المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حرمة الخمر [*] - مجلة المنار - جـ ٤

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (4)

- ‌غرة ذو القعدة - 1318ه

- ‌فاتحة السنة الرابعة

- ‌الداء والدواء

- ‌رواية عربية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌(أميل القرن التاسع عشر)

- ‌المرأة الجديدة - تتمة التقريظ

- ‌ الأحاديث الموضوعة

- ‌انتقاد الأخلاق والعادات

- ‌ثناء

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌تصحيح

- ‌من الإدارة

- ‌16 ذو القعدة - 1318ه

- ‌الفضائل والرذائل [

- ‌خطبة أساس البلاغة

- ‌قصيدة جحدر في الأسد

- ‌تقريظ المنار الأنورواقتراح طلاب الأزهر

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌مهاجر أزهري

- ‌عريضة استرحام مسلمي بنغالة

- ‌كتاب الأمير عبد الرحمن خان

- ‌غرة ذو الحجة - 1318ه

- ‌مسألة الغرانيق وتفسير الآيات

- ‌مضار اللَّثْم والتقبيل

- ‌الحنين إلى الوطن

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌ إميل القرن التاسع عشر

- ‌ملكة الإنكليز

- ‌البدع والخرافات

- ‌تهنئة واستماحة

- ‌وسام الافتخار المرصع

- ‌غرة المحرم - 1319ه

- ‌الانتقاد

- ‌الطلاق في الإسلام [

- ‌الفقه الإسلامي

- ‌العشق وحرية العرب

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌حديث مع شيخ الأزهر والجمعيات الدينيةفي فرنسا

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌16 المحرم - 1319ه

- ‌أسئلة دينية وأجوبتها

- ‌الشيعة وأهل السنةاختلافهما

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌المسلمون في أفريقيا

- ‌استلفات لإزالة شبهة

- ‌تصحيح غلط

- ‌تنبيه

- ‌شبهات المسيحيين على الإسلام

- ‌غرة صفر - 1319ه

- ‌السخاء والبخل

- ‌الأسئلة الدينية وأجوبتها

- ‌إظهار المدفون من تمثال فرعون

- ‌طُرَف الأعراب ونوادرهم

- ‌أسباب الحرب الروسية العثمانية

- ‌الوفد الإسلامي إلى الصين

- ‌زيارة القبور والمدرس المغرور

- ‌16 صفر - 1319ه

- ‌السخاء والبخل

- ‌الأسئلة والأجوبة الدينية

- ‌(أميل القرن التاسع عشر)

- ‌تعليم العربية في المدارستأخره في تقدمه

- ‌نوادر البخلاء

- ‌جمعية ندوة العلماء في الهند

- ‌الطاعون في الكاب والمسلمون

- ‌غرة ربيع الأول - 1319ه

- ‌الأسئلة والأجوبة الدينية

- ‌مكتوب في حق مسلوب

- ‌للفيلسوف الإسلامي

- ‌للشاعر العصري

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌مصاب الصحافةوفاة بشارة باشا تقلا

- ‌الواسطة والزيارةأو ابن تيمية والسبكي

- ‌16 ربيع الأول - 1319ه

- ‌التقليد

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌احتفال مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بمصر

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌الواسطة والزيارةأو ابن تيمية والسبكي

- ‌قسم الموالد والمواسم

- ‌غرة ربيع الثاني - 1319ه

- ‌التطويع والتحصيل بالجامع الأعظم

- ‌مدرسة خليل أغااحتفالها السنوي

- ‌المساواة في الاشتراك بالمنار وإرجاء الجزء الآتي

- ‌جمعية ندوة العلماء في الهند

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌غرة جمادى الأول - 1319ه

- ‌علماء الدين وحديث صاحبي السماحة والفضيلةشيخ الإسلام ومفتي الديار المصرية

- ‌شبهات المسيحيين على الإسلاموحجج الإسلام على المسيحيين

- ‌لائحة الفقه الإسلامي [*]

- ‌مقدمة ديوان حافظ

- ‌عفة نساء العرب وبلاغتهن

- ‌الأسئلة والأجوبة الدينية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌تنبيه

- ‌إصلاح الطرق وأهلها

- ‌16 جمادى الأولى - 1319ه

- ‌وظائف علماء الدين

- ‌شبهات التاريخ على اليهودية والمسيحيةوحجج الإسلام على المسيحيين

- ‌لائحة الفقه الإسلامي

- ‌الأسئلة الدينية وأجوبتها

- ‌مقدمة ديوان حافظ

- ‌التقاريظ

- ‌عيد الجلوس السلطاني

- ‌قطع العلائق بين الدولة العلية وفرنسا

- ‌تعازٍ ووفيات

- ‌غرة جمادى الآخر - 1319ه

- ‌الرجال والنساء

- ‌الأسئلة والأجوبة الدينية

- ‌آثار علمية أدبية

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌16 جمادى الآخرة - 1319ه

- ‌شبهات المسيحيين على الإسلاموحجج الإسلام على المسيحيين

- ‌تهاني العلماء والأدباءلفضيلة مفتي الديار المصرية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌غرة رجب - 1319ه

- ‌كم حكمة لله في حب المحمدة الحقة [

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌ريشة صادق

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌رزء عظيم إسلاميوفاة أمير الأفغان

- ‌سقوط الشيخ أبي الهدى أفندي

- ‌عودة أحمد عرابي

- ‌من إدارة المنار

- ‌مفاسد لا موالد

- ‌16 رجب - 1319ه

- ‌الاستقلال والاتكال

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌تغزل النساء

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌من إدارة المنار

- ‌غرة شعبان - 1319ه

- ‌الشعور والوجدان وشعائر الأمم والأديان

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌رثاء الأمير عبد الرحمن خان

- ‌انتقاد المقتطفوكتاب القسطاس المستقيم

- ‌تصحيح

- ‌الاحتفال بقدوم الجناب العالي الخديوي

- ‌الموالد والشعور الديني وضرر الخرافات

- ‌16 شعبان - 1319ه

- ‌الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌التعليم في بلاد سيرالونمدرسة إسلامية في فوله

- ‌آثار علمية أدبية

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌غرة رمضان - 1319ه

- ‌فلسفة وعرفان في الصيام والإيمان

- ‌السياسة والساسة

- ‌الأمراء والحكام ونوع الحكومة الإسلامية

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌آثار علمية أدبية

- ‌نساء المسلمين [

- ‌البدع والخرافات

- ‌16 رمضان - 1319ه

- ‌السياسة والساسةمن نحن ومن غيرنا

- ‌الأمراء والحكام ونوع الحكومة الإسلامية [*]

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌آثار علمية أدبية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌أخبار

- ‌16 شوال - 1319ه

- ‌حياة أمة بعد موتها

- ‌الأمراء والحكامبلاء الأمة بهم

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌طهارة الأعطار ذات الكحولوالرد على ذي فضول

- ‌مشروع التعليم باللغة العامية المصرية

- ‌نساء المسلمين

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌غرة ذو القعدة - 1319ه

- ‌نساء المسلمين وتربية الدينورأيا كاتبة أوربية وأميرة مصرية

- ‌المسلمون في أفريقيا

- ‌طهارة الأعطار ذات الكحولوالرد على ذي فضول

- ‌مؤتمر التربية والتعليم في الهند

- ‌العربية الفصحى والعامية المصريةمناظرة

- ‌وصف الشام

- ‌16 ذو القعدة - 1319ه

- ‌الخمر أم الخبائث

- ‌حرمة الخمر [*]

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌نساء المسلمين

- ‌مدرسة محمد علي الصناعية

- ‌الدول في سلطنة مراكش

- ‌الرقص والعفة والحجاب

- ‌الأميرة ناظلي هانم وتربية البنات

- ‌غرة ذو الحجة - 1319ه

- ‌إصلاح الدولة العلية

- ‌الإسلام والمسلمون

- ‌خبر سلمان الفارسي وإسلامه

- ‌ أميل القرن التاسع عشر

- ‌سوانح وبوارح

- ‌الأخبار التاريخية

- ‌الاستهزاء بالعلم والعلماء وإهانة القرآن العزيز

- ‌خاتمة السنة الرابعة

الفصل: ‌حرمة الخمر [*]

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌حرمة الخمر [*]

(ننشر في هذا الباب ما يعرف به المسلمون أصل مدنيتهم

ومنشأ سعادتهم التي ذهبت بتركه)

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو

مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب

وهو مؤمن) [1] وفي رواية للنسائي زيادة: (وذكر رابعة فنسيتها، فإذا فعل ذلك فقد

خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه) فليتأمل المسلمون لا سيما

المصريون في هذا وما في معناه ليعرفوا منه، ومما تقدم من الأحاديث في الأمراء

السبب في حرمانهم من السيادة والعز الذي أعطاه الله لسلفهم بالإسلام، وجعلهم

بدينهم فوق جميع الأنام.

وقال صلى الله عليه وسلم: (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها

حُرمها في الآخرة) [2] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (كل شراب أسكر فهو حرام)[3] ومن جهل

بعض مدمني الخمر أنهم يقولون: إنه لا دليل على تحريمها، ويؤولون قوله تعالى:

{فَاجْتَنِبُوهُ} (المائدة: 90) وهو أمر بالترك يقتضي التحريم بحسب قواعد

أصول الفقه، وقوله تعالى:{فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 91) يحملونه على

الاستفهام الحقيقي، وهو جهل أو استهزاء بكتاب الله تعالى، فإن كانوا لا يرون

دليلاً على الحرمة إلا لفظ حرام، فماذا يقولون في هذا الحديث الصحيح؟ أيستدلون

به على التحريم أم يأخذون بقول تلك المجلة التي سألها مسلم مصري عن دليل

تحريم الخمر فأجابه محررها - وهو مسيحي - أنه لا دليل في الدين على تحريمها

ولكن أمر باجتنابها لما فيها من المضرات، وليس أمر هذا المفتي في هذه المسألة

بعجيب، ولكن العجيب أمر المستفتي.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير

اسمها) [4] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (ستشرب أمتي بعدي الخمر يسمونها بغير اسمها

يكون عونهم على شربها أمراؤهم) ولولا الأمراء لما فشا شربها واستبيح جهرًا،

ولا يخفى أن معتقد حل الخمر كافر باتفاق الأئمة والفقهاء.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله شارب الخمر وساقيها وبائعها ومبتاعها

وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها) [5] وقد احتمل أكثر

المسلمين في مصر كل هذه اللعنات إلا الأخيرة؛ فإنهم حمَّلُوها للأجانب، وأعطوهم

أجرة حملها الملايين من الجنيهات والألوف من فدادين الأطيان، يدخل الرومي البلد

من القطر المصري لا يملك إلا بعض زجاجات من الخمر، فلا يمر عليه زمن حتى

يكون سيد البلد وبيده زمام زراعتها وتجارتها، وإليه مرجع أغنيائها وسادتها {رَبَّنَا

إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذَابِ وَالْعَنْهُمْ

لَعْناً كَبِيراً} (الأحزاب: 67-68) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة قد حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة:

مدمن الخمر والعاق - أي المؤذي لوالديه - والديوث الذي يقر في أهله الخبث) [6] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا: الديوث والرجلة

من النساء ومدمن الخمر) قالوا يا رسول الله، أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما

الديوث؟ قال: (الذي لا يبالي من دخل على أهله) قلنا: فما الرجلة من النساء؟

قال: (التي تَشبَّه بالرجال)[7] .

عن ابن عمر أن أبا بكر وعمر وناسًا جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه

وسلم فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن

عمرو بن العاص أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم

فأنكروا ذلك، ووثبوا إليه جميعًا، حتى أتوه في داره، فأخبرهم أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال: (إن ملكًا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين

أن يشرب الخمر أو يقتل نفسًا أو يزني أو يأكل لحم الخنزير أو يقتلوه، فاختار

الخمر، وإنه لما شرب الخمر لم يمتنع من شيء أرادوه منه) [8] وأن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا

يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات

ميتة جاهلية) وورد في هذا المعنى كثير؛ ولكن في أكثره جرحًا أو نكارة.

***

حد الخمر وعقوبة السكر

عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال،

وجلد أبو بكر أربعين) [9] .

وعن السائب بن يزيد قال: (كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله صلى

الله عليه وسلم، وفي إمرة أبي بكر، وصدر من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه

بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرًا من إمرة عمر، فجلد فيها أربعين، حتى

إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين) [10] .

وعن حصين بن المنذر قال: (شهدت عثمان بن عفان أُتي بالوليد قد صلى

الصبح ركعتين، ثم قال أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب

الخمر، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها،

فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها

من تولَّى قارها، فكأنه وَجَدَ عليه، فقال يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده

وعلي يَعُدُّ حتى بلغ أربعين، فقال أمسك، ثم قال جلد النبي صلى الله عليه وسلم

أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلٌّ سنة وهذا أحب إلي) [11] الظاهر

أن الإشارة إلى ما فعل بين يديه وهو الأربعون.

وعن علي أنه قال: (ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه

شيئًا إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وَدَيْتُه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم لم يسنه) [12] قال في منتقى الأخبار: يعني لم يقدره ويوقته بلفظه ونطقه،

أقول ولم يلتزم عددًا بعمله.

وعن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شربوا الخمر فاجلدوهم

ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم) [13] .

وعن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجل قد شرب الخمر فجلد

بجريدتين نحو أربعين، قال وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد

الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر) [14] .

والحاصل أن مجموع الأحاديث الصحيحة على أن عقوبة الخمر من

التعزيرات المفوضة إلى ما يراه الإمام أصلح بالمشاورة؛ ولكن الفقهاء أجمعوا بعد

ذلك على الحد المعين.

***

آثار السلف عبرة للخلف

قصة أبي محجن

قال الحافظ ابن حجر في (أسد الغابة) إن أبا محجن الثقفي كان يشرب

الخمر، لا يتركها خوف حد ولا لوم، وإن عمر حدَّه مرارًا ونفاه إلى جزيرة في

البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه، ولحق بسعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية

يحارب الفرس، فكتب عمر إلى سعد ليحبسه فحبسه، فلما كان بعض أيام القادسية

واشتد القتال بين الفريقين، سأل أبو محجن امرأة سعد أن تحل قيده وتعطيه فرس

سعد البلقاء، وعاهدها أنه إن سلم عاد إلى حاله من القيد والسجن، وإن استشهد فلا

تبعة عليه فلم تفعل فقال:

كفى حَزَنًا أن ترتدي الخيل بالقنا

وأُترك مشدودًا عليَّ وثاقيا

إذا قمت عنّاني الحديد وأُغلقت

مصارع دوني قد تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة

فقد تركوني واحدًا لا أخا ليا

حبسنا عن الحرب العوان وقد بدت

وإعمال غيري يوم ذاك العواليا

فلله عهد لا أَخيس بعهده

لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا [15]

فلما سمعت سلمى امرأة سعد ذلك رقت له، فخلت سبيله وأعطته الفَرس فقاتل

قتالاً عظيمًا، وكان يكبر ويحمل فلا يقف بين يديه أحد، وكان يقصف الناس قصفًا

منكرًا، فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، ورآه سعد وهو فوق القصر ينظر إلى

القتال، ولم يقدر على الركوب لجراح كانت به وضربان من عرق النسا فقال [16] :

لولا أن أبا محجن محبوس لقلت هذا أبو محجن، وهذه البلقاء تحته، فلما تراجع

الناس عن القتال عاد إلى القصر وأدخل رجليه في القيد، فأعلمت سلمى سعدًا خبر

أبي محجن، فأطلقه وقال اذهب لا أحدك أبدًا، فتاب أبو محجن حينئذ وقال:

(كنت آنف أن أتركها من أجل الحد) اهـ. وفي رواية لغيره أنه قال: (وأنا والله

لا أشربها أبدًا؛ إنما كنت أشربها إذ كنتم تطهروني) .

وفي الكامل لابن الأثير أنه قال حين رجع إلى القيد:

لقد علمت ثقيف غير فخر

بأنا نحن أكرمهم سيوفا

وأكثرهم دروعًا سابغات

وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا

وأنا وفدهم في كل يوم

فإن عُمُّوا فسل بهم عريفا

وليلة قادس لم يشعروا بي

ولم أشعر بمخرجي الزحوفا

فإن أُحبس فذلكم بلائي

وإن أُترك أذيقهم الحتوفا

وزعم ابن الأثير أن سلمى سألته فيم حبسه سعد، فحلف أنه ليس بحرام أكله

أو شربه، قال: ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب

الشعر على لساني فقلت:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة

تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإنني

أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

فلذلك حبسني) اهـ، والأول هو الصحيح ويدل عليه قوله:

ألم ترني ودعت ما كنت أشرب

من الخمر إذ رأسي لك الخير أشيب

وكنت أروي هامتي من عقارها

إذ الحد مأخوذ وإذ أنا أضرب

فلما دَرَوْا عني الحدود تركتها

وأضمرت فيها الخير والخير يطلب

وقال لي الندمان لما تركتها

أالجدُّ هذا منك أم أنت تلعب

سأتركها لله ثم أذمها

وأهجرها في بيتها حيث تشرب

الاعتبار في الأثر: يقرأ بعض الفساق أو يسمع بأن مثل أبي محجن رضي

الله عنه كان يشرب الخمر، فيغش نفسه بأن الأمر ليس بعظيم، وإن حسبه أن

يكون كأبي محجن في مدخله ومخرجه ودنياه وآخرته ويا ليت الهوى يصدق صاحبه

ويعز جانبه، وإننا نذكر من وجوه العبرة في الأثر ما يقطع أسباب الأماني ويحل

عرى الأهواء، وذلك من وجوه:

الأول: أن أبا محجن كان مدمنًا للخمر في الجاهلية، ومدمنها يصاب بداء

الخمار على ما أشرنا في المقالة الأولى، فيصير مغلوبًا على أمره؛ لأنه مريض،

ولمَّا أسلم وعلم أن في الشرب حدًّا إذا أقيم على الشارب سقطت عنه العقوبة في

الآخرة - رجح احتمال عقوبة الحد على احتمال ألم مرض الخمار الذي يزعجه إلى

الشرب، فلم يكن في شربه متهاونًا بالدين، ولا مستخفًّا بعذاب الآخرة؛ ولذلك جرَّد

حسام العزيمة على مرض الشهوة فجندله عندما قال سعد إنه لا يحده، وفي ذلك من

قوة الإيمان ما يعلو الأهواء، ويلاشي الأدواء، وهو الذي يجب أن يكون عبرة

للمعتبرين وقدوة لهم إن كانوا مؤمنين.

الثاني: أن أمر سيدنا عمر بإبعاد أبي محجن إلى جزيرة في البحر بعد أن

حده سبعًا أو ثمانيًا على ما في (أسد الغابة) يرشدنا إلى أن أمير المؤمنين يجب

عليه أن يلاحظ الآداب العامة، ويبعد عنهم ما يكون قدوة سيئة، وقد وافق رأيه هذا

بعض فلاسفة أوربا فقال إن المجرمين الذين انطبعوا على الجرائم وتمكنت منهم

يجب إبعادهم إلى جزائر في البحر، ومنعهم من التزوج ليزول عن الناس شرهم،

وينقطع نسلهم الذي يرث منهم الاستعداد لمفاسدهم، ولكن إذا كان أمراء المسلمين

هم الذين يعلمونهم السكر ويدعونهم إليه كما هو معلوم الآن من أكثرهم، فمن الذي

يمنع هذه المنكرات: (ما يصلح الملح إذا الملح فسد) .

الثالث: لم ينقل أن أحدًا أنكر على سعد رضي الله عنه ترك حده أو عزمه

على ذلك، وهذا يدلنا على أنهم كانوا يرون أن العقوبة على الخمر من التعزيرات

كما تقدم، وهذه مفوضة إلى رأي الحاكم بالنسبة إلى الأفراد، وأما التقدير لها فهو

من وظائف الإمام التي يقررها بمشاورة أهل الرأي كما فعل عمر رضي الله عنه،

وتقدم أن الفقهاء أقروا ما قدَّره عمر، وجعلوه حدًّا ثابتًا لا يزيد ولا ينقص.

_________

(*) كنا ابتدأنا في هذا الباب بذكر نوع الحكومة الإسلامية وشأن الأمراء، وكنا نريد أن نتبع هذا

البحث بعد إتمامه ببحث القضاء؛ ولكننا ذكرنا ما ورد في الخمر بمناسبة المقالة الافتتاحية.

(1)

رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة.

(2)

أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر.

(3)

أحمد والشيخان وابن عدي عن عائشة.

(4)

رواه أحمد وأبو داود عن أبي مالك الأشعري وغيرهما من غيره.

(5)

أبو داود والحاكم عن ابن عمر، ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي والضياء عن ابن عباس بلفظ (أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها) إلخ.

(6)

أحمد واللفظ له والنسائي والبزار والحاكم وصححه.

(7)

الطبراني بسند قال الحافظ المنذري: لا أعلم في رواته مجروحًا.

(8)

الطبراني بسند صحيح والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم.

(9)

أحمد والشيخان.

(10)

أحمد والبخاري.

(11)

رواه مسلم.

(12)

أحمد والشيخان، وهو لأبي داود وابن ماجه وقالا فيه:(لم يسن فيه شيئًَا إنما قلناه نحن) .

(13)

رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي منسوخ، وقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمن شرب الرابعة بعده فلم يقتله.

(14)

أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي.

(15)

لا أخيس: لا أغدر وأنكث، والحواني: جمع حانية وهي الدكان أو حانية بالتشديد وهي الخمر والخمّار وخفف، ويروى بعده:

فإن مت كانت حاجة قد قضيتها

وخلفت سعدًا وحده والأمانيا.

(16)

في غير هذا الكتاب أن سعدًا كان يقول: أما الفرس فالبلقاء، وأما الشدات فشدات أبي محجن، وكان الناس يقولون لو أن الملائكة تقاتل لقلنا أنه ملك.

ص: 897