الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4781 -
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4781 -
(عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: حَجَبِيٌّ، رَوَى عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : - بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا) : بِفَتْحِ حَاءٍ وَسُكُونِ زَايٍ (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: " بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ) أَيْ: فَإِنَّ الْحَزْنَ ضِدُّ السَّهْلِ، وَقَدْ وَرَدَ:«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ السَّهْلَ الطَّلِيقَ» ، عَلَى مِمَّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:" «اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ سَهْلًا إِذَا شِئْتَ» "، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَزْنُ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالسَّهْلُ: مِنَ الْأَرْضِ ضِدُّ الْحَزْنِ. (قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيَّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ؛ لِأَنَّ السَّهْلَ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ اسْمِي؛ لِأَنَّ السَّهْلَ يُوطَأُ وَيُهَانُ أَيْ: يُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ، وَفِيهِ نَوْعُ نَزْغَةٍ مِنْ نَزَغَاتِ إِبْلِيسَ وَقِيَاسَاتِهِ مِنَ التَّلْبِيسِ، حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الْمَرْءَ عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ أَوْ يُهَانُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - كَمَا قِيلَ: الْأَسْمَاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ - يُوَافِقُ اسْمُهُ حُزْنَهُ الْجِبِلِيَّةِ مُطَابِقًا لِلْحَزْنِ الْجِبِلِّيِّ، وَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الْحَكِيمِ الْإِلَهِيِّ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ أَيْ: هَذَا الِاسْمُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لَكَ؛ لِأَنَّكَ حَلِيمٌ لَيِّنُ الْجَانِبِ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى سَهْلًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَلِيمًا لَيِّنَ الْجَانِبِ لَرَاعَى أَدَبَ جَانِبِ النُّبُوَّةِ، وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى أَخْلَاقِ الْفُتُوَّةِ، وَلَوْ بَدَّلَ اسْمَهُ السَّهْلَ بِالْحَزْنِ، فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَبَاهُ حَتَّى سَرَى هَذَا الطَّبْعُ فِي ذُرِّيَّتِهِ؟ (قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا) أَيْ: مَعْشَرِ أَوْلَادِهِ (الْحُزُونَةُ) أَيْ: صُعُوبَةُ الْخُلُقِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ إِبَاءِ أَبِي اسْمَ السَّهْلِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
4782 -
وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " تَسَمُّوا أَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
4782 -
(وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَلَهُ صُحْبَةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ» ) أَيْ: دُونَ الْمَلَائِكَةِ لِمَا سَبَقَ، وَلَا بِأَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ كَلْبٍ وَحِمَارٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ وَنَحْوِهَا. ( «وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ) أَيْ: وَنَحْوُهُمَا مِنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَأَمْثَالِهِمَا. (وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ) : فَإِنَّ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى الْكَاسِبِ، وَالثَّانِي: فَعَّالٌ مِنْ هَمَّ يَهِمُّ، فَلَا يَخْلُو إِنْسَانٌ عَنْ كَسْبٍ، وَهَمٍّ بَلْ عَنْ هُمُومٍ. (وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ) : لِأَنَّ الْحَرْبَ يُتَطَيَّرُ بِهَا وَتُكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَذَى، وَأَمَّا مُرَّةُ؛ فَلِأَنَّ الْمُرَّ كَرِيهٌ؛ وَلِأَنَّ كُنْيَةَ إِبْلِيسٍ أَبُو مُرَّةَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
[بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ]
(9)
بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4783 -
«عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(9)
- بَابُ الْبَيَانِ وَالشِّعْرِ
فِي النِّهَايَةِ: الْبَيَانُ إِظْهَارُ الْمَقْصُودِ بِأَبْلَغِ لَفْظٍ، وَهُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الشِّعْرُ مَعْرُوفٌ، وَشَعَرْتُ أَصَبْتُ الشِّعْرَ، وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ شَعَرْتُ كَذَا أَيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا فِي الدِّقَّةِ كَإِصَابَةِ الشِّعْرِ قِيلَ: وَسُمِّي الشَّاعِرُ شَاعِرًا لِفِطْنَتِهِ وَدِقَّةِ مَعْرِفَتِهِ، كَالشِّعْرِ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْعِلْمِ الدَّقِيقِ فِي قَوْلِهِمْ: لَيْتَ شِعْرِي، وَصَارَ فِي التَّعَارُفِ أَسْمَاءً لِلْمَوْزُونِ الْمُقَفَّى مِنَ الْكَلَامِ، وَالشَّاعِرُ لِلْمُخْتَصِّ بِصِنَاعَتِهِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشِّعْرُ كَلَامٌ مُقَفًّى مَوْزُونٌ قَصْدًا لِيَخْرُجَ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ كَلَامُ النُّبُوَّةِ. قُلْتُ: لَكِنْ يَشْكُلُ مَعَ هَذَا فِي الْكَلَامِ الْإِلَهِيِّ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ نَفْيِ الْإِرَادَةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" «وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ".
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4783 -
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ) أَيْ: مِنْ جَانِبِهِ. قَالَ الْمَيْدَانِيُّ: هُمَا الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَكَذَا عَنِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي (فَخَطَبَا) أَيْ: بِكَلِمَاتٍ مُحَسَّنَاتٍ جَامِعَةٍ لِلْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ (فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا) أَيْ: وَلِفَصَاحَةِ لِسَانِهِمَا وَغَرَابَةِ شَأْنِهِمَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ") أَيْ: فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ كَالسِّحْرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ قُدُومِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمُ الزِّبْرِقَانُ وَعَمْرٌو، «فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَآخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي إِذْنِهِ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَحْسُدُكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَئِيمُ الْخَالِ حَدِيثُ الْمَالِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ حَمِقُ الْوَلَدِ مُضَيِّعٌ فِي الْعِشْرَةِ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا، وَلَكِنِّي رِجْلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى جَمِيعًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» قَالَ الْمَيْدَانِيُّ: يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ فِي اسْتِحْسَانِ الْمَنْطِقِ وَإِيرَادِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ذُو وَجْهَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ بِمَنْزِلَةِ السِّحْرِ فِي مَيَلَانِ الْقُلُوبِ لَهُ، أَوْ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ مَمْدُوحٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقِّ كَمَذَمَّةِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَمَذْمُومٌ إِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِلِ كَمَدْحِهَا مَثَلًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الذَّمِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَمَّ التَّصَنُّعَ فِي الْكَلَامِ وَالتَّكَلُّفَ لِتَحْسِينِهِ لِيَرُوقَ لِلسَّامِعِينَ قَوْلُهُ، وَلِيَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَهُمْ، وَأَصْلُ السِّحْرِ فِي كَلَامِهِمُ الصَّرْفُ، وَسُمِّيَ السِّحْرُ سِحْرًا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، فَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِبَيَانِهِ يَصْرِفُ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ صَرْفِ الْكَلَامِ فَضْلُهُ، وَمَا يَتَكَلَّفُ الْإِنْسَانُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ الْحَاجَةِ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ وَيُخَالِطُهُ الْكَذِبُ، وَأَيْضًا قَدْ يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِبَيَانِهِ وَيُزِيلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ لِلِسَانِهِ إِرَادَةَ التَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ تَخْيِيلٌ! لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ مِنَ الْبَيَانِ مَا يَكْتَسِبُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنَ الْإِثْمِ مَا يَكْتَسِبُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيُسْحِرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» . الْحَدِيثَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَدْحُ الْبَيَانِ، وَالْحَثُّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَتَحْبِيرِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الْقَرِينَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا عَلَى طَرِيقِ الْمَدْحِ، فَكَذَلِكَ الْقَرِينَةُ. الْأُخْرَى. وَقَالَ شَارِحٌ: هَذَا وَارِدٌ لِلذَّمِّ أَيْ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ نَوْعًا يَحِلُّ مِنَ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ مَحَلَّ السِّحْرِ، فَإِنَّ السَّاحِرَ بِسِحْرِهِ يُزَيِّنُ الْبَاطِلَ فِي عَيْنِ الْمَسْحُورِ، حَتَّى يَرَاهُ حَقًّا، وَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمَهَارَتِهِ فِي الْبَيَانِ، وَتَفَنُّنِهِ فِي الْبَلَاغَةِ وَتَرْصِيفِ النَّظْمِ يَسْلُبُ عَقْلَ السَّامِعِ وَيَشْغَلُهُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ
وَالتَّدَبُّرِ لَهُ، حَتَّى يُخَيِّلَ إِلَيْهِ الْبَاطِلَ حَقًّا وَالْحَقَّ بَاطِلًا، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ جِنْسَ الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا، كَانَ فِيهِ مَا يُذَمُّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّ جِنْسَ الشِّعْرِ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَإِنَّ فِيهِ مَا يُحْمَدُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحِكَمِ، وَهُوَ مَا فِيهِ مَوْعِظَةٌ وَثَنَاءٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَزُهْدٌ فِي الدُّنْيَا وَرَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ فِي أَصْلِهِ مَحْمُودٌ قَوْلُهُ تَعَالَى {الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 4]، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّعْرَ فِي أَصْلِهِ مَذْمُومٌ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224 - 226] وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّهِ، وَمِنْ ثَمَّ سَمُّوا الْأَدِلَّةَ الْكَاذِبَةَ شِعْرًا، وَقِيلَ: فِي الشِّعْرِ أَكْذَبُهُ أَحْسَنُهُ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِ الْكُفَّارِ لَهُ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ شَاعِرٌ يَعْنُونَ أَنَّهُ كَاذِبٌ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي الشَّاعِرُ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ إِلَيْهِ حَاجَةً كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِسْعَافُهُ بِهَا، فَاسْتَمَالَ قَلْبَهُ بِالْكَلَامِ، فَأَنْجَزَهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالْكَلَامُ فِيهِ تَشْبِيهٌ، وَحَقُّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ كَالسِّحْرِ، فَقُلْتُ وَجُعِلَ الْخَبَرُ مُبْتَدَأً مُبَالَغَةً فِي جَعْلِ الْأَصْلِ فَرْعًا وَالْفَرْعِ أَصْلًا، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ إِرَادَةِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ:" «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» ".
4784 -
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
4784 -
(وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» ) أَيْ: مَا فِيهِ حَقٌّ وَحِكْمَةٌ، أَوْ قَوْلًا صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ، وَقِيلَ: أَصْلُ الْحِكْمَةِ الْمَنْعُ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ عَنِ السَّفَهِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ مَا نَظَّمَهُ الشُّعَرَاءُ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، فَإِنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
4785 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " قَالَهَا ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
4785 -
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ) أَيِ: الْمُتَكَلِّفُونَ فِي الْفَصَاحَةِ، أَوِ الْمُصَوِّتُونَ مِنْ قَعْرِ حُلُوقِهِمْ، وَالْمُرَدِّدُونَ لِكَلَامِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ رُعُونَةً فِي الْقَوْلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُتَعَمِّقِينَ الْغَالِينَ فِي خَوْضِهِمْ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُتَنَطِّعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِأَقْصَى حَلْقِهِ مَأْخُوذًا مِنَ النَّطْعِ وَهُوَ الْغَارُ الْأَعْلَى. (قَالَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الْجُمْلَةَ (ثَلَاثًا) : إِنَّمَا رَدَّدَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا تَهْوِيلًا وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِلَةِ، وَتَحْرِيضًا عَلَى التَّيَقُّظِ وَالتَّبَصُّرِ دُونَهُ، وَكَمْ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ مُصِيبَةٍ تَعُودُ عَلَى أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْمُتَكَلِّفِينَ فِي الْقَوْلِ، الَّذِينَ يَرُومُونَ بِسَبْكِ الْكَلَامِ سَبْيَ قُلُوبِ الرِّجَالِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْأَوْحَالِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمَذْمُومَ مِنْ هَذَا مَا يَكُونُ الْقَصْدُ فِيهِ مَقْصُورًا عَلَى مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ، فَجِيءَ الْمَعْنَى تَابِعًا لِلَّفْظِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِالْعَكْسِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامُ الرَّسُولِ مَصْبُوبٌ فِي هَذَا الْقَالَبِ، فَيُرْفَعُ الْكَلَامُ إِلَى الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْهُدْهُدِ:{وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] : هَذَا مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُحَدِّثُونَ الْبَدِيعَ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ بِشَرْطِ أَنْ يَجِيءَ مَطْبُوعًا، أَوْ بِصِيغَةِ الْعَالِمِ بِجَوْهَرِ الْكَلَامِ يَحْفَظُ مَعَهُ صِحَّةَ الْمَعْنَى وَسَدَادَهُ، وَلَقَدْ جَاءَ هَاهُنَا زَائِدًا عَلَى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ وَبَدُعَ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَكَانَ بِنَبَأٍ بِخَبَرٍ لَكَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، وَهُوَ كَمَا جَاءَ أَصَحُّ لِمَا فِي النَّبَأِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي يُطَابِقُهَا وَصْفُ الْحَالِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّلَاؤُمَ يَكُونُ بِتَلَاؤُمِ الْحُرُوفِ، وَتَلَاؤُمِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَتَلَاؤُمِ الْمَعْنَى، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ خَرَجَ الْكَلَامُ غَايَةً فِي الْعُذُوبَةِ، وَفِي حُصُولِ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ انْحِطَاطٌ عَنْ دَرَجَةِ الْعُذُوبَةِ، وَكُلَّمَا ظَهَرَتِ الصِّيغَةُ أَكْثَرَ كَانَ الْكَلَامُ أَقْرَبَ إِلَى التَّعَسُّفِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
4786 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4786 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ) أَيْ: جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ (قَالَهَا الشَّاعِرُ) : أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الشُّعَرَاءِ، وَفِي شَمَائِلِ التِّرْمِذِيِّ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ أَيْ: أَحْسَنُهَا وَأَجْوَدُهَا (كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
) .
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبَاطِلِ الْفَانِي الْمُضْمَحِلُّ، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِلَبِيدٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ أَصْدَقَ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَصْدَقِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، فَإِنْ قُلْتَ: الْأَوْفَقُ أَنَّهُ أَصْدَقُ لِمَا قَالَ الْحَقُّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ الْوَجِيهَ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، وَقَوْلِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُ دِيَارٍ، وَقَوْلِ آخَرَ سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ، وَأَوْضَحْتُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ لِتَحْصِيلِ الْمُرِيدِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَزِيدِ، وَأَمَّا لَبِيدٌ: فَهُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ الْعَامِرِيُّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ وَفَدَ قَوْمُهُ بَنُو جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَمِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِهِ: أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا وَقَالَ: يَكْفِينِي الْقُرْآنُ وَتَمَامُ كَلَامِهِ: وَكُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُنَعِيمُكَ فِي الدُّنْيَا غُرُورٌ وَحَسْرَةٌ وَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا مُحَالٌ وَبَاطِلُ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
4787 -
ــ
4787 -
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ رضي الله عنه) : سَبَقَ ذِكْرُهُمَا (عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: رَكِبْتُ خَلْفَهُ، وَرِوَايَةُ الشَّمَائِلِ: كُنْتُ رَدِيفَهُ يَوْمًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُرْبِهِ وَيُشْعِرُ إِلَى كَمَالِ حِفْظِهِ (قَالَ:" هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (شَيْءٌ) : بَيَانُهُ مُقَدَّمٌ. قَالَ شَارِحٌ: وَإِنَّمَا اسْتَنْشَدَ شِعْرَ أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَقَفِيًّا، أَدْرَكَ مَبَادِئَ الْإِسْلَامِ وَبَلَغَهُ خَبَرُ الْمَبْعَثِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ لِلْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ مِيرَكُ: كَانَ رَجُلًا مُتَرَهِّبًا غَوَّاصًا فِي الْمَعَانِي مُعْتَنِيًا بِالْحَقَائِقِ مُضَمِّنًا لَهَا فِي أَشْعَارِهِ؛ وَلِذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِهِ: " كَادَ أَنْ يُسْلِمَ " وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ. (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هِيهِ) : بِكَسْرِ هَاءَيْنِ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ بَيْنَهُمَا أَيْ: هَاتِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِمَعْنَى إِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: تَكَلَّمْ وَقَدْ يُنَوَّنُ فَتْحًا وَكَسْرًا لِلتَّنْكِيرِ أَيْ: حَدِّثْ حَدِيثًا (فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا) أَيْ: قَرَأْتُ لَهُ بَيْتًا مِنْ أَشْعَارِ أُمَيَّةَ فَأَعْجَبَهُ (فَقَالَ: هِيهِ) أَيْ: زِدْ. فِي النِّهَايَةِ: تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِيهِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ إِذَا اسْتَزَدْتَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَعْهُودِ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ نَوَّنْتَهُ اسْتَزَدْتَهُ مِنْ حَدِيثٍ مَا غَيْرِ مَعْهُودٍ لِلتَّنْكِيرِ. (ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا. فَقَالَ: هِيهِ، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ) : وَالْغَرَضُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اسْتَحْسَنَ شَعْرَ أُمَيَّةَ وَاسْتَزَادَ مِنْ إِنْشَادِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَعْثِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ، وَيُوَافِقُ حَدِيثَ:«الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ» ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ الْمَحْمُودِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحِكْمَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4788 -
وَعَنْ جُنْدُبٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ أُصْبُعُهُ فَقَالَ: " هَلْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4788 -
(وَعَنْ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ) أَيِ: الْمَغَازِي، وَهُوَ غَزْوَةُ أُحُدٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي غَارٍ فَدُمِيَتْ أُصْبَعُهُ» ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ غَازِيًا فَتُصُحِّفَ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي التَّصْحِيفِ أَنْ يُقَالَ فِي غَازٍ بِالزَّايِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي فَرِيقٍ غَازٍ أَيْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمُشَاهِدِ، وَلِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ يَعْنِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ:«بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَارِ الْجَيْشُ وَالْجَمْعُ لَا الْغَارُ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ؟ ! . أَيِ: الْعَسْكَرَيْنِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَدُ. قُلْتُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَآجَرَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَرَّتَيْنِ.
(وَقَدْ دَمِيَتْ) : بِفَتْحِ الدَّالِ (إِصْبَعُهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ، فَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ. عَاشِرُهَا: أُصْبُوعٌ، وَفِي الشَّمَائِلِ أَصَابَ حَجَرٌ أُصْبُعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَمِيتِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اتِّفَاقًا عَلَى مُقْتَضَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ السَّلِيقِيِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى وَزْنِهِ، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ) : الِاسْتِفْهَامُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَدَمِيتِ صِفَةُ أُصْبُعٍ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامُّ الصِّفَةِ أَيْ: مَا أَنْتِ يَا أُصْبُعُ مَوْصُوفَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِأَنْ دَمِيتِ كَأَنَّهَا لَمَّا تَجَرَّحَتْ وَتَوَجَّعَتْ فَخَاطَبَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ مُسَلِّيًا لَهَا، وَالْمَعْنَى: هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ، فَإِنَّكِ مَا ابْتُلِيتِ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْقَطْعِ، سِوَى أَنَّكِ دَمِيتِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هَدَرًا، بَلْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرِضَاهُ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ:(وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ أَيِ: الَّذِي لَقِيتِهِ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا فِي سَبِيلِ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ضَائِعًا فَافْرَحِي بِهِ. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " مَا " نَافِيَةً أَيْ: مَا لَقِيتِ شَيْئًا تَحْقِيرًا لِمَا لَقِيَهُ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتُفِيدَ مِنَ الْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ مَعَ مَا يُوهِمُ إِطْلَاقُهُ مِنَ الْخَلَلِ فَتَأَمَّلْ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ التَّاءِ فِيهِمَا، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمَا بِالسُّكُونِ فِرَارًا مِنَ الْوَزْنِ يُعَارِضُهُ فَإِنَّهُ مَعَ السُّكُونِ أَيْضًا مَوْزُونٌ مِنَ الْكَامِلِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُنْشِئًا أَوْ مُتَمَثِّلًا؟ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقِيلَ: هُوَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَهُ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَقَدْ أُصِيبَتْ أُصْبُعُهُ. وَبَعْدَهُ:
يَا نَفْسُ إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي
…
هَذِي حِيَاضُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيتِ
…
إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
أَيْ: فِعْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ اهـ. وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ الرَّجَزَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ قَوْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَقَدْ تَلَفَّظَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ ضَمَّنَ كَلَامَهُ صلى الله عليه وسلم تَبَرُّكًا، وَصَدَّرَ بِهِ شِعْرًا صَدَرَ مِنْ صَدْرِهِ تَيَمُّنًا؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْتَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ مَعَ احْتِمَالِ التَّوَارُدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَإِنِ اسْتَوَى عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الشِّعْرُ إِذْ لَمْ يَكُنْ صُدُورُهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ يَقَعُ أَحْيَانًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ عَلَى أَعَارِيضِ الشِّعْرِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمْ: بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ. وَالْبَيْتُ الْوَاحِدُ مِنَ الشِّعْرِ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ، فَلَا يُخَالِفُ مَعْنَى الْآيَةِ. هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً، وَإِنَّمَا الشَّاعِرُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ الشِّعْرَ وَنَشِيَهُ وَيَصِفُهُ وَيَمْدَحُهُ وَيَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الشُّعَرَاءِ فِي هَذِهِ الْأَفَانِينِ، وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ وَصَانَ قَدْرَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الشِّعْرَ لَا يَنْبَغِي لَهُ، وَإِذَا كَانَ مُرَادُ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَضُرَّ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْمُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالَ رِوَايَةَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ بِالْخَفْضِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: دَمِيَتْ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يُغَيِّرُ الرِّوَايَةَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ، وَإِنَّمَا
الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْمَدِّ اهـ. وَسَبَقَ أَنَّ الْقَصْرَ مَا يَضُرُّ بِالْوَزْنِ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَبْطِ قَوْلِهِ: دَمِيَتْ وَلَقِيَتْ عَلَى صِيغَةِ الْغَائِبَةِ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الْوَزْنِ لَكِنْ لَا أَصْلَ لَهُ أَصْلًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
4789 -
وَعَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " اهْجُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: " أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4789 -
(وَعَنِ الْبَرَاءِ) أَيِ: ابْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ قُرَيْظَةَ) أَيْ: يَوْمَ مُحَاصَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ (لِحَسَّانَ) : بِغَيْرِ الصَّرْفِ عَلَى الْأَصَحِّ (ابْنِ ثَابِتٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى أَنَّ أَشْعَرَ أَهْلِ الْمَدَرِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ. (اهْجُ الْمُشْرِكِينَ) : أَمْرٌ بِالْهَجْوِ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا (فَإِنَّ جِبْرِيلَ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ ذَكَرْنَاهَا سَابِقًا أَيِ: الرُّوحُ الْأَمِينُ (مَعَكَ) أَيْ: مُعِينٌ لَكَ وَمُلْهِمٌ إِيَّاكَ، وَالْحَدِيثُ إِلَى هُنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: أَجِبْ عَنِّي) أَيْ: مِنْ قِبَلِي وَعِوَضًا عَنْ جَانِبِي (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) أَيْ: قَوِّ حَسَّانَ (بِرُوحِ الْقُدُسِ) : بِضَمِّ الدَّالِ، وَيُسَكَّنُ أَيْ: بِجِبْرِيلَ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، فَهُوَ كَالْمَبْدَأِ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مَبْدَأُ حَيَاةِ الْجَسَدِ، وَالْقُدُسُ صِفَةٌ لِلرُّوحِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَالنَّزَاهَةِ عَنِ الْعُيُوبِ، وَقِيلَ: الْقُدُسُ بِمَعْنَى الْمُقَدَّسِ، وَهُوَ اللَّهُ، وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، ثُمَّ تَأْيِيدُهُ إِمْدَادُهُ لَهُ بِالْجَوَابِ، وَإِلْهَامُهُ لِمَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، قِيلَ: لَمَّا دَعَاهُ أَعَانَهُ جِبْرِيلُ تِسْعِينَ بَيْتًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ حَقَّقَ مَيْرَكُ شَاهْ رحمه الله حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُؤَلِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: أَجِبْ إِلَخْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُفْهَمُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ يَنْتَهِي إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ إِلَخْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
4790 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
4790 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِشُعَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ: " اهْجُوا قُرَيْشًا) أَيْ: مُجَازَاةً لِمُهَاجَاتِهِمْ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الْهَجْوُ (أَشَدُّ) أَيْ: أَصْعَبُ (عَلَيْهِمْ) : وَأَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِيهِمْ (مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْقَافِ، وَالنَّبْلُ بِفَتْحِ النُّونِ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَلَامٌ أَيْ: مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ إِلَيْهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّشْقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الرَّمْيُ بِالسَّهْمِ وَبِالْكَسْرِ النَّبْلُ الَّتِي تُرْمَى دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ جَوَازُ هَجْوِ الْكُفَّارِ، وَإِذَا هُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالْجِهَادِ فِيهِمْ وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِي الْإِغْلَاظِ بَيَانًا لِنَقْصِهِمْ وَالِانْتِصَارِ مِنْهُمْ لِهِجَائِهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4791 -
وَعَنْهَا قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ". وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ.: "«هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
4791 -
(وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا وَاوًا (مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ: دَافَعْتَ وَخَاصَمْتَ وَاجْتَهَدْتَ فِي الذَّبِّ عَنْ حَرِيمِهِمَا. فِي النِّهَايَةِ: الْمُنَافَحَةُ: الْمُدَافَعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ، وَالْمُرَادُ بِمُنَافَحَتِهِ هِجَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَمُحَارَبَتُهُمْ عَلَى أَشْعَارِهِمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ شِعْرَكَ هَذَا الَّذِي تُنَافِحُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ رَسُولِهِ يُلْهِمُكَ الْمَلَكُ سَبِيلَهُ، بِخِلَافِ مَا تَقُولُهُ الشُّعَرَاءُ إِذَا اتَّبَعُوا الْهَوَى وَهَامُوا فِي كُلِّ وَادٍ، فَإِنَّ مَادَّةَ قَوْلِهِمْ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ إِلَيْهِمْ. (وَقَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَيَ» ) أَيِ: الْمُسْلِمِينَ (وَاشْتَفَى) أَيْ: بِنَفْسِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَتَيْنِ التَّأْكِيدَ أَيْ: شَفَيَ الْغَيْظَ بِمَا أَمْكَنَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4792 -
وَعَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَافَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَاإِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: " أَبَيْنَا أَبَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4792 -
(وَعَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ التُّرَابَ) أَيْ: مَعَ الْأَصْحَابِ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) أَيْ: يَوْمَ الْأَحْزَابِ (حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ) أَيْ: صَارَ ذَا غُبَارٍ (يَقُولُ) : اسْتِئْنَافٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْ يَنْقُلُ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ (وَاللَّهِ) : قَسَمٌ (لَوْلَا اللَّهُ) أَيْ: لَوْلَا هِدَايَتُهُ أَوْ فَضْلُهُ عَلَيْنَا مَعْشَرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ هَدَانَا (مَا اهْتَدَيْنَا) أَيْ: بِنَفْسِنَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43]، (وَلَا تَصَدَّقْنَا) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ: (وَلَا صَلَّيْنَا) أَيْ: صَلَاةَ الِاخْتِصَاصِ (فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً) أَيْ: وَقَارًا وَطُمَأْنِينَةً (عَلَيْنَا) : وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 26]، " وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ " أَيْ: أَقْدَامَنَا " إِنْ لَاقَيْنَا " أَيْ: إِنْ رَأَيْنَا الْكُفَّارَ وَبَلَغْنَا إِلَيْهِمْ ثَبِّتْنَا عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ عز وجل:{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]، " إِنَّ الْأُلَى ": مَقْصُورُ أُولَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالْأَحْزَابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا مَعَهُمْ يَوْمَئِذٍ. (قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أَيْ: تَكَبَّرُوا وَتَجَبَّرُوا وَتَعَدَّوْا بِالظُّلْمِ عَلَيْنَا وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَمَا قَالَ: (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً) أَيْ: شِرْكًا أَوْ قَتْلًا وَنَهْبًا، أَوْ ضَلَالَنَا وَإِعَادَتَنَا فِي مِلْتِهِمْ (أَبَيْنَا) أَيِ: امْتَنَعْنَا عَنِ الْقَبُولِ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2]، (يَرْفَعُ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (بِهَا) أَيْ: بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْ بِجُمْلَةِ أَبَيْنَا (صَوْتَهُ) : قَائِلًا (أَبَيْنَا أَبَيْنَا) أَيْ: مُكَرِّرًا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّلَذُّذِ وَالتَّسْمِيعِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي بِهَا رَاجِعٌ إِلَى الْأَبْيَاتِ وَأَبَيْنَا أَبَيْنَا حَالٌ، أَيْ: خُصُوصًا أَبَيْنَا أَبَيْنَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي بِهَا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ أَبَيْنَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
4793 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُجِيبُهُمْ: " اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4793 -
(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ) : وَهُوَ حُفْرَةٌ كَبِيرَةٌ عَرِيضَةٌ طَوِيلَةٌ حَاجِزَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ (وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا) : بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَاضٍ مِنَ الْمُبَايَعَةِ (عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: مِمَّا عِشْنَا (أَبَدًا. يَقُولُ صلى الله عليه وسلم) : اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا لِمَا يُقَالُ، فَمَا كَانَ يَقُولُ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ يُجِيبُهُمْ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ وَهُوَ: (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةْ) : وَهِيَ بِهَاءٍ سَاكِنَةٍ لِلْوَقْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّاءِ الْمَخْفُوضَةِ أَيِ: الْحَيَاةُ الْهَنِيئَةُ الدَّائِمَةُ هِيَ حَيَاةُ الْآخِرَةِ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْأَصْحَابِ عَنْ تَحَمُّلِ مَشَاقِّهِمْ فِي مُجَاهَدَةِ الْأَحْزَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]
{وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39]، {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17] ، {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 77] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ: مَا يَقْرِيهِمْ وَيَكْفِيهِمْ بِحَيْثُ لَا يُشْعِرُهُمُ بِالْجَهْدِ وَلَا يُرْهِقُهُمُ الْفَاقَةُ وَلَا تُذِلُّهُمُ الْمَسْأَلَةُ وَالْحَاجَةُ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فُضُولٌ يُخْرِجُ إِلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا وَالرُّكُونِ إِلَيْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُمَا إِذَا وَفُّوا بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ جَازَاهُمْ مُجَازَاةً لَيْسَ بَعْدَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ. (فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةْ) أَيْ: فَاغْفِرْ لَهُمُ الْآنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمَطْلُوبِ اهـ. ضَمَّنَ اغْفِرْ مَعْنَى اسْتُرْ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلْأَنْصَارِ فَيُقْرَأُ بِالنَّقْلِ مُرَاعَاةً لِلْوَزْنِ، وَالتَّاءُ فِي الْمُهَاجِرَةِ لِلْجَمْعِ يُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمُهَاجِرِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
4794 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4794 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَأَنْ يَمْتَلِئَ) : بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ (جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: صَدِيدًا وَدَمًا وَمَا يُسَمَّى نَجَاسَةً (يَرِيهِ) : بِفَتْحِ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أُخْرَى صِفَةُ قَبِيحٍ أَيْ: يُفْسِدُهُ مِنَ الْوَرَى وَهُوَ دَاءٌ يُفْسِدُ الْجَوْفَ وَمَعْنَاهُ: قَيْحًا يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَيُفْسِدُهُ، وَقِيلَ أَيْ: يَصِلُ إِلَى الرِّئَةِ وَيُفْسِدُهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الرِّئَةِ الْهَمْزُ (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ) أَيْ: مَا فِي جَوْفِهِ مِنَ الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ (شِعْرًا) أَيْ: مَذْمُومًا، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا؛ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّهُ حِفْظُ الْيَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ؛ لِأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَقِيلَ: هَذَا الذَّمُّ مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ كَمَا يَجِيءُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: قِيلَ: خَاصٌّ بِشِعْرٍ هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِرِوَايَةِ " شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ ". قُلْتُ: الظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ أَقْبَحُ أَنْوَاعِهِ أَوْ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشِّعْرَ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَيْدِ الِامْتِلَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْإِمْلَاءِ، فَإِنَّ هَذَا الشِّعْرَ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ هَجْوِ مُسْلِمٍ أَوِ افْتِرَاءٍ مَذْمُومٌ، سَوَاءٌ امْتَلَأَ الْجَوْفُ أَمْ لَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعُ الصَّغِيرُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
4795 -
وَفِي " الِاسْتِيعَابِ " لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
4795 -
(عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، وَكَانَ أَحَدَ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ وَسَبْعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ عَمِيَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ شُعَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَكَانَ كَعْبُ يُخَوِّفُهُمُ الْحَرْبَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنَا أَنَّ دَوْسًا إِنَّمَا أَسْلَمَتْ فَرَقًا مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ. (أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: كَعْبٌ (لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ) أَيْ: فِي حَقِّهِ (مَا أَنْزَلَ) أَيْ: مِنَ الذَّمِّ فَكَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224]، أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ الشِّعْرَ. (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ» ) : اللَّامُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ، وَالتَّقْدِيرُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّمَا تَرْمُونَهُمْ (بِهِ) أَيْ: بِالشِّعْرِ أَوْ بِاللِّسَانِ (نَضْحَ النَّبْلِ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: نَضْحًا مِثْلَ نَضْحِ النَّبْلِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كَنَضْحِ النَّبْلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كَأَنَّ زَيْدًا الْأَسَدُ إِنَّ زِيدًا كَالْأَسَدِ، فَقُدِّمَ حَرْفُ التَّشْبِيهِ اهْتِمَامًا بِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ أَنَّكَ هَاهُنَا بَانَ كَلَامُكَ عَلَى التَّشْبِيهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَثَمَّ بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرِهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: نَضْحُ النَّبْلِ رَمْيُهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ نَضْحِ الْمَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هِجَاءَهُمْ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ تَأْثِيرَ النَّبْلِ، وَقَامَ قِيَامَ الرَّمْيِ فِي النِّكَايَةِ بِهِمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خُلَاصَةُ جَوَابِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَمُّ الشِّعْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الْهَائِمِينَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ إِحْدَى عُدَّتَيْهِ فِي ذَبِّ الْكُفَّارِ مِنَ اللِّسَانِ وَالسِّنَانِ، بَلْ هُوَ أَعْدَى وَأَبْلَى، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:" «فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ» " وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
(رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ: إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ، فَإِنَّهُ عَالِمٌ ثَبْتٌ.
(وَفِي الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» ) : قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ» ".
4796 -
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
4796 -
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ: الْعَجْزُ فِي الْكَلَامِ وَالتَّحَيُّرِ فِي الْمَرَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ السُّكُوتُ عَمَّا فِيهِ إِثْمٌ مِنَ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ لَا مَا يَكُونُ لِلْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ (شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ) : فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْمِلُهُ الْإِيمَانُ عَلَى الْحَيَاءِ، فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَمْنَعُهُ عَنِ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَلَامِ شَفَقَةً عَنْ عَثْرَةِ اللِّسَانِ، فَهُمَا شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ مَنْشَؤُهُمَا وَمَنْشَأُ كُلِّ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ (وَالْبَذَاءُ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ فُحْشُ الْكَلَامِ أَوْ خِلَافُ الْحَيَاءِ (وَالْبَيَانُ) أَيِ: الْفَصَاحَةُ الزَّائِدَةُ عَنْ مِقْدَارِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّعَمُّقِ فِي النُّطْقِ وَإِظْهَارِ التَّفَاصُحِ لِلتَّقَدُّمِ عَلَى الْأَعْيَانِ (شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، قَالَ الْقَاضِيَ: لَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بَاعِثًا عَلَى الْحَيَاءِ وَالتَّحَفُّظِ فِي الْكَلَامِ وَالِاحْتِيَاطِ فِيهِ عُدَّا مِنَ الْإِيمَانِ وَمَا يُخَالِفُهُمَا مِنَ النِّفَاقِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعِيِّ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ التَّأَمُّلِ فِي الْمَقَالِ وَالتَّحَرُّرِ عَنِ الْوَبَالِ لَا لِلْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ، وَبِالْبَيَانِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الِاجْتِرَاءَ وَعَدَمَ الْمُبَالَاةِ بِالطُّغْيَانِ، وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) :
وَقَدْ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ اهـ. وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
4797 -
وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونَ، الْمُتَفَيْهِقُونَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
4797 -
(وَعَنْ أَبِي شُعْبَةَ الْخُشَنِيِّ) : رضي الله عنه مَرَّ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: مَنْزِلَةً (أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَجَمَعَهُ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ (وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي) أَيْ: فِي الْعُقْبَى (مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْوَاوِ جَمْعُ مَسْوَأٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ، كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وَإِمَّا اسْمُ مَكَانٍ أَيْ: مَحَالُّ سُوءِ الْأَخْلَاقِ. وَيُرْوَى أَسَاوِيكُمْ وَهُوَ جَمْعُ أَسْوَأَ كَأَحَاسِنَ جَمْعُ أَحْسَنَ،
وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَصْلِ الْمَصَابِيحِ. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ إِذَا أُضِيفَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَصْلَةِ الَّتِي هُوَ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا جَازَ الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا وَتَطَبُّقُهَا، لِمَا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ جُمِعَ الْوَجْهَانِ فِي الْحَدِيثِ، فَأُفْرِدَ (أَحَبَّ) وَ (أَبْغَضَ) وَجُمِعَ (أَحَاسِنُ) وَ (أَسَاوِي) فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَسَاوِيكُمْ بَدَلَ مَسَاوِيكُمْ، وَهُوَ جَمْعُ مَسْوَأٍ كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مَحْسَنٍ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ نُعِتَ بِهِ ثُمَّ جُمِعَ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ السُّوءُ، فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَنْعُوتِ بِهِ مَجَازًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَرَادَ بِأَبْغَضِكُمْ بِغِيضَكُمْ وَبِأَحَبِّكُمُ التَّفْضِيلَ، فَلَا يَكُونُ الْمُخَاطَبُونَ بِأَجْمَعِهِمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ. وَقَالَ الْحَاجِبِيُّ: تَقْدِيرُهُ أَحَبُّ الْمَحْبُوبِينَ مِنْكُمْ وَأَبْغَضُ الْمَبْغُوضِينَ مِنْكُمْ، وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لِلْقَرِينَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا جُعِلَ الْخِطَابُ خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَبْغَضُكُمْ لَا يَجُوزُ بِغِيضُكُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَالْقَوْلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُوَفَّقُ وَالْمُنَافِقُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَمُسْتَقِيمٌ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:(الثِّرْثَارُونَ) إِلَخْ. وَهُوَ إِمَّا بَدَلٌ مِنْ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَسْوَأَ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ كَالتَّمْهِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ، وَإِمَّا رُفِعَ عَلَى الذَّمِّ، فَإِنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ أَشْنَعَ وَأَبْلَغَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الثِّرْثَارُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَحَلُّفًا وَخُرُوجًا عَنِ الْحَقِّ مِنَ الثَّرْثَرَةِ، وَهِيَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدُهُ (الْمُتَشَدِّقُونَ) أَيِ: الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَشَدِّقِ الْمُسْتَهْزِئَ بِالنَّاسِ يَلْوِي شِدْقَهُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُتَكَلِّفُونَ فِي الْكَلَامِ فَيَلْوِي بِهِ شِدْقَيْهِ، وَالشِّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ (الْمُتَفَيْهِقُونَ) أَيِ: الَّذِينَ يَمْلَئُونَ أَفْوَاهَهُمْ بِالْكَلَامِ وَيَفْتَحُونَهَا مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَالِاتِّسَاعُ، قِيلَ: وَهَذَا مِنَ التَّكَبُّرِ وَالرُّعُونَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى التَّرْدِيدِ فِي الْكَلَامِ لِيَمِيلَ بِقُلُوبِ النَّاسِ وَأَسْمَاعِهِمْ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَادَ فِي الْفَائِقِ وَالنِّهَايَةِ عَلَى هَذَا أَيْ: عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ الْمَعْهُودِ الْمَحْمُودِ، الْمُوطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ. قَالَ: وَهَذَا مَثَلٌ وَحَقِيقَتُهُ مِنَ التَّوْطِئَةِ وَهِيَ التَّمْهِيدُ وَالتَّذْلِيلُ، وَفِرَاشٌ وَطِيءٌ لَا يُؤْذِي جَنْبَ النَّائِمِ، وَالْأَكْنَافُ الْجَوَانِبُ أَرَادَ الَّذِينَ جَوَانِبُهُمْ وَطِيئَةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مَنْ يُصَاحِبُهُمْ وَلَا يَتَأَذَّى. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
4798 -
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ:" الْمُتَكَبِّرُونَ» ".
ــ
4798 -
(وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: مِثْلَهُ مَعْنًى لَا لَفْظًا (عَنْ جَابِرٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا، بَلْ قَالَ: وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثِّرْثَارُونَ إِلَخْ. (وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ جَابِرٍ وَالتِّرْمِذِيِّ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثِّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ) أَيِ: الْمُظْهِرُونَ لِلْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يُكْرَهُ التَّفَخُّرُ فِي الْكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ، وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالتَّصَنُّعِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَعْتَادُهَا الْمُتَفَاصِحُونَ مِنْ زَخَارِفِ الْقَوْلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ، وَكَذَلِكَ التَّحَرِّي فِي دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَوَحْشِيِّ اللُّغَةِ فِي حَالِ مُخَاطَبَةِ الْعَوَامِّ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُمْ لَفْظًا يَفْهَمُونَهُ فَهْمًا جَلِيًّا، وَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ تَحْسِينُ الْقَادِرِ لِلْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِفْرَاطٌ وَإِغْرَابٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَهْيِيجُ الْقُلُوبِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحُسْنِ اللَّفْظِ فِي هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ.
4799 -
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ - يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ بِأَلْسِنَتِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
4799 -
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ» ) : بِفُتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ الْبَاقِرَةُ وَهِيَ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ (بِأَلْسِنَتِهَا) أَيْ: يَجْعَلُونَ أَلْسِنَتَهُمْ وَسَائِلَ أَكْلِهِمْ كَالْبَقَرَةِ تَأْخُذُ الْعَلَفَ بِلِسَانِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضُرِبَ لِلْمَعْنَى مَثَلٌ يُشَاهِدُهُ الرَّاءُونَ مِنْ حَالِ الْبَقَرِ، لِيَكُونَ أَثْبَتَ فِي الضَّمَائِرِ، ذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الدَّوَابِّ تَأْخُذُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِأَسْنَانِهَا، فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ لِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ مِنَ الْمَآكِلِ إِلَّا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، كَمَا أَنَّ الْبَقَرَةَ لَا تَتَمَكَّنُ مِنَ الِاحْتِشَاشِ إِلَّا بِلِسَانِهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّهُمْ فِي مَغْزَاهُمْ ذَلِكَ كَالْبَقَرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ فِي رَعْيِهَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالشَّوْكَةِ، وَبَيْنَ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ، بَلْ تَلِفُّ الْكُلَّ بِلِسَانِهَا لَفًّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ذَرِيعَةً إِلَى مَآكِلِهِمْ، لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:«لَا تُقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ الزُّهْدُ رِوَايَةً وَالْوَرَعُ تَصَنُّعًا» .
4800 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
4800 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ) أَيِ: الْمُبَالِغَ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ (مِنَ الرِّجَالِ) أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ وَخُصُّوا لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِمْ (الَّذِي) : صِفَةُ الْبَلِيغِ (يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ) أَيْ: يَأْكُلُ بِلِسَانِهِ، أَوْ يُدِيرُ لِسَانَهُ حَوْلَ أَسْنَانِهِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ بَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ. (كَمَا يَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا) أَيِ: الْبَقَرَةُ كَأَنَّهُ أَدْخَلَ التَّاءَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ كَالْبَقَرَةِ مِنَ الْبَقَرِ، وَاسْتِعْمَالُهَا مَعَ التَّاءِ قَلِيلٌ. قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ إِدَارَةَ لِسَانِهِ حَوْلَ الْأَسْنَانِ وَالْفَمِ حَالَ التَّكَلُّمِ تَفَاصُحًا بِمَا تَفْعَلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا، وَالْبَاقِرَةُ جَمَاعَةُ الْبَقَرَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الَّذِي يَتَشَدَّقُ فِي الْكَلَامِ، وَيُفَخِّمُ بِهِ لِسَانَهُ، وَيَلِفُّهُ كَمَا تَلِفُّ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا لَفًّا اهـ. فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ قَدَرَ الْحَاجَةِ يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ عَلَى مِنْوَالِ الشَّرِيعَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ عَالِمٍ بِالدُّنْيَا جَاهِلٍ بِالْآخِرَةِ ".»
4801 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
4801 -
(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي) : بَنَى اللَّيْلَةَ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، فَالتَّقْدِيرُ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِي فِيهَا، وَقَوْلُهُ:(بِقَوْمٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَرَرْتُ (تُقْرَضُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُقَطَّعُ (شِفَاهُهُمْ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الشَّفَةِ بِالْفَتْحِ (بِمَقَارِيضَ) : جَمْعُ مِقْرَاضٍ (مِنَ النَّارِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ) : إِشَارَةُ تَحْقِيرٍ؛ وَلِذَا أُعِيدَ (خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ) أَيْ: عُلَمَاؤُهُمْ وَوُعَّاظُهُمْ أَوْ شُعَرَاؤُهُمْ (الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) : قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3]، وَقَالَ عز وجل:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الفاتحة: 44 - 18474] ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
4802 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
4802 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ) أَيْ: إِيرَادَهُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقِيلَ أَيِ: الزِّيَادَةَ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، وَالصَّرْفُ الْفَصْلُ (لِيَسْبِيَ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لِيَسْلُبَ وَيَسْتَمِيلَ بِهِ أَيْ: بِصَرْفِ الْكَلَامِ (قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ) أَيْ: عَامَّتِهِمْ وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي (لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) : فِي النِّهَايَةِ: الصَّرْفُ التَّوْبَةُ أَوِ النَّافِلَةُ، وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ أَوِ الْفَرِيضَةُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ".
4803 -
ــ
4803 -
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: عَمْرٌو (يَوْمًا) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ (وَقَامَ) أَيْ: وَقَدْ قَامَ (رَجُلٌ) أَيْ: خَطِيبًا وَوَاعِظًا (فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ) أَيْ: أَطَالَ الْكَلَامَ إِظْهَارًا لِلْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ حَتَّى حَصَلَ لِلسَّامِعِينَ الْمَلَالَةُ. (فَقَالَ عَمْرٌو) : كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ تَكْرَارٌ لِطُولِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ:(لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ) : هُوَ الْمَقُولُ لِقَوْلِهِ قَالَ يَوْمًا، وَقَوْلُهُ وَقَامَ رَجُلٌ حَالٌ، فَلَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُمَا طَالَ الْكَلَامُ فَأَعَادَ. قَالَ عَمْرٌو: وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْحَمَاسِيِّ:
وَإِنَّ امْرَأً دَامَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ
…
عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ
فَقَوْلُهُ: لَكَرِيمُ خَبَرُ إِنَّ الْأُولَى، وَأَعَادَ إِنَّهُ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: قَصَدَ أَيْ: لَوْ أَخَذَ فِي كَلَامِهِ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْقَصْدُ مَا بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ) أَيْ: عَلِمْتُ (أَوْ أُمِرْتُ) . شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ) أَيْ: أُسْرِعَ فِيهِ، وَأُخَفِّفَ الْمُؤْنَةَ عَنِ السَّامِعِ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ أَيْ: خَفَّفَ، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. (فَإِنَّ الْجَوَازَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (هُوَ خَيْرٌ) : قَالَ شَارِحٌ: التَّجَوُّزُ فِي الْقَوْلِ وَالْجَوَازُ فِيهِ الِاقْتِصَارُ؛ لِأَنَّهُ إِسْرَاعٌ وَانْتِقَالٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى السُّكُوتِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِمَا مَقَالٌ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ:" «لَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ فِي الْقَوْلِ هُوَ خَيْرٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
4804 -
وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
4804 -
(وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) : تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ. (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَهُوَ قَاضِي مَرْوَ تَابِعِيٌّ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَهْلٌ وَغَيْرُهُ، مَاتَ بِمَرْوَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا، فَمَاتَ بِمَرْوَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَالْحُصَيْبُ تَصْغِيرُ الْحَصَبِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ) أَيْ: بُرَيْدَةُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» ) : مَرَّ بَيَانُهُ ( «وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا» ) أَيْ: لِكَوْنِهِ عِلْمًا مَذْمُومًا وَالْجَهْلُ بِهِ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ عِلْمًا بِمَا لَا يَعْنِيهِ فَيَصِيرُ جَهْلًا بِمَا يَعْنِيهِ. فِي النِّهَايَةِ، قِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالنُّجُومِ
وَعِلْمِ الْأَوَائِلِ، وَيَدَعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَالِاشْتِغَالُ بِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ تَعَلُّمٍ فِي مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ جَهْلًا لَهُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ فَيَكُونَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ جَهْلًا، وَمُصَدِّقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، قَلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17]، فَفِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ جَهَالَةٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. ( «وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: حِكْمَةً كَمَا سَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]، أَيِ: الْحِكْمَةَ (وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ) أَيِ: الْكَلَامِ (عِيَالًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي دَاوُدَ: عَيْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: ثِقَلًا وَوَبَالًا عَلَيْكَ، أَوْ ثِقَلًا عَلَى سَامِعِكَ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ أَوْ جَاهِلٌ لَا يَفْهَمُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ عَرْضُكَ حَدِيثَكَ وَكَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ. قَالَ: وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَحَوَّلَ مِنْ هُنَاكَ اهـ. وَوَهِمَ أَبُو حَاتِمٍ فِيهِ، بَلِ الْبُخَارِيُّ احْتَجَّ بِهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4805 -
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا، يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ يُنَافِحُ. وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4805 -
(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا» ) أَيْ: قِيَامًا فَفِي الْمُفَصَّلِ قَدْ يَرِدُ الْمَصْدَرُ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوَ: قُمْتُ قَائِمًا (يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: لِأَجْلِهِ وَعَنْ قِبَلِهِ (أَوْ يُنَافِحُ) : بِنُونٍ ثُمَّ فَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: - يُدَافِعُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم وَيُخَاصِمُ الْمُشْرِكِينَ وَيَهْجُوهُمْ مُجَازَاةً لَهُمْ، وَ " أَوْ " تَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَالتَّنْوِيعَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي الشَّمَائِلِ، أَوْ قَالَ أَيِ: الرَّاوِي وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ قَالَتْ: (وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ) : وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ حَسَّانًا (بِرُوحِ الْقُدُسِ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ عليه السلام، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «إِنَّ جِبْرِيلَ مَعَ حَسَّانَ مَا نَافَحَ عَنِّي» ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْقُدُسِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْقُدُسُ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَتَسْمِيَتُهُ بِالرُّوحِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالطَّهَارَةُ السَّرْمَدِيَّةُ. (مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : وَفِي الشَّمَائِلِ: مَا يُنَافِحُ أَوْ يُفَاخِرُ أَيْ: مَا دَامَ مُشْتَغِلًا بِتَأْيِيدِ دِينِ اللَّهِ وَتَقْوِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
4806 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» " قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعْفَةَ النِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
4806 -
(وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَادٍ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَدَا الْإِبِلَ وَبِهَا حَدْوًا وَحُدَاءً وَحِدَاءً: زَجَرَهَا وَسَاقَهَا. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ. وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: حَدَاهَا إِذَا عَنَى بِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَأَصْلُ الْحِدَاءِ فِي دِي دِي، وَقَالَ فِيهِ مَا كَانَ لِلنَّاسِ حِدَاءٌ، فَضَرَبَ أَعْرَابِيٌّ غُلَامَهُ وَعَضَّ أَصَابِعَهُ فَمَشَى وَهُوَ يَقُولُ: دِي دِي دِي أَرَادَ بِأَيْدِي، فَسَارَتِ الْإِبِلُ عَلَى صَوْتِهِ فَقَالَ لَهُ: الْزَمْهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، فَهَذَا أَصْلُ الْحِدَاءِ اهـ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ فِي سُرْعَةِ مَشْيِ الْإِبِلِ وَتَأْثِيرِ الْغِنَاءِ فِيهِنَّ، وَمِمَّا حُكِيَ فِيهِ أَنَّ شَخْصًا صَارَ ضَيْفًا لِأَعْرَابِيٍّ، فَرَأَى عَبْدًا أَسْوَدَ مُسَلْسَلًا مُقَيَّدًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَعِيرٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ لَهُ: اشْفَعْ لِي عِنْدَ سَيِّدِي، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَفَاعَةَ الضَّيْفِ فَتَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا عَمِلَ ذَنَبًا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ كَانَ لِي عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فَحَدَا بِهِنَّ لَيْلَةً حَتَّى.
سِرْنَ فِيهَا مَسَافَةً لَيَالِيَ، فَلَمَّا وَصَلْنَ إِلَى الْمَنْزِلِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا هَذَا الْإِبِلُ، لَكِنْ قَبِلْتُ شَفَاعَتَكَ فَقَالَ: إِذًا تَأْمُرُهُ أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ حُدَيَّاتِهِ وَهُنَيَّاتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَلَمَّا أَبْدَى بَعْضَ الْكَلِمَاتِ قَامَتِ الْإِبِلُ وَنَفَرَتْ وَحْشِيَّةً إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَقَامَ الرَّجُلُ مَجْنُونًا أَوْ مَجْذُوبًا لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ فِي الْبَيْدَاءِ. (يُقَالُ لَهُ) أَيْ: لِلْحَادِي (أَنْجَشَةُ) : بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ نُونٍ وَجِيمٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ غُلَامٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَبَشِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مَارِيَةَ (وَكَانَ) أَيْ: أَنْجَشَةُ (حَسَنَ الصَّوْتِ) أَيْ: وَكَانَ يَحْدُو إِبِلَ بَعْضِ النِّسَاءِ (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: رُوَيْدَكَ) أَيْ: أَمْهِلْ إِمْهَالَكَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17] ، فَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلِهِ الْمُقَدَّرِ، وَالْكَافُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ، وَقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ. ( «يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَالْقَوَارِيرُ جَمْعُ قَارُورَةٍ سُمِّيَتْ بِهَا لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَابِ فِيهَا، وَهِيَ الزُّجَاجَةُ كُنِّيَ بِهَا عَنِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ، أَمْرَهُ أَنْ يَغُضَّ مِنْ صَوْتِهِ الْحَسَنِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ مِنْ قُلُوبِهِنَّ مَوْقِعًا لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ وَسُرْعَةِ ثَائِرِهِنَّ كَسُرْعَةِ الْكَسْرِ إِلَى الْقَوَارِيرِ. وَفِي النِّهَايَةِ: شُبِّهْنَ بِالْقَوَارِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْكَسْرُ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو وَيُنْشِدُ الْقَرِيضَ وَالرَّجْزَ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصِيبَهُنَّ أَوْ يَقَعَ فِي قُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي الْمَثَلِ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا سَمِعَتِ الْحِدَاءَ أَسْرَعَتْ فِي الْمَشْيِ وَاشْتَدَّتْ، فَأَزْعَجَتِ الرَّاكِبَ وَأَتْعَبَتْهُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَضْعُفْنَ عَنْ شِدَّةِ الْحَرَكَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّهُ نَاشِئٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، وَذَاكَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ. (قَالَ قَتَادَةُ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ. (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (بِالْقَوَارِيرِ ضَعْفَةَ النِّسَاءِ) : وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
4807 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشِّعْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " هُوَ كَلَامٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
4807 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشِّعْرُ) : فَكَأَنَّهُ ذَمَّهُ بَعْضٌ وَمَدَحَهُ بَعْضٌ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ ذُكِرَ بِالذَّمِّ فَقَطْ، وَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً:{قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60]، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هُوَ كَلَامٌ) أَيْ: كَسَائِرِ الْكَلَامِ أَوْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ مَوْزُونٌ (فَحَسَنَهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا إِنَّمَا يَدُورَانِ مَعَ الْمَعْنَى، وَلَا عِبْرَةَ بِاللَّفْظِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْزُونًا أَوْ غَيْرَهُ عَرَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) : وَكَذَا أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
4808 -
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
ــ
4808 -
(وَرَوَى) : فِي نُسْخَةٍ وَرَوَاهُ (الشَّافِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا) : وَهُوَ لَا يَضُرُّ لِكَوْنِ الْمُرْسَلِ حُجَّةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِذَا اعْتَضَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ أُسْنِدَ.
4809 -
ــ
4809 -
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ) أَيْ: مَعْشَرُ الصَّحَابَةِ (نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعَرْجِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. فِي الْقَامُوسِ: الْعَرَجُ بِالْفَتْحِ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ وَوَادٍ بِالْحِجَازِ ذُو نَخِيلٍ وَمَوْضِعٌ.
بِبِلَادٍ هُذَيْلٍ وَمَنْزِلٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرْعِ عَلَى نَحْوِ ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ (إِذْ عَرَضَ) أَيْ: ظَهَرَ (شَاعِرٌ يُنْشِدُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: يَقْرَأُ شِعْرَهُ أَوْ شِعْرَ غَيْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيِ: امْنَعُوهُ مِنْ إِنْشَادِهِ، وَلَعَلَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَآهُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ مُتَعَرِّضًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِمْ وَمَيَّالٍ بِهِمْ مُسْتَهْتِرًا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ عَرَفَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ هُوَ قَرْضُ الشِّعْرِ، وَأَنَّهُ مَسْلُوبُ الْحَيَاءِ مَعْزُولٌ عَنِ الْأَدَبِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الشَّيْطَانِ وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:( «لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ) : وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
4810 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
4810 -
(وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْغِنَاءُ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَمْدُودًا أَيِ: التَّغَنِّي (يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ) : يَعْنِي الْغِنَاءُ سَبَبُ النِّفَاقِ وَمُؤَدٍّ إِلَيْهِ، فَأَصْلُهُ وَشُعْبَتُهُ كَمَا قَالَ:" «الْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» ". وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ يُدِيمُ الْغِنَاءَ وَيَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ مُعْلَنًا، فَهَذَا سَفَهٌ يَرُدُّ شَهَادَتَهُ وَإِنْ كَانَ يُقِلُّ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: غِنَاءُ الْإِنْسَانِ بِمُجَرَّدِ صَوْتِهِ مَكْرُوهٌ وَسَمَاعُهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهَةٍ، وَالْغِنَاءُ بِآلَاتٍ مُطْرِبَةٍ هُوَ مِنْ شِعَارِ شَارِبِي الْخَمْرِ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ وَالصَّنْجِ وَالْمَعَازِفِ وَسَائِرِ الْأَوْتَارِ حَرَامٌ، وَكَذَا سَمَاعُهُ حَرَامٌ، وَفِي الْيَرَاعِ الْوَجْهَانِ صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ الْحُرْمَةَ وَالْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْيَرَاعِ كُلَّ قَصَبٍ، بَلِ الْمِزْمَارُ الْعِرَاقِيُّ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ مِنَ الْأَوْتَارِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ قَالَ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ حُرْمَةُ الْيَرَاعِ، وَهِيَ هَذِهِ الْمِزْمَارَةُ الَّتِي تُسَمَّى الشَّبَّابَةَ، وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّوْلَقِيُّ كِتَابًا فِي تَحْرِيمِ الْيَرَاعِ مُشْتَمِلًا عَلَى نَفَائِسِ وَأَطْنَبَ فِي دَلَائِلِ تَحْرِيمِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: الْبَقْلُ بَدَلَ الزَّرْعِ.
4811 -
ــ
4811 -
(وَعَنْ نَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ، فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنِهِ وَنَاءَ) : بِهَمْزٍ بَعْدَ الْأَلِفِ أَيْ: بَعُدَ (عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ) أَيْ: مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ (ثُمَّ قَالَ لِي: بَعْدَ أَنْ بَعُدَ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ: صَارَ بَعِيدًا بَعْضَ الْبُعْدِ عَنْ مَكَانِ صَاحِبِ الْمِزْمَارِ (يَا نَافِعُ! هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟) أَيْ: مِنْ صَوْتِ الْمِزْمَارِ (قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَتَعْلِيلٌ بِالدَّلِيلِ (كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: قَصَبٍ (فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ) أَيْ: مِنْ وَضْعِ الْأُصْبُعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ فَقَطْ، أَوْ جَمِيعَ مَا سَبَقَ مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الطَّرِيقِ وَمُرَاجَعَةِ السُّؤَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ نَافِعٌ: وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا) : وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ أَيْضًا كَانَ صَغِيرًا فَيَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ أَيْضًا كَانَ وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، فَلِمَا سَأَلَهُ رَفَعَ أُصْبُعَيْهِ فَأَجَابَ وَلَيْسَ حِينَئِذٍ مَحْذُورٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ السَّمَاعَ، وَمِثْلُهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَفْعَلَ أَيْضًا بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّ نَفْسَ الْوَضْعِ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى وَمُرَاعَاةِ الْأَوْلَى، وَإِلَّا فَلَا يُكَلَّفُ الْمَرْءُ إِلَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصُدِ السَّمَاعَ لَا بِأَنَّهُ يُفْقِدُ السَّمَاعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.