الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الراعي
من هذا الغلام العربي في عباءته؟ من هذا الراعي الصغير في غنيمته؟ من هذا الصبي الناشيء على الحمل والرعاية من طفولته؟ من هذا اليافع الذي يأبى إلا أن يعيش من كد يمينه، ويأكل خبزه إلا بعرق جبينه؟.
هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يتيم الأبوين مكفول عمه أبي طالب، الذي كان يرعى غنما لأهل مكة لقومه وأهل بلده بالقراريط حتى لا يكون كلا على عمه. هذا هو المهيأ برعايته الغنم، لرعاية الأمم، هذا هو المنشأ على الكد في العمل الصغير، إعدادا له للنهوض بأعباء العمل الكبير، هذا هو المربي على العمل بالفلس، ليشب على خلق الاعتماد على النفس، هذا هو المعد لختم النبوة والرسالة وإظهار أكمل مثال للبشربة، يحمل أعظم آية من وحي الله، ويدعو إلى السعادة الدنيوية والأخروية وأقصى ما يمكن أن يصل إليه الناس من كمال.
شب محمد- صلى الله عليه وآله وسلم يتيما في كفالة عمه، وكان عمه مقتراً في شظف من العيش، فأخذ محمد- صلى الله عليه وآله وسلم يعمل بأجرة ليخفف على عمه ولما شب ضرب في الأرض تاجراً كعادة قومه، فلما ولد لأبي طالب علي كفله. وهو في الثلاثين، جزاء على كفالته. فكان في
طفولته وشبابه وكهولته كواحد من قومه في عيشته وكسبه وأميته. وإن كان ممتازا بينهم لخلقه وفضله حتى بعثه الله نبيا ورسولا بما يستحيل- وقد عرفوا طفولته وشبابه وكهولته- أن يكون شيء منه من عنده، ولذا أمره الله أن يحتج عليهم بقوله:
كان محمد- صلى الله عليه وآله وسلم ميسرا من طفولته لما كان عليه اخوانه من الأنبياء والمرسلين- صلوات الله عليهم- قبله محفوظا مما حفظوا ملهما ما ألهموا وقد ألهم الله الأنبياء قبله لرعي الغنم وهي حيوان ضعيف تمرينا على القيام على الضعاف بالحلم والرفق والشفقة وحسن الرعاية باختيار مسارحها ودفع العوادي عنها ودوام تعهدها وذلك كله تهيئة لم إلى ما يوكل إليهم من سياسة أمتهم.
وقد ذكر هو- صلى الله عليه وآله وسلم هذا العهد من طفولته وهذه العادة الربانية في مثله من إخوانه اعترافا بنعمة الله وتنبيها على ما في ذلك من الحكمة وما فيه من حسن القدوة فقال يوما لأصحابه: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه البخاري من طريق أبي هريرة- رضي الله عنهم (1).
(1) ش: ج 3، م 11 - ربيع الأول 1354ه - جوان 1935م.