الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4256 -
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِطَعَامٍ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا نَشْتَهِيهِ. قَالَ: " لَا تَجْتَمِعْنَ جُوعًا وَكَذِبًا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
4256 -
(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) : لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَيْ جِيءَ (بِطَعَامٍ فَعُرِضَ عَلَيْنَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (فَقُلْنَا: لَا نَشْتَهِيهِ) : أَيْ عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ (قَالَ: لَا تَجْتَمِعْنَ) : مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ " لَا تَجْمَعْنَ " (جُوعًا وَكَذِبًا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونُ الذَّالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي إِبَاؤُكُنَّ عَنِ الطَّعَامِ بِقَوْلِكُنَّ: لَا نَشْتَهِيهِ وَأَنْتُنَّ جَائِعَاتٌ جَمْعٌ بَيْنَ الْجُوعِ وَالْكَذِبِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ:" الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِيهِ تَحْذِيرًا لَهُنَّ عَنِ الْكَذِبِ ; فَإِنَّهُ يُورِثُ فِي هَذَا الْمَقَامِ جَمْعًا بَيْنَ خَسَارَتَيِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِلَّا الْجَزْمَ بِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُنَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَتَأَمَّلْ ; فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
4257 -
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
4257 -
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (كُلُوا جَمِيعًا) : أَيْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُجْتَمِعِينَ (وَلَا تَفَرَّقُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ (فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَقَدْ سَبَقَ لَهُ نَظَائِرُ.
4258 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مِنَ السَّنَةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
4258 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مِنَ السُّنَّةِ) : أَيِ الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أَوْ مِنْ سُنَنِي وَطَرِيقَتِي (أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ زِيَادَةِ الْإِكْرَامِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ دَفْعُ مَا يَتَوَهَّمُ جِيرَانُهُ مِنْ دُخُولِ الْأَجْنَبِيِّ بَيْتَهُ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ عَنْهُ وَحْدَهُ.
4259 -
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
ــ
4259 -
(وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَيْ أَيْضًا وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْهُمَا، أَوْ بِإِسْنَادَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِسْنَادٌ. (وَقَالَ) : أَيِ الْبَيْهَقِيُّ (فِي إِسْنَادِهِ) : أَيْ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ (ضَعْفٌ) : لَكِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ إِسْنَادِهِ مَعَ أَنَّهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
4260 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
4260 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ» ) : أَيْ لِلضِّيَافَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:" الَّذِي يُغْشَى ": أَيْ يَغْشِيهِ الضِّيفَانُ (مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ) : بِفَتْحِ السِّينِ فَفِي الْقَامُوسِ: السَّنَامُ كَسَحَابِ مَعْرُوفٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ سُرْعَةَ وُصُولِ الْخَيْرِ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يَتَثَاوَبُ الضِّيفَانُ فِيهِ بِسُرْعَةِ وُصُولِ الشَّفْرَةِ إِلَى السَّنَامِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ وَيُؤْكَلُ لِاسْتِلْذَاذِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)
هَذَا الْبَابُ لَيْسَ لَهُ تَرْجَمَةٌ، بَلْ مِنْ مُلْحَقَاتِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ عَنْوَنُوا بِبَابِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لَكَانَ مُنَاسِبًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ:(وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ) : أَيْ فِي الْمَصَابِيحِ (عَنِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) : يَعْنِي عَنِ الصِّحَاحِ فَهَذَا اعْتِذَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الْأَصْلِ أَصْلًا، وَهُوَ خَالٍ أَيْضًا عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَلِهَذَا يُتَعَرَّضُ لَهُ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ:" وَعَنِ الثَّالِثِ " أَيْ وَعَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ
[بَابٌ فِي مَتَى يَكُونُ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا لِتَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ]
(2)
بَابٌ فِي مَتَى يَكُونُ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا لِتَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
الْفَصْلُ الثَّانِي
4261 -
ــ
(2)
بَابٌ فِي مَتَى يَكُونُ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا لِتَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
الْفَصْلُ الثَّانِي
4261 -
(عَنِ الْفُجَيْعِ رضي الله عنه) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحَ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُغَنِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ (الْعَامِرِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي عَامِرٍ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ وَهْبُ بْنُ عُقْبَةَ (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَنَا؟) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ مَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ (مِنَ الْمَيْتَةِ؟) : وَنَحْنُ الْقَوْمُ الْمُضْطَرُّونَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ:" مَا يُحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةَ؟ " يَعْنِي بِضَمِّ الْيَاءِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِنَسَقِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الْإِبَاحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: السُّؤَالُ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْمِقْدَارِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى بِدُونِهِ، وَهَلْ يَصِحُّ تَفْسِيرُ عُقْبَةَ: قَدَحٌ غُدْوَةً وَقَدَحٌ عَشِيَّةً إِلَّا عَلَى هَذَا، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَوْمَ جَاءُوا يَشْكُونَ الْجُوعَ، وَأَنْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَسُدُّ بِهِ جَوْعَتَهُمْ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ:" إِنَّمَا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ "، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَا عِنْدَنَا مَا نَسُدُّ بِهِ جَوْعَتَنَا، فَمَا مِقْدَارُ مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ وَلِهَذَا سَأَلَ عَنْ مِقْدَارِ طَعَامِهِمْ، فَأَجَابُوا: قِدْرُ لَبَنٍ غُدْوَةً وَقَدَحُ لَبَنِ عَشِيَّةً، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا فَوْرَ جُوعِهِمْ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:" ذَاكَ وَأَبِي الْجُوعُ "، فَأَبَاحَ لَهُمْ مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ بِهِ جَوْعَتَهُمْ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْمِقْدَارِ تَفْسِيرُ أَبِي نُعَيْمٍ قَدَحٌ غُدْوَةً وَقَدَحٌ عَشِيَّةً لِقَوْلِهِ: نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ. أَيْ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ قَدَحٌ غُدْوَةً، وَجُعِلَ اللَّبَنُ طَعَامًا لِأَنَّهُ يُجْزِي عَنْهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ التَّاسِعُ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ الْأَشْرِبَةِ اهـ.
وَقَدْ أَغْرَبَ فِي كَلَامِهِ حَيْثُ لَمْ يُفْهَمْ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ فِي الْبَحْثِ اللَّفْظِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِقَوْلِهِ: " يَحِلُّ "، فَأَنْكَرَهُ، وَتَبِعَهُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ الَّذِي قَالَ بِهِ الشَّيْخُ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَ الْكُلِّ أَنَّ مِقْدَارَ الْإِحْلَالِ هُوَ الْقَدَحَانِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ:" مَا يُحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةَ؟ " كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ " مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ "، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَيُّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَيْتَةِ يَحِلُّ لَنَا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ اتِّفَاقًا، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَكَلَّفَ فِي الْجَوَابِ عَنْ رِوَايَةِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ هِيَ الْحَالَةُ، فَالْمَعْنَى حَالَةٌ يَحِلُّ لَنَا فِيهَا بَعْضُ الْمَيْتَةِ عَلَى أَنَّ " مِنْ " تَبْعِيضِيَّةٌ، أَوِ الْمَيْتَةُ عَلَى أَنَّ " مِنْ " زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ:" فَمَتَى يَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ " أَيْ أَكْلُهَا، فَلَمَّا تَقَرَّرَ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ (قَالَ) : فِي تَحْقِيقِ الْحَالِ (مَا طَعَامُكُمْ؟) : أَيْ مَا مِقْدَارُ مَذُوقِكُمُ الَّذِي تَجِدُونَهُ، فَإِنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي لَا يَجِدُ شَيْئًا حُكْمُهُ مَعْلُومٌ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَالِ (قُلْنَا: نَغْتَبِقُ) : بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (وَنَصْطَبِحُ) : بِإِبْدَالِ التَّاءِ طَاءً أَحُطُّ مَرَّةً فِي الْعَشَاءِ وَمَرَّةً فِي الْغَدَاءِ، وَلَعَلَّهُ قَدَّمَ الْعَشَاءَ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ وَالِاهْتِمَامُ بِهِ أَتَمُّ. وَفِي النِّهَايَةِ: الصَّبُوحُ الْغَدَاءُ وَالْغَبُوقُ الْعَشَاءُ، وَأَصْلُهُمَا فِي الشَّرَابِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَا فِي الْأَكْلِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُمَا مُسْتَعْمَلَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى أَصْلِهِمَا، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: وَيُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَكْلِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ إِطْلَاقُ الِاغْتِبَاقِ، وَالِاصْطِبَاحِ مُشْكِلًا، فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَعِيشُ بِهِمَا عَلَى وَجْهِ الشِّبَعِ عُمْرًا طَوِيلًا، فَكَيْفَ تَكُونُ حَالَةُ الِاضْطِرَارِ؟ .
(قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) : أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (فَسَّرَهُ لِي) : أَيْ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، وَأَوَّلَهُ لِأَجْلِي (عُقْبَةُ) : يَعْنِي شَيْخَهُ وَهُوَ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ أَيْضًا (قَدَحٌ) : أَيْ مِلْءَ قَدَحٍ مِنَ اللَّبَنِ (غُدْوَةً، وَقَدَحٌ عَشِيَّةً) : فَيَصِيرُ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَشْرَبُ وَقْتَ الصَّبَاحِ قَدَحًا، وَوَقْتَ الْعَشَاءِ قَدَحًا (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (ذَاكَ وَأَبِي الْجُوعُ) : قِيلَ:
وَلَعَلَّ هَذَا الْحَلِفَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْقَسَمِ بِالْآبَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ بِلَا قَصْدٍ إِلَى الْيَمِينِ، وَلَا قَصْدٍ إِلَى تَعْظِيمِ الْأَبِ، كَمَا فِي: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هِيَ كَلِمَةٌ جَاءَ بِهَا عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ، يَسْتَعْمِلُهَا كَثِيرٌ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ يُرِيدُ بِهَا التَّوْكِيدَ. قُلْتُ: وَهُوَ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيدٌ جِدًّا، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَ " أَبِي " جُمْلَةُ قَسَمِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ الدَّالَّيْنِ عَلَى الْجَوَابِ يَعْنِي مُجْمَلًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ الشُّرْبُ الَّذِي تَقُولُونَ قَلِيلٌ تَجُوعُونَ فِيهِ وَتَحْتَاجُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ:(فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ مَعَ أَدْنَى شِبَعٍ، وَالتَّنَاوُلَ مِنْهُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ، وَقَدْ خَالَفَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الْمَيْتَةَ هُوَ الِاضْطِرَارُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ مَا يَتَبَلَّغُ بِهِ مِنَ الْغَبُوقِ وَالصَّبُوحِ فَيُمْسِكُ الرَّمَقَ، فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: الِاغْتِبَاقُ بِقَدَحٍ وَالِاصْطِبَاحُ بِآخَرَ كَانَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْقَوْمِ كُلِّهِمْ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ قَوْلُ السَّائِلِ:(مَا يَحِلُّ لَنَا؟) كَأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ فَلَمْ يَسْأَلْ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، وَكَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:(مَا طَعَامُكُمْ؟) ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْمَ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِعَدَمِ الْغِنَى فِي إِمْسَاكِ الرَّمَقِ بِمَا وَصَفَهُ مِنَ الطَّعَامِ، أَبَاحَ لَهُمْ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ. هَذَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقَدَحُ مِنَ اللَّبَنِ بِالْغُدْوَةِ وَالْقَدَحُ بِالْعَشِيِّ يُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُقَيِّمُ النَّفْسَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِعُ الشِّبَعَ التَّامَّ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ ذَلِكَ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ، وَكَانَ دَلَالَتَهُ أَنَّ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ مُبَاحٌ إِلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنَ الْقُوتِ الشِّبَعِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ إِلَّا قَدْرَ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ اهـ. وَأَغْرَبَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ لَا يَشْبَعُ الشِّبَعَ التَّامَّ حَيْثُ يَشْعُرُ بِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ يَحِلُّ مَعَ الشِّبَعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَامًّا، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا قَالَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ ذَلِكَ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ ; فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَالِ فَمَمْنُوعٌ، إِذْ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَعَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ وَمُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ، لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُبَاحِ احْتِيَاطًا، وَقَدْ خَطَرَ بِالْبَالِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ - أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّائِرِينَ الْمُسَافِرِينَ الْمُضْطَرِّينَ إِلَى سَيْرِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ شُرْبَ الْقَدَحَيْنِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ قَلِيلٌ جِدًّا لَا يَسُدُّ مَسَدَّ شَيْءٍ لِاحْتِرَاقِهِ بِحَرَارَةِ حَرَكَةِ الْمَشْيِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَاطِنِينَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسُدُّ مَسَدَّ رَمَقِهِمْ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ; فَبَعْضُهُمْ يَصُومُونَ وِصَالًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ إِلَى أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا لَا يَشْرَبُونَ إِلَّا مَاءً، أَوْ يَأْكُلُونَ لَوْزَةً، وَبَعْضُهُمْ لَهُمْ قُوَّةُ الشَّهِيَّةِ بِحَيْثُ يَأْكُلُونَ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ السَّائِلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هُوَ الْوَافِدُ، وَفِي الثَّانِي قَالَ سَائِلُهُمْ: إِنَّمَا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
4262 -
وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ، فَمَتَى يَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَالَ:" مَا تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا، فَشَأْنَكُمْ بِهَا " مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ تَجِدُوا صَبُوحًا أَوْ غَبُوقًا وَلَمْ تَجِدُوا بَقْلَةً تَأْكُلُونَهَا حَلَّتْ لَكُمُ الْمَيْتَةُ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
4262 -
(وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ) : رضي الله عنه (اللَّيْثِيِّ) : صَحَابِيٌّ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ، مَاتَ بِمَكَّةَ. (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ) : أَيِ الْمَجَاعَةُ (فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟) قَالَ: " مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " أَوْ " لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ مَا لَمْ يَجِدُوا أَحَدَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ، أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ لَمْ تَجِدُوا صَبُوحًا وَلَا غَبُوقًا،