الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
االْفَصْلُ الثَّالِثُ
4591 -
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4591 -
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ) رضي الله عنه قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قُرَشِيٌّ تَابِعِيٌّ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطِّيَرَةِ وَهُوَ مُرْسَلٌ. (قَالَ) أَيْ: عُرْوَةُ (ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ) سَبَقَ نَظِيرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: خَيْرُهَا الْفَأْلُ، وَتَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ. (وَلَا تَرُدُّ) أَيِ: الطِّيَرَةُ (مُسْلِمًا) وَالْجُمْلَةُ عَاطِفَةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحْسَنَ الطِّيَرَةِ مَا يُشَابِهُ الْفَأْلَ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَمْنَعُ الطِّيَرَةُ مُسْلِمًا عَنِ الْمُضِيِّ فِي حَاجَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ الْكَامِلِ، بَلْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيَمْضِي فِي سَبِيلِهِ بِنُورِهِ عَلَى غَايَةِ حُضُورِهِ، وَنِهَايَةِ سُرُورِهِ. (فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ) أَيْ: إِذَا رَأَى مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ. (فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ) أَيْ: بِالْأُمُورِ الْحَسَنَةِ الشَّامِلَةِ لِلنَّعْمَةِ وَالطَّاعَةِ (إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ) أَيِ: الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ الْكَافِلَةُ لِلنِّقْمَةِ وَالْمَعْصِيَةِ (إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ) أَيْ: عَلَى دَفْعِ السَّيِّئَةِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ: عَلَى تَحْصِيلِ الْحَسَنَةِ (إِلَّا بِاللَّهِ) . هُوَ فِي أَصْلِ الْحِصْنِ: إِلَّا بِكَ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْكَلَامِ، وَفِي الْحَاشِيَةِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَعَلَيْهِ رَمْزُ (مص) إِشَارَةٌ إِلَى مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فَإِنَّهُ مُشَارِكٌ لِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ فَفِيهِ الْتِفَاتٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا) أَيْ: لِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَكَذَا فِي التَّقْرِيبِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْكِهَانَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4592 -
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ رضي الله عنه قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ. قَالَ: " فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ ". قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: " ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَنَّكُمْ ". قَالَ، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يُخْطِئُونَ. قَالَ: " كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
(2)
بَابُ الْكِهَانَةِ
بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِهَا كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي الْقَامُوسِ كَهَنَ لَهُ كَمَنَعَ، وَنَصَرَ، وَكَرَمَ كَهَانَةً بِالْفَتْحِ قَضَى لَهُ بِالْغَيْبِ، وَحِرْفَتُهُ الْكِهَانَةُ بِالْكَسْرِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْأَخْبَارُ الْمَسْتُورَةُ مِنَ النَّاسِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَقَدْ كَانَتْ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَيُرْوَى:«أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَتُلْقِيَهُ إِلَى الْكَهَنَةِ فَتَزِيدُ فِيهِ مَا تَزِيدُ فَتَقْبَلُهُ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ صلى الله عليه وسلم " حُرِسَتِ السَّمَاءُ وَبَطَلَتِ الْكِهَانَةُ» ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ، أَسْبَابٌ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ، أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ حَالِهِ، وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْعَرَّافِ، كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهَا ".
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4592 -
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) : بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: سَلَمِيٌّ، كَانَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ كَثِيرٌ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُمَا مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةً. (قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُمُورًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وَفَائِدَتُهُ التَّفْخِيمُ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: نَفْعَلُهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا (كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ جَمْعُ كَاهِنٍ، وَالْمَعْنَى: كُنَّا نَأْتِيهِمْ وَنَسْتَخْبِرُ مِنْهُمْ أُمُورًا (قَالَ: فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ) أَيْ: لَا تَعْتَقِدُوا صِدْقَهُمْ فِي أَخْبَارِهِمْ (قَالَ) أَيْ: مُعَاوِيَةُ (قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ) أَيْ: نَتَشَاءَمُ بِالطَّيْرِ وَنَحْوِهَا (قَالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ) أَيْ: مِنْ قِبَلِ الظُّنُونِ الْمُعْتَرِضَةِ بِحُكْمِ الْبَشَرِيَّةِ (يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ)
أَيْ وَلَا تَأْثِيرَ مِنْهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ نَفْيٌ لِلتَّطَيُّرِ بِالْبُرْهَانِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَطَيَّرُوا كَمَا قَالَ: فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ، يَعْنِي: لَا تَطَيُّرَ، فَإِنَّ الطِّيَرَةَ لَا وُجُودَ لَهَا، بَلْ هِيَ شَيْءٌ يُوجَدُ فِي النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمَا يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ قِبَلِ الظُّنُونِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ (فَلَا يَصُدَنَّكُمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: لَا يَمْنَعُكُمُ التَّطَيُّرُ عَنِ الْمُضِيِّ فِي حَاجَتِكُمْ، وَعَنِ الْأَمْرِ الَّذِي قَصَدْتُمْ فِي خَاطِرِكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ: لَا أَرَيَنَّكَ هَهُنَا، فَإِنَّهُ نَهَى مَا يَجِدُ فِي النَّفْسِ عَنِ الصَّدِّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَنْهِيُّ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ. (قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يُخْطِئُونَ) . بِضَمِّ الْخَاءِ وَالطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ غَيَّرَ النَّسَقَ فِي التَّفْصِيلِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى امْتِيَازِ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الَّذِينَ خَطُّوا مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَضَى بَحْثُهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. (قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) : قِيلَ: دَانْيَالُ وَقِيلَ: إِدْرِيسُ عليهما السلام (يَخُطُّ) أَيْ: بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ أَوْ عِلْمٍ لَدُنِّيٍّ (فَمَنْ وَافَقَ) أَيْ: خَطُّهُ (خَطَّهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ فَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ (فَذَاكَ) أَيْ: مُصِيبٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَرَامٌ ; لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ مَعْدُومَةٌ أَوْ مَوْهُومَةٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4593 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلَيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذِبَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4593 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلَ أُنَاسٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ (رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْكُهَّانِ) أَيْ: هَلْ لَهُمْ عَلِمٌ بِشَيْءٍ؟ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسُوا) وَفِي نُسَخَةٍ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا (بِشَيْءٍ) أَيْ: يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، فَلَا تَعْتَمِدُوا عَلَى أَخْبَارِهِمْ، وَلَا تَعْتَقِدُوا فِي أَخْبَارِهِمْ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُمْ) تَعْلِيلٌ لِمُقَدَّرٍ، أَيْ: نَفْيُ تَصْدِيقِ إِخْبَارِهِمْ عَلَى إِطْلَاقِهِ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُمْ (يُحَدِّثُونَ) أَيْ: يُخْبِرُونَ (أَحْيَانًا) أَيْ: فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ (بِالشَّيْءِ يَكُونُ) : صِفَةٌ أَوْ حَالٌ، أَيْ: يَصِيرُ (حَقًّا) . أَيْ: صِدْقًا مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ) أَيْ: مِنَ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَالصِّدْقِ الثَّابِتِ الْمَسْمُوعِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ أَخَذُوا مِنَ الْحَقِّ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ، أَوْ بِمُكَاشَفَةِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنَ الْجِنِّ أَيْ: مَسْمُوعَةٌ مِنْهُمْ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إِذِ الْكُهَّانُ يَسْمَعُونَ مِنَ الْجِنِّ وَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:(يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ) أَيْ: يَسْرِقُهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِسُرْعَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِالْجِيمِ وَالنُّونِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا، وَرُوِي أَيْضًا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَقَوْلُهُ:(فَيَقُرُّهَا) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّجَاجَةِ بِالدَّالِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ: الْقَرُّ تَرْدِيدُكَ الْكَلَامَ فِي أُذُنِ الْمُخَاطَبِ حَتَّى يَفْهَمَهُ. تَقُولُ قَرَرْتُهُ أَقُرُّهُ قَرًّا، وَقَرُّ الدَّجَاجَةِ صَوْتُهَا إِذَا قَطَعَتْهُ، يُقَالُ: قَرَّتْ تَقِرُّ قَرًّا وَقَرِيرًا، فَإِنْ رَدَّدَتْهُ قُلْتَ: قَرَّرَتْ قَرْقَرَةً، وَيُرْوَى قَرُّ الزُّجَاجَةِ بِالزَّايِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ثُبُوتُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِهِ كَمَا تَقُرُّ الْقَارُورَةُ اهـ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَرَدَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَقَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَوَاهُ: قَرُّ الزُّجَاجَةِ بِالزَّايِ، وَأَرَاهَا أَحْفَظَ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَرُّ الْقَارُورَةِ، يُقَالُ: قَرَرْتُ عَلَى رَأْسِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، أَيْ: صَبَبْتُ، وَقَرَّ الْحَدِيثَ فِي أُذُنِهِ يَقُرُّهُ كَأَنَّهُ صَبَّهُ فِيهَا، وَاسْتِعْمَالُ قَرِّ الْحَدِيثِ فِي الْأُذُنِ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرُوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ، لَمْ نَجِدْ لَهُ شَاهِدًا فِي كَلَامِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّجَاجَةَ بِالدَّالِ تَصْحِيفٌ أَوْ غَلَطٌ مِنَ السَّامِعِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: لَا ارْتِيَابَ أَنَّ قَرَّ الدَّجَاجَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، فَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يُشَبَّهَ تَرْدِيدُ مَا اخْتَطَفَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ بِصَبِّ الْمَاءِ فِي الْقَارُورَةِ يَصِحُّ أَنْ يُشَبَّهَ تَرْدِيدُ كَلَامِ الْجِنِّيِّ فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ بِتَرْدِيدِ الدَّجَاجَةِ صَوْتَهَا فِي أُذُنِ صَوَاحِبِهَا، كَمَا تُشَاهِدُ الدِّيَكَةَ إِذَا وَجَدَتْ حَبَّةً، أَوْ شَيْئًا تَقِرُّ وَتُسْمِعُ صَوَاحِبَهَا، فَيَجْتَمِعْنَ عَلَيْهَا، وَبَابُ التَّشْبِيهِ مِمَّا فِيهِ وُسْعٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَّا إِلَى الْعَلَاقَةِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِطَافَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْكَلَامِ مِنْ خَطْفِ الطَّيْرِ. قَالَ
تَعَالَى: {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج: 31] ، فَتَكُونُ الدَّجَاجَةُ أَنْسَبَ مِنَ الْقَارُورَةِ لِحُصُولِ التَّرْشِيحِ فِي الِاسْتِعَارَةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ قَرُّ الدَّجَاجَةِ بِالدَّالِ فَصُحِّفَ إِلَى قَرِّ الزُّجَاجَةِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّجَاجَةَ فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ لَا غَيْرَ، وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الدَّجَاجَةُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَأَمَّا الزُّجَاجَةُ فَهِيَ بِضَمِّ الزَّايِ كَمَا لَا يَخْفَى إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَيَقُرُّهَا، أَيْ: يَصُبُّ الْجِنِّيُّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ بِمَعْنَى: يُلْقِيهَا أَوْ يُصَوِّتُ بِهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، أَيْ: مِنَ الْكُهَّانِ. قَرَّ الدَّجَاجَةِ أَيْ: مِثْلُ صَوْتِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَى يَقُرُّهَا يَصُبُّهَا، وَكَقَرِّ الدَّجَاجَةِ، أَيْ: كَصَبِّهَا الْمَنِيَّ فِي صَاحِبَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ النَّاسُ، فَكَذَا الْجِنِّيُّ يَصُبُّهَا فِي أُذُنِ وَلَيِّهِ بِحَيْثُ لَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ الزُّجَاجَةَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا: يَصُبُّ فِي أُذُنِ صَاحِبِهِ كَصَبِّ الزُّجَاجَةِ، أَيْ: كَمَا يُصَبُّ مَاءُ قَارُورَةٍ فِي أُخْرَى (فَيَخْلِطُونَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: الْكُهَّانُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: الْأَوْلِيَاءُ جَمَعَ بَعْدَ الْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ (فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ (أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْكَافِ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْكِذْبَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَالذَّالُ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا. قَالَ الْقَاضِي: وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا بِهِ الْحَالَةَ وَالْهَيْئَةَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
قُلْتُ: هَذَا مَوْضِعُهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِمِائَةِ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَيَخْلِطُونَ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ مِائَةَ مَرَّةٍ، لِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى تَكْرَارِ كَذِبِ وَاحِدٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. مَعَ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَاكْتَفَى بِمِائَةٍ، أَوْ قِيلَ: مِائَةُ كَذِبٍ، فَالْعُدُولُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّاءِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِفَادَةٍ زَائِدَةٍ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِبًا وَكِذْبًا وَكِذْبَةً وَكَذْبَةً بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الذَّالِ فِيهِمَا. فَمَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ فَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ مَعَ وُجُودِ التَّاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَيُخْشَى عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي وَعِيدِ مَنْ كَذِبَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
4594 -
وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتُسْمِعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
4594 -
(وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ (تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ " وَهُوَ السَّحَابُ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِلْعَنَانِ، فَالسَّحَابُ مَجَازٌ عَنِ السَّمَاءِ، كَمَا أَنَّ السَّمَاءَ مَجَازٌ عَنِ السَّحَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [المؤمنون: 18] فِي وَجْهٍ. قُلْتُ: ارْتِكَابُ الْمَجَازِ فِي الْآيَةِ لَهُ وَجْهٌ، وَأَمَّا ارْتِكَابُهُ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، إِذْ لَا يُعْدَلُ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، مَعَ أَنَّهُ يُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي السَّمَاءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ سَمَاءُ الدُّنْيَا عَلَى أَنَّ سَمَاعَ الْجِنِّيِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّحَابِ أَقْرَبُ، فَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَنْسَبُ، وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْمَعُ فِي السَّمَاءِ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الدُّنْيَا فَيُحَدِّثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَسْتَرِقُهُ الشَّيْطَانُ، فَيُلْقِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ عز وجل بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ! مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ اهـ.
(فَتَذْكُرُ) أَيِ: الْمَلَائِكَةُ (الْأَمْرَ قُضِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ عَلَى أَنَّ الْ فِي الْأَمْرِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَوْ صِلَةُ الْمَوْصُولِ الْمَحْذُوفِ، أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي قَضَى اللَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ:(فِي السَّمَاءِ) ظَرْفٌ لِقُضِيَ لَا لِتَذْكُرُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَنَانِ السَّحَابُ، إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ الَّذِي قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَنْزِلُوا مِنَ السَّمَاءِ فِي السَّحَابِ، فَيَحْكِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ الْأُمُورَ الَّتِي قُضِيَتْ فِي السَّمَاءِ، وَسَمِعُوا حَالَ كَوْنِهِمْ فِيهَا (فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ) أَيْ: مَسْمُوعُ الْمَلَائِكَةِ (فَتَسْمَعُهُ) أَيْ: الشَّيَاطِينُ أَوَّلًا (فَتُوحِيهِ) أَيْ: فَتُلْقِيهِ (إِلَى الْكُهَّانِ) مِنَ الْإِيحَاءِ وَهُوَ " الْإِعْلَامُ بِالْخِفْيَةِ "، وَعَنِ الزَّجَّاجِ: أَنَّ الْإِيمَاءَ يُسَمَّى وَحْيًا. (فَيَكْذِبُونَ) أَيْ: الْكُهَّانُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الْوَاحِدَةِ (مِائَةَ كَذْبَةٍ، مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) . وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا سَبَبُ مُوَافَقَتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ لِلْوَاقِعِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبَ سَدَّ الشَّارِعُ بَابَ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ وَلِهَذَا مَا اعْتُبِرَ شَهَادَةُ الْكَاذِبِ مَعَ أَنَّ الْكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
4595 -
وَعَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
4595 -
(وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا) أَيْ: بِنْتُ عُمَرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَتَى عَرَّافًا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مُبَالَغَةُ (الْعَارِفِ)، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْكَاهِنُ وَالطَّبِيبُ، وَفِي الْمُغْرِبِ: هُوَ الْمُنَجِّمُ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَرَّافُ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْكُهَّانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: الْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ مَكَانِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا. (فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ التَّصْدِيقِ بِخِلَافِ مَنْ سَأَلَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ التَّكْذِيبِ، وَأُطْلِقَ مُبَالِغَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَالْجُمْلَةُ احْتِرَازٌ عَمَّنْ أَتَاهُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى. (لَمْ تُقْبَلْ لَهُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ أَيْ: قَبُولُ كَمَالٍ حَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ أَوْ تَضَاعُفُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ (صَلَاةٌ) : بِالتَّنْوِينِ، فَقَوْلُهُ:(أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) . ظَرْفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَوْلِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ مِنَ الْأَزْمِنَةِ اللَّاحِقَةِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ وَلَفْظُهُ:«مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوْبَةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ كَفَرَ» ، فَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَعْمَالَ التَّائِبِ لَهَا دَرَجَةُ كَمَالِ الْقَبُولِ يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا عَدَمُ قَبُولِ صَلَاتِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى إِعَادَةٍ، وَنَظِيرُ هَذَا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ مُجْزِئَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ، وَلَكِنْ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.
قَالُوا: فَصَلَاةُ الْفَرْضِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا الْكَامِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا شَيْئَانِ: سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْهُ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ، فَإِذَا أَدَّاهَا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ حَصَلَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَى مَنْ أَتَى الْعَرَّافَ إِعَادَةَ صَلَاةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. قُلْتُ: وُجُوبُ تَأْوِيلِهِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ تَأْوِيلُهُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ لَا تُبْطِلُهَا السَّيِّئَاتُ إِلَّا الرِّدَّةَ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْإِعَادَةِ حَتَّى فِي الرِّدَّةِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ، ثُمَّ مَفْهُومُ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى النَّفْلَ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ، وَكَذَا الْفَرْضُ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، نَعَمْ، التَّضَاعُفُ مِنْ فَضْلِهِ سبحانه وتعالى، فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا يُوجِبُ غَضَبَهَ تَعَالَى، فَلَهُ إِسْقَاطُ الْمُضَاعَفَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَدْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ مِنْ بَيْنِ الْأَعْمَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهَا عِمَادَ الدِّينِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَوَّضَ عِلْمُهُ إِلَى الشَّارِعِ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ، وَالتَّكْثِيرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
4596 -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4596 -
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أَسْمَاءِ الْمُؤَلِّفِ. (قَالَ: صَلَّى لَنَا) أَيْ: إِمَامًا (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ) أَيْ: عَقِبَ مَطَرٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالسَّمَاءُ الْمَطَرُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: خَرَجَ فِي إِثْرِهِ، وَأَثَرِهِ: بَعْدَهُ، وَقَالَ السَّمَاءُ مَعْلُومٌ وَالسَّحَابُ الْمَطَرُ أَوِ الْمَطَرَةُ الْجَيِّدَةُ. (كَانَتْ) أَيْ: كَانَ الْمَطَرُ وَتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ أَوْ لَفْظِ السَّمَاءِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ سَمَاءٍ. وَقَوْلُهُ:(مِنَ اللَّيْلِ) ظَرْفٌ لَهَا أَيْ: فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَأَوْقَاتِهِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ (قَالَ رَبُّكُمْ؟) أَيْ: فِي هَذَا الْوَقْتِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (قَالَ) أَيْ: سبحانه وتعالى (أَصْبَحَ) أَيِ: الشَّأْنُ (مِنْ عِبَادِي) أَيْ: بَعْضُهُمْ (مُؤْمِنٌ بِي) : فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ (وَكَافِرٌ) أَيْ: بِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي: وَبَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِي، أَوِ التَّقْدِيرُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِغَيْرِي، وَبَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِغَيْرِي، وَتُرِكَ اكْتِفَاءً بِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:(فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: بِسُقُوطِ نَجْمٍ وَطُلُوعِ نَظِيرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَدَّا تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِيهِ لِيُطَابِقَهُ الْمُفَصَّلُ، فَالتَّقْدِيرُ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَكَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ. وَفِي الْكَشَّافِ قِيلَ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] أَيْ: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَ مَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْغَيْثِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ كَوْنَهُ مِنَ اللَّهِ حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إِلَى النُّجُومِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ سَالِبٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا بِأَنَّ الْكَوْكَبَ فَاعِلٌ مُدَبِّرٌ مُنْشِئٌ لِلْمَطَرِ كَزَعْمِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ مَنْ قَالَ مُعْتَقِدًا بِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِفَضْلِهِ، وَأَنَّ النَّوْءَ عَلَامَةٌ لَهُ وَمَظَنَّةٌ بِنُزُولِ الْغَيْثِ، فَهَذَا لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا كَأَنَّهُ قَالَ: مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ; لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُوهِمَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، فَيُسَاءُ الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا ; وَلِأَنَّهَا شِعَارُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: كُفْرَانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِاقْتِصَارِهِ عَلَى إِضَافَةِ الْغَيْثِ إِلَى الْكَوْكَبِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَةُ " الْأُخْرَى:«أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرًا وَكَافِرًا» ، وَفِي أُخْرَى:«مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ بِهَا كَافِرِينَ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
4597 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
4597 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ) أَيْ: مَطَرٍ، أَوْ مِنْ نَعْمَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا) أَيْ: بِسَبَبِهَا (كَافِرِينَ) : مِنَ الْكُفْرِ أَوِ الْكُفْرَانِ (يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ تِمْثَالُ بُرْهَانٍ (فَيَقُولُونَ) أَيْ: فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ (بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: هَذَا بِسَبَبِ طُلُوعِ نَجْمِ كَذَا، وَغُرُوبِ نَجْمِ كَذَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
4598 -
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
4598 -
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنِ اقْتَبَسَ) أَيْ: أَخَذَ وَحَصَلَ وَتَعَلَّمَ (عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ) أَيْ: عِلْمٌ مِنْ عُلُومِهَا أَوْ مَسْأَلَةٌ مِنْ عِلْمِهَا. (اقْتَبَسَ شُعْبَةً) أَيْ: قِطْعَةٌ (مِنَ السِّحْرِ زَادَ) أَيِ: الْمُقْتَبِسُ مِنَ السِّحْرِ (مَا زَادَ) أَيْ: مُدَّةَ زِيَادَتِهِ مِنَ النُّجُومِ، فَمَا بِمَعْنَى مَا دَامَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ أَيْ: زَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْهُ فِي حَقِّ عِلْمِ النُّجُومِ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: زَادَ اقْتِبَاسَ شُعْبَةِ السِّحْرِ مَا زَادَ اقْتِبَاسَ عِلْمِ النُّجُومِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: نَكَّرَ " عِلْمًا " لِلتَّقْلِيلِ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ الِاقْتِبَاسَ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقِلَّةِ، وَمِنَ النُّجُومِ صِفَةُ عِلْمًا وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ. وَفَاعِلُ زَادَ الشُّعْبَةُ، ذَكَّرَهَا بِاعْتِبَارِ السِّحْرِ، وَزَادَ مَا زَادَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْنِيبِ، أَيْ: يَزِيدُ السِّحْرُ مَا يَزِيدُ الِاقْتِبَاسُ، فَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ لِلتَّحْقِيقِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْمَنْهِيُّ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ، وَرُبَّمَا تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مِثْلَ إِخْبَارِهِمْ بِوَقْتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَجِيءِ مَاءِ الْمَطَرِ، وَوُقُوعِ الثَّلْجِ، وَظُهُورِ الْحَرِّ وَالْبَرَدِ، وَتَغْيِيرِ الْأَسْعَارِ وَنَحْوِهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَ مَعْرِفَتَهَا بِسَيْرِ الْكَوَاكِبِ، وَاجْتِمَاعِهَا وَافْتِرَاقِهَا، وَهَذَا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34] ، فَأَمَّا مَا يُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الزَّوَالُ وِجْهَةَ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا نَهَى عَنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97]، وَقَالَ تَعَالَى:{وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النُّجُومَ طُرُقٌ لِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَالْمَسَالِكِ، وَلَوْلَاهَا لَمْ يَهْتَدِ النَّاسُ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: تَعْلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ، ثُمَّ أَمْسِكُوا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
4599 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
4599 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ أَنَّ الْكَاهِنَ إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْغَيْبِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأُمُورِ. (أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ) أَيْ: بِالْوَطْءِ، وَفِي التَّفْخِيذِ خِلَافٌ (حَائِضًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُنْتَقِلَةٌ، وَلِهَذَا جَازَ حَذْفُ التَّاءِ، وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً كَانَتِ التَّاءُ لَازِمَةً اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْآتِي، وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّاءَ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ النِّسَاءِ خَاصَّةً كَطَالِقٍ. (أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا) أَيْ: حَائِضًا أَوْ طَاهِرَةً (فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم . أَيْ كَفَرَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ أَوْ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ:" «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ".
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4600 -
عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ " وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيَصْدُقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4600 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ) أَيْ: قَدَّرَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَظْهَرَ قَضَاءً (فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) أَيْ: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (خُضْعَانًا) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ، أَيْ: تَوَاضُعًا وَتَخَاشُعًا (لِقَوْلِهِ) : وَانْقِيَادًا لِحُكْمِهِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْخُضْعَانُ مَصْدَرُ خَضَعَ يَخْضَعُ خُضُوعًا وَخُضْعَانًا، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالْمُطَاوَعَةُ كَالْغُفْرَانِ وَالْكُفْرَانِ، وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ كَالْوِجْدَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ خَاضِعٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا كَانَ جَمْعًا كَانَ حَالًا، وَإِذَا كَانَ مَصْدَرًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَا فِي ضَرْبِ الْأَجْنِحَةِ مِنْ مَعْنَى الْخُضُوعِ، أَوْ مَفْعُولًا لَهُ. قُلْتُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّائِرَ إِذَا اسْتَشْعَرَ خَوْفًا أَرْخَى جَنَاحَيْهِ مُرْتَعِدًا. قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ ضَرْبِ جَنَاحِهِمْ وَسَبَبِيَّتِهِ مِنَ الْخَوْفِ أَوْ غَيْرِهِ. (كَأَنَّهُ) أَيْ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ (سِلْسِلَةٌ) : بِكَسْرِ السِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (عَلَى صَفْوَانٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: حَجَرٌ أَمْلَسُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. وَنَظِيرُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ. (فَإِذَا فُزِّعَ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ: أُزِيلَ الْفَزَعُ وَكُشِفَ (عَنْ قُلُوبِهِمْ) . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سبأ: 23] عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَوَالُ الْفَزَعِ عَنْهُمْ هُنَا بَعْدَ سَمَاعِهِمُ الْقَوْلَ، كَالْفَصْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ اهـ.
وَلَعَلَّهُ نَظِيرُهُ، وَإِلَّا فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم يُفْصَمُ عَنْهُ وَقَدْ وَعَى مَا قَالَ، وَهُمْ يُكْشَفُ الْفَزَعُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَدْرُوا مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَرِينَةِ السُّؤَالِ، أَوْ يُقَالُ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، فَقَوْلُهُ:(قَالُوا) أَيْ: بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَدْرِ إِمَّا لِغَلَبَةِ الْفَزَعِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقِلَّةِ الْكَشْفِ لَهُ (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا) : وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ لِلسَّائِلِينَ وَهُمْ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ (لِلَّذِي قَالَ) أَيْ: سبحانه وتعالى (الْحَقَّ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: قَالُوا الْحَقَّ لِأَجْلِ مَا قَالَهُ تَعَالَى، أَيْ: عَبَّرُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى، وَمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ بِلَفْظِ الْحَقِّ، فَالْحَقُّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: الْقَوْلَ الْحَقَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، فَالتَّقْدِيرُ قَوْلُهُ الْحَقُّ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ إِمَّا كَلِمَةُ كُنْ أَوْ مَا يُقَابِلُ الْبَاطِلَ، فَالْمُرَادُ بِكُنْ مَا هُوَ سَبَبُهَا مِنَ الْحَوَادِثِ الْيَوْمِيَّةِ بِأَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَضَعَ آخَرِينَ، وَيُولِجَ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَيُولِجَ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَيُخْرِجَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيُشْفِي سَقِيمًا، وَيُسْقِمَ صَحِيحًا، وَيَبْتَلِيَ مُعَافًى، وَيُعَافِيَ مُبْتَلًى، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا وَيُذِلَّ عَزِيزًا، وَيُفْقِرَ غَنِيًّا وَيُغْنِيَ فَقِيرًا، فَسُبْحَانَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ حَقًّا لَا بَاطِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191]، أَيْ: عَبَثًا، بَلْ هُوَ صَوَابٌ وَحِكْمَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ الْمَسْطُورُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالْحَقُّ بِمَعْنَى الثَّابِتِ، أَيْ: قَضَى وَقَدَّرَ وَحَكَمَ فِي الْكَائِنَاتِ بِمَا كَانَ مُقَرَّرًا فِي الْأَزَلِ ثَابِتًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. (وَهُوَ) أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (الْعَلِيُّ) أَيِ: الرَّفِيعُ شَأْنُهُ (الْكَبِيرُ) أَيِ: الْعَظِيمُ بُرْهَانُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَأْنِيثُ الْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَسَمِعَهَا) أَيِ: الْكَلِمَةُ الْحَقَّةُ (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) وَإِنَّمَا عَدَلُوا عَنْ صَرِيحِ الْقَوْلِ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ وَالتَّصْرِيحُ بِالْمَقْضِيِّ مِنَ الشُّؤُونِ وَالْأُمُورِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ الْمُوجَزِ ; لِأَنَّ قَصْدَهُمْ فِي ذَلِكَ إِزَالَةُ الْفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، يَعْنِي لَا تَفْزَعُوا وَتُبْقُوا عَلَى قُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ مَا عَهِدْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ قَضَاءِ الشُّؤُونِ لَا مَا تَظُنُّونَهُ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، هَذَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجِيبِينَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَغَيْرِهِمَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ عز وجل بِالْوَحْيِ تَسْمَعُ أَهْلُ
السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ! مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ. (وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (هَكَذَا) وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا صَنَعَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّنْدِيدِ وَرُكُوبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: (بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ) . تَوْضِيحٌ أَوْ بَدَلٌ وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، أَيْ: مُسْتَرِقُو السَّمْعِ بَعْضُهُ رَاكِبٌ بَعْضَهُ مُرْدَفِينَ كَرُكُوبِ أَصَابِعِي هَذِهِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَإِفْرَادُ الضَّمِيرِ فِي بَعْضِهِ، وَالْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4] الضَّمِيرُ فِي مِنْهُ جَارٍ مَجْرَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ.
(وَوَصَفَ سُفْيَانُ) أَيِ: ابْنُ عُيَيْنَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ (بِكَفِّهِ) أَيْ: بِأَصَابِعِهِ. (فَحَرَّفَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ فَفَرَّجَ كَفَّهُ (وَبَدَّدَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى أَيْ وَفَرَّقَ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةِ رُكُوبِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ بِأَصَابِعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 116]، وَقَوْلِكَ: وَجْهُهُ يَصِفُ الْجَمَالَ. (فَيَسْمَعُ) أَيْ: أَحَدُهُمْ، أَوِ الْمُسْتَرِقُ (الْكَلِمَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَكَلَامُ الرَّاوِي مُعْتَرِضٌ، بَيْنَهُمَا اهـ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا إِعَادَةٌ لِقَوْلِهِ: فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ لِطُولِ الْفَصْلِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ إِلَخْ، وَبَيَانٌ لِتَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ بِقَوْلِهِ وَوَصَفَ إِلَخْ. وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ أَوِ اسْتِحْضَارًا لِلْحَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. (فَيُلْقِيهَا) أَيْ: يَرْمِيهَا وَيَقْذِفُهَا (إِلَى مَنْ تَحْتَهُ) أَيْ مِنَ الْجِنِّ (ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ) : وَإِنَّمَا عَدَلَ مِنْ " إِلَى " إِلَى " عَلَى " لِلْإِشَارَةِ إِلَى انْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَاسْتِقْلَالِ ظُهُورِ الْمَقْصُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالسَّاحِرُ الْمُنَجِّمُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْمُنَّجِمُ سَاحِرٌ ; لِأَنَّ السَّاحِرَ لَا يُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ اهـ. فَأَوْ فِي قَوْلِهِ (أَوِ الْكَاهِنِ) . لِلتَّنْوِيعِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَاهِنَ سَاحِرٌ، فَالسَّاحِرُ كَاهِنٌ فَأَوْ لِلشَّكِّ (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا يَعْنِي: الْجِنِّيَّ قَدْ يَسْتَرِقُ السَّمْعَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ إِلَى وَلِيِّهِ، أَدْرَكَ الشِّهَابَ أَوْ أَدْرَكُهُ الشِّهَابُ. قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] أَيْ: لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ، وَالشِّهَابُ مَا يُرَى كَأَنَّ كَوْكَبًا انْقَضَّ، ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ. (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِدْرَاكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمَرْجُومَ هَلْ يَتَأَذَّى بِهِ فَيَرْجِعُ أَوْ يَحْتَرِقُ، لَكِنْ قَدْ يُصِيبُ الصَّاعِدَ مَرَّةً وَقَدْ لَا يُصِيبُ، كَالْمَوْجِ لِرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْهُ رَأْسًا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّارِ فَلَا يَحْتَرِقُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّارِ الصِّرْفِ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مِنَ التُّرَابِ الْخَالِصِ، مَعَ أَنَّ النَّارَ الْقَوِيَّةَ إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الضَّعِيفَةِ اسْتَهْلَكَتْهَا. (فَيَكْذِبُ) أَيِ: الْكَاهِنُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْمَسْمُوعَةِ الصَّادِقَةِ الْوُقُوعِ (مِائَةَ كَذْبَةٍ) أَيْ: وَيُخْبِرُ النَّاسَ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَاتِ الْكَاذِبَةِ، فَإِذَا أَكْذَبَهُ أَحَدٌ بِبَعْضِ كِذْبَاتِهِ (فَيُقَالُ) أَيْ: فَيَقُولُ النَّاسُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ، أَيْ: مَنْ يُصَدِّقُ الْكَاهِنَ (أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ (كَذَا وَكَذَا؟) أَيْ: مِنَ الْخَبَرِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ (فَيُصَدَّقُ) : بِصِيغَةٍ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدَةِ الدَّالِ، أَيِ: الْكَاهِنُ، فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِهِ وَكِذْبَاتِهِ (بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) أَيْ: بِسَبَبِهَا، وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ الْغَرَائِبِ، وَأَعْجَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّ الْكَاذِبَ فِي مِائَةِ كَلِمَةٍ يُعَدُّ صَادِقًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَاقِعَةٍ، وَمَعَ هَذَا مَا يُصَدِّقُونَ مَنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ إِلَّا الصِّدْقُ، فَالتَّصْدِيقُ فِي التَّحْقِيقِ مِنَ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
4601 -
ــ
4601 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ) أَيِ: الْأَصْحَابُ (بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ) أَيْ: ذَوُو جُلُوسٍ أَوْ جَالِسُونَ (لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: مُصَاحِبِينَ لَهُ (رُمِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قُذِفَ (بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ) أَيِ: الْجَوُّ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ بَيْنَا وَلَمْ يُؤْتَ بِإِذْ كَمَا يَسْتَفْصِحُهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَنْشَدَ:
وَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا.
(وَهُمْ جُلُوسٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; لِأَنَّ بَيْنَا وَبَيْنَمَا يَسْتَدْعِيَانِ أَنْ يَلِيَهُمَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَبَيْنَا مَعَ الْجَوَابِ خَبَرُ إِنَّ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟) : وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ لِلِاسْتِعْلَامِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، بَلْ لِأَنْ يُجِيبُوا عَمَّا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُزِيلُهُ عَنْهُمْ وَيُقْلِعُهُ عَنْ أَصْلِهِ. (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُولَدُ (اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ (وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ "، أَوِ الْمَعْنَى: كُنَّا نَقُولُ تَارَةً كَذَا وَأُخْرَى كَذَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّهَا) أَيِ: النُّجُومُ بِدَلَالَةِ النَّجْمِ الْمُرَادِ بِهِ الْجِنْسُ (لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) أَيْ: وَلَا لِحَيَاةِ أَحَدٍ آخَرَ (وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُ اسْمِهِ فَكَيْفَ مُسَمَّاهُ (إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ) أَيْ: صَوْتُهُ أَوْ نَوْبَتُهُ (أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِذَا قُلْتَ: الدُّنْيَا صِفَةٌ لِلسَّمَاءِ وَالسَّمَاءُ صِفَةٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْفُ الْوَصْفِ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا لَا يَصِحُّ حَيْثُ كَانَتِ الصِّفَةُ مَفْهُومًا لَا ذَاتًا وَأَوْصَافُ اسْمِ الْإِشَارَةِ ذَوَاتٌ فَيَصِحُّ وَصْفُهَا. (ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: يَقْرُبُونَ (حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ) : وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُ الضَّمِيرِ لِبَعْضِ الَّذِينَ يَلُونَ (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ) أَيْ: بِمَا قَالَ تَعَالَى (فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ) أَيِ: التَّحْتَانِيَّةُ (بَعْضًا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ الْفَوْقَانِيَّةِ (حَتَّى يَبْلُغَ) أَيْ: يَصِلُ الْخَبَرُ (هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا) أَيْ أَهْلَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ (فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ) أَيِ الْمَسْمُوعَ، وَضَبْطُ الْفِعْلِ بِالتَّذْكِيرِ وَفَتْحِ الطَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ: خَطَفَ. كَسَمَعَ وَضَرَبَ وَهَذِهِ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ اسْتَلَبَهُ وَالشَّيْطَانُ السَّمْعَ اسْتَرَقَهُ كَاخْتَطَفَهُ (فَيَقْذِفُونَ) أَيِ: الْجِنُّ يَرْمُونَ مَسْمُوعَ الْمَلَائِكَةِ (إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) مِنَ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ (وَيُرْمَوْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْجِنُّ يُقْذَفُونَ بِالشُّهُبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَقْذِفُونَ، وَهَذَا رَمْيُهُمْ بِالشِّهَابِ بَعْدَ إِلْقَائِهِمُ الْكَلِمَةَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَهُوَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَالرَّمْيُ شَامِلٌ لِلْحَالَتَيْنِ (فَمَا جَاءُوا) أَيْ: أَوْلِيَاؤُهُمْ (بِهِ عَلَى وَجْهِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ (فَهُوَ حَقٌّ) أَيْ: كَائِنٌ وَاقِعٌ (وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: يَكْذِبُونَ (فِيهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَّاهُ بِفِي عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى الْكَذِبِ اهـ. فَفِي الْقَامُوسِ: قَرَفَ عَلَيْهِمْ بَغَى، وَلِعِيَالِهِ كَسَبَ وَخَلَطَ وَكَذَبَ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ هُنَا يُوقِعُونَ الْكَذِبَ فِي الْمَسْمُوعِ الصَّادِقِ، وَيَخْلِطُونَهُ وَلَا يَتْرُكُونَهُ عَلَى وَجْهٍ غَالِبًا (وَيَزِيدُونَ) . أَيْ: دَائِمًا كِذْبَاتٍ أُخَرَ مُنْضَمَّةً إِلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4602 -
وَعَنْ قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَلْقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ قَالَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا - وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ:(وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ) .
ــ
4602 -
(وَعَنْ قَتَادَةَ) : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ، سَبَقَ ذِكْرُهُ وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمُفَسِّرِينَ. (قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ) أَيْ: مِنَ الْحِكَمِ (جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أَيْ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5](وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. قَالَ تَعَالَى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16](فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: مَنْ ذَكَرَ فِي النُّجُومِ فَائِدَةً أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ (أَخْطَأَ) أَيْ: حَيْثُ تَكَلَّمَ رَجْمًا بِالْغَيْبِ (وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ) أَيْ: حَظَّهُ مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَعْنِيهِ، وَيَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ) أَيْ: شَيْئًا يُتَصَوَّرُ عِلْمُهُ ; لِأَنَّ أَخْبَارَ السَّمَاءِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِمَا أَزْيَدُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ حِكَايَاتِ الظُّرَفَاءِ أَنَّ مُنَجِّمًا سُرِقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَنْتَ لَا تَعْرِفُ مَا فِي الْأَرْضِ كَيْفَ تَدَّعِي مَعْرِفَةَ مَا فِي السَّمَاءِ؟ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ. (وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ) أَيْ: وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ. (وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ نَفْيًا لِمَا يَتَعَانَاهُ الْمُنَجِّمُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَإِثْبَاتًا لِغَيْرِهِ، بَلْ نَفْيُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ:(وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ) أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنُّجُومِ أَمْ لَا.
4603 -
وَعَنِ الرَّبِيعِ رضي الله عنه مِثْلُهُ، وَزَادَ: وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلَا رِزْقَهُ، وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ.
ــ
4603 -
(وَعَنِ الرَّبِيعِ) أَيِ: ابْنِ زِيَادٍ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيَرْوِي عَنْهُ قَتَادَةُ وَأَبُو نَضْرَةَ، كَذَا قِيلَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ (وَزَادَ) أَيِ: الرَّبِيعُ عَلَى مَا سَبَقَ (وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ) أَيْ: وِلَادَتَهُ أَوْ طُولَ بَقَائِهِ. (وَلَا رِزْقَهُ) أَيْ: مَالًا وَلَا جَاهًا (وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ) أَيِ: الْمُنَجِّمُونَ (عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ) أَيْ: وَيَجْعَلُونَ طُلُوعَ نَجْمٍ مَثَلًا عِلَّةً لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، أَوِ الْمَعْنَى: يَتَسَتَّرُونَ فِي كَذِبِهِمْ بِتَعَلُّقِهِمْ بِالنُّجُومِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيَّ رحمه الله فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَفَاتِيحِ الْحُجَجِ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُنَجِّمِينَ، أَطْنَبَ فِيهِ وَذَكَرَ أَقْوَالَهُمْ. قَالَ: وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَخْلُقُهَا عِنْدَ كَوْنِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ فِي الْبُرُوجِ الْمَخْصُوصَةِ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَيْرِهَا وَاتِّصَالَاتِهَا وَمَطَارِحِ أَشِعَّتِهَا فِي جِهَةِ الْعَادَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْوَلَدِ عَقِيبَ الْوَطْءِ وَخَلْقِ الشَّبَعِ عَقِيبَ الْأَكْلِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا فِي الْقُدْرَةِ جَائِزٌ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا الْقَطْعُ بِهِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْعَادَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ فِيهِ مُسْتَمِرًّا، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ يَحْصُلَ التَّكْرَارُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَحْصُلُ التَّكْرَارُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَحْصُلُ وَقْتٌ فِي الْعَالَمِ مُكَرَّرٌ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي سَنَةٍ: الشَّمْسُ مَثَلًا فِي دَرَجَتِهِ مِنْ بُرْجٍ، فَإِذَا عَادَتْ إِلَيْهَا فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى، فَالْكَوَاكِبُ لَا يَتَّفِقُ كَوْنُهَا فِي بُرُوجِهَا كَمَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِالْقَرَائِنِ وَالْمُقَابَلَاتِ، وَنَظَرُ الْكَوَاكِبِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُكَرَّرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَى الْبَتِّ لِتَعَذُّرِ الْإِحَاطَةِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِ الزِّيجِ، فَلِأَهْلِ هِنْدٍ وَسِنْدٍ طَرِيقٌ يُخَالِفُ طَرِيقَ أَرْبَابِ الزِّيجِ الْمُمْتَحِنِ، وَفَصَّلَ الشَّيْخُ فِي الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ تَفْصِيلًا، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ مَوْلُودَيْنِ وُلِدَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَيْسَ يَجِبُ تَسَاوِيهِمَا فِي كُلِّ وَجْهٍ،