المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم - مرويات غزوة حنين وحصار الطائف - جـ ١

[إبراهيم بن إبراهيم قريبي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الباب الأول: في الحديث عن غزوة حنين

- ‌الفصل الأول: في مقدمات الغزوة

- ‌المبحث الأول: سبب الغزوة

- ‌المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة

- ‌الفصل الثاني: في المسير إلى حنين

- ‌المبحث الأول: تاريخ الغزوة

- ‌المبحث الثاني: في تعيين الأمير على مكة:

- ‌المبحث الثالث: عدد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة:

- ‌المبحث الرابع: استعداد هوازن العسكري:

- ‌المبحث الخامس: تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنصر، وبيان فضل الحراسة في سبيل الله:

- ‌المبحث السادس: بقايا من رواسب الجاهلية:

- ‌المبحث السابع: بيان من قال في هذه الغزوة "لن نغلب اليوم من قلة

- ‌الفصل الثالث: في وصف المعركة

- ‌المبحث الأول: سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة

- ‌المبحث الثاني: مواقف مريبة إثر انكشاف المسلمين في بادئ الأمر:

- ‌المبحث الثالث: عدد الثابتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين:

- ‌المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين:

- ‌الفصل الرابع: ما أسفرت عنه معركة حنين من ضحايا وغنائم

- ‌المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه الغزوة

- ‌المبحث الثاني: إصابات المسلمين في هذه الغزوة

- ‌الباب الثاني: ملاحقة فلول المشركين والأحداث التاريخية التي أعقبت ذلك

- ‌الفصل الأول: تعقب الفارين نحو نخلة وأوطاس

- ‌المبحث الأول: التوجه نحو نخلة

- ‌المبحث الثاني: سرية أوطاس

- ‌المبحث الثالث: موقف الشيماء وبجاد

- ‌الفصل الثاني: في غزوة الطائف

- ‌المبحث الأول: حصار الطائف

- ‌المبحث الثاني: ما صدر من التعليمات العسكرية للمسلمين في حصار - الطائف

- ‌المبحث الثالث: عدد القتلى من الفريقين في غزوة الطائف

- ‌المبحث الرابع: فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة

- ‌الفصل الثالث: في تقسيم الغنائم

- ‌المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيئ والنفل

- ‌المبحث الثاني: جفاء الأعراب وغلظتهم

- ‌المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم

- ‌المبحث الرابع: في بيان حكمة توزيع الغنائم على قوم دون آخرين

- ‌المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم

الفصل: ‌المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم

‌المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الغنائم

كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر - وهو لحنين - بالغنائم أن تجتمع وأن تحبس في الجعرانة حتى يعود من الطائف، ثم توجه صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين إلى الطائف فضرب عليها الحصار كما مر ذلك مفصلاً1.

ثم قرر صلى الله عليه وسلم العودة إلى الجعرانة فوصلها ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة ينتظر هوازن لعلها أن تقدم مسلمة فيرد إليها سبيها وأموالها، ولما لم تقدم في هذه المدة2، شرع صلى الله عليه وسلم في توزيع الغنائم حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، فوضعها في موضعها اللائق بها، غير أن بعض أهل الزيغ والنفاق عباد الدينار والدرهم انتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صنيعه هذا ونسبه إلى الجور والظلم فخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلهجة قاسية تنبئ عما انطوت عليه نفسه من الحقد والغل والبعد عن هدي الإسلام وتعاليمه السامية "يا محمد اعدل" فتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وغضب غضبا شديدا حتى طلب عمر بن الخطاب الإذن منه في قتل هذا المنافق الخبيث، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه من ذلك وقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة وله شيعة وأتباع، فالحكمة تقتضي عدم قتله وأن يتركه وما تولى، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الآتية:

أ- فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه وهذا سياق مسلم:

182-

حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث3 عن يحيى4 بن سعيد عن أبي الزبير5 عن جابر بن عبد الله قال:

1في مبحث (حصار الطائف) ص (278) .

2 انظر: مبحث (فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة) ، ص (328) .

3 الليث: هو ابن سعد الفهمي.

4 هو الأنصاري النجاري.

5 أبو الزبير، هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي.

ص: 376

أتى رجل1 رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل2.

قال: "ويلك3! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت4 وخسرت، إن لم أكن أعدل".

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "دعني5 يا رسول الله فأقتل هذا

1 وعند أحمد "رجل من بني تميم" وفي حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو ابن العاص أنه ذو الخويصرة التميمي، انظر حديث (184) وتعليقة (4) من ص 384 وفتح الباري 8/69.

2 وعند البخاري: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة الجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، قال: "لقد شقيت إن لم أعدل" وعند الحميدي: قال قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين بالجعرانة والتبر في حجر بلال، فجاءه رجل فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، قال: "ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل".

وعند ابن ماجة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل"؟

وعند أحمد: قال أبو الزبير سمعت جابراً يقول: بصر عيني وسمعت أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل.

وعند الطبراني عن جابر، قال:"أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس فيعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله! اعدل".

3 ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والويل: حلول الشر وكلمة عذاب (هدي الساري لابن حجر ص 207 والمعجم الوسيط 2/1061) .

4 عند البخاري وأحمد "لقد شقيت إن لم أعدل".

قال النووي: قوله: "خبت وخسرت" روي بفتح التاء فيهما وضمهما ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل لكونك تابعا ومقتديا بمن لا يعدل، والفتح أشهر".

وقال ابن حجر: في رواية البخاري "لقد شقيت": هو بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، ثم قال: وحكى عياض فتحها ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة والمعنى:"لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن"(انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 3/106 وفتح الباري لابن حجر 6/243) .

5 وعند ابن ماجة: "دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق" وعند أحمد فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق الخبيث". وعنده أيضا فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: "معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمد يقتل أصحابه" وقد جاء في بعض طرق حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله أيضا، قال ابن حجر: "ولا تنافي في ذلك لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك، ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه:"فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: لا.".

فهذا نص في أن كليهما سأله..

ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد، ويجاب بأن عليّاً لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته.

وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد. فتح الباري 8/69 و12/291 و293) .

وانظر تخريج حديث أبي سعيد الخدري تحت (184) تعليقة (4) ص 384 وحديث عبد الله بن عمرو (184) .

ص: 377

المنافق، فقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا1 وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم2 يمرقون منه3 كما يمرق السهم من الرمية"4.

حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى ابن سعيد يقول أخبره أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.

1 عند ابن ماجة "إن هذا في أصحابي أو أصيحاب له". وعند الحميدي وابن الجارود: "فإن هذا مع أصحاب له أو في أصحاب له".

2 وعند ابن ماجة وأحمد: "لا يجاوز تراقيهم".

وعند أحمد أيضا "لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم".

وعند الطبراني: "لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم"

والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم وهو العظم الناتيء في وسط الحلق.

والتراقي جمع ترقوة - بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين.

والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده.

وقيل: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلاّ مروره على ألسنتهم لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره ووقوعه في القلب.

(النهاية لابن الأثير 1/187، و449، وشرح صحيح مسلم للنووي 3/107 وفتح الباري 12/293 وهدي الساري ص 92 و108، كلاهما لابن حجر) .

3 وعند ابن ماجة وأحمد والحميدي وابن الجارود: "يمرقون من الدين"

وعند أحمد أيضا والطبراني "يمرقون من الدين مرور السهم من الرمية".

وعند احمد أيضا "يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية".

وفي حديث أبي سعيد الخدري "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".

قال القاضي عياض: "معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيئ منهم". (شرح النووي على صحيح مسلم 3/107) .

4 الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية، أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي، وهي فعيلة بمعنى مفعولة (فتح الباري 6/618 و12/288 و289 وهدي الساري ص: 125 وشرح النووي على صحيح مسلم 3/107 والنهاية لابن الأثير 2/268-269) .

ص: 378

ح- وحدثنا أبو بكر1 عن أبي شيبة حدثنا زيد2 بن الحباب، حدثنا قرة3 بن خالد حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم، وساق الحديث4.

والحديث رواه أحمد والطبراني والبيهقي الجميع من طريق يحيى بن السعيد عن أبي الزبير به5.

ورواه ابن ماجة والحميدي وابن الجارود كلهم من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي الزبير به6.

ورواه أيضا أحمد من طريق معان7 ابن رفاعة حدثنا أبو الزبير به8.

فقد روى هذا الحديث عن أبي الزبير يحيى بن سعيد الانصاري وعيينة ومعان بن رفاعة وقرة بن خالد كما هو عند مسلم9 من طريق زيد بن الحباب عن قرة بن خالد عن أبي الزبير10.

ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم وأحمد عن أبي عامر11 والعقدي كلاهما عن قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.

1 هو عبد الله بن محمد.

2 زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين -.

3 قرة بن خالد - بضم القاف وتشديد الراء ثم هاء- السدوسي.

4 مسلم: الصحيح 2/740 كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.

5 أحمد المسند 3/353 والطبراني 2/200-201 والبيهقي دلائل النبوة 3/53أ.

6 ابن ماجة: السنن1/61 في المقدمة باب في ذكر الخوارج والحميدي المسند2/534 وابن الجارود: المنتقى ص 363.

7 معان - بضم أوله وتخفيف المهملة أخره نون - ابن رفاعة السلامي بتخفيف اللام الشامي - لين الحديث، كثير الإرسال، من السابعة/ ق (التقريب 2/258 وتهذيب التهذيب 6/369 و10/201 وميزان اعتدال 4/134. والخلاصة للخزرجي 3/82-83 ووقع في المسند (معاذ) بالذال المعجمة وهو خطأ.)

8 المسند 3/354-355

9 الحديث عند مسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ومن طريق قرة بن خالد كلاهما عن أبي الزبير.

10 تقدم في حديث 182

11 هو عبد الملك بن عمرو القيسي، أبو عامر العقدي - بفتح المهملة والقاف- ثقة من التاسعة (ت 204أو 205) / ع التقريب 1/521 وتهذيب التهذيب 6/409 وتذكرة الحفاظ للذهبي 1/347 والخلاصة للخزرجي 2/178 وقد سقطت من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) .

ص: 379

فقرة في هذا السند يروي عن عمرو بن دينار بدل أبي الزبير.

وهذا سياق الحديث عند البخاري:

قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال له: "شقيت إن لم أعدل" 1.

ب- وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:

183-

قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير2 عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا3 في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل:"والله إن هذه القسمة ما عدل فيها4 وما أريد بها وجه الله فقلت والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته5، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ "

1 البخاري: الصحيح 4/72 كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ.

وأحمد: المسند 3/332.

قال ابن حجر: "وقد خالف زيد بن الحباب مسلم بن إبراهيم فيه فقال: "عن قرة عن أبي الزبير" "بدل" عمرو بن دينار أخرجه مسلم، وسياقه أتم، ورواية البخاري أرجح فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمان بن عمر - هو ابن فارس - عند الإسماعيلي، والنضر بن شميل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة عن عمرو (فتح الباري 6/242-243) .

قلت: وكون الحديث عند قرة عن شيخين هو الظاهر بمعنى أن قرة روى الحديث عن أبي الزبير وعن "عمرو بن دينار" ويكون قد وافقه في روايته عن "أبي الزبير" ابن عيينة ويحيى بن سعيد ومعان بن رفاعة ووافقه في روايته عن (عمرو بن دينار) عثمان بن عمر والنضر بن شميل وأبو عامر العقدي.

2 جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط.

ومنصور: هو ابن معتمر.

وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي.

3 عند مسلم "ناسا".

4 وعند مسلم "إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله".

5 عند مسلم "فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: "فمن يعدل" الخ.

ص: 380

رحم1 الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

وأخرجاه من طريق حفص بن غياث حدثنا الأعمش2 قال: سمعت شقيقا يقول: قال عبد الله: "قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة - كبعض ما كان يقسم - فقال رجل من الأنصار 3: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما4 لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم فأتيته - وهو في بعض أصحابه - فساررته5 فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: "قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر" 6.

1 عند مسلم "ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" قال: قلت: "لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا".

2 الأعمش هو سليمان بن مهران.

3 قوله: "فقال رجل من الأنصار" قال ابن حجر: "وفي رواية الواقدي: أنه معتب بن قثير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين، وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحداً قال إنه من الأنصار إلاّ ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد الخدري" اهـ.

(فتح الباري 8/56 و69 و10/512 و11/138 و12/292، وانظر: مغازي الواقدي 3/949 والروض الانف 7/289 وانظر الحديث رقم (206) وقد ذكر ابن حجر معتب بن قشير في الإصابة 3/443 فقال قيل إنه كان منافقا، وقيل إنه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.) .

4 قوله (أما لأقولن) قال ابن حجر: "قال ابن التين: هي بتخفيف الميم ووقع في رواية (أما) بتشديدها، وليس ببين ثم قال ابن حجر قلت: "وقع للكشميهني "أم" بغير ألف وهو يؤيد التخفيف ويوجه التشديد على أن في الكلام حذفا تقديره أما إذا قلت: ذلك لأقولن" (فتح الباري 10/512) .

5 عند مسلم "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فساررته فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له".

6 البخاري: الصحيح 4/75 كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس الخ.

و5/131 كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و8/22 كتاب الأدب باب الصبر على الأذى، والأدب المفرد ص 141 واللفظ له.

ومسلم: الصحيح 2/739 كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه.

قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذورا القائل، وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن قصد ابن مسعود كان نصح النبي صلى الله عليه وسلم وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثما عظيما فلم يكن له حرمة.

وفيه أن أهل الفضل قد يغيظهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم اقتداء بموسى عليه السلام.

وأشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "قد أوذي أوذي أخي موسى بأكثر من ذلك فصبر" إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} . قد حكي في صفة أذاهم له ثلاث قصص:

إحداها: قولهم هو آدر وذلك أن اليهود كانوا يغتسلون عراة يرى أحد بعضهم عورة بعض وكان موسى عليه السلام حييا لا يحب أن يرى أحد عورته فاتهموه لأنه آدر.

الثانية: إتهامهم له بقتل هارون وذلك أنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى، فطعن فيه بعض بني إسرائيل وقالوا: أنت قتلته.

الثالثة: إتهامهم له بانه زنى بامرأة وذلك بتواطئ قارون مع بني إسرائيل، حتى يقام عليه الحد فيرجم حتى يموت فيستريحوا منه، وقد برأه الله مما قالوا فيه من زور وبهتان". (انظر فتح الباري 6/438ز448 و 8/56 و10/476و512) .

ص: 381

والحديث رواه البخاري أيضا من طريق سفيان الثوري، ومن طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، ومن طريق شعبة بن الحجاج الجميع عن الأعمش به1.

ورواه أحمد عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم عن الأعمش به. ومن طريق شعبة عن الأعمش به2.

كما رواه أيضا من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل، ولفظه يخالف ما تقدم بعض المخالفة وهذا سياقه: حدثنا يونس، حدّثنا حماد - يعني ابن زيد عن عاصم3 عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: لما قسم رسول الله غنائم حنين بالجعرانة، ازدحموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فضربوه وشجوه4، قال: فجعل يمسح الدم عن جبهته ويقول: رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون" قال عبد الله كأني انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن جبهته يحكي الرجل ويقول: "رب اعفر لقومي إنهم لا يعلمون".

حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال أنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: تكلم رجل من الأنصار كلمة فيها موجدة على النبي صلى الله عليه وسلم فلم تقرني نفسي أن أخبرت بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلوددت أني افتديت منها بكل أهل ومال، فقال: "قد آذوا

1 البخاري: الصحيح 4/125 كتاب أحاديث الأنبياء. و5/131كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و8/16 كتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، و8/54-55 كتاب الاستذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، و8/62 كتاب الدعوات، باب قوله الله تعالى (وصل عليهم) .

2 أحمد المسند: 1/380 و411 و441، ورواه أيضا أبو يعلى في مسنده 5/470-471 ب - أو5/479 أرقم 305، والبيهقي دلائل النبوة 3/52 ب.

3 عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة وقال الذهبي هو حسن الحديث وقد تقدم في حديث119.

4 الشج مختص من الجراح بالرأس والوجه (هدي الساري ص 137) .

ص: 382

موسى عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك فصبر، ثم أخبر أن نبيا كذبه قومه وشجوه حين جاءهم بأمر الله، فقال وهو يمسح الدم عن وجهه "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"1.

ج- ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو وهذا سياقه:

184-

قال: حدثني أبو عبيدة 2 بن محمد بن عمار بن يسار عن مقسم3 أبي

1 مسند أحمد 1/453 و 456 وفي الصحيحين من طريق الأعمش حدثني شقيق قال: قال عبد الله: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" لفظ البخاري. (صحيح البخاري 9/14 كتاب استتابة المرتدين) باب (5) . وصحيح مسلم 3/1417 كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد.

قال النووي: "قوله (يحكى نبيا من الأنبياء الخ) فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا صلى الله عليه وسلم مثل هذا في أحد"(شرح النووي على صحيح مسلم 4/434) وأشار ابن حجر إلى ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، ثم قال: وعند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم". (فتح الباري 12/282) ، وعلى هذا فتكون هذه الحكاية حصلت في غزوة أحد، وفي غزوة حنين.

2 كذا في الحديث: (أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) والحديث عند أحمد في المسند 2/219 من طريق ابن إسحاق وفي نهاية الحديث قال عبد الله بن أحمد: أبو عبيدة اسمه محمد وهو ثقة، وأخوه سلمة بن محمد ابن عمار لم يرو عنه الأعلى بن زيد، ولا يعلم خبره.

ومقسم ليس به بأس ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى وطرق أخر في هذا المعنى صحاح قلت:

وقد وثق أبا عبيدة ابن معين وقال أبو حاتم: منكر الحديث وعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: صدوق إن شاء الله، وختم ترجمته بقوله: وثقه غير واحد. (ميزان الاعتدال 4/549) .

أما ابن حجر فقال عنه في التقريب2/448: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أخو سلمة، وقيل هما واحد "مقبول" من الرابعة / ع (انظر تهذيب التهذيب 12/160-161) .

وعلى كل فإن أبا عبيدة يكون من رجال الحسن على أقل تقدير وقد حسن هذا الحديث ابن حجر نفسه في فتح الباري 12/291.

3 مقسم قال عنه ابن حجر في التقريب 2/273: صدوق وكان يرسل وفي التهذيب التهذيب 10/288-289. وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني.

وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به.

وضعفه ابن سعد والساجي وابن حزم.

ورمز له الذهبي في ميزان الاعتدال 4/176 (بصح) إشارة إلى توثيقه، ثم قال: والعجب من أن البخاري أخرج له في صحيحه، وذكره في كتاب الضعفاء فساق له حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس:"احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم" ثم روى عن شعبة أن الحكم لم يسمع من مقسم حديث الحجامة. وانظر: التاريخ للبخاري ص: 133-134 وقد تقدمت ترجمة مقسم في حديثها (75) .

ص: 383

القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد1 بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت معلقا نعله2 بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله حين كلمه التميمي3 يوم حنين؟

قال: "نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة4، فوقف عليه وهو

1 تليد بن كلاب الليثي، ذكره ابن حجر في الإصابة 1/188-189 في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة على سبيل التصحيف والغلط، وقال: استدركه الذهبي في التجريد، فقال حديثه في مسند أحمد في قول ذي الخويصرة "اعدل".

رواه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن مقسم عن رجل عنه، ثم عقب ابن حجر على قول الذهبي هذا بقوله قلت: والحديث المذكور وقع في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد، وليس لتليد بن كلاب فيه رواية، بل له فيه مجرد ذكر.

ثم ساق حديث الباب عن أحمد من طريق ابن إسحاق، ثم قال: وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تبين أن مقسما أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص مشافهة، وليس في السياق ما يقتضي أن يكون لتليد بن كلاب صحبة ولا له فيه رواية.

2 عند أحمد والطبري "معلقا نعليه".

3 عند أحمد (حين يكلمه) .

4 جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب بعث من اليمن بذهبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: بين عيينة والأقرع بن حابس وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة.

فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم، يا رسول الله اعدل، قال:"ويلك من يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه "قال: "لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" الحديث.

قال ابن حجر: "تنبيه: هذه غير القصة المتقدمة في غزوة حنين وقد وهم من خلطها بها".

ثم قال: "ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال: عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، يمرقون منه، لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فضة كانت في ثوب بلال، وكان يعطي كل ما جاء منها".

والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية ابن أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربع أنفس، فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا إتحاد القصتين.

ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يسم الرجل أيضا. وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه: أتي ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد اعدل، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة الغنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي فظهر أن المعترض في الموضعين واحد إهـ.

(فتح الباري 8/68 و12/291 و293 بتصرف، وحديث أبي سعيد في البخاري 4/109 و159-160 و5/134 و6/56 و162 و8/32 و15 و102 و130، ومسلم: الصحيح 2/741-746، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج.

والروايات الواردة في هذا الباب جاء فيها بأن القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم "لعدل" أنه رجل، وفي بعضها رجل من بني تميم وفي بعضها ذو الخويصرة التميمي، وفي بعضها ابن ذي الخويصرة التميمي وفي بعضها عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، وقد اتفقت جميعها بأنه تميمي، وجاء عن الثعلبي ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النُّزول، فقال: ابن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج.

وكذا جاء عند أبي يعلى من طريق أفلح بن عبد الله بن المغيرة.

قال ابن حجر: "وما أدري من الذي قال هو حرقوص، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير، فترجم لذي الخويصرة في الصحابة، ثم ذكر رواية الثعلبي وقال في نهايتها: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوها". والله أعلم

قال ابن حجر: "وقد زعم بعضهم بأنه ذو الثدية وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما، ووصف بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة محلوق الرأس. الخ اهـ.

والخلاصة: أن تسمية القائل حرقوصا، جاء في رواية الثعلبي وقد قال ابن تيمية: الثعلبي: في نفسه خير ودين ولكنه حاطب ليل وقال ابن كثير: يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير".

وأما رواية أبي يعلى فإن فيها أبا معشر السندي، وهو ضعيف وأيضا فإن أفلح بن عبد الله قد روى هذا الحديث عن الزهري، فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن أبي سعيد الخدري، بينما رواه عن الزهري معمر وشعيب فقالا: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، ورواه الأوزاعي عن الزهري فقال فيه عن أبي سلمة الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري، ولذا فقد قال ابن حجر: وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري، فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو يعلى.

(انظر فتح الباري12/292بتصرف، وأسد الغابة2/172والبداية النهاية لابن كثير 12/40 والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص:211 وأسباب النزول للواحدي ص:167 ومسند أبي يعلى1/119 و2/120 رقم 301 ومجمع الزوائد6/234.

ص: 384

يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أجل1 كيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: "فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"ويحك! 2 إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! " فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: "لا دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون3 في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل4، فلا يوجد شيء، ثم في القدح5،

1 أجل: بفتحتين: حرف جواب بمعنى "نعم".

2 ويحك: كلمة زجر لمن أشرف على هلكة.

3 يتعمقون في الدين: التعمق: التنطع والتعمق البعيد الغور الغالي في القصد المتشدد في الأمر الذي يطلب أقصى غايته.

4 النصل: حديدة السهم والرمح.

5 القدح: بالكسر السهم قبل أم يراش وينصل جمعه قداح وأقاديح.

ص: 385

فلا يوجد شيء ثم في الفوق1، فلا يوجد شيء، سبق الفرث2 والدم" 3.

والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق به4.

وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني باختصار ورجال أحمد ثقات"5.

وقال ابن حجر: "بسند حسن"6.

ثم قال ابن إسحاق: "وحدثني محمد7 بن علي بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبي عبيد وسماه ذا الخويصرة".

وحدثني عبد الله8 بن أبي نجيح عن أبيه9 بمثل ذلك10.

ومما مضى من الأحاديث يتبين لنا جفاء من صدر منه هذا القول السيء وخبث طويته حيث خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك الخطاب اللاذع المملوء بالحقد والغلظة والشراسة، كما يتضح لنا جليا حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحمله لملاقاة هذا القول وغيره إقتداء بسلفه

1 الفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر.

2 الفرث: ما يوجد في الكرش (النهاية 1/26 و3/299 و480 و4/20 و5/67 والقاموس المحيط 1/171 و241 و256 و3/268 و278، و327 و4/57 وهدي الساري ص 75 و160 و166 و170 و195 و207.

قال ابن حجر: "في معنى الحديث: أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده"(فتح الباري 6/618 و 12/294) .

3 سيرة ابن هشام 2/496 والروض الأنف 7/251 والبداية والنهاية 4/362.

4 أحمد: المسند 2/219 والطبري: تاريخ الرسل والملوك 3/92. والبيهقي: دلائل النبوة 3/53 أ.

5 مجمع الزوائد 6/227-228.

6 فتح الباري 12/291.

7 هو الباقر ثقة فاضل تقدم في حديث (19) .

8 عبد الله بن أبي نجيح، يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت 131تو بعدها) / ع (التقريب 1/456 وتهذيب التهذيب 6/54) .

9 هو يسار المكي، أبو نجيح مولى ثقيف، مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة وهو والد عبد الله بن أبي نجيح (ت109) / م د ت س (التقريب 2/274 وتهذيب التهذيب 11/377) .

10 سيرة ابن هشام 2/497 والروض الأنف 7/251 وتاريخ الرسل الملوك 3/92.

ص: 386

الصالح من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" إن صفة الصبر والحلم من أبرز الصفات التي يجب أن تتوافر في المسلم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ذلك أن طريق الدعوة إلى الإسلام محفوف بالمكاره والمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسخرية، كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين الدائبين في الدعوة إلى الله عز وجل، كي تثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله.

ومن هنا فإن مهمة الداعية أن يتحمل ما يقال له من لذعات وسخرية وأن يقابل ذلك بالصبر والحلم، ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلى بالصبر والحلم والأناة، وفي هذه الحادثة بالذات نرى كيف قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القول السيّئ "يا محمد اعدل لم أرك عدلت" كان مقتضى ذلك قتله ولكن رسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، واكتفى بقوله:"ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل".

ثم قال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

ولقد قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ائذن لي في قتل هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".

ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة، فلو أمر بقتله لقال الذي لا يعرف حقيقة الأمر إن محمدا يقتل أصحابه فكان في ذلك تنفير الناس عن الدخول في الإسلام، وتشويه سمعته، ولعل هذا وجه الحكمة في عدم معاقبة هذا القائل مع تصريحه بما يوجب قتله وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن له أصحابا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتآلف ولئلا ينفر الناس عنه" ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري1.

قال ابن حجر: "في أثناء شرحه للحديث، قوله: "فإن له أصحابا" "هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا" بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه.

1 الصحيح 9/15 كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.

ص: 387

فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام1.اهـ.

وقال المارزي: "وجه الحكمة في ترك قتل هذا القائل: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر، فهو صلى الله عليه وسلم معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في الصغائر، ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله صلى الله عليه وسلم لم يعقب هذا القائل: لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم"2.

وقد رد هذا القاضي عياض بقوله:

"هذا التأول باطل يدفعه قوله "اعدل يا محمد" "واتق الله يا محمد" وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد النبي صلى الله عليه وسلم في قتله، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم"3اهـ.

والخلاف طويل في تكفير الخوارج وقتالهم، وليس هذا محله وقد ذكرنا ما يتطلبه المقام.

وأورد ابن تيمية اعتراض هذا المعترض على قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستئذان عمر بن الخطاب في قتله، وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم له بقوله:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".

1 فتح الباري 12/293.

2 شرح النووي على صحيح مسلم 3/106.

3 شرح النووي على صحيح مسلم 3/106.

ص: 388

ثم قال: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوماً كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب لأهل مكة: يخبرهم بغزو الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه شهد بدرا وما يدرك لعل الله اطلع على أهل بدر" فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه باق على إيمانه، وأنه صدر منه ما يغفر له الذنوب فعلم أن دمه معصوم، وهنا علل بمفسدة زالت فعلم أن قتل مثل هذا القائل في غزوة حنين إذا أمنت هذه المفسدة جائز.

ثم قال: "ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبي لما قال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: "لا يتحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه".

فعلم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفاً1.

1 ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص 178-179 بتصرف، وانظر: قصة حاطب وعبد الله بن أبي غزوة بني المصطلق ص 172 و184 و187 و189، وحاشية ص 211 تعليقة (6) من غزوة بني المصطلق أيضاً.

ص: 389