الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: عن مقالات العروة الوثقى الحكيمة
كم حكمة لله في حب المحمدة الحقة [
1]
العالم الإنساني كتاب المُعْتَبِر، وسفر المستبصر، وكل قرن من قرونه صفحة
وكل جيل من الناس سطر فيه أو جملة، ولنا في كل ما خطَّه القلم الإلهي عبرة.
أول ما يفيدنا النظر فيه وقوفنا على أحوال الشعوب في أطوارها المختلفة،
وأدوارها المتبدلة، فنرى أممًا علت وسمت وحلَّقت في جو المعالي، وجازت في
الرفعة مسارح النظر، ثم انحدرت بعد هذا وتدهورت وعفت رسومها، ولم يبق لها
أثر إلا في الروايات والأحاديث، ومنها أجيال كانت في ثَنْي العدم، ثم اكتست حلية
الوجود وأخذت من الاجتماع الإنساني مكان الهامة من الجسد، ثم انطوت وأخنت
عليها أمهات قشعم، ومنها ما نراه إلى اليوم يسحب مطارف العزة، ويشرف على
العالم بالأمر والنهي من شواهق القوة.
فمن الناس من تنجلي له هذه الشؤون وتلك الأطوار، كما تعرض عليه
الصور والتماثيل: ينبسط لبعضها إذا أعجبه، وينقبض للآخر إذا أنكره، وهو في
غفلة من منشأ ظهورها وعلل انقلابها، فإن سئل عن السبب قال: سبحان الله هكذا
كان، وهكذا يكون، وما هو إلا بخت يُسعد فيسعد به السعداء، ويُنحس فيتعس به
الأشقياء.
ومنهم من تنفذ بصيرته إلى الحقيقة، فيقف على ما هيأه الله من الأسباب التي
تتبعها أحوال الأمم في صعودها وهبوطها، ويعلم أن ما سيق من الخير لأمة إنما
كان بأيدي آحاد من أماثلها جدوا وجاهدوا وبما بذلوا من نفائسهم وأنفسهم فازوا
بتأصيل المجد لشعوبهم وبني جنسهم، ويرى لأولئك الأعلام ذكرًا يرفع، ومكانة
من القلوب تُحمد، وتميزًا عند الخلف بالكرامة، وهم لم يخالفوا الناس في جسومهم
ودمائهم؛ وإنما تقدموهم بهممهم، وقد يسوقه الاعتبار إلى الاقتداء بهم رغبة في
اقتطاف ثمار الثناء وتخليد الذكر، فإذا أخذ مأخذهم، واستقام على طريقهم فلا يكاد
يخطو بضع خطوات، ومبدأ السير تحت نظره حتى تعثر أقدامه في أياد مقطعة
ورؤوس مجذوذة، وأشلاء مبدَّدة، وشعور منثورة، وصدور مدقوقة، ويشهد
الطريق مضرَّسة بقبور الشهداء من طلاب الحق والناهجين في منهاجه، ولا
محيص له عن سلوكها، وتبدو له غابات وأدغال يرجع إليه منها صدى زئير الآساد
وزمجرة الضراغم، ولا بد له من اختراقها.
هكذا تتكشف لطالب المعالي موحشات مدهشات مصاولة المخاطر أدناها،
والموت الشريف أقصاها وأعلاها، فتارة يخور عزمه، ويضعف همه، فينكص
على عقبيه، ويرتد إلى أسوأ حاليه، ويرتع في مراتع أمثاله، حتى يروح إلى
عطنه الأولى به وهو العدم، وتارة يوحي إليه الإلهام الإلهي أن الشخص في
خاصته والأمم في هيئاتها ونوع الإنسان في مجموعه تطالبها صورة الإبداع بأعمال
شريفة دونها إجهاد الأنفس في السعي، وحملها على ما لا تهوى ومغالبة الأهوال
والغوائل، وفيما أودع الله الإنسان من القوى العالية والخواص السامية أكبر مساعد
على ما تندفع إليه الهمة، وتنبعث له العزيمة.
إن من أحياه الله بالحياة الإنسانية كلما هاجمته المصاعب لا يزداد إلا حرصًا
على قهرها، كما أن صاحب الشمم لا يزيده الخصام إلا حدة في الجدال وإصرارًا
على إقناع المخاصم، وكثير ممن على شكل الإنسان يحيى حياته هذه بروح حيوان
آخر وهو يعاني فيها من الشقاء أشد مما يعانيه الإنسان في إبراز مزايا الإنسان، إن
صاعد الجبل ربما يجد شيئًا من التعب ويخشى مفترسه الكواسر؛ ولكن قد ينجو
منها ويستريح على القنة ويعتصم بمكانة من الرفعة وتقصر عنه يد المتناول، أما
من أخلد إلى السفل فحظه من الحياة خوف لا ينقطع وإشفاق لا يزول، كل لحظة
توعده بالسقوط في صيد الصائد والوقوع بين أنياب الغائل، مات من الناس كثير
في طلب العلا ولم ينالوا، وبلغ كثير من الطالبين غاية ما أملوا؛ ولكن هلك بالفتك
أضعاف هؤلاء وهؤلاء ممن رئموا الخمول ورضوا بالحياة الحيوانية، هذه أحاديث
الحق ونفثات الروح الزكية تبعث من أيَّده الله ووهبه نعمة العقل إلى مداومة السير
واقتفاء أثر الماضين إلى أشرف المقاصد، فإما وصل، وإما مات كما يموت
الكرام.
لم تنل أمة من الأمم مزية من المزايا المحمودة عند بني البشر سواء في العلوم
المعارف، أو الآداب والفضائل، أو القوانين والنواميس العادلة أوالعسكرية وقوة
الحماية حتى خرج آحاد منها إلى ما تخشاه النفوس وتهابه القلوب، وسلكوا تلك
المسالك الوعرة، فبلغوا بأممهم أقصى ما بلغت بهم همهم، مع الاعتماد على العناية
الإلهية في جميع سيرهم.
ماذا يريد العانون في خدمة الأمم أو النوع الإنساني، والمنفقون لحياتهم في
أعمال فادحة يعود نفعها على من تجمعه معهم جامعة الأمة أو الملة أو يشاركهم في
النوع؟ أليس قد جعل الله لكل شيء سببًا؟ أليس من سنة الله في عباده أن لا تتجه
الإرادة البشرية إلى حركة تصدر عن المريد إلا بعد تصور غاية تعود إلى ذاته،
وبعد اليقين أو راجح الظن بأنه يستفيد الغاية من العمل؟ فإن كان الأجل يذهب في
مساورة الآلام الروحية، والعمر ينفد في مناهدة الأوصاب البدنية، فماذا يقصدون
من أعمالهم؟ إن كان يوجد في أبناء جلدتهم، وذوي ملتهم من يساعد حوادث الكون
على إيلامهم، ومما نعتهم في مقاصدهم، وصدهم عن السعي فيما يرجع خيره إلى
أنفس المعارضين، ويثخن فيهم جراح اللوم والتقريع، والشماتة والتشنيع، أو
يدافعهم بالمكافحة والمنازلة، فما الذي يبتغون من جدهم وكدهم؟ لا لذة تُجتنى، ولا
ألم يُتقى، فما هذا الباعث القوي الذي غلب الأهواء، ولم يضعفه جهد البلاء؟
نعم أودع الله في الإنسان ميلاً أقوى من كل ميل، وهو أخص خاصة فيه
يمتاز بها عن غيره من الأنواع، وهو حب المحمدة الحقة، وحسن الذكر من وجوه
الحق، أقول هذا تفاديًا من حب المحمدة من أي وجه حقًا كان أو باطلاً، وطلب
الثناء بالزور والغش والرياء والظهور بمظاهر الأخيار، مع تبطن سرائر الأشرار
فإن هذا من أسوأ الخِلال؛ وإنما يعرض بعد اعتلال الفطرة وفساد الطبيعة.
المحمدة هي الغذاء الروحاني، والمقوِّم النفساني، وكلما قرب شخص من
الكمال الإنساني تهاون بالشهوات، وازدرى اللذائذ الحسية، وقوي فيه الميل إلى
المحمدة الباقية، وبذل الوسع يما يفيدها من جلائل الأعمال (تأمل) إن الفاضل يرى
له في هذا العالم أجلين: أقصاهما الأجل المحدود من يوم ولادته إلى نهاية العمر
المقدَّر والآخر أبعد من هذا نهاية، وبدايته عندما ينجم من عمله الصالح أثر لمنفعة
تشمل أمته أو تعمَّ النوع الإنساني، وغاية هذا الأجل عندما يمحى أثره من ألواح
النفوس وصفحات التاريخ، فللروح الفاضلة وجودان: وجود في بدنها الخاص،
ووجود في جميع الأبدان، وهو ما يكون بحلولها من كل روح محل الكرامة
والتبجيل، ولا ريب أن هذا الأجل الطويل وهذا الوجود العريض خير من ذلك الأجل
القصير والوجود الكز [2] ، وحقيق بالإنسان أن يبيع ما هو أدنى بالذي هو خير.
يطول بي الكلام فأقصر: إن الله الذي وهب كل نوع ما به كماله وضع في
جبلة البشر ميلاً إلى الحمد وألهمهم تأدية حقه لمستحقه، ألم تر انطلاق الألسن في
كل أمة بالثناء على من كان سببًا لها في مجد ورفعة، أو نهوض من سقطة، أو
توحيد كلمة، أو تجديد قوة، أو كمال في فضيلة، أو تقدم في علم أو صنعة،
ويرسمونه في الألواح ويسجلون مدحته في بطون التاريخ، ويرفعون له الهياكل
والتماثيل، ويحفظون له ذكرًا حميدًا يتناقله الأبناء عن الآباء حتى ينقرضوا، أو
ينقرض العالم، إذا جحدت الأمة حق العامل لها، أو قصَّرت في استحسان عمله
ضعفت الهمم، وقل السعي في المصالح العامة، وانقبضت الأيدي عن تعاطيها
فهبطت شؤون الأمة فافترقت وماتت.
إن الله جل شأنه قرن كل حادث بسبب، فإذا استوى لدى الأمة الحسن والقبيح
والطيب والخبيث، والفضيلة والرذيلة، والمصلحة والمفسدة، وفقد منها التمييز،
ولم تُقَدِّر أعمال العاملين حق قدرها، ولم تعرف معروفًا، ولم تنكر منكرًا - سلبت
آحادها الميل إلى المعالي والكمالات، وكان هذا أشد نكاية بها من جور الظالمين،
وتغلب الغالبين، ظلم الظالمين لا يدوم وسطوة الغالب لا تثبت إذا كان جمهور الأمة
يقابل الإحسان بالاعتراف والفضل بالحمد؛ فإنه يوجد منها من يشتري هذه المكافأة
بتخليصها وإنقاذها، أما فقد هذا الإحساس الشريف فهو أشبه علة بالهَرَم لا عقبى له
إلا الموت والهلاك.
كيف لا تكون المحمدة الحقة نعمة على النفوس الإنسانية يسعى لها الأعلون
من بني الإنسان، وقد امتن الله بها على نبيه فيما يقول له:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح: 4) وكيف لا تكون حقًّا تطالب به الطبيعة وقد سمح الله لمستحقها
بالتحدث بنعم الأعمال الصالحات، كما سوَّغ ذلك لنبيه في قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ
رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى: 11) .
قلِّب طرفك في تواريخ الأمم أقصاها وأدناها تجد برهانًا قاطعًا على أن الأمة
متى بخست قيم الأعمال العالية، وازدُري فيها بشأن الفضيلة فقدت ما به قوامها
وانهدم بناؤها وذهبت كما ذهب أمس، ولا جرم أن الكفران مقرون بزوال النعم.
يمكنني أن أختم كلامي هذا بكلمة شكر لهذه العصابة الطاهرة التي أقدمت في
هذه الأوقات النحسة، ووقفت على شفير الخطر، وكتبت على نفسها السعي في
توحيد المسلمين، ويسرنا أن نرى عددها كل يوم في ازدياد نسأل الله نجاح أعمالها
وتأييد مقاصدها إنه نعم المولى نعم النصير.
_________
(1)
من مقالات العروة الوثقى الحِكيمة.
(2)
الكزّ: اليابس والمنقبض، وكزّ اليدين: بخيل، والمراد هنا ما لا خير فيه.
الكاتب: محمد رشيد رضا
المحاورة الحادية عشرة بين المصلح والمقلد
الأخذ بالدليل ونهي الأئمة عن التقليد
لما ضم الشاب المصلح والشيخ المقلد المجلس الحادي عشر قال الشيخ
المقلد: إن صديقي قد سافر وهو في حيرة لا يدري كيف يجمع بين ما أوردته من
نصوص أئمة الحنفية الصريحة في وجوب اتباع الدليل وعدم الأخذ بكلامهم إلا بعد
معرفة مأخذه من الكتاب والسنة والقياس الجلي، وبين ما ذكره ابن عابدين في رسم
المفتي، وفي حاشيته على الدر المختار من تقسيم العلماء إلى ست طبقات، كل طبقة
تقلد ما فوقها إلى المجتهد المطلق الذي له الحق وحده بأخذ الحكم من الدليل، وقال:
إننا نرى في الكتب أقوالاً مثل هذه الأقوال الدالة على وجوب اتباع الدليل فنحسبها
متروكة لأنا مقيدون بكتب مخصوصة، وأقوال علماء مخصوصين، وحجر علينا
الأخذ بقول غيرهم فضلاً عن اتباع الدليل استقلالاً حتى قالوا: إن أبحاث الكمال بن
الهمام الذي شهد له كثيرون ببلوغ مرتبة الاجتهاد المطلق، لا يجوز العمل بها إذا
صادمت المنقول من نصوص المذهب، وإن كانت أبحاثه مدللة وتلك النصوص لا
دليل عليها، بل هي مصادمة للدليل.
المصلح: أعجب من هذا القول التصريح بعدم جواز العمل بنصوص الكتاب
والسنة - وإن كانت صريحة - إذا هي خالفت نص علماء المذهب الذي لا دليل
عليه، ولكن نيِّر البصيرة لا يحار وإن كان مقلدًا؛ لأنهم إنما أوجبوا عليه تقليد
مجتهد، والذين قالوا هذه الأقوال مقلدون، والأئمة منهم براء منها، فمن عمل بهذه
القواعد في مسائل نطق الكتاب أو مضت السنة فيها بخلاف المنقول في المذهب، فقد
ترك أصل دينه الأصيل وركنه الركين لقول مقلد يتبرأ منه يوم القيامة؛ لأنه يحرم
تقليد المقلد ويصدق عليه قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا
العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} (البقرة: 166) .
المقلد: قال صديقي إنه لا حجة لهم في هذا المقام إلا احتمال النسخ وقد
أعجبه قولك إن هذا الاحتمال يأتي في أقوال الأئمة والفقهاء؛ فإن الأقوال التي
رجعوا عنها أكثر من الأحاديث المنسوخة، وإن معرفة المنسوخ أيسر من معرفة
القول المتروك.
المصلح: الأحاديث التي قالوا بنسخها قليلة جدًّا وحصرها بعضهم في واحد
وعشرين حديثًا، وقد رأيت في كتاب نقلاً عن حاشية الهداية لابن العز في مسألة
المحتجم التي ذكرناها في المجلس الماضي أن أبا حنيفة وصاحبه محمدًا يعذران من
أخذ فيها بالحديث المنسوخ (أفطر الحاجم والمحجوم) خلافًا لأبي يوسف، وإنني
أحب أن أذكره لك، ذكر عند قول أبي يوسف بلزوم الكفارة وتعليله بقوله: (فإن
على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث) ما نصه:
(في تعليله نظر، فإن المسألة إذا كانت مسألة نزاع بين العلماء، وقد بلغ
العامي الحديث الذي احتج به أحد الفريقين كيف يقال في هذا أنه غير معذور؟ فإن
قيل هو منسوخ فقد تقدم أن المنسوخ ما يعارضه، ومن سمع الحديث فعمل به وهو
منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح لا
تعمل به حتى تعرضه على رأي فلان أو فلان؛ وإنما يقال له انظر هل هو منسوخ
أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه كما في هذه المسألة فالعامل به في
غاية العذر؛ فإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أولى من تطرق الاحتمال إلى
نسخ ما سمعه من الحديث) ثم ذكر قلة المنسوخ وجمع ابن الجوزي كل ما صح أو
احتمل نسخ، فإذا هو لا يتجاوز أحد وعشرين حديثًا ثم قال: (فإذا كان العامي
يسوغ له الأخذ بقول المفتي، بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي فكيف لا يسوغ
له الأخذ بالحديث، فلو كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز العمل
بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطًا في العمل، وهذا من
أبطل الباطل ولذا أقام الله تعالى الحجة برسوله صلى الله تعالى عليه وسلم دون آحاد
الأمة، ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف
أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطأه من صوابه ويجوز عليه التناقض
والاختلاف، ويقول القول ويرجع عنه ويحكي عنه عدة أقوال، وهذا كله فيمن له
نوع أهلية، وأما إذا لم يكن له ففرضه ما قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43) وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتب له
المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه
الثقات من كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أولى بالجواز، وإذا قدّر له
أنه لم يفهم الحديث فكما لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرف معناها فكذلك الحديث)
اهـ.
المقلد: هذا الكلام موافق لما قلته لي من قبل إلا الاستدلال بالآية على التقليد
فقد منعته أنت.
المصلح: هذا كلام حسن جدًّا، وإني وإن كنت بينت أن الآية لا تدل على
جواز التقليد؛ لأنها في سياق آخر فإني لم أمنع الاهتداء بالعلماء والاستعانة بهم
على فهم الدين، وقد قلت غير مرة إن الأئمة رضي الله تعالى عنهم لم يستنبطوا
الأحكام ليصرفوا الناس إليهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم؛ وإنما استنبطوها
ليعلموهم كيف يفهمون وكيف يستنبطون؛ ولذلك حرَّموا الأخذ بقولهم من غير
معرفة دليله لئلا يفتتن الناس بهم ويتخذوهم شارعين، ولم ينسب لأحد منهم شذوذ
في ذلك إلا تلك الكلمة لأبي يوسف، وقد أوَّلها بعضهم كما تقدم وأبطل دليلها بعض
آخر كما سمعت آنفًا، على أن ابن العز هذا قد نقل عن أبي يوسف مثلما نقل عن
أبي حنيفة أنه قال: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) .
أورد هذا عنه صاحب كتاب (إيقاظ همم أولي الأبصار) ثم أورد عبارة
أخرى فيها تشديد عظيم، وهي قوله بعد ذكر جواز ترك بعض المسائل في مذهب
لرؤية أن دليل المذهب الآخر أقوى:
(فمن يتعصب لواحد معين غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرى أن
قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو ضال جاهل، بل قد
يكون كافرًا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع
أحد بعينه من هؤلاء الأئمة رضي الله تعالى عنهم فقد جعله بمنزلة النبي صلى الله
عليه وسلم وذلك كفر، بل غاية ما يقال إنه يسوغ أو يجب على العامي أن يقلد
واحدًا من الأئمة من غير تعيين زيد ولا عمرو، أما من كان محبًّا للأئمة مواليًا لهم
يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك، والصحابة
والأئمة بعدهم كانوا مؤتلفين متفقين وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة،
فإجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة
دون التابعين فهو بمنزلة من يتعصب لواحد من الصحابة دون الباقين كالرافضي
والناصبي والخارجي، فهذه طرق أهل البدع والأهواء)
…
إلخ، وفيه ذكر أن
التعصب للمذاهب كان من أسباب دخول الإفرنج إلى بعض بلاد المغرب الإسلامية
وامتلاكها يعني الأندلس ومن أسباب زحف التتار على بلاد المشرق وتدويخ
المسلمين فيها وقد ذكرنا هذا من قبل.
وأعجبني قوله: (يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو
محسن) وإن كنت أسمي هذا استرشادًا وتعلمًا لا تقليدًا إذ التسمية لا مُشَاحَّةَ فيها؛
لأن هذا القول موافق لقوله عز وجل: {فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر: 17-
18) ومفهوم الآية أن المقلد الأعمى الذي لا يميز بين الأقوال ولا يعرف من أين
جاءت ليس ممن هداهم الله، ولا من أولي العقول {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63) وقد أصيب
المسلمون لهذه المخالفة بفتن كثيرة وأنواع من العذاب ولا تزال الفتن تعبث بهم
والأجانب تستولي عليهم، وأكثرهم غافلون عن أسبابها وعللها ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم.
المقلد: هل تذكر شيئًا في النهي عن التقليد للإمام مالك بن أنس رضي الله
عنه.
المصلح: نعم روى حافظ المغرب ابن عبد البر عن عبد الله بن محمد ابن
عبد المؤمن قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي حدثنا موسى
ابن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أخبرنا معن بن عيسى قال سمعت مالك
ابن أنس يقول: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق
الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ورواه غيره أيضًا،
وروى أيضًا بسنده إلى مطرف قال: سمعت مالكًا يقول: قال لي ابن هرمز: لا
تمسك على شيء مما سمعته مني من هذا الرأي؛ فإنما افتجرته أنا وربيعة فلا
تتمسك به.
المقلد: ما معنى افتجرته فإنني لا أذكر أنني سمعت هذه الكلمة.
المصلح: يقال افتجر الكلام بالجيم إذا اخترقه من نفسه ولم يسمعه، ويتعلمه
من أحد، ويقال: افتحر الكلام والرأي بالحاء المهملة إذا اخترعه ولم يتابعه عليه
أحد، وأجدر بالمفتجر أن يكون مفتحرًا.
المقلد: إن هذا من محاسن لغتنا؛ ولكنه غير مستعمل.
المصلح: إن شأننا في اللغة شبيه بشأننا في الدين، ولات حين كلام في ذلك
فلنمض في طريقنا إلى غايتنا.
وروي عن مزين وعن عيسى عن ابن القاسم عن مالك رحمه الله تعالى أنه
قال: ليس كل ما قال رجل قولاً - وإن كان له فضل - يتبع عليه، يقول الله:
{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 18) وروى سحنون عن ابن
وهب قال قال له مالك بن أنس وهو ينكر كثرة المسائل: يا عبد الله ما علمته فقل
به ودل عليه، وما لم تعلم فاسكت عنه وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء، وجاءه
رجل فسأله عن مسألة فقال له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال
الرجل أرأيت.. . فقال مالك {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (النور: 63)
الآية، وقال لم يكن من فتيا الناس أن يقال لهم: قلت هذا، كانوا يكتفون بالرواية
ويرضون بها.
وهنا التفت المصلح إلى المقلد وقال: ألم أقل لك من قبل: إن عامة أهل العصر
الأول لم يكونوا مقلدين يأخذون بآراء العلماء؛ وإنما كانوا يأخذون بروايتهم؟ ثم قال:
وروي عن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: (دخلت على مالك أنا ورجل آخر
فوجدناه يبكي، فسلمت عليه فردَّ عليَّ، ثم سكت عني يبكي فقلت له يا أبا عبد الله
ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قَعْنب أبكي لله على ما فرَّط مني ليتني جُلدت بكل
كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي
وهذه المسائل، وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه. وفي رواية أخرى: فقلنا له:
ارجع عن ذلك، فقال: كيف لي بذلك وقد سارت به الركبان وأنا على ما ترى، فلم
نخرج من عنده حتى أغمضناه) أي فكان هذا ما لقي الله تعالى عليه، ومن المشهور
عنه رضي الله عنه: كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر،
ويشير إلى الروضة الشريفة، وفي رواية: كل كلام منه مقبول ومردود إلا كلام
صاحب هذا القبر، وسنأتي في المجلس الآخر - إن شاء الله تعالى - عن غير ذلك
مما يؤثر عنه، وعن أكابر أتباعه ثم ما يؤثر عن غيرهم من الأئمة وأكابر العلماء
حتى يتبين لكم أنكم ما قلدتم إلا من تجزمون بعدم جواز تقليده، والله الموفق
للصواب، ثم افترقا على موعد.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________