المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مِنَ الدُّنْيَا (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَبِيعُهُ (قَالَ: فَهَبْ لِي) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٧

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ ذِكْرِ الْكَلْبِ]

- ‌[بَابُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ]

- ‌[بَابُ الْعَقِيقَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]

- ‌[بَابُ الضِّيَافَةِ]

- ‌[بَابٌ فِي مَتَى يَكُونُ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا لِتَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ]

- ‌[بَابُ الْأَشْرِبَةِ]

- ‌[بَابُ النَّقِيعِ وَالْأَنْبِذَةِ]

- ‌[بَابُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي]

- ‌[كِتَابُ اللِّبَاسِ]

- ‌[بَابُ الْخَاتَمِ]

- ‌[بَابُ النِّعَالِ]

- ‌[بَابُ التَّرَجُّلِ]

- ‌[بَابُ التَّصَاوِيرِ]

- ‌[كِتَابُ الطِّبِّ وَالرُّقَى]

- ‌[بَابُ الْفَأْلِ وَالطِّيَرَةِ]

- ‌[بَابُ الْكِهَانَةِ]

- ‌[كِتَابُ الرُّؤْيَا]

- ‌[كِتَابُ الْآدَابِ] [

- ‌بَابُ السَّلَامِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِئْذَانِ]

- ‌[بَابُ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ]

- ‌[بَابُ الْقِيَامِ]

- ‌[بَابُ الْجُلُوسِ وَالنَّوْمِ وَالْمَشْيِ]

- ‌[بَابُ الْعُطَاسِ وَالتَّثَاؤُبِ]

- ‌[بَابُ الضَّحِكِ]

- ‌[بَابُ الْأَسَامِي]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ]

- ‌[بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ]

- ‌[بَابُ الْوَعْدِ]

- ‌[بَابُ الْمُزَاحِ]

- ‌[بَابُ الْمُفَاخَرَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ]

- ‌[بَابُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْخَلْقِ]

الفصل: مِنَ الدُّنْيَا (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَبِيعُهُ (قَالَ: فَهَبْ لِي)

مِنَ الدُّنْيَا (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَبِيعُهُ (قَالَ: فَهَبْ لِي) : أَيْ حَتَّى أَهَبَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَهَبْهُ إِيَّاهُ لِأَجْلِي، وَعَلَى كُلٍّ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الشَّفَاعَةِ لَا الْإِلْزَامِ (قَالَ: لَا) أَيْ: لَا أَهَبُ (قَالَ: فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ) . فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَانَ سَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُ شَفَاعَةً مِنْهُ لَا آمِرًا وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَالْحُكْمُ بِعِصْيَانِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ (فَقَالَ: لَا) ، أَيْ: لَا أَبِيعُهُ بِهِ أَيْضًا ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» ) أَيْ: عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا وَرَدَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ» ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَبَيَانُ كَمَالِ حِلْمِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، أَوْ وَقَعَ لَهُ الْمَقَالُ فِي كَمَالِ غَضَبِهِ مِنَ الْحَالِ حَتَّى غَفَلَ عَنْ مَقَامِ الْأَدَبِ وَفَاتَهُ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي حُسْنِ الْمَآلِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 2958

4666 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:" «الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".

ــ

4666 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -)، أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَقْصُودٌ فِي مُصْطَلَحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّهُ أَجَلُّ الْعَبَادِلَةِ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ الصَّحَابَةِ مِمَّا عَدَا الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْبَادِئُ) : بِالْهَمْزِ أَيِ: الْمُبْتَدِئُ (بِالسَّلَامِ) : وَالْمُبَادِرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا فِي الْوَصْفِ كَمَاشِيَيْنِ وَرَاكِبَيْنِ (بَرِيءٌ) : فَعِيلٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَيْ: مُتَبَرِّئٌ وَمُتَنَزِّهٌ (مِنَ الْكِبْرِ) أَيْ: مِنْ عِلَّتِهِ، فَالسَّلَامُ عَلَامَةُ سَلَامَتِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ بَرِيءٌ مِنَ الضُّرْمِ، وَهُوَ بِالضَّمِّ الْهَجْرِ وَالْقَطْعِ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا:«مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ".

ص: 2958

[بَابُ الِاسْتِئْذَانِ]

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

4667 -

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى، قَالَ:«إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ ". فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

(2)

بَابُ الِاسْتِئْذَانِ

بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ يَاءً، وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ الْإِذْنِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27] الْآيَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مَشْرُوعٌ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلَامِ أَوِ الِاسْتِئْذَانِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ. أَدْخُلُ؟ وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ. قُلْتُ: وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

4667 -

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى)، أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (قَالَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِعِلَّةِ الْإِتْيَانِ (إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ) ، أَيْ بِأَنْ

ص: 2958

أَجِيئَهُ (فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا)، أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَدَبِ الْمُتَعَارَفِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَلَامُ الْإِيذَانِ، وَهُوَ قَدْ يَكُونُ مَعَ أَدْخُلُ؟ ، وَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَنْهُ اكْتِفَاءً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَةِ التَّثْلِيثِ (فَلَمْ يَرُدَّ) أَيْ: عُمَرُ أَوْ أَحَدٌ (عَلَيَّ)، أَيِ: الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ)، أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28] ، وَالسُّكُوتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعْرَاضِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ. (فَقَالَ) أَيْ: بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاتِبًا لِي (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟) أَيْ: مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَيْنَا مَعَ إِرْسَالِنَا إِلَيْكَ بِالْإِتْيَانِ (فَقُلْتُ: إِنِّي) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا (أَتَيْتُ) أَيْ: إِلَيْكَ (فَسَلَّمْتُ) وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ مَعَ أَنَّ الْمَقُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، وَلِهَذَا تَكُونُ أَنَّ بَعْدَ الْقَوْلِ دَائِمًا مَكْسُورَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ فَتْحُ إِنَّ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْمَنْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَانِعَ، وَيُقَالَ: إِنَّ الْمَانِعَ إِتْيَانِي وَتَسْلِيمِي، وَالْكَسْرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَانِعِ بِالْمَفْهُومِ. (عَلَى بَابِكَ) : مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْكَ حَالَ كَوْنِي وَاقِفًا عَلَى بَابِي (ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوا) أَيْ: لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُدَّامِكَ (عَلَيَّ) أَيِ: السَّلَامَ أَوِ الْجَوَابَ (فَرَجَعْتُ وَقَدْ) : الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ (قَالَ) أَيْ: لِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالْمَعْنَى مُخَاطِبًا لِي (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» ) : فَإِنَّ الْأَوَّلَ لِلتَّعَرُّفِ، وَالثَّانِي لِلتَّأَمُّلِ، وَالثَّالِثَ لِلْإِذْنِ وَعَدَمِهِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَيْتَهُ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (الْبَيِّنَةَ) أَيْ: تَمَامَ الْبَيِّنَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الشَّاهِدُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَزْدَادَ فِيهِ وُثُوقًا، فَالْعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ لَا لِلشَّكِّ فِي صِدْقِ خَبَرِهِ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَدَلَائِلُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا تُحْصَى، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ خَافَ مُسَارَعَةَ النَّاسِ إِلَى الْقَوْلِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَمْ يَقُلْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُبْتَدِعُونَ وَالْكَذَّابُونَ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ لَهُ قَضِيَّةٌ وَضَعَ فِيهَا حَدِيثًا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرَادَ سَدَّ الْبَابِ لَا شَكًّا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَقُلْ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَرُدَّ خَبَرَ أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ إِخْبَارَ رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَعْمَلَ بِالْحَدِيثِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا مَا زَادَ حَتَّى يَبْلُغَ التَّوَاتُرَ ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْلُغِ التَّوَاتُرَ فَهُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ)، أَيْ: مَعَ أَبِي مُوسَى (فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدْتُ)، أَيْ: عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَالْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنْهُ رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَبَى سَعِيدٍ مَعًا، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ.

ص: 2959

4668 -

«وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

4668 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ؟ قَالَ لِيَ) أَيْ: مَخْصُوصًا (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِذْنُكَ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، أَيْ: عَلَامَةُ إِذْنِكَ (عَلَيَّ) أَيْ: بِالدُّخُولِ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ:(أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ) أَيْ: رَفْعُكَ الْحِجَابَ وَهُوَ السِّتَارَةُ (وَأَنْ تَسْمَعَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَنْ تَسْمَعَ (سِوَادِي) : بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: سِرِّي وَكَلَامِيَ الْخَفِيَّ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِي فِي الْبَيْتِ (حَتَّى أَنْهَاكَ)، أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ حِينَئِذٍ لِمَانِعٍ يَكُونُ عِنْدِي، أَوْ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَيَكُونُ مَعَ النَّاسِ سَوَاءً، وَضَبَطَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلَهُ: إِذْنُكَ بِمَدِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الذَّالِ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَا آذِنٌ لَكَ عَلَيَّ بِأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ، يَعْنِي: لَا حَاجَةَ لَكَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ إِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَيَّ، بَلْ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيَّ وَأَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ.

ص: 2959

قُلْتُ: وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِدْحَةٌ جَسِيمَةٌ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ خِدْمَتِهِ وَمُلَازِمَةِ صُحْبَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ فَهَنِيئًا لَهُ، ثُمَّ هَنِيئًا، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: سِوَادِي بِالْكَسْرِ أَيْ: سِرَارِي يُقَالُ: سَاوَدْتُهُ مُسَاوَدَةً، أَيْ: سَارَرْتُهُ، سُمِّيَ السِّوَارُ سِوَادًا ; لِاقْتِرَابِ السِّوَادَيْنِ فِيهِ، وَهُمَا شَخْصَا الْمُتَنَاجِيَيْنِ اهـ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ النِّهَايَةِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عَلَيَّ مُتَعَلِّقٌ بِإِذْنِكَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَأَنْ تَرْفَعَ مَعَ الْمَعْطُوفِ خَبَرُهُ يَعْنِي: إِذْنُكَ الْجَمْعُ بَيْنَ رَفْعِكَ الْحِجَابَ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِكَ إِيَّايَ فِي الدَّارِ لَوْ كُنْتَ مُسَارًا لِغَيْرِي هَذَا شَأْنُكَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْيَانِ إِلَّا أَنْ أَنْهَاكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَصَاحِبِ السِّرِّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنْ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَمَحَارِمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَلَامَةِ فِي الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ، فَإِذَا جَعَلَ الْأَمِيرُ وَالْقَاضِي أَوْ غَيْرُهُمَا رَفْعَ السِّتْرِ الَّذِي بَابُهُ عَلَامَةً لِلْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ عَامَّةً أَوْ لِطَائِفَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ، أَوْ جَارٍ، أَوْ عَلَامَةً غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَالدُّخُولُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 2960

4669 -

«وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: " مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: " أَنَا! أَنَا! " كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

4669 -

(وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ، قُتِلَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي) ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ (فَدَقَقْتُ الْبَابَ) أَيْ: بِلُطْفٍ كَضَرْبِ الْأَظَافِيرِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (فَقَالَ: مَنْ ذَا؟)، أَيِ: الَّذِي يَدُقُّ (قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَقُلْتُ (أَنَا) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَقْفًا وَبِحَذْفِهِ وَصْلًا (فَقَالَ: أَنَا! أَنَا) : مُكَرِّرٌ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: قَوْلُكَ أَنَا مَكْرُوهٌ فَلَا تَعْدُو الثَّانِي تَأْكِيدٌ. (كَأَنَّهُ كَرِهَهَا) . أَيْ: كَلِمَةَ أَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ بِالسَّلَامِ، بَلْ بِالدَّقِّ؛ ذَكَرَهُ الْبَرْمَاوِيُّ، أَوْ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْ ذَا اسْتِكْشَافٌ لِلْإِبْهَامِ، وَقَوْلَهُ: أَنَا لَمْ يَزَلْ بِهِ الْإِشْكَالُ وَالْإِبْهَامُ ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: جَابِرٌ، أَوْ أَنَا جَابِرٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ شَارِحٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا لَا يُشْعِرُ بِصَاحِبِهِ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِصَوْتِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَهُ صلى الله عليه وسلم بِصَوْتِهِ لَمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا فَلَمْ يَرَ التَّكَلُّمَ بِلَفْظٍ لَيْسَ فِيهِ تَوَاضُعٌ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا جَابِرٌ لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا كُرِهَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِقَوْلِهِ أَنَا فَائِدَةٌ تُزِيلُ الْإِبْهَامَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ بِاسْمِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ حِينَ اسْتَأْذَنَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" مَنْ هَذِهِ؟ " فَقَالَتْ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِنْ كَانَ صُورَةً لَهَا فِيهِ تَبْجِيلٌ وَتَعْظِيمٌ بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ، أَوْ يَقُولَ أَنَا الْمُفْتِي فُلَانٌ أَوِ الْقَاضِي أَوِ الشَّيْخُ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْرِفَةُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِذْنُ وَعَدَمُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 2960

4670 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ. فَقَالَ: " أَبَا هِرٍّ! الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ " فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

4670 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)، أَيْ: فِي بَيْتِهِ، وَقِيلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. (فَوَجَدَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (لَبَنًا فِي قَدَحٍ: لَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ!) بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ أَدَبِهِ وَالْهِرُّ يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ مُكَنَّى بِأَبِي هُرَيْرَةَ (الْحَقْ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ حَاءٍ أَيِ: اذْهَبْ مُسْتَعْجِلًا (بِأَهْلِ الصُّفَّةِ) أَيْ: بِالْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ: آتِيهِمْ (فَادْعُهُمْ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَهْلُ الصُّفَّةِ جَمَاعَةٌ مِنْ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ اجْتَمَعُوا فِي صُفَّةٍ، ذَكَرَهُمُ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ لَا يَكْفِيهِ الدُّعَاءُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ الزَّمَانُ اهـ. فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ جَاءُوا بَعْدَ الدَّاعِي، فَاحْتَاجُوا إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ أَوْ مِنْ غَايَةِ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ جَدَّدُوا الِاسْتِئْذَانَ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَوْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، أَوْ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ؛ احْتِمَالَاتٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالَاتِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 2960

الْفَصْلُ الثَّانِي

4671 -

«عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ رضي الله عنه بَعَثَ بِلَبَنٍ أَوْ جَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " ارْجِعْ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

4671 -

(عَنْ كَلَدَةَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ وَبِالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ (ابْنُ حَنْبَلٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ أَسْلَمِيٌّ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ لِأُمِّهِ، وَكَانَ عَبْدًا لِعُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِسُوقِ عُكَاظٍ، وَحَالَفَهُ وَأَنْكَحَهُ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) : بِضَمِّ هَمْزٍ وَفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ (بَعَثَ بِلَبَنٍ وَجَدَايَةٍ) : قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَالشُّرَّاحُ: هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أَوْلَادُ الظِّبَاءِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِمَّا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةً بِمَنْزِلَةِ الْجَدْيِ مِنَ الْمَعْزِ (وَضَغَابِيسَ) : جَمْعُ ضَغْبُوسٍ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ صَغِيرُ الْقِثَّاءِ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَعْلَى الْوَادِي) أَيْ: فَوْقَ الْمَدِينَةِ، وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ إِلَى الْوَصْفِ الظَّاهِرِ لَا يَخْفَى (قَالَ) أَيْ: صَفْوَانُ (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ) أَيْ: قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ) أَيْ: بِقَوْلِي أَدْخُلُ؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْجِعْ)، أَيْ: تَعْذِيبًا لَهُ وَتَأْدِيبًا لِغَيْرِهِ (فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟) : يَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيلُ الثَّانِيَةِ وَإِبْدَالُهَا أَلِفًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

ص: 2961

4672 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، «قَالَ:" رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» "

ــ

4672 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا دُعِيَ)، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا طُلِبَ (أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ) . أَيْ: إِجَازَةٌ بِالدُّخُولِ، فَإِنْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ)، أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ مَصْحُوبًا مَعَهُ لِمَا سَبَقَ.

ص: 2961

4673 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ فَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا سُتُورٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ، «قَالَ عليه الصلاة والسلام:" السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» " فِي " بَابِ الضِّيَافَةِ ".

ــ

4673 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ سُلَمِيٌّ مَازِنِيٌّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ بُسْرٍ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ عَطِيَّةَ وَأُخْتِهِ الصَّمَّاءِ صُحْبَةٌ، نَزَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِحِمْصَ فَجْأَةً وَهُوَ يَتَوَضَّأُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ) أَيْ: وَصَلَهُ (لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ)، أَيْ: مُقَابِلَ وَجْهِهِ وَحِذَائِهِ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ (وَلَكِنْ) أَيْ: يَسْتَقْبِلُ مَعَ الِانْحِرَافِ وَالْمَيْلِ (مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ) أَيْ: مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ الْأَنْسَبِ بِالْوُقُوفِ (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، أَيْ: أَوَّلًا (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ السَّمَاعُ وَالْإِذْنُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ التَّعَدُّدُ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ التَّثْلِيثُ لِمَا سَبَقَ (وَذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْبَالِ الْبَابِ وَوُجُودِ الِانْحِرَافِ (أَنَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ لِأَنَّ (الدُّورَ) : بِالضَّمِّ جَمْعُ الدَّارِ أَيْ: أَبْوَابُهَا (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ) . جَمْعُ سِتْرٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحِجَابُ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ بَابٌ أَوْ سِتْرٌ يَحْصُلُ بِهِ حِجَابٌ فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِقْبَالِ، لَكِنَّ الِانْحِرَافَ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِأَصْلِ السُّنَّةَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُ الِانْكِشَافِ عِنْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ رَفْعِ الْحِجَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

ص: 2961