَباءَةِ، مُنْتِنِ الجِرْمِ

وباءَتْ بِبيئةِ سُوءٍ، عَلَى مِثالِ بِيعةٍ: أَي بحالِ سُوءٍ؛ وَإِنَّهُ لحَسَنُ البِيئةِ؛ وعَمَّ بعضُهم بِهِ جميعَ الْحَالِ. وأَباءَ عَلَيْهِ مالَه: أَراحَه. تَقُولُ: أَبَأْتُ عَلَى فُلَانٍ مَالَهُ: إِذا أَرَحْتَ عَلَيْهِ إِبلَه وغَنَمَه، وأَباءَ مِنْهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَلَّمناهم، فأَجابونا عَنْ بَواءٍ واحدٍ: أَي جوابٍ وَاحِدٍ. وَفِي أَرض كَذَا فَلاةٌ تُبيء فِي فلاةٍ: أَي تَذْهبُ. الفرَّاء: باءَ، بِوَزْنِ باعَ: إِذَا تكبَّر، كأَنه مَقْلُوبٌ مِن بَأَى، كَمَا قَالُوا أَرى ورأَى «2». وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ: وأَبَأْتُ أَدِيمَها: جَعَلْتُه في الدباغ.

تأتأ: تَأْتَأَ التَّيْسُ عِنْدَ السِّفادِ يُتَأْتِئُ تَأْتَأَةً وتِئْتاءً ليَنْزُوَ ويُقْبِلَ.

(1). قوله [طيبو الباءة] كذا في النسخ وشرح القاموس بصيغة جمع المذكر السالم والذي في مجموعة أَشعار يظن بها الصحة طيب بالإفراد وقبله:

وَلِيَ الأَصل الَّذِي فِي مِثْلِهِ

يُصْلِحُ الْآبِرُ زَرْعَ المؤتبر

(2)

. مقتضاه أنّ أرى مقلوب من رأى كما أن باء مقلوب من بأى، ولا تنظير بين الجانبين كما لا يخفى فضلًا عن أن أرى ليس من المقلوب وإن أوهم لفظُه ذلك والصواب [كما قالوا راءَ من رأى]. إبراهيم اليازجي

ص: 39